شاعر القلم والألم

، بقلم سلوى أبو مدين

* توقفت عند محطة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب ، الذي حمل معاناة جسده النحيل ، وخطواته السريعة المتقاربة ، لينهل من معين الثقافة الإنجليزية والعربية .

و ربما لإيماني العميق بالمرار الذي حمله قلمه سطر فيه جل إبداعاته وربما لأسباب أخرى أجهلها .

* ولد بدر السياب في قرية جيكور على الفرات جنوب العراق ، وذاع صيته في مطلع الخمسينيات وأصبح من الأسماء المعروفة في المحافل الأدبية والفنية وانتشر شعره في الوطن العربي كافة .
* كان للسياب نصيباً في محافل الشعرية في لبنان فاستضافته في تقديم أمسية شعرية ولقي ترحاباً من قبل اللبنانيين .
* تجربته في الشعر :

كان الحافز الأول لكتابته الشعر الحر قراءاته للشعر باللغة الإنجليزية ، ويقول في إحدى تصريحاته وجد في الشعر الإنجليزية تعدد التفعيلات في أبيات الشعر، وعدم انقطاع المعاني من بيت لآخر كما هو الحال في القصيدة العربية ، حينها بدأ يكتب وفق نسقٍ جديد ينسجم مع روح العصر
كما قال عن شعر نازل الملائكة في إحدى قصائده انه أقرب إلى الموشح.
ولعل قراءاته المكثفة للشعر الإنجليزي أثر بالغ في توجهه لكتابة الشعر الحر .
* أعماله :

عمل السياب في الصحافة مترجما لإجادته للغة الإنجليزية والعربية أيضاً، ثم عين سكرتيراً في مجلة الأسبوع وعمل أيضاً في جريدة الشعب، ويكتب أيضاً القصة القصيرة .
كان السياب ممن يعتادون المقاهي ببغداد يجتمع مع بعض الشعراء والأدباء، صدر له في القاهرة أزهار ذابلة عام 1947م وكتب أجمل القصائد في منفاه ، صدر له ( أنشودة المطر) ، ( المعبد الغريق ) ، (أزهار وأساطير) ، عانى السياب من ويلات السياسة فقد زج في السجن مرات وطرد من عمله ، كما نفي خارج البلاد .

* يقول في قصيدة النهر والموت :
أود لو عدت في الظلام
اشد قبضتي تحملان شوق عام
في كل إصبع كأني أحمل شوق عام
إليك من قمح ومن زهور
أود لو أطل من أسرة التلال
لألمح القمر
يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال
ويملأ السلال
بالماء والأسماك والزهر
وأسمع الحصى يصل منك في القرار
...

ويكل رحلته مع القلم ويكتب قصيدة أنشودة المطر :
مطر ، مطر، مطر
تثاءب المساء والغيوم وما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال
كأن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام :
بأن أمه ــ التي أفاق منذ عام
فلم يجدها ، ثم حين لجّ في السؤال
قالوا له : " بعد غد نعود "
لابد أن تعود
...

*إلى أن قال :
أتعلمين أي حُزن يبعث المطر ؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟
بلا انتهاء ــ كالدّم المراق ، كالجياع ،
كالحبّ كالأطفال ، كالموتى ــ هو المطر !
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ
سواحل العراق بالنجوم والمحار
كأنها تهم بالشروق
فيسحب الليل عليها من دمٍ دثار
مطر
مطر
مطر
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحىً تدور في الحقول .. حولها بشر
مطر
مطر
مطر

* ألمح في قصائده الإبداع الإيقاع ممزوج بروعة الدلالة كما تتسم بعض قصائده بطابع المناجاة .
رغم ما يحمله إبداع وروعة أداء ، إلا انه يحمل بين طياته مرارة الألم والمعاناة . لذا جاء شعره واضحاً عذباً كانهمار المطر وتصديح البلابل .

* وفاته :

بدر السياب عاش ومات فقيرا ، وقد عانى ويلات المرض في الآونة الأخيرة حيث تم نقله إلى مستشفى الأميري بدولة الكويت لتلقي علاجه، إلا أن المنية وافته .. دفن في قريته
( جيكور ) بالبصرة ، وترك رصيدا رائعاً من إبداعه الشعري .

* هذا مشروع قائم على العقل والروح معاً .
فقد رسم شعره بما تحمله آهاته من معاناة تمثل ذلك في أغلب قصائده إذا كانت هي الحافز الأساسي في إخراج مكنونات الإبداع من محارة النفس.
هذه إحدى الصور التي اقتنصها قلمي دون استئذان مني ، ليبيح لمطارق الذكرى ما تناسته .

وأتساءل : هل للمعاناة حافز لتفجر طاقات الإبداع الداخلي ؟


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف