إعادة تعريف «فلسطين» في الرواية العربية الحديثة
إعادة تعريف «فلسطين» في الرواية العربية الحديثة .. (2016/ 2025)
روايات حزامة حبايب وعدنية شبلي نموذجا
مقدمة
بعد عقود من اهتمام الرواية العربية بتمثيل القضية الفلسطينية في صيغها الجماعية والبطولية، أصبح السرد العربي يكتب فلسطين من خلال الحدث اليومي، والهامشي. في هذا التحول، اهتمت الرواية بالألم الفردي، فاعتمت بعض الروايات الحديثة بتوثيق التجربة الفلسطينية من خلال استراتيجيات فنية وجمالية تجعل من اللغة ذاتها ساحة للصراع، وفي هذا السياق، نختار ثلاث روايات تشكّل، رغم اختلاف أساليبها، أفقًا سرديًا واحدًا، وهي روايات مخمل لحزامة حبايب، وتمويه، وتفصيل ثانوي لعدنية شبلي.
في مخمل، تُكتب فلسطين من داخل المخيم، عبر الجسد الأنثوي بوصفه حاملًا للذاكرة والرغبة، حيث يتحوّل الجسد إلى أرشيف حيّ لتجربة لا ترويها السجلات الرسمية. وفي تمويه، نجد سردًا مراوغًا يقوم على الالتباس وتفكيك الهوية، كأن الكتابة نفسها تحاول التحرر من سلطة التسمية أو التحديد. في حين تذهب تفصيل ثانوي إلى أقصى درجات الاقتصاد اللغوي، مستعيدة واقعة تبدو هامشية لتكشف كيف يتحوّل الصمت إلى إدانة أخلاقية.
يجمع منهج الدراسة بين التحليل السردي والمقاربة الثقافية، وينطلق التحليل من البنية السردية واللغة وتقنيات التمثيل، ثم يربط هذه العناصر بالسياق التاريخي والثقافي للتجربة الفلسطينية، بهدف الكشف عن تحوّلات تمثيل فلسطين في الرواية العربية المعاصرة؛ وتحليل الكيفية التي تُوثّق بها هذه الروايات التجربة الفلسطينية عبر التفاصيل اليومية والهامشية؛ وإبراز الظواهر الفنية المرتبطة بهذا التمثيل.
مبحث تمهيدي
من المعلوم بداهة أنه لا توجد “صورة واحدة” لفلسطين في الرواية العربية المعاصرة، ومن الطبيعي أن تُعاد كتابتها سرديًا وفق زوايا نظر متعدّدة، تتباين بتباين الرهانات الجمالية، ومواقع السارد، وخيارات اللغة والبناء. ومن هذا المنطلق، يمثل الفصل التأسيسي بوصفه مدخلًا إجرائيًا يحدّد الكيفية التي تُبنى بها فلسطين داخل كل رواية من الروايات الثلاث محلّ الدراسة، تمهيدًا للانتقال لاحقًا إلى التحليل الموضوعي والمقارن.
أولًا: فلسطين كتجربة معيشة في "مخمل"
في رواية مخمل"1"، لا تظهر فلسطين كساحة للصراع، ولكن بوصفها شرطًا حياتيًا يحدّد مسارات الوجود اليومي للشخصيات. تكتب حزامة حبايب فلسطين من داخل الهامش الاجتماعي والأنثوي، حيث يتقاطع الفقر، والمخيم، والعلاقات المختلّة، لتشكّل جميعها شبكة ضاغطة تحكم تفاصيل العيش.
الصورة السردية لفلسطين هنا لا تقوم على الذاكرة الوطنية المعلَنة، بل على الإحساس المستمر بالحرمان، وعلى هشاشة العلاقات الإنسانية داخل واقع مأزوم. وبهذا المعنى، تتحوّل فلسطين إلى فضاء معيش، وتُعاد كتابتها عبر تفاصيل تبدو شخصية أو حميمة، لكنها مشبعة بسياق جمعي غير معلَن.
ثانيًا: فلسطين كوضعية وجودية في تمويه
تتخذ صورة فلسطين في رواية تمويه "2" مسارًا مغايرًا؛ إذ تُبنى سرديًا عبر الغياب. تلجأ عدنية شبلي إلى كتابة تقوم على التقطيع، والاقتصاد، وتقليص الحدث، بحيث لا تُسمّى فلسطين غالبًا، لكنها تظل كامنة في كل تفصيلة سردية.
هنا، لا تظهر فلسطين بوصفها مكانًا محدّدًا بقدر ما تظهر كـوضعية وجودية تحكم علاقة الذات بالعالم: المراقبة، الخوف، الحذر، وانعدام اليقين. إن التمويه ليس تقنية فنية فحسب، بل منطق حياة، يعبّر عن ذات تعيش داخل نظام قهر لا يسمح بالوضوح الكامل. وبهذا، تُنتج الرواية صورة لفلسطين بوصفها حاضرًا في اللغة بقدر حضوره في الصمت.
ثالثًا: فلسطين كأثر استعمارِي في "تفصيل ثانوي"
وفي رواية تفصيل ثانوي"3"، تبلغ هذه المقاربة ذروتها؛ إذ تُعاد كتابة فلسطين من خلال حدث تاريخي عنيف يُروى من زاوية هامشية، وبأسلوب سردي بارد، يكاد يخلو من الانفعال. هنا، لا تُقدَّم فلسطين بوصفها مأساة تُستدرّ لها العاطفة، بل بوصفها أثرًا استعمارِيًا يتجلّى في اللغة الإدارية، وفي التعامل مع الجسد بوصفه مادة قابلة للمحو.
تعتمد الرواية تفكيك المركز السردي، وتُقصي البطولة، لتكشف عن منطق العنف الكامن في التفاصيل الصغيرة، لا في الحدث الكبير. ومن خلال هذا الخيار، تُنتج صورة لفلسطين بوصفها مساحة يُمارَس عليها المحو المنهجي، لا فقط عبر القوة، بل عبر اللغة، والتوثيق، والبرود. هذه الصورة لا تسعى إلى إعادة امتلاك التاريخ، بل إلى فضح استحالة تمثيله تمثيلًا كاملًا.
وأخيرا تكشف هذه المداخل الثلاثة أن فلسطين، في روايات حزامة حبايب وعدنية شبلي، لا تُكتب بوصفها كيانًا واحدًا أو خطابًا جاهزًا، بل بوصفها تجربة سردية متعددة الأشكال:
فلسطين كمعيش يومي في مخمل، وكشرك وجودي في تمويه، ثم كأثر يتعرض للمحو في تفصيل ثانوي.
1_ مخمل: رواية حزامة حبايب، الطبعة الأولى، 2016، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
2_ تمويه، رواية عدنية شبلي، الطبعة الأولى، 2025، دار الآداب، بيروت.
3_ تفصيل ثانوي، رواية عدنية شبلي، الطبعة الأولى، 2017، دار الآداب، بيروت.
المبحث الأول
تحوّلات التمثيل السردي لفلسطين
إذ لقد تحول تمثيل فلسطين في الرواية العربية جذريا خلال العقود الأخيرة، انتقلت بها من مركزية السرد الوطني، القائم على البطولة والمواجهة المباشرة، إلى كتابة تنشغل بالحياة اليومية، والهشاشة الإنسانية، والتمزقات النفسية التي يخلّفها العنف الاستعماري طويل الأمد. فأصبحت فلسطين تُكتب بوصفها تجربة معيشة، يتسرّب حضورها عبر الجسد، والذاكرة، واللغة. فمع التحوّلات السياسية والثقافية، ومع تراكم الخبرة الاستعمارية بوصفها عنفًا ممتدًا لا ينتهي عند لحظة المواجهة، اتجهت الرواية إلى مساءلة أدواتها نفسها: ماذا يعني أن نكتب فلسطين اليوم؟ وهل تظل الرواية قادرة على تمثيل “القضية” من دون الوقوع في اختزال أو تكرار؟
في هذا السياق، يمكن أن نعتبر روايات مخمل لـحزامة حبايب، وتمويه، وتفصيل ثانوي لـعدنية شبلي، نماذج دالّة على هذا التحوّل، وما يجمع بينها هو هذا التحوّل في الصوت السردي: فلم تعد هناك “نحن” الجماعية إلا نادرا، بينما تحضر “أنا” هشّة، مترددة، قلقة. هذا التحوّل لا يعني تخلّي الرواية عن فلسطين، بل إعادة تعريف علاقتها بها. فلسطين لم تعد تُكتب من الخارج، بل من داخل الأثر الذي تتركه في الأفراد، وخاصة النساء، بوصفهن أكثر الفئات تعرّضًا للتهميش المضاعف،
هذا ما يلتقي مع أطروحات النسوية ما بعد الاستعمارية، حيث يُنظر إلى الجسد الأنثوي بوصفه ساحة يتقاطع فيها السياسي والاجتماعي والثقافي. في مخمل، كما في روايتي شبلي، لا تنفصل التجربة الأنثوية عن السياق الفلسطيني، لكنها لا تُختزل فيه أيضًا.
في السرديات السابقة، كما يبيّن فيصل درّاج في قراءاته للرواية العربية "1"، كانت فلسطين تُقدَّم غالبًا بوصفها رمزًا جامعًا، تُختزل فيه معاني البطولة والخسارة والهوية. غير أن هذا التمثيل، على أهميته التاريخية، بدأ يفقد قدرته على التقاط تعقيد التجربة الفلسطينية المعاصرة، حيث لم يعد العنف حدثًا استثنائيًا، بل بنية يومية.
حزامة حبايب في مخمل، تكتب فلسطين من داخل التجربة الأنثوية المهمَّشة، حيث لا يحضر الاحتلال بشكل مباشر، بل كقوة كامنة تُعيد تشكيل العلاقات، وتضغط على الجسد والرغبة والاختيارات. إن غياب الخطاب السياسي الصريح يحول فلسطين إلى خلفية ضاغطة، تتجلّى في هشاشة الشخصيات، وفي شعورها الدائم بالحرمان وعدم الاكتمال. هنا، تصبح فلسطين “حالة شعورية”، تتجاوز التحديد الجغرافي. وشعورها بعنف المحتل ينعكس على كل شيىء حتى وصفها للمطر، نقرأ: "ضرب المطر الحياة العارية بشراسة، تساقطت ىحباته حجارة صلدة" "1"، ونقرأ: انهال المطر كوابل من الرصاص، على النوافذ الفزعة" "2".
أما عدنية شبلي، فتقدم في تمويه، كتابة تقوم على الإخفاء، والتقطيع، وتقليص الحدث، بما يجعل القارئ في حالة ترقّب دائم. فلسطين لا تُسمّى غالبًا، لكنها حاضرة بوصفها شرطًا خفيًا لكل توتر سردي. التمويه هنا ليس مجرد تقنية جمالية، بل تعبير عن وضعية الذات الفلسطينية التي تعيش تحت سلطة الاحتلال، حيث يصبح الوضوح نفسه خطرًا،
وفي تفصيل ثانوي تعيد عدنية شبلي كتابة حدث تاريخي عنيف من خلال زاوية هامشية، ترفض البطولة، وتتبنّى برودًا سرديًا مقصودًا. هذا البرود لا يخفف من وطأة العنف، بل يضاعف أثره، إذ يكشف عن لا إنسانيته من دون خطاب إدانة مباشر.
إن اختيار “التفصيل” بدل “الحدث الكبير” يعيد تعريف العلاقة بين التاريخ والسرد، ويضع القارئ أمام سؤال أخلاقي وجمالي: كيف نكتب العنف من دون استهلاكه؟
في السرديات التقليدية، كان الحدث —الهزيمة، المقاومة، المعركة— هو مركز الرواية، أما هنا، مثلا في تمويه، لا نجد حدثًا كبيرًا، بل مراقبة وانتظار وتوتر غير مُسمّى، وفي تفصيل ثانوي، يُعاد بناء حدث عنيف، لكن عبر تفكيكه إلى تفاصيل صغيرة، شبه محايدة، هنا، تتقاطع الرواية مع ما يذهب إليه "يان آسمان" في كتابه " الذاكرة الحضارية" "2" بخصوص أن الذاكرة لا تُحفظ عبر السرديات الكلية، ولكن عبر الشذرات والهامش والفراغات. فالذاكرة الحضارية عنده ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي عملية انتقائية نختار فيها ما ننساه وما نتذكره لنبني صورة لمستقبلنا"، وهذا ما تسهم فيه الروايات الثلاث.
كذلك تكشف الروايات المختارة هنا عن تحوّل واضح من الصوت الجمعي إلى الصوت الفردي، في مخمل، تتكلم الساردة من موقع ذاتي، في أحد المقاطع، يبدو السرد وكأنه يدور حول علاقة شخصية، لكن سرعان ما يتكشّف أن اختلال العلاقة ليس فرديًا خالصًا، بل محكوم ببنية قهر أوسع.
1_ فيصل دراج، نظرية الرواية والرواية العربية، 2003، المركز الثقافي العربي، ص 45
2_ يان آسمان، الذاكرة الحضارية، ترجمة عبدالحليم عبدالغني رجب، المشروع القومي للترجمة، مصر، 2003، من ص 101 حتى ص 104
المبجث الثاني
الجسد والأنوثة والذاكرة
هنا تفترض الدراسة أن الجسد الأنثوي في هذه الروايات لا يؤدّي وظيفة تمثيلية ثانوية، بل يشكّل بنية سردية ومعرفية، تُمارَس فيها الذاكرة الفلسطينية مقاومة صامتة، غير مباشرة، تبتعد عن الشعارات وتشتغل على الحسّ، والانفعال.
في مخمل، يحمل الجسد الأنثوي آثار المخيم، والفقر، والحرمان، والعلاقات المختلّة، ويختزن تاريخًا خاصا يظهر في المرض، والرغبات المؤجَّلة.
تغيب فلسطين في مخمل بوصفها تسمية سياسية مباشرة، لكنها تحضر كثقل وجودي يضغط على الجسد، ويعيد تشكيل علاقته بذاته وبالآخرين. يمكن ملاحظة ذلك في مقاطع تصف الجسد بوصفه موقعًا للإنهاك والرغبة معًا، فمثلا نقرأ: "لم يكن جسدي لي... كانوا يتصرفون فيه كما لو أنه ملكهم" 1"، وفي موضع آخر، يحتفظ الجسد بما تنساه اللغة. تقول:
"جسدي يتذكر ما أحاول نسيانه" "2" وفي سياق مختلف يتحول الجسد من موضوع للقهر إلى أداة للانبعاث. وهذه واحدة من أهم تحولات الرواية، مثلا نقرأ:" حين لمستُ جسدي كما لو أنه لي لأول مرة، شعرت أنني أستعيد نفسي" "3"
هذا الحضور غير المعلن يتقاطع مع ما يشير إليه عبد الله إبراهيم في حديثه عن “السرديات المضمَرة” "4"، حيث تتحوّل القضايا الكبرى إلى بنى نفسية ومعيشة. فالجسد الأنثوي هنا هو المكان الذي تُعاد فيه كتابة النكبة بوصفها تجربة مستمرة، لا ذكرى منتهية.
ولا تُقدَّم الأنوثة في مخمل بوصفها هوية مكتملة بل بوصفها حالة صراع دائم بين الرغبة والقمع، بين الحاجة إلى الحب والخوف من العار، وبين الجسد كملاذ والجسد كعبء. هذا التوتر لا ينفصل عن السياق الفلسطيني، بل يتغذّى منه؛ إذ يتضاعف القهر الاجتماعي داخل واقع محكوم بالاحتلال والتهميش، وبذلك، تتحوّل الأنوثة إلى عدسة نقدية تكشف كيف يتسلّل العنف السياسي إلى أكثر العلاقات حميمية، وكيف يُعاد إنتاجه داخل البنية الاجتماعية نفسها. هذه المقاربة تتيح فهم فلسطين لا بوصفها ساحة مواجهة عسكرية فقط، بل بوصفها بنية قهر تتوزّع على مستويات متعددة، وهو ما يشكّل جسرًا تحليليًا مع الفصل الثالث المتعلّق بالبنية السردية والصمت.
وعلى النقيض من الفيض الحسي في مخمل، تقدّم تمويه لعدنية شبلي جسدًا يكاد يكون غائبًا، أو محايدًا ظاهريًا، لكنه مشحون بتوتر مكتوم. يتخذ الجسد في «تمويه» بعدًا يتجاوز كونه موضوعًا للعنف، ليغدو خزانًا صامتًا للذاكرة، ذاكرة لا تُروى بل تُعاش كإحساس دائم بالتهديد. فالجسد لا يتكلم، لكنه لا ينسى؛ إذ يحتفظ بما جرى في هيئة توتر خفي، وارتباك داخلي، وانفصال عن العالم. تقول الرواية في لحظة دالة: "كان الجسد ساكنًا، كأنه لم يعد له علاقة بما يحدث حوله" "5"، وهي عبارة تكشف عن انقسام داخلي، حيث ينسحب الوعي تاركًا الجسد أسير ما خُزّن فيه من أثر. وفي موضع آخر، يتجلى هذا التخزين الصامت للخوف عبر الإحساس المستمر بالتهديد: "كل شيء يبدو عاديًا، لكن شيئًا ما كان دائمًا على وشك الحدوث" "6"، ما يعكس كيف تتحول التجربة العنيفة إلى حالة ترقّب لا تنتهي. بهذا المعنى، لا تعود الذاكرة في الرواية سردًا حكائيًا يمكن استعادته أو تنظيمه، بل تتحول إلى أثر جسدي مبثوث في التفاصيل اليومية، إلى قلق غير مرئي، وإلى وعي مشروخ بالعالم. ومن هنا ينسجم ذلك مع منطق "التمويه" بوصفه استراتيجية وجودية.
تصل "تفصيل ثانوي" إلى ذروتها النقدية في لحظة لا تكون فيها الفتاة البدوية مجرد ضحية، بل "تفصيلاً" يُعاد تشكيله بحسب رغبة الجلاد. فالمشهد المركزي للاغتصاب العلني، حيث يأمر الضابط بنزع ملابس الفتاة بالكامل ويُخضع جسدها لنفور مياه الخرطوم أمام أعين الجنود "7"، ليس مجرد مشهد عنف جسدي، بل هو مشهد طقوسي لإعادة إنتاج السلطة الاستعمارية عبر تجريد الجسد الأنثوي من خصوصيته وإنسانيته. فالجسد هنا يُعامل بوصفه “تفصيلًا”، رقمًا، أثرًا قابلًا للمحو، غير أن هذا التشييء لا يُعيد إنتاج العنف، بل يفضحه.
هكذا، يصبح الجسد الأنثوي في الرواية مرآة مكسورة تعكس ازدواجية المشروع الاستعماري: من جهة، هو جسد يُعامل كشيء، كرقم في تقرير عسكري، كجثة في بئر، و"تفصيل ثانوي" في هامش التاريخ الرسمي. ومن جهة أخرى، هو بالضبط هذا التفصيل الثانوي الذي يفضح كل محاولات التجميل والتبييض، ويجعل القارئ، مثل الباحثة الفلسطينية، عاجزاً عن صرف بصره عنه.
لا تُقدَّم الذاكرة في روايات حزامة حبايب وعدنية شبلي بوصفها استدعاءً خطّيًا للماضي أو إعادة بناء سردية للأحداث، بل بوصفها حالة وجودية متوتّرة، تتشكّل بين ما يُعاش وما يُمحى، وبين ما يُقال وما يُترك عمدًا في منطقة الصمت. ويمكن، في هذا السياق، تمييز نمطين أساسيين للذاكرة يتقاطعان ولا يتناقضان: ذاكرة الامتلاء الجسدي، وذاكرة الفراغ والصمت.
في مخمل، تتجسّد الذاكرة بوصفها ذاكرة جسدية كثيفة، حيث يصبح الجسد ذاته مخزنًا للتاريخ الشخصي والجماعي معًا. لا تستعيد الشخصية ماضيها عبر الحكي المباشر، بل عبر الإحساس: الألم، الرغبة، الخيبة، والحنين. إن الجسد هنا لا يتذكّر حدثًا بعينه، بل يتذكّر حالة دائمة من العيش في الهامش، وهو ما يجعل الذاكرة فعلًا يوميًا، لا لحظة استرجاع. بهذا المعنى، تتحوّل الذاكرة إلى ما يشبه “الزمن المتراكم” الذي يثقل الجسد ويشكّل وعيه بذاته وبالعالم.
في المقابل، تقوم الذاكرة في تمويه وتفصيل ثانوي على منطق مغاير، حيث لا تُبنى عبر الامتلاء، بل عبر الفراغات والفجوات. الذاكرة هنا ليست ما يُروى، بل ما يتعذّر قوله، وما يُقصى من السرد. فالأحداث العنيفة لا تُستعاد بوصفها صدمة مكتملة، بل كأثر باقٍ، كتوتر غير مرئي، أو كبرودة لغوية تُخفي بقدر ما تكشف. إن هذا النمط من الذاكرة لا يسعى إلى التملك أو الشفاء، بل يصرّ على إبقاء الجرح مفتوحًا، بوصف ذلك موقفًا أخلاقيًا من التاريخ.
وإذا كانت الذاكرة الجسدية في مخمل تسعى إلى تثبيت التجربة عبر الإحساس، فإن الذاكرة الصامتة في روايتي عدنية شبلي تعمل على تفكيك وهم التمثيل ذاته. فالصمت هنا مقاومة لمحاولات تطبيع العنف عبر اللغة، بحيث يُعيد للذاكرة وظيفتها النقدية، ويمنع تحويلها إلى مادة استهلاكية أو خطاب جاهز.
من هذا المنظور، تتكامل الروايات الثلاث في تقديم تصور مركّب للذاكرة الفلسطينية: ذاكرة تتوزّع بين الجسد والصمت، وبين الحضور القلق والغياب الدال. وتكشف هذه الازدواجية أن الذاكرة، في السياق الفلسطيني، لم تعد مجرد أداة لاستعادة الماضي، بل هي أيضا وسيلة لفهم الحاضر، ولمقاومة آليات المحو التي تسعى إلى نزع المعنى عن التجربة الإنسانية ذاتها.
1_ مخمل، ص 7
2_ مخمل، ص 7
3_ مخمل، ص 158
4_ عبدالله ابراهيم، السردية العربية الحديثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013.، ص 112
5_ تمويه، ص 18
6_ تمويه، ص 32
7 - تفصيل ثانوي، ص 16
المبحث الثالث
اللغة والصمت والبنية السردية
يمثل الاقتصاد اللغوي، وتوظيف الصمت والفراغ، في الروايات الثلاثة استجابة فنية واعية لمأزق الكتابة عن تجربة تتعرّض باستمرار للمحو. في مخمل، تعتمد حزامة حبايب لغة مشبعة بالجسد. هناك حضور واضح للمفردات الحسية: اللمس، الحرارة، الألم، النعومة. وكأن النص كله مكتوب بلغة جسدية، وهذا ما يجعل العنوان (مخمل) ليس مجرد استعارة، بل بنية كاملة تحكم النص. فالمخمل، بملمسه الناعم، يخفي تحته أحيانًا قسوة، أو ألمًا غير مرئي. تجمع لغة الرواية بين رهافة شعرية وقسوة دلالية. مثلا قولها:
"1""كنت أبتسم، لكن شيئًا داخلي كان ينكسر بصمت"
وفي المقابل، تقوم لغة تمويه وتفصيل ثانوي على الاقتصاد، والاقتضاب، وتفكيك الجملة إلى وحدات قصيرة، مشحونة بتوتر خفي. هذا الاختيار يعبّر عن وعي بأن الإفراط في القول قد يتحوّل إلى شكل من أشكال العنف، أو إعادة إنتاجه سرديًا.
ففي تمويه نقرأ:
"2" "كان الجسد ساكنًا، كأنه لم يعد له علاقة بما يحدث حوله"
وفي "تفصيل ثانوي" ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل اللغة على وقع إيقاع بطيء وجمل قصيرة: "لم يكن هناك ما يتحرك سوى السراب. جرداء شاسعة مساحات... كاد ضوء شمس العصر الحاد أن يمحو الخطوط" "3"
يقوم الصمت في هذه الروايات بدور بنيوي في إنتاج المعنى. تشتغل رواية مخمل على الصمت لا بوصفه غيابًا للكلام، بل كحضور كثيف يتخلل السرد ويمنحه توتره الداخلي. فالصمت هنا لغة موازية، تكشف عن مناطق في التجربة تعجز الكلمات عن احتوائها. في أكثر من موضع، يبدو أن الساردة تتعمد الانسحاب من القول إلى حافة الصمت، كما لو أن الحقيقة لا تُحتمل إذا صيغت مباشرة، فتقول:
"أصمت لأن الكلام يفضحني أكثر مما يحتمل قلبي"، " "4
وتقول: " كان الصمت أثقل من جسدي، كأنني أحمله ولا أستطيع إسقاطه" "5"
بهذا المعنى، يتحول الصمت إلى استراتيجية دفاعية، بالإضافة لكون فعل كشف مؤجل، إذ يضاعف من كثافة المعنى.
ويتخذ طابعًا إيقاعيًا داخل النص، حيث تتخلل الجمل فراغات دلالية، وتظهر التقطعات كعلامات على ما لم يُقل. لذلك يمكن القول إن جماليات الصمت في الرواية تنبع من كونه مساحة تأويل مفتوحة، يشارك القارئ في ملئها، ليس عبر ما يقرأه فقط، بل عبر ما يشعر بغيابه.
وفي روايتي عدنية شبلي، على وجه الخصوص، يُستخدم الصمت لتقويض وهم الشفافية السردية، ولمنع القارئ من الاستقرار في معنى نهائي. الأحداث تُروى ناقصة، الدوافع تبقى ملتبسة، والنتائج لا تُستكمل، بما يحوّل الصمت إلى مساحة توتّر أخلاقي.
تتأسس «تمويه» على جماليات صمت كثيف، حيث لا يُنظر إلى الصمت كحضور بديل غيابًا للكلام، فالصمت في الرواية بنية دلالية تُنتج التوتر وتُعمّق الإحساس بما لا يُقال. مثلا نقرأ: "لم يقل أحد شيئًا" "6"
هذه الجملة البسيطة، تؤسس لمنطق سردي كامل، حيث يُترك الحدث دون تعليق، كأن اللغة نفسها تتواطأ مع التمويه. ويتكرر هذا المنطق في موضع آخر: "لم يسأل أحد، ولم يجب أحد" "7"، حيث يتحول الصمت إلى فعل جماعي، إلى شكل من أشكال المشاركة في إخفاء الحقيقة. كما يتجلى الصمت في العلاقة مع الحدث ذاته، إذ تقول الساردة: "لا شيء، فقط صمت طويل" "8"، بهذا المعنى، يصبح الصمت في الرواية أداة جمالية، تُراكم الدلالة عبر الحذف، وتدفع القارئ إلى الإنصات لما بين السطور، حيث يتشكل المعنى الحقيقي.
وفي "تفصيل ثانوي" يرتبط صمت الباحثة الفلسطينية، بالخوف والتلعثم. تقول عن نفسها: "ما إن أرى أحداً حتى أركض مسرعة نحوه وأقفز عنه، أو أتجاوزه خلسة بخطوة... إن الأمر أقرب إلى الخراقة""9". كما تصف كيف تتلعثم أمام الجندي في الحاجز، وكيف يخدر جسدها ويتجمد لسانها. هذا الصمت ليس اختيارياً، بل هو نتيجة مباشرة للعنف اليومي للحواجز والاحتلال، حيث يصبح الكلام مستحيلاً أو خطيراً، وتصل جماليات الصمت إلى ذروتها في المشهد الأخير على سطح المبنى الإسمنتي، حيث تقف الباحثة وحدها تنظر إلى المعسكر والصحراء. إن الصمت في الرواية هو لغة أخرى، لغة الجسد المرتجف، ولغة التفاصيل الصغيرة التي تتحدث عندما يعجز اللسان.
أيضا تبتعد الروايات الثلاث عن الحبكة التقليدية القائمة على التنامي الدرامي والحلّ النهائي. ففي تمويه وتفصيل ثانوي، يتقدّم السرد عبر مشاهد متقطّعة، بلا ذروة واضحة، بينما تتشكّل مخمل من وحدات سردية أقرب إلى الاعترافات المتجاورة.
هذا التقطيع يعكس طبيعة التجربة الفلسطينية ذاتها، بوصفها تجربة غير مكتملة، فكما أن التاريخ الفلسطيني يعيش انقطاعات قسرية، يعيش السرد بدوره على إيقاع الانفصال وعدم الاكتمال. وهنا، تتقاطع البنية السردية مع الرؤية العامة التي عرضها الفصل الأول حول تحوّل تمثيل فلسطين من الكلّي إلى الجزئي.
يبلغ هذا الوعي الجمالي ذروته في تفصيل ثانوي، حيث يُوظَّف أسلوب قريب من الوثيقة، يتّسم بالبرودة والدقة، لتعرية منطق العنف الاستعماري. فاللغة هنا تحاكي لغة السلطة لتفضحها، وتعيد إنتاجها سرديًا لتكشف خوائها الأخلاقي.
هذا الاختيار يضع القارئ أمام تجربة قراءة غير مريحة، تُجبره على مواجهة العنف من دون وساطة عاطفية. وهو ما ينسجم مع هدف الرواية في منع تحويل المأساة إلى مادة تعاطف استهلاكي، ويعيد طرح سؤال العلاقة بين السرد والأخلاق.
1 _ مخمل ص 72
2 - تمويه ص 18
3 - تفصيل ثانوي ص 6
4 - مخمل ص 48
5- مخمل، ص 119
6_ تمويه 12
7 _ تمويه 43
8_ تمويه 57
9_ تفصيل ثانوي، ص 35
خاتمة
تُظهر هذه الدراسة أن التحوّل في تمثيل فلسطين لا يكمن في تغيير الموضوع، بل في إعادة تعريف شروط تمثيله.
فالروايات المدروسة لا تسعى إلى تقديم سردية بديلة للتاريخ، بقدر ما تعمل على تفكيك إمكانية السرد ذاته. عبر تحوّل في منطق السرد نفسه: من الخطابة إلى الحساسية، من البطولة إلى الهشاشة، ومن التاريخ المعلن إلى الأثر الكامن. ففي مخمل، تُكتب فلسطين من داخل التجربة اليومية، حيث يغدو الجسد الأنثوي حاملًا لذاكرة لا تُدوَّن في الأرشيفات، بل تُعاش في تفاصيل العيش والهامش. وفي تمويه، تتحوّل فلسطين إلى شرط وجودي خفي، تُعبّر عنه اللغة المقتصدة والصمت بوصفهما استراتيجيتين للبقاء والكتابة تحت القهر. أما في تفصيل ثانوي، فتبلغ هذه المقاربة ذروتها عبر تفكيك الوثيقة نفسها، وكشف كيف يُدار التاريخ بهدف محوه.
وتُظهر الدراسة، في ضوء ذلك، أن الجماليات السردية—من اقتصاد اللغة إلى الفيض الحسي، ومن التقطيع إلى الصمت—ليست اختيارات شكلية محايدة، بل مواقف أخلاقية من الكتابة عن فلسطين. فكل قرار جمالي هو في جوهره قرار حول كيفية تمثيل العنف من دون إعادة إنتاجه، وحول كيفية حفظ الإنسان من دون ادّعاء امتلاك الحقيقة كاملة.
بهذا المعنى، تسهم روايات حزامة حبايب وعدنية شبلي في إعادة تعريف موقع فلسطين داخل الرواية العربية المعاصرة: لا بوصفها موضوعًا للتمثيل فحسب، بل بوصفها اختبارًا دائمًا لأخلاقيات السرد وقدرته على الإنصات لما لا يُقال، وحماية ما لا يمكن قوله. ومن هنا، تؤكد هذه الدراسة أن الرواية، حين تكتب فلسطين خارج الخطابة، لا تفقد بعدها السياسي، بل تستعيده في أكثر أشكاله عمقًا: بوصفه دفاعًا عن التجربة الإنسانية في مواجهة المحو والنسيان.
المراجع والمصادر
أولا: المصادر:
1_ مخمل: رواية حزامة حبايب، الطبعة الأولى، 2016، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
2_ تمويه، رواية عدنية شبلي، الطبعة الأولى، 2025، دار الآداب، بيروت.
3_ تفصيل ثانوي، رواية عدنية شبلي، الطبعة الأولى، 2017، دار الآداب، بيروت.
ثانيا المراجع:
1 - عبدالله ابراهيم، السردية العربية الحديثة: بحث في البنية والدلالة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2013
2_ فيصل دراج، نظرية الرواية والرواية العربية. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003
3 _ يان آسمان، الذاكرة الحضارية، ترجمة عبدالحليم عبدالغني رجب، المشروع القومي للترجمة، مصر، 2003
