نصف ذاكرة

، بقلم سلوى أبو مدين

مائدة ضيقة
أرتب فوقها
أطباق الفوضى
واحدة تلو
الأخرى
في مكان آخر
ذاكرة ماكرة
لا تحفظ
سوى أجنحة
العصافير الفارة
وأعمار الأشجار
الهرمة
صحيفة بائتة
تشهق بأخبار
الفقد
نرجسة كفيفة
بكامل أناقتها
رائحة هاجس
تنهمر
الأمنية القديمة
تتدلَّى
بقرطها الثلجي
فراء غيم
سادر
تحت جفن
السماء
الشمس
بكعبها العالي
جرحت خد الطريق
تتأرجح
حشوة صمت
في غمد الضجيج
ثُؤلول في وجه
غبار
طريق مقفر
البلابل تحلم
أيضاً
بائع الفحم بأسماله
يتأهب ليتثاءب
ريتا بحدقتها
الزرقاء كــقطتها
المشاكسة ـ باموك ـ
يُؤجلني السؤال
تلال الصمت
المُسورة
بين تخوم
دخان بنفسجي
ودهشة
لا شيء غير
شتاء جائع
وصهيل أبكم !

المطر الأخير *
أعود بعد سنوات
وسنوات
أجرُ حقيبة
بداخلها آه
مثقل الخطوات
الوجوم يخيم
على المكان
يتبعني ظلي
مهرولاً
الحي الممتلئ
بالشجار
ــ أنا ــ وتتبعني
وحدتي
الغراب فاغر
فاه
شجرة التوت
الكبيرة
تنحني فوق
رأسي
الهرُ الأسود
يتربص بي
أركل الطريق
لا أعلم لماذا
كلّ شيء
ساكن؟
لا شيء يثرثر
سوى عقلي
ثمّة ما يكفي
من الشتاء
لتدثر أوردتك
طرقات مرصعة
بندف ثلج
في عقلي ألف
غابة صمت
وصقيع
مساءٌ ممطر
زجاج روحي
لا يكف عن النقر
شبح
عصفور السنونو
كم هو وحيدٌ
وبائس
حجرتي الضيّقة
وجسدي المعتل
ليل قديم حالك
يُغرق وجه
المدينة
فوق وسادتي
عطر أمي
وأحمر شفاهها
بلون النبيذ / التوت
طاولتي الممتلئة
بسنين الفوضى
نصف زجاجة صودا
قديمة
الريح تنوح
خارجاً
القروية بائعة
البيض
رأينها في
حلمي أكثر
من مرة
كل شيء
باهت وفارغ
هناك
شمعة تحتضر
شجرة السرو
الصغيرة
غدت أطول
مني
دكَّان الحلوى
عند ناصية
مهجورة
زهرة اللوند
تنمو بهدوء
قرب نافذتي
العالم
يحتفل بصمت
فرح باهت
طفلة شقراء
ابتسامتها سماء
جِرَار الوقت الثقيلة
هذا الصباح بلا نكهة
تحت المطر
تقودني قدمي
دونما تفكير
دونما تفكير
حيث حديقة
البجع الأبيض
سماء مرتقة
بالغيوم
سيدة عجوز
تلقي بالفتات
أومئ لها برأسي
تبادلني التحية
برعشة ابتسامة
قطرات مطر
البرق يفاجئنا
أشجار الصنوبر
تشاكس العاصفة
لفائف التبغ
على تلك الطاولة
أدلق
ما بقى من
ضحك وبكاء
بوق سيارة
نأى رويداً .. رويداً
رائحة في كفّي
تتلاشى
رطب هذا الفراغ
بلا أبواب
يتدلّى يتأرجح
ألتقطه!


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف