الأحد ٨ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
بقلم جميلة شحادة

إبستين كما رواه الأدب والفن…وقبل أن تكشفه الصحافة

لم أكن أنوي الكتابة عن قضية جيفري إبستين ولا عن جزيرته، لا لأن المسألة ثانوية، بل لأن مجتمعنا العربي يكفيه ما فيه من عنف وجرائم قتل تؤرّق مضاجع الناس، ويكفيه معاناته جرّاء العنصرية المتفشية، ومعاناته من آثار الحرب عليه نفسياً واقتصادياً، ولو أن الأمور كلّها متعلقة بعضها ببعض، حيث راح البعض يربط بين فضيحة إبستين، والحاصل في العالم منذ سنوات. فهذه القضايا، مهما بدت متباعدة جغرافيًا، لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثًا منفصلة؛ فهي تنتمي إلى المنطق ذاته الذي يحكم علاقة السياسة والسلطة بالمال، إذ لا تُلغى الجريمة، بل يُعاد تعريفها. لكني عدلتُ عن نيّتي وها أنا أكتب الآن عن الموضوع بسبب اشتعال شبكات التواصل ووسائل الإعلام المختلفة بالفيديوهات والتقارير والمقالات التي تناولت جزيرة إبستين وصاحبها وعلاقاته بسياسيين ومشاهير... كذلك استغراب الكثيرين من العرب وغيرهم ممّا حدث في الجزيرة من استغلال فتيات قصّر وتورط شخصيات نافذة استغلّت نفوذها وسلطتها لإشباع رغباتها، ولربمّا ما زال المخفي أعظم... وكأن فضيحة "إبستين" استثنائية، أو شذوذ تاريخي يكشف عن ميل شائع إلى التعامل مع السلطة بوصفها انحرافًا فرديًا لا بُنيةً متكاملة.

فضيحة جزيرة إبستين، ذكّرتني ببعض الأعمال الأدبية التي قرأتها، والسينمائية التي شاهدتها وما زالت مطبوعة في ذاكرتي. وهذا، يعزّز الفكرة عندي بأن الأدب هو مرآة للواقع، وأداة إنسانية راقية للتعبير عن المشاعر والأفكار، وأن الأدب والسينما قد يصبحان في كثير من الحالات أكثر من مجرّد تعبير جمالي، وإنما يتحولان إلى أدوات معرفية تكشف ما يتأخر القانون في الاعتراف به.

في رواية "ترمي بشرر" لعبده خال، تتجلى سلطة لا تحتاج إلى تبرير أفعالها، لأنها محصّنة اجتماعيًا واقتصاديًا. ونحن نقرأ الرواية نشعر بأن السارد يلهب أرواحنا بسياط الألم، لكننا نتابع القراءة لنغوص في ذوات شخصيات الرواية ونجوب في فضاء "الجنة "(القصر) الذي أصبح فضاء للمتناقضات، حيث يجوس الشر والألم والحقارة دروب "الجنة"(القصر) في وضح النهار بدعم ومساندة من "السيد"، رأس الشر، الذي يعطي لهذه المعاني قوة وجرسا يرن في آذان وقلوب من يلج القصر المُسيّج بالقوانين الصارمة والأمنيات التي لا تنتهي.

أما كتاب "الخبز الحافي" لمحمد شكري، فيضعنا أمام شكل آخر من العنف، أقل بهرجة وأكثر قسوة: جسد مسحوق بفعل الفقر والتهميش، يتحول إلى مادة قابلة للاستهلاك. هنا لا نواجه نخبة عالمية ولا شبكة دولية، بل نظامًا اجتماعيًا كاملًا يدفع الجسد إلى موقع الاستباحة، ويُقنعه بأن ذلك قدره الطبيعي.

وفي رواية The Girl with the Dragon Tattoo لستيغ لارسون، نقترب أكثر من نموذج إبستين: شبكات مغلقة من المال، العائلة، والشركات، حيث تُدار الجرائم بوصفها أسرارًا داخلية، لا فضائح عامة. الشّر هنا ليس صاخبًا، بل إداري، منظم، ومحميّ بالصمت، ما يجعل محاسبته أكثر تعقيدًا.

كذلك السينما بدورها لعبت دور المرآة الكاشفة. ففي أفلام مثل: "عمارة يعقوبيان" و "كشف المستور" وفيلم "المنسي"، نرى كيف تتسلل السلطة من المجال السياسي إلى الجسد الفردي. ففيلم كشف المستور يسلط الضوء على تورط نساء في أعمال تجسس سياسي وجنسي لصالح جهات رسمية، ويصور محاولات التخلص منهن.

أما فيلم Spotlight، فيقدم مثالًا نادرًا على قدرة الصحافة الاستقصائية على كسر الصمت المؤسسي، وهو تذكير مهم بأن كشف قضية إبستين لم يكن نتاج يقظة أخلاقية مفاجئة، بل ثمرة عمل صحفي طويل في مواجهة منظومة متماسكة.
ذكرت فقط، بعض الأمثلة على روايات وأعمال سينمائية، ولم أتناولها بتوسّع لأن هذا ليس هدفي، وإنما الإشارة الى أن هذه الأعمال (الأدبية والسينمائية) قد تحدّثت عن إساءة استخدام السلطة، وعن شخصيات نافذة مارست أفعال مظلمة بعيدًا عن المحاسبة، وتحدّثتْ عن زواج السياسة، بالمال، وحتى تواطؤ الإعلام، ولو أن مَن كشف مستور جزيرة إبستين هي صحفية. وجديرٌ بالذكر أن هناك الكثير من الأعمال الروائية السينمائية التي تناولت هذا الموضوع ولم أذكرها هنا. كذلك لن أتطرّق الى ما أطلعنا عليه التاريخ في عصور غابرة، على طغاة وسلاطين مارسوا القسوة، والعنف، والتسلّط، والظلم، وانتهاك روح وجسد الفتاة والفتى، لأن الحديث عن هذه العصور (كما راح الكثيرون بفعله) أقل كلفة من مساءلة أنظمة معاصرة ما زالت فاعلة، وما زالت تتحكم في شروط الرواية والعدالة.

إذن، ما جرى في جزيرة إبستين،

لا يمكن اختزاله في سيرة شخص أو فضيحة عابرة. إنما هو نموذج مكتمل لزواج الثروة بالسلطة، حيث يتحوّل القانون إلى أداة انتقائية، وتُستبدل العدالة بمنطق الحصانة. في هذا السياق، لا يُنتهك الجسد فحسب، بل يُعاد تسويقه ليتحول الى سلعة ضمن نظام يعرف جيدًا كيف يحمي نفسه.

قضية إبستين، في جوهرها، ليست قصة جزيرة بعيدة، بل قصة عالم مألوف، نقرأ عنه في الأدب، ونشاهده في السينما، ثم نصرّ على التعامل معه بوصفه استثناءً. الاستثناء الحقيقي ليس وقوع الجريمة، بل لحظة انكشافها. أما ما عدا ذلك، فليس سوى استمرار لبنية تعرف جيدًا كيف تؤجّل الحساب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى