الثلاثاء ٢٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
النص الفائز بالمرتبة الثانية في مسابقة ديوان العرب
بقلم محمود وجيه

أنساق التَّمثيل والتَّحوُّل الجماليّ لصـورة الفلسـطينيّ في الرِّواية العربية

الملخَّص:

يُعنى البحث بدراسة التَّحوُّل الجماليّ لصورة الفلسطينيّ في الرِّواية العربيَّة من عام (1963م إلى 2023م)؛ لارتباطها بالتحوّلات السِّياسيَّة والتَّاريخيَّة الَّتي فَرَضَتْ على الأدب مواكبة الواقع الجديد، وقد قدَّم البحث فرضيَّة مفادها أنَّ الرِّواية العربيَّة الكلاسيكيَّة قدّمت الفلسطينيّ بوصفه أيقونة رمزيَّة للبطولة والمقاومة، بينما تميل الرِّواية المعاصرة إلى تفكيك هذه الأيقونة، وإعادة تقديمه كفرد قلق، متشظ، يعيش إشكاليات الهوية واليومي والسِّياسيّ في آن. أمَّا إشكاليَّة البحث فقد تمثَّلت في تساؤلات عدَّة أهمّها: كيف انتقلت صورة الفلسطينيّ في الرِّواية العربيَّة من نموذج أيقونيّ رمزيّ إلى تمثيل إنسانيّ فرديّ مأزوم يحمل تعقيدات الهُويَّة والوجود؟ وهل يمثل هذا التحول تطورًا جماليًا في السرد العربي؟ أم يعكس تحولات أعمق في الوعي الثَّقافيّ العربيّ تجاه القضيَّة؟ وللإجابة عن هذه التَّساؤلات اعتمدنا المنهج الوصفي التحليليّ للكشف عن صورة الفلسطينيّ في أربع روايات عربيَّة تنتمي إلى أعوام مختلفة، ومن أبرز النتائج الَّتي توصَّل إليها البحث: صورة الفلسطيني ليست ثابتة أو نمطية، بل تتغير تبعًا لتحولات القضيَّة، الفلسطيني في الرواية العربية المعاصرة، قد خرج من إطار البطل النموذج إلى دور الإنسان العادي.
الكلمات المفتاحيَّة: الرِّواية العربيَّة، صورة الفلسطينيّ، التَّحوُّل الجماليّ، نسق التَّمثيل.
Abstract:
This research examines the aesthetic transformation of the image of the Palestinian in the Arabic novel from 1963 to 2023, due to its connection with the political and historical transformations that forced literature to keep pace with the new reality. The research presented a hypothesis that the classical Arabic novel presented the Palestinian as a symbolic icon of heroism and resistance, while the contemporary novel tends to deconstruct this icon and present him again as an anxious, fragmented individual, living with the problems of identity, the daily, and the political simultaneously.
The research problem was represented in several questions, the most important of which is: How did the image of the Palestinian in the Arabic novel move from an iconic, symbolic model to a human representation of an individual in crisis, bearing the complexities of identity and existence? Does this transformation represent an aesthetic development in the Arabic narrative? Or does it reflect deeper transformations in the Arab cultural consciousness towards the issue? To answer these questions, we adopted the descriptive analytical method.
Keywords: Arabic novel, image of the Palestinian, aesthetic transformation.

1-المقدّمة:
تُعرف (الرِّواية) بأنَّها فنٌّ أدبيّ وجزء من الثّقافة البشريَّة، تتناول مشكلات الحياة وموقف الإنسان المعاصر منها (بدر، 1963، ص 110) وبرغم كلّ ما يؤخذ على الرِّواية العربيَّة من أنها فنّ محدث ودخيل، إلَّا أنَّه فرض وجوده، وتصدّر المشهد الأدبيّ لقدرته على حمل المعارف والأفكار والرؤى (مونسي، 2012، ص 152)، فالنَّصّ الأدبيّ لا يولد من الفراغ، بل هو امتداد للواقع الَّذي يعيشه الأديب؛ لذلك يتأثَّر بطبيعة القضايا السِّياسيَّة والاجتماعيَّة الَّتي تُطرح وقت إنتاجه (حسن، 2002، ص 28).

كما أنَّ الرِّواية خطاب تخييليّ يحاكي الواقع ويصوِّر أبعاده المختلفة، والواقع (اصطلاحًا) يعني الوجود بأطره المكانية والثقافية والسياسية والتاريخية (عبد اللطيف، 2015)، فلا يمكن للرواية أن تنفصل عن الواقع، بل هي تصوير له، ومرآة تعكس الحياة الاجتماعية والفكرية بلغة شعرية وأدوات فنية وجمالية تبتعد عن النقل السطحي للأحداث (مرتاض، د.ت، ص 12)، حيثُ إنَّها تعتمد على التخييل القائم على الانزياح في تصوير الواقع ليغدو تصويرًا فنيًّا يرتقي إلى المستوى الأدبيّ للخطاب الرِّوائيّ بمعطياته الجماليَّة. أمَّا عن علاقة الرِّواية بالتَّاريخ فهي علاقة جدليَّة تقوم على إشكالية الواقع والمتخيّل، حيثُ تتّخذ الرواية من التاريخ مرجعيَّة للحدث الرِّوائيّ، وتتعامل معه باعتباره مادة ثقافيَّة وخطابًا مرجعيًّا سابقًا (القاضي، 2008، ص 17).
كما يمكن قراءة علاقة الرواية بالتاريخ من منظور التمثيل الثقافي، فالثقافة بوصفها ذاكرة الجماعة، تشتمل في كينونتها على بناء أنساق أو مجموعة من القواعد لترجمة الخبرة الإنسانية إلى نص، والتاريخ جزء من ذاكرة الثقافة، ثم يأتي الإبداع الأدبي بوصفه آلية لحفظ المعارف واستحضارها في وعي الجماعة وضمان استمراريتها وحفظها (جمعة، 2025) فالنص الأدبي يعكس الواقع التاريخي الذي صنعه ولا يمكن أن نجد نصًّا أدبيًّا بمعزل عن التاريخ خاصة الرواية التي عكست الظروف السياسية التي مرت بها فلسطين (حرب، 2025، ص 87) فكانت شاهدًا على واقعية الرِّواية العربيَّة وصدقها الفنّي في تمثيل التَّاريخ.
إذ يعدُّ حضور القضيَّة الفلسطينيَّة في الرِّواية العربيَّة حضورًا قويًّا يتميَّز بكونه حضورًا للذَّاكرة، واستنهاضها كفعل مقاوم (مونسي، 2012، ص 151)، وذلك باستحضار التَّاريخ وتمثيله وِفقَ رؤى معيَّنة، فالتَّاريخ يخضع لنسق سلطوي يقوم على ثنائيَّة (النَّصر والهزيمة)، أو (المركز والهامش)، حيثُ تُعتبر مرحلة ما بعد نكسة حزيران عام 1967م، وما بعد أوسلو، من أهمّ مراحل توثيق الذَّاكرة الفلسطينيَّة في الرِّواية، واستحضار الذَّاكرة الجمعيَّة وما تشمله من أنساق ثقافيَّة، وأيضًا تميَّزت بمساءلة الذّات والتَّمسك بالهُويَّة والعودة للتُّراث وغيرها من آليات تمثيل التَّاريخ (النعيمي، 2022، ص 206 وما بعدها).
إنَّ مفهوم الهُويَّة قد تجلَّى بشكل واضح ضمن إطار (علم الصُّورة) أو (الصّورلوجيا) الَّذي يُعنى بصورة (الأنا والآخر) هذه الثُّنائيَّة الضِّديَّة، التي تظهر أهميتها عندما يكون هناك صراع بينهما بسبب الدين أو السياسة خاصة في ظل الهيمنة الاستعمارية (جبابلية، 2023، ص 52)، ولا سيَّما الصِّراع الفلسطيني-الصهيوني ومحاولات طمس الوجود الفلسطيني، مما أسهم في بلورة مفهوم الهوية الفلسطينيَّة وتطور مراحل تشكلها، فالهُويَّة ليست شيئًا منجزًا ونهائيًّا منغلقًا على ذاته، وإنما امتدادًا للتاريخ والحضارة وهي قيم وخصائص قابلة للتحوير والتطوير.. كما أنها عرفت باعتبارها شعورًا جميعًا لأمة أو لشعب ما، يرتبط بعضه ببعض ارتباطًا ووجوديًّا (أبو هنية، 2026). كما لا يمكن تشكُّل هويَّة الأنا وتحقّقها إلَّا بوجود الآخر الّذي يمنحها خصوصيَّة واختلافًا وتميّزًا، فالهوية هي حقيقة الشخص التي تميزه عن غيره، وقد كان سؤال الذات العربية عن علاقتها بالآخر من أهم القضايا التي شغلت الروائيين العرب بخاصة بعد نكسة حزيران 1967م (كعبوش، 2022، ص 269).
وقبل أن نبدأ بعرض تجليات صورة الفلسطيني في الرواية العربية وتحوّلاتها الجماليَّة، لابدّ من تعريف علم الصُّورة (Imagologie) إذ يعد أحد فروع الأدب المقارن، وميدانًا أساسيًّا من ميادين البحوث المقارنة؛ لأنَّه يُعنى بدراسة صورة شعب ما في أدبه القوميّ، وصورة الشَّعب نفسه في الآداب الأجنبيَّة (عبود، 1992، ص 371)، لذلك تعتبر الروايات الفلسطينية والعربية -التي جعلت من القضية الفلسطينية محورًا لها- من أبرز الروايات التي تحتوي على علاقة جدلية بين الأنا والآخر، فقد أولت أهمية كبرى لبناء الشخصية الروائية العربية، وركَّزت عليها في تطوير الأحداث باعتبارها محورًا بارزًا في النص الروائي، فهي التي تمثل الصِّراع وتعبِّر عنه، كما أنَّها تقوم بالفعل وتشارك فيه، مؤثرة في مساره أو متأثرة به إذا كان خارجًا عنها (شرشار، 2005، ص 122)، لذلك تجدر دراستها من ناحية الصورلوجيا، ولا سيَّما دراسة / الشخصيَّة الفلسطينيَّة/ لأنَّها العنصر السردي الأساس الَّذي ينهض به العمل الرِّوائي.
2-صورة الفلسطينيّ في الرِّواية العربيَّة:
قدّمت الرِّواية العربيَّة الكلاسيكيَّة صورة للفلسطينيّ بوصفه أيقونة رمزيَّة للبطولة والمقاومة، متمسكًا بعروبته، ملتزمًا بقضيَّته، حاميًا لهويَّته من الاندثار، ولكن انعكاس تحوَّلات القضية الفلسطينية، على السرد الروائي العربي، وجنوح الكتَّاب نحو التجريب الحداثي، قد جعلت صورة الفلسطيني في الرواية العربية تتحرَّر من هذا النَّمط الثابت، فلم تكن صورته نمطية تقليديَّة ثابتة، بل متغيَّرة باستمرار، تعكس تباين مراحل القضية، من زمن الثَّورة والنضال إلى زمن الانهزامات واستنهاض الذاكرة وتوثيق المعاناة في الواقع المعيش، والجنوح نحو التجريب الحداثي(مونسي، 2012، ص 154).
أوَّلًا-مرحلة (قبل أوسلو):
ونقصد بها مرحلتي (بعد النكبة) و(بعد نكسة حزيران)، وتجدر الإشارة بشكل موجز إلى الإنتاج الرِّوائي قبل عام 1948م، فقد كان شديد التواضع، ولم يتجاوز حقيقة كونه مجرَّد محاولات لم تنضج (وادي، 1981، ص 33).
1- بعد النَّكبة:
تطوَّرت الرِّواية الفلسطينيَّة (بعد النَّكبة) عام 1948م، فلم تعد تحمل رسائل أخلاقيَّة وتعليميَّة فقط، بل أصبحت تعبِّر عن الواقع السِّياسيّ والاجتماعيّ الجديد، من تشريد ونفي خارج الأرض وأصبح الهم الوطني جوهرها فكان هذا الحدث المأساوي نقطة تحوّل في تاريخها، فخلال السنوات الممتدة من 1948 إلى 1967م لم تكرّس المحاولات الروائية الفلسطينية سوى اسم واحد هو (غسان كنفاني) الذي قدم عملين متميّزين: «رجال في الشمس» 1963م، و«ما تبقى لكم» 1966م، أما ما عدا هاتين الروايتين من الأعمال الأخرى فقد أخفقت في التعبير الفني عن القضية (وادي، 1981، ص 34 - 35).

وقد ظهرت (صورة الفلسطينيّ) في أوَّل عمل روائيّ لـ(غسَّان كنفاني) رواية (رجال في الشَّمس) التي يصوِّر فيها حال الشعب الفلسطيني بعد النكبة، ويروي قصَّة ثلاثة رجال يحلمون بالسفر إلى الكويت، بطريقة غير شرعية لأنَّهم لا يملكون جواز سفر، وهم:
1- أبو قَيْس: رجل عجوز طُرد من أرضه التي كان يحبها بشدة ومتعلق بها، فأصبح يعيش في المخيمات، ويحلم بالسَّفر إلى الكويت، عساه يسترد كرامته ويغيّر وضعه، فهو رمزٌ للجيل الفلسطيني القديم الذي يبحث عن فرصة للنجاة من الواقع البائس بعد عشر سنوات من النكبة، يقول: «في السَّنوات العشر الماضية لم تفعل شيئًا سوى أن تنتظر.. لقد احتجت إلى عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدّق أنَّك فقدت شجراتك وبيتك وقريتك كلها» (كنفاني، 2015، ص 16)، يمثِّل أبو قيس حالة الصراع الإنساني بين واقع سياسي واجتماعي يُعجزه عن التغيير، وبين صموده وأمله باستعادة كرامته في مغامرة خطرة بالسفر إلى الكويت.
2- أسعد: شاب مناضل، تلاحقه السلطات، ويخشى الاعتقال ويحلم بالانعتاق من هذا الواقع المضطرب، ويريد السفر إلى الكويت لأسباب ذاتية، فهو يحلم بالخلاص الفردي، ويرمز إلى جيل النكبة، يقول: «سوف يكون بوسعي أن أردّ لعمي المبلغ في أقلّ من شهر.. هناك في الكويت يستطيع المرء أن يجمع نقودًا في مثل لمح البصر» (كنفاني، 2015، ص 27)، يمثِّل الأمل بالمستقبل والطموح الواسع.
3- مروان: فتى في طور المراهقة، يرمز إلى الجيل الفلسطيني الجديد الذي نشأ بعد النكبة، طالب في الثانوية، يترك المدرسة ليحمل مسؤولية أهله، بعد زواج والده وتخلي أخيه عن إعالتهم، يقول: «لا بأس.. أيام قليلة ويصل إلى الكويت.. ولسوف يرسل كل قرش إلى أمه، سوف يغرقها، ويغرق إخوته بالخير حتى يجعل من كوخ الطين جنة إلهية.. ويجعل أباه يأكل أصابعه ندمًا» (كنفاني، 2015، ص 49).
4- أبو الخيزران: شخصية مركزية في الرواية استأثرت بعدد كبير من الدراسات النقدية، فهو الفاعل الأهم في مجرى القصّ، يبدو قاتلًا وضحية في آن، وشخصية مركبة ومأزومة، فقد حارب من أجل وطن لم يرجع، وفقد رجولته فتحوَّل إلى مراوغ ومخادع، وعُدَّ رمزًا للقيادتين الفلسطينية والعربيَّة (البياري، 2024) يقول السارد: «كان أبو الخيزران سائقا بارعا فقد خدم في الجيش البريطاني قبل عام 1948 أكثر من خمس سنين، وحين ترك الجيش وانضم إلى فرق المجاهدين» (كنفاني، 2015، ص 55) فالرواية صورَّت الفلسطيني كضحية للواقع السياسي والاجتماعي بعد النكبة، ويعيش في المخيمات، ويعاني من الفقر واليأس والضياع، ويحاول الهروب والسفر بأي طريقة للخلاص من واقعه البائس، فالفلسطيني بعد النكبة لم يتم تصويره كفدائيّ ومقاوم أو رمز للبطولة والصمود، بل كضحية يفضِّل الهروب على المواجهة. لكنه لم يجد في الهروب ملاذًا آمنًا، بل معاناة جسديَّة ونفسيَّة انتهت بالموت، وقد كان الخزان رمزًا للصمت العربيّ، والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، والخيارات الضيقة أمامهم للنجاة، وأيضًا للتقاعس عن الثورة والمقاومة، مما أدى إلى موتهم واختناقهم، فقد حمل خطاب كنفاني في آخر الرواية تحريضًا على ضرورة المقاومة لاستعادة فلسطين، وذلك عندما قال أبو الخيزران مستنكرًا صمتهم واستسلامهم للموت خنقًا: «لماذا لم تدقّوا جدران الخزَّان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا» (كنفاني، 2015، ص 109)، فالخطاب لم يكن موجَّهًا للرجال الثلاثة، بل للشعب العربي بأكمله، ولا سيما من خلال تكرار (لماذا) التي تعبر عن الصدمة والذهول من هذا التخاذل.
2- بعد النكسة:
بعد ظهور منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965م، وهزيمة حزيران عام 1967م، وما فرضته من العديد من التساؤلات الإيديولوجية والسياسية، والقلق مما سيكون عليه مستقبل الدول العربية بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص، دخلت الرواية الفلسطينية طورًا جديدًا فمن تصوير الشتات والهجرة أخذت تصور الفلسطيني المناضل، ومن الروايات التي جسدت واقع القضية: (المتشائل) لإيميل حبيبي (حرب، 2025، ص 86).

تبرز صورة الفلسطيني في رواية المتشائل عام (1974م) من خلال شخصية (سعيد أبي النحس المتشائل) حيثُ عُدَّت رواية إشكالية لأنَّها خرجت عن النمط المألوف لصورة البطل المقاوم، إذ دلّ العنوان على محتوى الرِّواية الذي يصور انفعالات البطل المختلفة ومواقفه المتناقضة، فاسمه سعيد وكنيته أبي النحس، وصفته المتشائل، أي أنَّه مشطور بين عالمين من التشاؤم والتفاؤل، ومن السعادة والنحس وكأنَّه في صراع بينهما، يرمز للصراع الفلسطيني - الصهيوني على أرض فلسطين، والهوية المأزومة، حيثُ نجد:

الصُّورة الأولى: صورة سلبيَّة (صورة الفلسطيني الموالي للآخر):
الذي يدرك أن موالاته للعدو الصهيوني لن تكسبه المهابة ولا الكرامة، بل العار والذل، لكنَّه أراد التكيف مع الواقع الجديد، عبر تقديم تنازلات تخص وطنيته ومبادئه، حيثُ يقول سعيد: «بعد النحس الأول في سنة 1948، تبعثر أولاد عائلتنا..واستوطنوا جميع بلاد العرب التي لما يجر احتلالها.. ولما استشهد والدي.. نجونا بجلودنا إلى لبنان حيثُ بعناها واسترزقنا. فلم لم يعد لدينا ما نبيعه تذكرت ما أوصاني به والدي وهو يلفظ أنفاسه على قارعة الطريق. قال: رح إلى الخواجة سفسارشك، وقل له: والدي، قبل استشهاده، سلم عليك وقال: دبرني» (حبيبي، 1989، ص 19)، نلاحظ أنَّه أراد أن يبرر سبب التحاقه بالصهاينة تنفيذًا لوصية أبيه أوَّلا، ووسيلة للعيش ثانيًا، بعد أن نفذت الخيارات لديه.

أمَّا الصُّورة الثانية فهي (صورة الفلسطيني مزدوج المعيار):
الضائع بين الهوية العربية -ولا سيما أنه من عرب الداخل 48- وبين الهوية المزيفة للعدو، فهو يعيش حالة من التمزق والقلق والتوتر والصراع النفسي بين ذل الموالاة وقدسية المقاومة، يقول سعيد: «فسمعت صاحب الجسم الملتف بعباءة الملوك الأرجوانية.. قال: فدائي ولاجئ، وأنت؟ فتحيرت في هويتي كيف انتسب أمام هذا الجلال المسجى، الذي حين يتكلم لا يئن ويتكلم لا يئن. هل أقول له أنني كبش ومقيم؟.. فسترت عورتي بأنين طويل» (حبيبي، 1989، ص 171) فقد رَمَزَ لخيانة الوطن وموالاة العدو بالعورة التي تستوجب الستر خشية العار، ورَفَعَ من شأن المقاومة إلى مقام الملوك.

الصورة الثالثة صورة إيجابية
(الفلسطيني الواعي لأهمية المقاومة ورفض المساومة مع العدوّ):
تجلت في شخصيتي (سعيد بن يعاد) الفدائي، وباقية زوجة سعيد أبي النحس، فالأخيرة قد باحت له بسرّ الكنز المدفون في قريتها (الطنطورة)، تقول: «أنا لا أريد لأولادي أن يولدوا محدودبين، لقد تعودت ألا أتنفس إلا بحرية يا ابن عمي»، حيث نجد أنَّ باقية هي رمز للمقاومة التي ستبقى خالدة ومستمرة ما دامت فلسطين محتلة، فهي تريد من أجيال المستقبل المقاومة لنيل الحرية. أمَّا عن سعيد بن يعاد فقد جاء وصفه في رسالة (سعيد في بلاط الملك)، يقول: «جسم فارع الطول.. طلي.. بما حسبته.. الدهان الأحمر القاني.. هو منتصب أمامي بقامته الفارعة حتى رأيته يحني رأسه كي لا تصطدم بالسقف» (حبيبي، 1989، ص 170-171)، وصف المقاوم بالملك، وأكسبه طولًا فارعًا للدلالة على هيبته، خاصة بعدما اصطبغ جسده بالدم، فقد سيطرت صورة الفدائي على متن الرواية، مما يؤكِّد أنَّ الهدف الأساس من الرواية هو تعظيم المقاومة، ورفض المساومة.

ثانيًا - مرحلة (بعد أوسلو ومؤتمر مدريد):
بعدما ظهر ما يسمَّى بأدب الانتفاضة من عام (1987م إلى 1990م) جاءت اتفاقية أوسلو 1993م، لتعبر بالرواية الفلسطينية مكانًا مختلفًا واصفة حالة التشظي التي بدأ يعيشها المجتمع الفلسطيني (حرب، 2025، ص 87)، فقد مزقت الاتفاقية هالة الفلسطيني الإيجابية، وانتقلت من الحلم إلى الكابوس، لتتغير بعدها الملامح النفسية والفكرية والسياسية والاجتماعية لشخصية البطل في الرواية الفلسطينية، وقلبت وجهات النظر في الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، فانعكس ذلك في بناء الشخصيات في الرواية، وأصبحت شخصيات عادية لا تنفصل عن واقعها، وتعيش تفاصيل حياة الإنسان اليومية العادية، شخصيات بعيدة عن الخير المطلق والشر المطلق (حرب، 2025، ص 88-89).
ظهرت صورة الفلسطيني بعد أوسلو كبطل إشكالي متردد وحائر بين المقاومة والسياسة، بين تاريخه كمقاوم وحاضره كمفاوض، فكان مكشوفًا من الداخل، وليس كصورة مغلقة أو كنمط، فقد شكَّلت هذه المرحلة تغييرًا في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصرة، وانعكست على الفلسطيني في الواقع، ورافقها انعكاس موازٍ على صورة ذلك الإنسان في النَّص الرِّوائي (بشارات، 2005، ص 38).
على الرغم من رغبة بعض المثقفين الفلسطينيين في الاحتفاظ بالبطل القديم، إلا أن التيارات السائدة في الأدب الفلسطيني الجديد في مرحلة ما بعد أوسلو قد نجحت في تفكيك البطل وتحويله إلى إنسان عادي، فبرزت صورة جديدة للفلسطيني، كبطل خارج لتوه من إطار الصورة بعد أن ملّ من دوره، فلا نجده يتحلى بصفات البطولة التقليدية، وإنما له سمات إنسان عادية تختلط فيها الفضائل والرذائل على نحو طبيعي. (الشيخ، 2014، ص 104).
ومن أبرز الروايات التي تمثل مرحلة ما بعد أوسلو هي رواية (باب الشمس) لإلياس خوري عام 1998م، وقد ظهرت صورة الفلسطيني من خلال عدة شخصيات تاريخية ومتخيلة، حيثُ عاد الروائي إلى الوثائق والكتب والمقالات التاريخية التي تروي تاريخ فلسطين، فحاول تمثيله واستعادته من خلال سرد حكايات عن الفلسطينيين الذي عذبوا وشردوا وتسلَّسلوا عبر الحدود للعودة إلى أراضيهم. ومن أهم شخصيات الرواية:
يونس الأسدي: مناضل فلسطيني ولاجئ، يتسلل من لبنان إلى فلسطين خلسة ويلتقي بزوجته في مغارة باب الشمس، فيبقى على اتصال بأرضه ووطنه، عبر إنجابه الكثير من الأولاد، للدلالة على استمرارية بقاء الشعب الفلسطيني، وصموده، لكنه في نهاية الرواية يدخل في غيبوبة عميقة، ولا يستيقظ منها، بالرغم من محاولة الدكتور خليل إيقاظه من سباته عبر سرد للكثير من الحكايات عن شعبه وتاريخه، عساه يقاوم الموت ويعود للحياة، فكان رمزًا لحالة القضية الفلسطينية في مرحلة ما بعد أوسلو عندما فرض عليها التغريب والغياب والسبات، مما استوجب استرجاع التاريخ الفلسطيني عبر سرد القصص على هذا المريض لعله يُشفى من غيبوبته. فهو الشخصية الرئيسة في الرواية، ويمثل سعي الفلسطيني الدائم للعودة إلى أرضه، ورحلة نضاله منذ النكبة وحتى اتفاق أوسلو، الذي تزامن مع غيبوبته، وكأنَّه أعلن توقف النضال وفقدان الأمل. باستطاعتنا القول أنَّه يرمز للمقاومين في كل مكان في فلسطين، يقول: «لقد تعبت يا أبي، الآن سأدعوك أبي، ولن اسميك باسمك. ما اسمك؟ في المخيم يسمونك أبو سالم، وفي عين الزيتون أبو إبراهيم، وفي المهمات البعيدة أبو صالح، وفي باب الشمس يونس، وفي دير الأسد الرجل، وفي القطاع الغربي عزّ الدين، أسماؤك كثيرة، وأنا لا أعرف ماذا أدعوك» (خوري، 1998، ص 22).
ولكن هذه الرواية الملحمية قد كشفت لنا عبر صفحاتها الطويلة (530) واقعية هذا البطل، فهو كأي إنسان عادي، يكون شجاعًا في مواقف وجبانًا في مواقف أخرى، يحب ويحقد، ويكره، ويشعر بالألم والحزن، فهو ليس إنسانًا أسطوريًّا، لديه قوى خارقة، ويجب أن ينتصر دائمًا، فالرواية قدَّمت لنا صورة عن الفلسطيني المهزوم بالرغم من تاريخ نضاله الطويل، انتهت قصّته بالموت، وخسارة أرضه، بسبب الواقع السياسي، فهو صورة عن شعب فلسطين بأكمله، وهويته الفردية تمثّل الهوية الجمعية للفلسطينيين.
الدكتور (خليل أيوب): هو السارد الذي قام بسرد حكايات متعلقة بالشخصية الرئيسة (يونس)، ورتَّبها حتَّى أصبحت حكاية، حيثُ قام من خلال سرد القصص بتوثيق تاريخ فلسطين، وحمايته من الموت الذي يحاصر يونس، فأصرّ على مقاومته بإنعاش الذاكرة، كما يمثِّل الجيل الثاني للنكبة، والوريث الشرعي في حفظ الذاكرة الجمعية وإعادة سرد التاريخ الفلسطيني وقراءته، فقد سهر على رعاية يونس في غيبوبته على أمل أن يستعيد وعيه، رافضًا تصديق موت الذّاكرة، متسلحًا بالأمل لآخر لحظة، يقول: «أنا هنا لا أعرف ماذا يجب أن أفعل، فقط أحاول ألا أتركه بتعفن حيًّا، فأنا متأكد أنه نائم وليس ميتًا»(خوري، 1998، ص 11).

ثالثًا- مرحلة (بعد انتفاضة الأقصى حتى الوقت الحالي):
بعد انتفاضة الأقصى تحول مفهوم البطولة في الخطاب الثقافي الفلسطيني، وبرزت فيه مقولات تعيد النظر في مفهومها، فالبطولة قد انتهت في الأدب المعاصر، والبطل المعاصر أصبح إنسانًا عاديًّا مبالغ في عاديته الى حد الهامشية، فالتاريخ يعمل بطريقة مختلفة (الشيخ، 2013، ص 80).
فانتفاضة الأقصى عام 2003م لم تقتصر على تفكيك البطل العسكري بل جاوزته إلى تفكيك فكرة البطولة/ القضية التي تشكَّل من أجلها، وتمّ إدخال خطاب الهزيمة على الساحة الفلسطينية، بعدما أخفقت الحركة الوطنية الفلسطينية في تحقيق غايتها في تحرير فلسطين (الشيخ، 2014، ص 106)، فالبطل ملَّ من دوره في ظل المنظومة الثقافية والسياسية (ما بعد الاستعمارية) التي اجتاحت الخطاب الفلسطيني، مستبدلة الذاكرة بسياسات النسيان، ومع اندلاع انتفاضة الأقصى لم تنكسر فقط المعتقدات السياسية والعسكرية في السياق الفلسطيني، بل انكسر كثير من الاقتناعات الثقافية التي شوهتها السياسة وأثبتت الانتفاضة أن البطل لن يبقى عصيًّا على التفكيك، بل تفكَّك ورجع إلى عاديته وصفاته الإنسانية (الشيخ، 2013، ص 87). ومن أبرز روايات هذه المرحلة: رواية «قناع بلون السماء» (2023م). التي تعكس من خلال بطلها التشظي والقلق الوجودي وتفكيك الهوية.
فقد مثَّل (نور المشهدي) المقنَّع صورة عن اغتراب الفلسطيني، ومأساته وصراعه بين الهوية والوجود، داخل فلسطين، وذلك من خلال رمزية (القناع) و(الاسم العبري)، وعن ذلك يقول: «سأبوح لك الآن بسرّي.. للاسم مناعة.. وللقناع حصانة.. وأنا عثرت على قناع واسم لأتسلَّل من خلالهما إلى أعماق العالم الكولونيالي.. أور شابيرا.. أشعر.. أنَّ ملامحي الأشكنازية.. بطل.. متنكر.. لكي يخفي ملامحه الحقيقية» (خندقجي، 2023، ص 56) فقد لجأ (نور) إلى استخدام هوية مزيفة باسم (أور شابيرا) من أجل ينضم إلى فرقة التنقيب عن الآثار في إحدى في المستوطنات كي يكمل أبحاثه عن (مريم المجدلية) ممَّا يعكس حالة التمزّق بين هويته العربية، وهويته العبرية المزيفة، واغترابه النفسي والاجتماعي، فالقناع رمز لإخفاء الوجه الحقيقي (العربي)، وإبراز الوجه المزيف، رمز للأنا والآخر، وللصراع بينهما على أرض فلسطين، فهذا القناع كان أزرق يحيل إلى لون علم العدوّ وبطاقة أفراده الشخصية. أمَّا عن ذكر نور لملامحه الشقراء التي تشبه ملامح اليهود الأشكناز فإننا نراه تجسد عمق الاضطراب الوجودي الذي يعاني منه، وربما وجد في ذلك ما يجعل أمر تنكره سهلًا.
وضَّحت الرواية صورة الفلسطيني الذي يعاني من القلق والتفكك الوجودي، ولكن بالرغم من ذلك يسعى بكل السبل من أجل إثبات هويته الحقيقة واستعاده ذاته الضائعة، ومواجهة أكاذيب الآخر الصهيوني الذي يحاول طمس تاريخ فلسطين وتزويره.

