رسالةٌ لمْ تكتملْ حروفُهَا

، بقلم سلوى أبو مدين

عزيزتِي:

الحاضرةُ الغائبةُ.. لا أعلمُ كيفَ أصفُ لكِ مشاعرِي؟ فعندمَا وصلتنِي رسالتُكِ وشعَّ اسمُكِ في آخرِ الورقةِ التي شممتُ عبيرَهَا .
لمْ أفتعلُ الدهشةَ -حينذاك- فقدْ جاءتْ حروفُكِ عاتبةً؛ غُلّفتْ بحنينِ الذكرياتِ

لقدْ بعثتْ في نفسِي ضوءًا مخبوءًا وراءَ ستائرِ السنينِ.. فأنتِ الوحيدةُ التي أبوحُ لهَا، لأنّكِ الأقدرُ على الإصغاءِ..
ماذَا تريدينَ أنْ أبوحَ بهِ؟ هلْ أكتبُ عن أشواقٍ مؤجلةٍ؟ أم عن حنينٍ غائبٍ، حملتُهُ طوالَ تلكَ السنينِ؟

هَا هِي أحزانِي تنداحُ من جديد
ورغمَ رعونةِ الموقفِ، إلاَّ أنّكِ الأقدرُ علَى تفهّم مشاعرِي.
يا لهَا من صدفةٍ؛ حملتني يومي ذاكَ إلى طريقٍ لمْ تَعْتَدْهُ قدمَاي لألتقِي ببائعةِ الوردِ في بقعتِهَا الصغيرةِ المتواضعةِ عند منعطفِ ذاكَ الشارعِ الضيّقِ.
ألتقيهَا أوّل مرةٍ.. كانتْ تراقبُني بنظراتٍ متوجسةٍ.. بعينينِ لوزيّتينِ..
لا أخفيكِ أمرِي فقدْ اقتربتُ منهَا، كانتْ مشغولةً بجمعِ شتلاتٍ من الوردِ الأبيضِ

كانتْ تحيّتهَا ابتسامةً هادئةً.. مع برعمٍ من زهرِ الزنبقِ النادرِ، امتدتْ إليهَا يدهَا الناعمةُ من أصيصٍ كانَ يستلقِي فوقَ طاولةٍ من الرخامِ الأبيضِ..
نظرتُ مليًّا إليهَا؛ كانتْ تحملُ في ملامحِهَا جمالَ الورد ..
وخجلَ البيلسانِ.

آه.. دعينِي أثيرُ تلكَ اللحظةَ النادرةَ عن فتاةٍ لمْ أعرفْ عنهَا شيئًا سوَى الصدفةِ، التِي ألقتْ بي إليهَا!
وساقنِي ذاكَ الحنينُ بعدَ مدّةٍ لملاقاةِ البائعةِ الوديعةِ (مارا) .

لكنّ دهشتِي كانتْ باتّساعِ الكونِ؛ حينَ علقتُ آمالِي الخاويةَ.. بانتظارِ الأمس علّه يجددُ صباحَهُ !ِِ
ها قدْ حملتهَا المسافاتُ بعيدًا إلى مكانٍ لمْ أقرأ مفرداتِهِ
ها هُو السفرُ يمضِي بهَا في لفائفِهِ الصامتةِ .

ودونَ تريثٍ !

كانتْ أسرعَ من أنْ تنتظرَ، حتّى أبوحَ لهَا بمشاعرِي نحوهَا .
تبددتْ كلُّ العباراتِ المنمقةِ التي صغتهَا لهَا..
ومعَ هذَا أخذتُ أكتبُ إليهَا حروفًا دافئةً بدفءِ إحساسِهَا وأخبئهَا، مع زهرتِهَا التي عانقتْ حروفِي طويلاً.
هكذَا أخرجُ من صمتِي؛ لأتذكرَ صديقةَ الزهورِ، التي اختصرتِ العباراتِ في برعمِ زهرةٍ وقطرةِ ندَى .

عزيزتِي:

لنْ أطيلَ الحديثَ الليلةَ
افتحِي نافذةَ الخيالِ.. لأحلامِكِ الحالمةِ
وأغمضِي عينيكِ الساحرتينِ
وهدهدِي لهمَا
سلامِي .


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف