العرّافُ

، بقلم سلوى أبو مدين

I

العرّافُ

في ركنٍ من الطريقِ يجلسُ القرفصاءَ.. يرسمُ دوائرَ حلزونيةً.. يرفعُ سبّابتهُ للسماءِ.. يخفضُ رأسَهُ.. ترشفُ عيناهُ المارّةَ..

واحدٌ.. اثنانِ.. ثلاثةٌ.. يلقِي الحصَى، يجمعُهُ، ينفثُ في كفيَّهِ.
يوشوشُ.. يتمتمُ..

ثم يضعهُم في قُفَّةٍ.. يتنبأُ بعاصفةٍ تأتِي بخيلاءَ في ذاكَ المساءِ..
ترتسمُ علَى وجهِهِ ابتسامةٌ باهتةٌ..
ينهضُ بجسدِه النحيلِ.. ينفضُ عنهُ الغُبارَ..
يتلاشَى عن الأنظارِ.. تاركًا دوائرَ حلزونيةً..
عبثَ بها المطرُ..

II

ذاتُ الضفيرةِ

لمْ تسلمْ من انتقاداتِ الناسِ لشعرِهَا الأجعدِ
الذي ترغمُهُ كَي يطولَ.. دونَ طائلٍ
لمْ يُجْدِ أيُّ شيءٍ معَهُ.
صعدتْ مهرولةً فوقَ السطحِ حيثُ قنُّ الدجاجِ
نظرتْ بحزنٍ

تمنتْ أنْ ينبتَ لهَا ريشٌ مثلُ الدجاجاتِ.. حتّى لو كانتْ ملوّنةً أطالتْ النظرَ..
لوهلةٍ الضفيرةُ التي حلمتْ بهَا أصبحتْ أطولَ ممّا تتخيّل..

الجميعُ يناديهَا بذاتِ الضفيرةِ الطويلةِ.. تلقيهَا خلفهَا..
وتزهُو في مشيتهَا.

بينَ إغماضةٍ وحلمٍ قصيرٍ
استفاقتْ على قوقأةِ الديكِ والدجاجةِ.. رمقتهُمَا بنظرةٍ..
مسَّدتْ بيدهَا فوق شعرَهَا القصيرَ
ألقتْ حفنةً من الحبوبِ لهمَا.. وأدلفتْ من بابِ السطحِ تقفزُ //
السلالمَ..

III

الزهرُُ لا يبتسمُ

ذاتَ مرّةٍ وقفَ يسقِى أَصِيصَ الزهرِ، سألَ: والدتَهُ:
هلْ الوردُ يشعرُ بنَا.. يسمعُنَا؟
فترسمُ على وجههَا ابتسامةً هادئةً لا يفهمُ معناهَا..

في مرٍّةٍ أمسكَ زهرةً وقطعَ أوراقها أعتقدُ بأنّهَا ستتألمُ!
وليؤكدَ لنفسِهِ أنّهَا مخلوقٌ مثلنَا.. تشعرُ.. تتنفسُ.. وتتألمُ
في صباحِ اليومِ التاليِ.. وجدَ أوراقَها قدْ هبطتْ على طاولةِ الغرفةِ.

وأصبحَ غصنهَا عاريًا.. امتعضَ وأمسكَ بهِ..
يتأمّلهُ يرفعُ ساقهُ المنحنِي، ثمّ حفرَ في الأصيصِ.. حفرة ودفنَهُ فيهِ وقفَ يتلُو آياتِهِ.. ويتنهّدْ.

IV

ذاكرةُ المطرِ

صباحاتٌ معتمةٌ داكنةٌ.. كانتِ السماءُ ترعدُ..
وقفتْ بشمعةٍ دائبةٍ.. تنظرُ..
خلفَ الزجاجِ المُضبَّبِ الذي تراكمتْ خلفه قطراتُ مطرٍ..
كانتْ تراقبُهَا وتتبعتهَا بإصبعِ سبابتِهَا.

وهُو ينفذُ إلى تجاويفَ ضيّقةٍ.. تتصنّعُ ابتسامةً تخرجُ باهتةً..
تنفثُ خلفَ الزجاجِ المغبَّشِ، تمسحُ بقميصِهَا..
ترَى في الصباحِ المُعتمِ مَا لا يراهُ الآخرُونَ.. غيمةٌ تبكِي.. وأُخْرَى.. تضحكُ!


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف