أشباح غزة… وأحداق الزيتون
رأيتُ غزة في المنام…
ولم أرَ مدينةً تنام تحت الركام، بل رأيتُ أرواحًا صغيرةً تركض في شوارعها، تضحك وتلعب، كأن الموت لم يستطع أن ينتزع من طفولتها آخر ضحكة.
كانوا أشباحًا، نعم…
لكنهم لم يكونوا أشباح الخوف.
كانوا أشباح الحياة.
يركضون حفاةً بين الأزقة، يطارد بعضهم بعضًا، وتعلو ضحكاتهم فوق جدرانٍ أنهكها الحصار. كانوا يلتقطون من الأرض حباتٍ صغيرة، يرسلونها نحوي، كأن كل حبةٍ منها تحمل سرًّا من أسرار غزة.
ثم رأيتُ أن الحبات لم تكن ترابًا عابرًا…
كانت حبّات زيتون، صغيرةً، داكنةً، تختزن في قشورها رائحة الأرض، وملوحة البحر، ودفء الحكايات.
كان الأطفال يقذفونها في الهواء، فتعود إلى الأرض كأنها تعرف طريقها إلى الجذور. وحين سقطت إحداها أمام قدمي، انحنيتُ لألتقطها، فإذا بها تتحول في كفّي إلى بذرةٍ خضراء، تشقُّ التراب وتبحث عن الشمس.
ثم نظرتُ إلى الأطفال…
فإذا أحداقهم زيتونية؛ عيونهم بلون الأرض حين تبتلُّ بالمطر، فيها اخضرار الزيتون، وعمق الحكايات، ولمعة أملٍ لا تعرف كيف تنطفئ.
كانوا يركضون بين الأشجار، يضحكون، ويرسلون إليَّ مزيدًا من الحبات، كأنهم يوزّعون على العالم شيئًا من أرضهم.
وكأنهم يقولون:
هذه أرضنا… وهذه زيتونتنا… وهذه عيوننا؛ فاحفظوا ما بقي من الحكاية.
عندها فهمتُ أن حبات الأرض ليست مجرد ثمار؛ إنها رسائل صغيرة تحملها غزة إلى العالم، وأن الزيتون ليس شجرةً فحسب، بل وعدٌ بأن ما يُغرس في الأرض لا يموت، وأن الجذور تعرف كيف تعود، ولو طال الغياب.
وفي تلك اللحظة، رأيتُ الزيتونة الكبيرة أمامي، كأنها أمٌّ تحتضن أبناءها، وفي أوراقها الخضراء لمعت القدس.
غزة ترسل حباتها، والزيتونة تحملها، وأطفالها يحملون في أحداقهم لونها، والقدس تستقبل الحكاية.
وهكذا بدا لي أن الطريق بين غزة والقدس لم يكن يومًا طريقًا من مسافة، بل طريقًا من جذورٍ وزيتونٍ وقلوبٍ لا تنسى.
سلامٌ عليكم، أرواحَ غزة…
سلامٌ على ضحكاتكم، وعلى خطاكم الصغيرة، وعلى أحلامكم التي لم تكتمل.
سلامٌ على زيتونكم، وعلى ترابكم، وعلى كل حبةٍ حملتموها إلينا من أرضٍ غالية.
