عبثُ المسافاتِ

، بقلم سلوى أبو مدين

كلُّ يومٍ تحملُ حقيبتكَ، وترحلْ! إلى أينَ؟ لا أعلمُ!

انتظرُ أنَا المصير..

كلّ لحظةٍ يحطُّ فيهَا قلبُكَ فوقَ محطاتٍ مختلفةٍ!

رغمَ ألمِي.. تودّعنِي بابتسامةٍ باهتةٍ..!

ولا أعلمُ إلى أينَ وجهتكَ؟

حتى حقيبتكَ الرماديةُ.. لا أعلمُ ماذَا تحملُ فيهَا؟!

كلُّ مَا أعلمُهُ.. أنكَ تحتفظُ بقصاصاتٍ.. ورقيةٍ.. وربّما مشاعرَ باردةٍ خبأتهَا فيهَا!

فراغٌ مباغتٌ!

لا أسمعُ سوى كلماتِ إعلانٍ عن موعدِ إقلاعِ رحلتِكَ المجهولةِ!

في صباحاتِ الخريفِ الباردةِ عندمَا يصفعُ الهواءُ نافذةَ حجرتِي.. تسرعُ أنتَ بصفعِ قلبِي مرّاتٍ ومرّاتٍ.. وتمضي!

في ذاكَ اليومِ من وراءِ التراكماتِ المتبقيةِ خلفَ زجاجِ نافذتِي.. وتحتَ أزيزِ الرياحِ المندفعةِ.. أوقفتُ عربةً.. رأيتهُا مرةً في أحلامِي..!

عندهَا لمْ تتفوّه بعباراتِكَ المعهودةِ، ألقيتُ بجسدِكَ الفارعِ علَى المقعدِ الخلفيِّ..
وغبتَ وسطَ الصمتِ!

كانَ الجوّ في الخارجِ ملبدًا بالغيومِ.. والساعاتُ تحتضرُ!

أصابعِي ترتعشُ.. غادرني الوقتُ!

وبعدَ مدّةٍ أشبهُ بأيامٍ وربّما شهورٍ، لا أذكرُ حينهَا!

عدتُ بوهمٍ آخرَ.. كنتُ على غيرِ العادةِ، فقدْ خبأتَ حقيبتكَ بينَ أشلاءٍ متناثرةٍ.. وألقيتَ بكلِّ أحاسيسكَ عندَ آخرِ بابٍ أوصدتُهُ خلفَكَ!

كانتْ لديّ القدرةُ على استيعابِ تلكَ القسوةِ التي منحتكَ إيّاهَا الأيامُ!

وعادَتِ المسافاتُ تصحبُكَ معهَا..!

للتوِّ تذكّرتُ يومَ أخبرتنِي، عن وجوهٍ أتتْ من خلفِ الضبابِ، عن نجومٍ أفضيت إليهَا عنّي حتّى أبكتكَ، الصمتُ الذي رافقكَ.

ولكنْ.. ماذَا فعلتْ بكَ المسافاتُ؟!

كانتْ كلماتُكَ ترسمُ لي حلمًا، وانتظرتكَ من شرفاتِ الأملِ..

لكنّ المجهولَ بعثرنِي.. ومضَى..

وما زالَ عبثُ المسافاتِ يقصيكَ عنّي!

ويحطّ على أوتارِ شجونِي

وأنتَ ترنُو إلى مساحاتٍ معتمةٍ!

تغرقنِي في سلسلةِ أسئلةٍ دونمَا إجابةٍ؟

وكلّما أعددتُ مائدةَ النسيانِ، وأغلقتُ نوافذَ الذكرَى عدتَ تحملُ باقاتِ الاعتذارِ، وتعتلِي درجَ الأسفِ، ثم تضيءُ فتيلَ جراحِي وتمضِي.

معذرةً
هذِه مدينتِي الصغيرةُ التي أسكنتُكَ فيهَا..!

لكنّكَ جبتَ العالمَ بحقيبةٍ خبّأتَ فيهَا صخبَكَ.. وأقنعةً ملوّنةً..!

حتّى وإنْ عدتَ..!
فلن نلتقِي، فمدينتك متراميةُ الأطرافِ.. ليسَ لها حدودٌ، وأنَا بالكادِ أحزمُ حقائبَ وجعِي إذعانًا للنـسيانِ.


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف