أثر المحبة
نألف حضور من نحب، ونحسب أن الوقت يتسع دائما لما نؤجل قوله والتعبير عنه. غير أن رحيل الإنسان يكشف محدودية هذه المهلة، ويعيد إلى الواجهة قيمة الصلات التي جمعتنا بالآخرين. عندها ندرك أن ما يمنح العمر معناه يتصل بعمق المحبة التي عشناها، وبما أودعناه في حياة الآخرين من خير ووفاء. وعلى نحو تراجيدي، ننفق جانبا كبيرا من أعمارنا في تحصيل ما نعتقد أنه يكفل استقرارنا، وننخرط في سباق التراكم كأن امتلاك الأشياء يتيح لنا تأجيل مواجهة هشاشة وجودنا. غير أن التجربة تعيد تشكيل وعينا بما يستحق أن نمنحه قيمة؛ فالمحبة تمنح الوجود بُعده العلائقي، وتجعل حياتنا منفتحة على تجربة مشتركة يتحدد معناها بقدرتنا على الاعتراف بالآخر، ومقاسمة هشاشته، والإسهام في صون كرامته.
ويضعنا رحيل الإنسان أمام نهاية يصعب استيعابها. فالشخص الذي شاركنا تفاصيل الحياة كان عالما متفردا، له طريقته في فهم الأشياء ومنح وجوده معنى خاصا. وحين ينقطع حضوره، تتغير علاقتنا بالأمكنة والأشياء المرتبطة به، إذ نكتشف أن دلالتها كانت تتشكل، في جانب منها، من خلال وجوده. وقد يكون أكثر ما يؤلمنا أننا ندرك قيمة بعض العلاقات متأخرين، بعدما تضيق فرص التعبير عما تستحقه من امتنان ومودة. بيد أن محدودية العمر تضعنا أمام مسؤولية تجاه من يشاركوننا الحياة؛ أن نعبّر عن محبتنا بالفعل والقول، وأن نمنحهم ما يستحقونه من تقدير قبل أن يتحول التواصل إلى ذكرى. ولعل قيمة المحبة تكمن في ما تنشئه من علاقة بالآخر، قوامها الاعتراف بإنسانيته واحترام اختلافه ومشاركته أعباء الحياة. ويأتي الوفاء ليمنح هذه العلاقة عمقها الأخلاقي، إذ يصون صدقها عبر الزمن، ويحفظ ما تأسس فيها من ثقة ومودة. ومن هذا المنظور، تتضح المسافة بين ما نمتلكه وما نمنحه؛ فالأشياء، مهما بلغت قيمتها، تظل مرتبطة بظروف امتلاكها واستعمالها، فيما تتجلى قيمة المحبة والوفاء في العناية بالآخر وصون كرامته. وحين يغيب من أحببناهم، يصبح الوفاء حفظا لما منحته العلاقة من معنى، واستمرارا للقيم التي تشكلت في رحابها.
تكمن فاجعة فقدان الإنسان في انقطاع حضوره بكل ما كان يمثله من عالم خاص، وفي عجزنا عن استعادة ما انقضى. ومع ذلك، تتيح المحبة والوفاء صون المعنى الذي أنشأته العلاقة، ومن هذا التلازم تنشأ مقاومة المحو: أن نفي لمن أحببناهم بما تركوه فينا من خير، وأن نحفظ للروابط الإنسانية قيمتها في الحضور والغياب. ربما لا نملك إزاء الفناء سوى أن نعي حدود وجودنا، وأن نختار ما نريد أن نمنحه لهذا الوجود من قيمة. تلك حكمة المحبة حين يسندها الوفاء؛ فالمحبة تمنح العلاقة معناها، والوفاء يصون هذا المعنى من التبدد، ويجعله ممتدا في الزمن عبر القيم التي نلتزم بها وما نقدمه للآخرين من رعاية واحترام. وحتما لا يمكن لأحد أن يلغي فاجعة الرحيل، غير أن الوفاء للمحبة التي عشناها يمنحنا سبيلا إلى صون معناها، ويجعل ما جمعنا بالآخرين جزءا حيا من إنسانيتنا.