أبرز النتائج:
– قدَّمت الرِّواية العربيَّة الكلاسيكيَّة صورة للفلسطينيّ بوصفه مُقاومًا، ونموذجًا بطوليًّا، لكنَّ انعكاس تحوَّلات القضية الفلسطينية، على السرد الروائي العربي، الجنوح نحو التجريب الحداثي، قد جعلت صورة الفلسطيني في الرواية العربية غير ثابتة، فلم تكن صورته نمطية تقليديَّة، بل متغيَّرة باستمرار، تعكس تباين مراحل القضية.
– سعت الرِّواية المعاصرة إلى تفكيك الأيقونة الرَّمزية للفلسطيني الفدائيّ والمقاوم، وقدَّمته كإنسان عادي يعيش إشكاليات الهوية والصِّراع الوجوديّ القَلِق الَّذي فرضه الواقع السياسي.
– مثَّلت مرحلة ما بعد أوسلو أساس التحوَّل في صورة الفلسطينيّ في الرِّواية العربيَّة، (من نموذج أيقونيّ للمقاومة إلى إنسان عادي يعاني من أزمة وجوديَّة وصراع حول الهُويَّة).
-مثَّل هذا التحول تطورًا جماليًا في السرد العربي وعكس تحولات عميقة في الوعي الثَّقافيّ العربيّ تجاه القضيَّة، وذلك من خلال عدم الاكتفاء بتصوير الفلسطيني كنموذج بطولي إيجابيّ ومثاليّ، بل أضفت مصداقية على إنسانيته عبر تسليط الضوء على تناقضه، وصراعه النفسي، واختلاف مواقفه باختلاف مراحل قضيَّته.

المصادر والمراجع:
أوَّلًا- المصادر:
1- كنفاني، غسَّان (2015م) رجال في الشمس، دار منشورات الرمال، قبرص، ط1.
2- حبيبي، إميل (1989م) المتشائل، دار ابن خلدون، بيروت، ط2.
3- خوري، إلياس (2010م) باب الشمس، دار الآداب، بيروت، ط6.
4- خندقجي، باسم (2023م)، قناع بلون السماء، دار الآداب، ط1.

ثانيًا- المراجع:
1- أبو الشباب، واصف، (1977م) صورة الفلسطيني في القصة الفلسطينية المعاصرة من سنة 1948 إلى 1973، بيروت، دار الطليعة.
2- حسن، عمار، (2022م) النص والسلطة والمجتمع (القيم السياسية في الرواية العربية)، مركز الدراسات السياسية، القاهرة.
3- الشيخ، عبد الرحيم، (2014م) تحولات البطولة في الخطاب الثقافي الفلسطيني 2، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 97.
4- عبود، عبده، (1992م) الأدب المقارن، منشورات جامعة البعث، حمص.
5- مرتاض، عبد المالك. (1998). في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد (العدد 240). المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
6- وادي، فاروق، (1981م) ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية، المؤسسة العربية للدراسات، ط1.
ثالثًا- المواقع الإلكترونية:
1- أبو هنية، حليمة، مراحل تشكل وعي الهوية عند الفلسطينيين.
https://www.prc.ps
2- البياري، معن، أبو الخيزران في عامة الستين، 4 أبريل 2024
https://www.alaraby.co.uk/opinion
3- جمعة، مصطفى عطية، إشكاليات التخييل والتمثيل في الرواية التاريخية العربية، 10 مايو 2025.
https://alketaba.com
4- عبد اللطيف، محفوظ، عن حدود الواقعي والمتخيل،
http://www,aljabriabed,net
6 October 2015
رابعًا- المجلَّات:
1- حرب، خليل، (2025م) صورة البطل في الرواية الفلسطينية بعد أوسلو في ضوء التحليل النقدي للخطاب، Journal of Language and Literature، مجلد 4، العدد 1.
خامسًا- الأطروحات:
1- بشارات، أحلام، (2005م) البطل في الرواية الفلسطينية في فلسطين، جامعة النجاح الوطنية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى