أذربيجان وأزمة الحجاب
خرس الليبراليين العرب وازدواجية خطاب الحرية
لم يكن الحجاب يوما مجرد قطعة قماش تغطي رأس المرأة، ولم يكن خلعه دليلا قاطعا على التحرر. مثلما لم يكن ارتداؤه دليلا بالضرورة على الخضوع. ومع ذلك، ما زالت السلطة السياسية، ومعها بعض التيارات الفكرية، تتعامل مع ملابس المرأة وكأنها ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية. فهناك من يريد فرض الحجاب باسم الدين والأخلاق، وهناك من يريد منعه باسم العلمانية والحداثة، وبين الطرفين تتوارى المرأة نفسها، ويصبح جسدها موضوعا للصراع أكثر منه مجالا لحرية الاختيار. وربما تكون الأزمة التي تشهدها أذربيجان اليوم واحدة من أكثر الوقائع دلالة على هذا التناقض، ليس فقط بسبب ما تتعرض له بعض الطالبات والمعلمات المحجبات، وإنما أيضا بسبب الأسئلة التي تطرحها حول مواقف المثقفين العرب، وخصوصا أولئك الذين لا يتوقفون عن الحديث عن الحرية الفردية وحقوق المرأة.
ففي سبتمبر وأكتوبر 2026، اتخذت السلطات الأذربيجانية إجراءات جديدة تتعلق بالزي المدرسي وملابس المعلمين، تحت عنوان الحفاظ على علمانية التعليم. ورغم أن بعض النصوص الرسمية لم تتضمن حظرا صريحا للحجاب، فإن تطبيقها أدى، وفق تقارير صحفية، إلى منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول بعض المؤسسات التعليمية أو ممارسة عملهن. وقد أثارت هذه الإجراءات احتجاجات وانتقادات داخل البلاد وخارجها، وأعادت إلى الواجهة أزمة قديمة بين الدولة الأذربيجانية وبعض الفئات المتدينة. وهي أزمة لا يمكن فهمها بعيدا عن تاريخ أذربيجان السوفيتي، وعن الطريقة التي تشكلت بها علاقتها بالدين بعد الاستقلال، وعن رغبة السلطة في الاحتفاظ بالسيطرة على المجال الديني باعتباره جزءا من المجال السياسي.
غير أن ما يستحق التأمل هنا ليس مجرد قرار حكومي يتعلق بالزي المدرسي، وإنما الفكرة التي يقوم عليها. فالدولة التي تعلن علمانيتها لا يفترض أن تطالب مواطنيها بأن يكونوا علمانيين في مظهرهم أو معتقداتهم. والعلمانية، في أحد معانيها الأساسية، تعني حياد الدولة تجاه الأديان، لا فرض نمط موحد من الحياة على المواطنين. ومن حق المؤسسات التعليمية أن تضع قواعد تنظيمية للملابس، لكن هذه القواعد لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإقصاء الطالبات بسبب معتقداتهن، خصوصا عندما يكون بالإمكان التوفيق بين الزي المدرسي وغطاء الرأس. فليس كل مظهر ديني ممارسة سياسية، وليس كل تعبير عن الاعتقاد محاولة لفرضه على الآخرين.
واللافت أن الحجاب في أذربيجان تحول، منذ سنوات طويلة، إلى مسألة تتجاوز الدين نفسه. فقد شهدت البلاد احتجاجات مشابهة عام 2010، حين أثيرت قضية منع الحجاب في المدارس. ومنذ ذلك الوقت ظل غطاء الرأس حاضرا في النقاش حول الهوية الوطنية، وعلاقة الدولة بالدين، والخوف من التأثيرات الإسلامية الخارجية. وهكذا أصبحت ملابس الطالبات جزءا من خلافات سياسية وثقافية لا يتحملن مسؤوليتها بالضرورة. وتلك هي المفارقة المؤلمة: أن تجد فتاة صغيرة نفسها مطالبة بالاختيار بين مواصلة تعليمها وبين الالتزام بما تؤمن أنه واجب ديني، بينما يتحدث المسؤولون عن التحديث والنظام العام وحماية المدرسة من التأثيرات الأيديولوجية.
لكن الأزمة تصبح أكثر إثارة للأسئلة عندما ننظر إليها من زاوية الخطاب الليبرالي العربي. فقد انشغل بعض الليبراليين العرب، طوال عقود، بنقد الحجاب، واعتبره بعضهم تعبيرا عن الهيمنة الذكورية أو استمرار الثقافة التقليدية أو خضوع المرأة لسلطة المجتمع. وبطبيعة الحال، فإن نقد الحجاب باعتباره ظاهرة اجتماعية أو ثقافية حق مشروع، شأنه شأن نقد أي ممارسة دينية أو اجتماعية أخرى. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا النقد إلى تصور وحيد لمعنى الحرية، وكأن المرأة لا تصبح حرة إلا عندما تخلع الحجاب، أو كأن التحرر لا يتحقق إلا باتباع نموذج معين في اللباس والسلوك والحياة.
وهنا يطرح الموقف من أذربيجان سؤالا محرجا: أين الأصوات التي تدافع عن حق المرأة في اختيار ملابسها عندما يصبح الاختيار هو ارتداء الحجاب لا خلعه؟ ولماذا يحظى إجبار المرأة على الحجاب باهتمام واسع في بعض الأوساط الثقافية، بينما لا يحظى إجبارها على نزعه دائما بالاهتمام نفسه؟ وهل نحن أمام دفاع عن مبدأ الحرية، أم عن اختيار بعينه يجري تقديمه باعتباره النتيجة الطبيعية للتحرر؟
ليس من الدقة القول إن جميع الليبراليين العرب صمتوا عن الأزمة، فمثل هذا الحكم يحتاج إلى مراجعة مواقفهم وكتاباتهم بصورة منهجية. كما أن الليبرالية ليست تيارا واحدا. فهناك ليبراليون يدافعون بوضوح عن الحرية الدينية وحق المرأة في ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه. لكن هذا لا ينفي وجود مشكلة فكرية حقيقية لدى من يتعاملون مع الحرية باعتبارها حقا مشروطا بموافقة الفرد على تصوراتهم الثقافية. فالصمت الانتقائي، متى ثبت، لا يقل دلالة عن المواقف المعلنة، لأنه يكشف أحيانا حدود الالتزام بالمبادئ عندما تتعارض مع الانحيازات الأيديولوجية.
ولعل المفارقة الأكثر وضوحا تظهر عند المقارنة بإيران. فقد حظيت الاحتجاجات ضد الحجاب الإجباري هناك باهتمام عالمي وعربي واسع، وكان من الطبيعي أن يدافع الكثيرون عن حق النساء في رفض ارتداء ما تفرضه عليهن السلطة. لكن المنطق نفسه يفترض الدفاع عن النساء اللواتي يرفضن خلع الحجاب حين تفرض الدولة ذلك عليهن. ولا يعني هذا أن الحالتين متطابقتان في طبيعة القوانين أو العقوبات أو السياق السياسي، فثمة اختلافات مهمة بينهما، وإنما يعني أن المبدأ المتعلق بحرية المرأة ينبغي أن يظل حاضرا في الحالتين. فالسلطة التي تجبر المرأة على تغطية رأسها، والسلطة التي تجبرها على كشفه، تشتركان في مصادرة قرار يتعلق بجسدها ومعتقدها، وإن اختلفت الدوافع والظروف ودرجات الإكراه.
والمشكلة أن بعض الخطابات العربية التي ترفع شعارات التنوير والحداثة تنظر إلى المرأة المتدينة باعتبارها موضوعا ينبغي تحريره، حتى عندما تعلن أنها اختارت نمط حياتها عن اقتناع. وهي نظرة لا تختلف، من حيث منطق الوصاية، عن الخطابات المحافظة التي ترى في المرأة غير المحجبة شخصا ينبغي تقويمه وإعادته إلى الطريق الصحيح. ففي الحالتين هناك تصور مسبق للمرأة المثالية، وهناك استعداد للتدخل في اختيارها عندما تخالف هذا التصور. ويتحول الدفاع عن حقوق النساء إلى محاولة لإنتاج امرأة تتفق مع الصورة الموجودة في ذهن المثقف أو رجل الدين أو المسؤول السياسي.
لا يعني هذا تجاهل الضغوط الاجتماعية التي قد تدفع بعض النساء إلى ارتداء الحجاب، أو إنكار أن الاختيارات الفردية تتشكل داخل علاقات قوة وتفاوتات اجتماعية. فالحرية ليست مسألة بسيطة، ولا يكفي أن تعلن المرأة أنها اختارت حتى نتجاهل الظروف المحيطة باختيارها. لكن الاعتراف بتلك الظروف لا يعطي أحدا الحق في افتراض أن جميع المحجبات خاضعات، أو أن جميع غير المحجبات متحررات. فهناك نساء يرتدين الحجاب اقتناعا، وأخريات يرتدينه تحت الضغط، وهناك نساء يخلعنه بإرادتهن، وأخريات قد يضطررن إلى خلعه لأسباب تتعلق بالعمل أو التعليم أو القبول الاجتماعي. والتفكير النقدي الجاد يبدأ بالاعتراف بهذا التنوع، لا باختزال ملايين النساء في نموذج واحد.
ومن زاوية اجتماعية أوسع، تكشف الأزمة الأذربيجانية عن أحد تناقضات الدولة الحديثة حين تستخدم المؤسسات التعليمية لفرض تصور رسمي للهوية. فالمدرسة التي يفترض أن تعلم الفرد التفكير والاستقلال قد تتحول إلى أداة لمراقبة المظهر والانضباط الثقافي. وتصبح الملابس وسيلة لقياس الامتثال، ويغدو الاختلاف الديني مشكلة إدارية أو أمنية. ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بالحجاب وحده، بل بالسؤال عن حدود تدخل السلطة في الحياة اليومية، وعن مدى استعداد الدولة لقبول التنوع داخل المجتمع الذي تحكمه. وتزداد أهمية هذا السؤال في أذربيجان، حيث وثقت منظمات حقوقية قيودا أوسع على حرية التعبير والعمل المدني والممارسة الدينية.
أما المثقف العربي، فإن الأزمة تضعه أمام اختبار يتجاوز الخلاف التقليدي بين المحافظين والليبراليين. فالمثقف الذي يرفض الوصاية الدينية ينبغي أن يكون قادرا على رفض الوصاية التي تمارسها الدولة باسم العلمانية. والذي ينتقد التدخل في حرية النساء مطالب بأن يطبق نقده على مختلف صور التدخل، لا أن يختار منها ما يناسب موقفه من الدين. وبالمثل، فإن المحافظ الذي يحتج على منع الحجاب يفقد اتساقه إذا كان يبرر فرضه على النساء اللواتي لا يرغبن فيه. وهكذا لا تكون المشكلة في الانتماء الفكري ذاته، وإنما في تحويل المبادئ إلى أدوات تستخدم ضد الخصوم ثم يجري تعطيلها عندما تتعارض مع المصالح أو القناعات الشخصية.
وربما يكون أخطر ما في هذه الازدواجية أنها تجعل الحرية لفظا جميلا يخفي وراءه رغبة قديمة في السيطرة على الآخرين. فبدلا من الاعتراف بحق المرأة في أن تختلف معنا، يصبح المطلوب أن تستخدم حريتها للوصول إلى النتيجة التي نريدها نحن. وإذا اختارت غير ذلك، بدأ التشكيك في وعيها واستقلالها وأهليتها للاختيار. وهذه ليست مشكلة تخص الحجاب وحده، وإنما تكشف خللا أوسع في ثقافة سياسية وفكرية تتحدث كثيرا عن الحقوق، لكنها لا تتحمل دائما النتائج الاجتماعية المترتبة على الاعتراف الحقيقي بها.
إن أزمة أذربيجان ليست مجرد خلاف حول غطاء الرأس، بل مناسبة لإعادة النظر في معنى الحرية وحدود العلمانية ومصداقية الخطاب الثقافي العربي. وهي تذكرنا بأن تحرير المرأة لا يتحقق بنقل الوصاية عليها من المؤسسة الدينية إلى المؤسسة السياسية، ولا باستبدال نموذج إلزامي للمرأة بنموذج إلزامي آخر. فالمرأة لا تحتاج إلى من يختار لها الحجاب، ولا إلى من يفرض عليها خلعه، وإنما تحتاج إلى مجتمع ودولة يعترفان بحقها في الاختيار دون تهديد أو عقاب أو إقصاء.
وفي النهاية، ليست القضية أن ينتصر الحجاب على خصومه، أو أن تنتصر العلمانية على المتدينين، وإنما أن ينتصر حق الإنسان في ألا تتحول حياته الشخصية إلى ساحة لمعارك الآخرين. أما خرس من يرفعون راية الحرية ثم يتجنبون الدفاع عنها حين تخالف اختيارات الناس أهواءهم، فهو ليس مجرد تناقض عابر في المواقف، بل علامة على أزمة أعمق في فهم الحرية نفسها. فالحرية التي لا نعترف بها إلا لمن يشبهنا، أو لمن يختار ما نفضله، ليست حرية بالمعنى الذي نزعم الدفاع عنه، وإنما صورة أخرى من صور الوصاية، وإن جاءت هذه المرة مرتدية ثياب التنوير والحداثة.
