إيقاعات فلسطينية في الرواية العربية
– إن طرح وشرح القضية الفلسطينية في الرواية أمر صعب ومع ذلك هناك روايات قد تصدّت لذلك, وأجادت في طرح القضية وإعطاء الحل وقدّمت صورة البطل، وأطلقت التنبيه القومي ، ورسمت الأمنيات عبر الوحدة والتعاون والانتقال إلى الفعل بدلاً عن الكلام . وقد طرق هذا الأمر كتّاب كثيرون في مجال الرواية في الوطن العربي ويمكن الإشارة لبعض الروايات.
يركز البحث على عدة مجالات منها الملامح الرئيسية للشخصية الفلسطينية في الرواية العربية من خلال وصف الواقع وتحديد مسمياته بوصفه معطى مستقلا عن الوعي ومدركا من خلاله.
تجسد الرواية العربية فلسطين كقضية مركزية، مصورةً النكبة والتهجير، والشخصية الفلسطينية المقاومة، وحياة المخيمات، والحنين للأرض. وتتنوع الملامح بين توثيق التاريخ (من الانتداب إلى الانتفاضات)، وتصوير المعاناة، ورمزية الأرض كأم وهويّة، مما يجعلها «وطناً يعيش في أهله» لا مجرد رقعة جغرافية.
وتقدم الدراسة أبرز ملامح فلسطين في الرواية العربية منها:
ثنائية الأرض والشتات: ركزت الروايات على فقدان البيت والأرض إثر النكبة وما تبعها من تشتت، مقابل تمسك الذاكرة الفلسطينية بالقرى والبيوت الأصلية.
تصوير المعاناة والمقاومة: وثقت الروايات بطش الاحتلال، وبرزت الشخصية الفلسطينية كنموذج للمناضل أو اللاجئ المتمسك بحق العودة، في أعمال روائية عديدة.
المخيم كفضاء روائي: أصبح المخيم مكاناً سردياً رئيسياً يعكس حياة اللاجئين، الغربة، والبحث عن الهوية.
الذاكرة التاريخية: استحضرت الروايات فترات مفصلية، منها الانتداب البريطاني، النكبة، النكسة، والانتفاضات، لتحويل الحدث السياسي إلى سرد إنساني.
الشخصية المتشائلة: قدم الأديب إميل حبيبي شخصية "المتشائل" (سعيد أبي النحس) كرمز للجمع بين التشاؤم والتفاؤل في ظل واقع مركب. (1)
وهناك أبرز الأعمال والروائيين منها:
أعمال [غسان كنفاني] ("رجال في الشمس")، [إميل حبيبي] ("المتشائل")، [إلياس خوري] ("باب الشمس")، [رشاد أبو شاور]، وغيرهم، رصدت تطور القضية، وإن ظل الحضور الروائي يرى في بعض التحليلات أنه لا يزال دون حجم القضية الفعلي.
وهناك عشرات الروايات في المقابل، جاءت فلسطين فيها كخبر عاجل أو عابر، ثم ينطفئ دون تأثير لاحق، أي أنها حدث من عشرات أو مئات الأحداث...
وفي مقال (فلسطين في شتات الرواية العربية )-في جريدة القدس العربي بتاريخ
جاء فيها :(إن فلسطين قضية بقدر ما هي بلاد. لذلك يفترض أن تحضر فلسطين في الخطاب الروائي العربي، وبصورة أكثر كثافة مما هو متحقق من تلك الزاوية )(2)
توقف الروائيون عند أهم الأزمنة المفصلية في تاريخ فلسطين سعيا لإحياء تاريخها وتجذيره في الوجدان والذاكرة، وكشف معاناة أهلها...
عبارات قصيرة عن فلسطين | اقتباسات عن فلسطين مؤثرة – فرصة و لن تخطئ البوصلة الطريق أبدًا، ستظل تُشير إلى فلسطين. (3)
وهناك عشرات الروايات في المقابل، جاءت فلسطين فيها كخبر عاجل أو عابر، ثم ينطفئ دون تأثير لاحق، أي أنها حدث من عشرات أو مئات الأحداث التي تضمنتها ...
ونجد صورة الفلسطيني في الرواية العربية: من خلال الروائي حيدر حيدر مثالاً إذ تعد رواية [حقل أرجوان] الكاتب السوري حيدر حيدر من الروايات العربية المبكرة التي حفلت بنماذج فلسطينية مختلفة، فقد صدرت الرواية في نهاية سبعينيات القرن العشرين تقريباً، وهي الفترة التي شهدت صعود العمل الفدائي في الأرض المحتلة وخارجها معاً، وإن أتت على المقاومة الفلسطينية قبل العام 1948 مجسدة بالقسّام وعبد القادر الحسيني ثم تقمصت الكولونيل محمد خال الفدائي؛ محمد الذي استشهد قبل العام 1948 وأرادت أخته لابنها أن يكون على شاكلته لا مثل أبيه الذي يهمه العمل والعيش ولا يفكر في الالتحاق بالمقاومة والدفاع عن الوطن. لقد تساوى في رأس المرأة الحياة والموت وحين استشهد أخوها لم ترد التصديق، ذلك أنه تماثل في تفكيرها مع الإله الحي، والطريف أن والدة الدكتور نافذ لم تكن المثال الذي اختاره نموذجاً لزوجة له، وأغلب الظن أنها نموذج يعيش في ذهن الروائي أكثر مما يعيش على أرض الواقع، فإذا ما قارنا بين هذه المرأة والمرأة الفلسطينية في أدبيات فلسطينية أنجزت قبل العام 1980 بالكاد نعثر على نموذج نسوي يصل إلى هذا النموذج في الوعي الوطني، وهنا أشير إلى بعض قصص نجاتي صدقي ”حياة بلابسي” وسميرة عزام ”خبز الفداء ” وفي القصتين صورة للمرأة الفلسطينية المشاركة في العمل الوطني.
في الرواية عموما امرأتان؛ الأم والزوجة، وهما نموذجان مختلفان كلياً في التعامل مع الحياة ومع القضية الوطنية .
يروي ماجد وهو حزين “عن الولد الذي لا وطن له ولا أب. سمع ما يكفي من المهانات الذاتية والوطنية .. عن الفلسطينيين اللاجئين والذين باعوا أراضيهم لليهود، وبعد أن شب وانتسب إلى الجامعة عرف وشاهد ما حلّ بقومه من الذل والتعذيب والقتل من الحكام العرب الأشاوس. حوّلته الصدمات إلى انسان عصابي سريع الانفعال سوداوي المزاج جاهز للاستثارة والضرب بوحشية تصل حدود القتل ”وماجد” علماني، وبيني وبين الله ما بين الأرض والسماء من مسافة” ويعزو المجازر البشرية إلى ”البنتاغون والسي . آي. ايه والماسونية والصهيونية”.
فما صلته بماجد أبو شرار؟
ماجد زهوان الثوري دارس التاريخ اللاجئ والمثقف الذي لم يرق له “أوسلو”، المحب لوطنه والعاشق لراوية يفجر نفسه في السفارة الإسرائيلية في قبرص في الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد المثقف الفلسطيني ماجد أبو شرار القائد في حركة فتح الذي اغتاله الموساد في روما في بداية تشرين الأول من العام 1981 يوم اغتيال الرئيس أنور السادات. فهل عبثاً اختار حيدر حيدر اسم ماجد اسماً لشخصية روايته وجعله يتطابق في ثوريته مع ثورية ماجد؟
هذه الصورة لماجد وهذه العلاقة بينه وبين راوية سوف نقرأ شبيها لها في رواية فواز حداد ”المترجم الخائن” ولكن مع اختلاف النهايات؛ نهاية ماجد ونهاية الثورة الفلسطينية ونهاية العلاقة بين الحبيبين. وما يلفت النظر بين الروايتين أن الحبيب هو فدائي فلسطيني وأن المحبوبة هي فتاة سورية تهجر أهلها وتلتحق بحبيبها.
لا تمثل نسبة تذكر قياساً إلى الكم الروائي العربي الضخم(4)
ليس من السهل العثور على فلسطين في الرواية التي لم يكتبها فلسطينيون، على النقيض مما هو حاصل في الشعر، حيث تتزاحم القصائد العربية حول فلسطين. والظاهرة لافتة فعلاً وتستدعي التساؤل عن الأسباب. إحدى الإجابات المتكررة هي أن الرواية، على عكس الشعر، فن أدبي اجتماعي حتى حين يتناول التاريخ أو السياسة. ففي مجمل الحالات تعنى الرواية بالمجتمع الذي أنتجت فيه وليس بمجتمعات أخرى أو بقضايا خارج إطار الحياة القريبة المحيطة بالكاتب. من هنا يتكثف حضور مصر في الرواية المصرية، والسعودية في الرواية السعودية، والجزائر في روايات الجزائريين وهكذا. الحالات التي تخالف هذه القاعدة تعد استثناءات.
غير أن السؤال يظل ملحاً: ليست فلسطين بلاداً كالبلاد العربية أو حتى غير العربية، هي بلاد محتلة من قبل عدو للعرب جميعاً كما للإنسانية كلها. إن فلسطين قضية بقدر ما هي بلاد. لذلك يفترض أن تحضر فلسطين في الخطاب الروائي العربي، وبصورة أكثر كثافة مما هو متحقق من تلك الزاوية على الأقل. وقد حضرت بالفعل لكن ليس بالحجم المتوقع.
الروايات التي يمكن القول إنها تتصل بفلسطين لا تمثل نسبة تذكر قياساً إلى الكم الروائي الضخم في أرجاء الوطن العربي. ومع أن من شبه المؤكد أن تلك الروايات القليلة ليست كل ما هنالك، لكن صعوبة العثور على غيرها دال بحد ذاته على تواري الانشغال الروائي بفلسطين. في عام 2009 طرحت صحيفة «الخليج» الإماراتية سؤالاً على عدد من الكتاب العرب حول حضور فلسطين في الرواية العربية، وذكر الكتاب عدداً من الروايات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. أحدهم فسر ذلك الوضع بالإشارة إلى هامش الحرية الضيق في البلاد العربية، وهو تفسير غير مقنع تماماً، لأن الرواية العربية تناولت قضايا البلاد التي نشرت فيها دون أن يمنعها الرقيب بالضرورة. ما أجمع عليه المشاركون هو بالفعل ضعف حضور فلسطين في الرواية العربية غير الفلسطينية مقارنة بحضورها في الرواية الفلسطينية.
من بين تلك الاستثناءات، نجد روايتين عربيتين تحضر فيهما فلسطين بصورة لافتة، وإن كانت جزئية، وأراهما من هذه الزاوية جديرتين بالنقاش لإيضاح نسبة الحضور الفلسطيني فيما سميته «شتات الرواية العربية».
الرواية الأولى هي «أمريكانلي» (أمري كان لي) (2004) للكاتب المصري صنع الله إبراهيم، يروي حكايتها أستاذ تاريخ مصري يذهب إلى أميركا بدعوة من مركز دراسات جامعية لتدريس التاريخ المصري. أما رواية أميمة الخميس فترسم مشاهد من الحياة الاجتماعية في مدينة الرياض في فترة الستينات. وفي كلتا الروايتين، تحضر فلسطين بوصفها قضية قومية، وفي صورة شخصيات تمثل شريحة من الفلسطينيين العاملين في البلاد العربية.
في رواية صنع الله إبراهيم، نلتقي الباحث المصري شكري أثناء فترة إقامته في مدينة سان فرانسسكو، حيث يلتقي عدداً من العرب المهاجرين، من بينهم أستاذ أدب فلسطيني متزوج من محامية أميركية لكنه متحمس للقضايا العربية ومؤمن بنظرية المؤامرة في كل الأحداث إلى ما تفعله الموساد والصهيونية، وكان في مقدمة الأحداث في تلك الفترة فضيحة الرئيس الأميركي كلينتون مع سكرتيرته مونيكا. يرى مروان الفلسطيني أن الموساد ضالع في تلك الحكاية لكي تحول دون طرح كلينتون لخطة سلام بين العرب وإسرائيل. في مقابل ذلك يرى الأستاذ المصري ماهر، وهو رئيس القسم الذي يعمل فيه شكري في مركز الأبحاث، أن مشكلة العرب هي التعلق بنظرية المؤامرة. التقابل بين الرأيين يشير إلى اندماج ماهر في المجتمع الأميركي، فولداه لا يتحدثان العربية، وكذلك إلى التزام الفلسطيني بالقضية العربية مع نقده المتواصل لأميركا.
إشارة أخرى تأتي حين يرى شكري زميله المصري ماهر مع يهودي متخصص في الدراسات التوراتية. يقول ماهر عنه: «هذا هو اليهودي الوحيد هنا المعادي للصهيونية». ويتضح أن عداء ذلك اليهودي للصهيونية ومناداته بأن «على اليهود أن يبقوا في بلادهم الأصلية» لم يحل دون تمسك زوجته الإسرائيلية بحق إسرائيل في الوجود. قضية فلسطين حاضرة ضمناً بطبيعة الحال في ذلك الحوار، لكنها تعود بصورة مباشرة وفي سياق مشابه حين يتحدث شكري إلى طالب أميركي أراد أن يشرع في رسالة دكتوراه حول الجيل الجديد من المؤرخين في إسرائيل، ويأتي ليستشير شكري ويطلب مساعدته لإنقاذ مستقبله، لأن الجامعة رفضت موضوع الرسالة المثير للجدل. فهو يريد أن يكشف زيف الادعاءات الصهيونية حول تاريخ إسرائيل مستشهداً بما ذكره أحد أولئك المؤرخين وهو بني مورِس حين قال: «... لقد كذب زعماؤنا علينا عندما أخبرونا أن عرب (اللد) و(الرملة) طلبوا مغادرة بيوتهم بمحض إرادتهم...» إلى أن يصل إلى القول: «... أما كذبة الأكاذيب التي أسموها (الاستقلال) فهي في (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)» 2.
من هذا يتضح أن الحضور الفلسطيني في رواية صنع الله إبراهيم هو حضور الشتات من ناحية، وسعي الكاتب من ناحية أخرى إلى التأريخ للمواقف الغربية الأميركية بصفة خاصة تجاه فلسطين وإسرائيل التي تحضر من حيث هي الكيان المسؤول عن الشتات وعن النكبة. التأريخ هو ما يمارسه كاتب عربي يتبنى بصورة واضحة، وإن كانت ضمنية، موقفاً داعماً للقضية الفلسطينية ومناهضاً لأعدائها. ولا شك أن كون الرواية تأريخية وتوثيقية أعان على التعبير عن تلك المواقف بأسلوب يصعب اتباعه في أساليب السرد التي تعتمد المخيلة وإن كانت واقعية. يصدق ذلك، إلى حد ما، على الرواية الأخرى، رواية «البحريات» (2006) للكاتبة السعودية أميمة الخميس.
ترصد «البحريات» مرحلة من النمو الاجتماعي والاقتصادي في مدينة الرياض في فترة كانت مفصلية من عدة نواح، من أبرزها تطور في التعليم تمثل في السماح بافتتاح مدارس للبنات التي كان تعليمها مخاضاً صعباً في مجتمع محافظ وتحكمه في تلك الآونة مؤسسة دينية متشددة ظلت تمانع في ذهاب الفتيات إلى المدارس فترة طويلة. في الرواية
تصف راوية ملامح ماجد الخارجية، فهو ذو قامة باسقة وابتسامة لافتة وعينان مضيئتان كصقر. وسيكون لها حبل إنقاذ من ورطتها بعد ارتداد أبيها ومحاولة أخيها التحكم بسلوكها ومعاقبتها. لقد أحبته ورأت فيه نوعاً من الحنين إلى أب مفتقد أحبته حين كان شيوعياً ومتحرراً قبل أن يرتد إلى الطائفة، ورأت في ماجد ما كان عليه أبوها يوم رباها على الحرية، وتلتحق به لاحقا في قبرص وتتوطد علاقتهما معا وينفقان أوقاتاً سعيدة جداً، ففي ” ليلة قمرية ونحن نشرب الأوزو اليوناني على شرفة بيتنا في نيقوسيا خطر لي أن أفكر قليلا صفاء بحيرة الرجل الحكيم والمكتنف بالصمت غالباً” وتكرر ما رأته فيه وتقر أنه صديقها الرائع ” وتعويضي الأبوي، والحنين الجارح إلى إخوتي وأمي وجدتي”.
(5)
وهناك مقالة تقوم بدراسة رواية "نوار العلت" (2021) للأديب محمد علي طه التي تعتمد في طرحها الرئيسي على تصوير حياة الإنسان العربي الفلسطيني الباقي هنا، في حدود ما يعرف بمنطقة ال48، الذي ما زال يصارع في سبيل ترسيخ وجوده وتثبيت وجهة نظره اعتمادا على رؤى وأفكار متناقضة ومتناحرة مع رؤى الآخر. تعمل المقالة على تبيان الصراع الفكري وأبعاده وانعكاساته على حياة الأقلية العربية كما يتجلى في النص ذاته، دون إغفال البيئة الحاضنة لهذا النص، وتشريح أهمية توظيف أكثر من أيديولوجيا في الرواية، وانعكاس ذلك على رسم الشخصيات وعلى بناء هيكل الرواية الفنيّ. ليس بالإمكان الحديث عن عمل أدبي فلسطيني مؤدلج دون ربطه بالمكان والزمان، وبالظروف التي يعيش في ظلها الأديب والأدب، خاصة حين يكون الكاتب صاحب تجارب سابقة تؤكد على ترابط وثيق بين إبداعه وبيئته.
عاش طه النكبة ورآها بعيون طفل، ورأى النكسة بعيون البالغ، وهو يرى اليوم واقع الفلسطيني بعيون الرجل المجرب الذي ما انفك يربط بين ما يحدث اليوم وما كان بالأمس القريب. ولدت "نوار العلت" لتلقي الضوء على هذا الواقع الراهن، فاختار الكاتب طلابا عربا جامعيين يحملون أيديولوجيات مختلفة، يتحاورون ويتناقشون حول التكتيك والاستراتيجية، واتفاق أوسلو وحيثياته وأبعاده، يختلفون ويتفقون، ويحاورون الآخر حوارا أيديولوجيّا في أهم القضايا المصيرية والفكرية.
لم يعد لدي أدنى شك في أنّ الرواية العربية الفلسطينية هي من أهم المصادر التي تواكب تاريخ هذه البلاد وترصد أهمَّ المستجدات على الساحة الاجتماعية والسياسية، بحيث باتت اليوم "ديوانَ" القضية الفلسطينية، يستطيع المتابع، من خلالها، الاطلاع على الأحداث التي عصفت بالمنطقة، والتوقف عند محطات لافتة جرت فوق ترابها. وكان من الطبيعي أن تنال كل من النكبة والنكسة والمواجهات، على اختلافها، حيّزا كبيرا من هذا الإنتاج الروائي.
لقد شعرت وأنا أقرأ رواية "نوار العلت" في صفحاتها الأولى أنني أقرأ محمد علي طه كما عهدته في كتاباته السابقة، وجدت الفضاء القروي الفلسطيني نفسه؛ الحقل والفلاح والكلب والطيور وابن آوى، ووجدت أمامي خرافات الفلسطيني وحكايات الجنية ومعتقداته، لكني لم أفكر بدلالة هذه البداية إلا في القراءة الثانية للرواية التي تتيح التوغل أكثر في متعرّجات النص وتشعّباته، وتفسح المجال لاكتشافات جديدة قد تغيب عن القراءة الأولى، ما يؤكِّد نظرة وولفجانج إيزر وأمبرتو إيكو وغيرهما من المنظرين الذين تحدثوا عن تعدد القراءات وعن دور "القارئ في الحكاية".
لم يخفَ عليّ أنّ محمد علي طه كاتب "مراوغ" مثل كل الأدباء، ولم يخفَ عن بالي دور السيميائية في كشف العلامات والدلالات التي تحملها افتتاحية "نوار العلت" منذ الكلمة الأولى: "كان الليل هادئا ساكنا لا يعكّر صفوه سوى عواء بنات آوى بين حين وآخر، حيث يعلو صوت إحداها حزينا يثير الشفقة كأنها تنشد طعاما أو شرابا، أو تندب والدة ماتت أو ابنا ضل، فتجيبها مجموعة من أخواتها نادبة نائحة، ويستمر العواء الباكي دقائق قليلة، ثم يخيّم الصمت على السهل والهضاب الشرقية، وعلى الوادي الذي يلفّعه الظلام الدامس...". (الرواية، ص7)
هذه الفقرة وغيرها هي إشارة لما تحمله الأحداث من مفاجآت أكبر بكثير من "مضايقة" هذه الحيوانات المزعجة، خاصة وأنها ليست مفاجئة لأي فلاح فلسطيني. أما ظهور الضبع أكثر من مرة ومحاولته الاعتداء على الكلب وصراع الشاب معه فما هي سوى تلميح لأمر أكبر قد يحدث فيما بعد. ما لم يخطر ببالي أن يقوم محمد علي طه بتوظيف تقنيّات سينمائية، وأن يمهّد للحدث تمهيدا بوليسيا، فقد بدا لي وكأنّ هناك موسيقى تبعث على التوتر ترافق الوصف الدقيق للمشهد السينمائي بكل تفاصيله، تتحرك عين الكاميرا ترصد كل حركة وكل نأمة، فيما تنبعث من مكان ليس بعيدا أصوات ابن آوى، يتلوها معركة مع ضبع يحاول الانقضاض على الكلب الذي يرافق أحمد، الشاب الذي يحرس كرمه من الطيور والحيوانات. ويتكرر مشهد المعركة وانكماش الكلب وهجوم أحمد ودفاعه عن روحه وعن كلبه الأمين المذعور وعن كرمه وثماره. تثير هذه المشاهد عبر الوصف الدقيق واللغة الشاعرية المكثفة كل إمكانات النص المفتوح حول هذا الحدث، وحول بنات آوى والضبع وما تحمله من رموز ودلالات وإيحاءات. تتفتح فجوات وفراغات ما على القارئ إلا أن يحاول ملأها من خلال متابعة القراءة وكشف مراوغاتها.
تحدثنا أعلاه عن بعض عناصر الرواية ومركباتها، وقلنا إنها تمتح أحداثها من الواقع، ومن صلب الصراع الفلسطيني اليهودي، فأين الجديد إذن؟ إنّ هذا الصراع لهو واقع نحياه كل يوم، نقرأه ونسمعه عبر كل وسائل الإعلام، ونشهد أحداثه دون أية وسيلة مساعدة. إنّ الرواية عمل فني في أساسه، وليست صورة طبق الأصل عن الواقع، وبالتالي لا تصوِّر الحياةَ في شكلها المتكامل، بل هي تقتطع منها صورا وأحداثا، تماما كما يفعل الرسام حين يصور يدا مقطوعة، أو وعاء طعام فارغا، أو يرسم طفلا تدمع عيناه.
فالتخييل أساس العمل الأدبي والفني، وبدونه سيكون العمل الروائي سردا تاريخيا أو كلاما مباشرا، "معلوم أنّ التخييل هو ما تتفتّق عنه المخيّلة من صور ومشاهد تستمدّ عناصرها من الواقع المحسوس والمرئيّ، ولكنّها تعيد صياغته وتوليفه بحسب الموقف أو الحكاية المبتدعة التي يتوسّلها الروائي لينسج عالمه الخيالي ذا الصلة بالعالم الخارجي... ونتاج التخييل هو ما نسميه المتخيَّل وعلى رغم أنّ المتخيل هو عالم مستقل، قائم الذات نتيجة للغة والرموز والأخيلة، فإنّ صلته بالمرجعية الخارجية تنتظم عبر اللغة والدلالة والتقاطع بين الواقعي والرمزي في مجرى الحياة". (برادة، محمد. الرواية العربية ورهان التجديد. دبي: مجلة دبي الثقافية، 2011. ص80)
لو كان هذا هو الموضوع الحقيقي لكان أولى بالكاتب أن يعبّر عن رأيه من خلال مقالة اجتماعية يقوم بنشرها في بعض المواقع يعطي فيها رأيه مباشرة، لكنّ أساس العمل الأدبي هو قدرته على التشظّي، وتوظيف لغة غنيّة قادرة على السرد والتوصيف والترميز، وفتح باب التأويل على مصراعيه، وخلق فجوات نصية يملأها القارئ وفق ثقافته، وبالذات القارئ "السوبر"، كما يقول ميشيل ريفاتير، أو النموذجي والموسوعي، كما يقول غيره،.
ينشغل محمد علي طه، مثل معظم الأدباء والمفكرين الفلسطينيين بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي بكل أبعاده المباشرة وغير المباشرة. لكنه، كروائي، لا يدخل في تفاصيل الصراع ولا في أسبابه ونتائجه فذلك دور المؤرّخ لا الأديب. فقد فتح غسان كنفاني النقاش مع الآخر على مصراعيه في روايته "عائد إلى حيفا"، وكان حوارا على أكثر من مستوى، جمع فيه بين المرأة اليهودية وبين سعيد وزوجته صفية، وأجرى بينهم حوارا إنسانيا، كان في خلفية هذه المواجهة حوار خفيّ مع الحركة الصهيونية حيث لا مهادنة. يدير طه في "نوار العلت" حوارين: الأول بين أناس عاديين ينتمون لقوميتين وديانتين مختلفتين، قد يختلفون فيما بينهم في أمور الحياة اليومية وقد يتفقون، والثاني بين أيديولوجيتين متضادتين متناحرتين ليس الحب حلا لهذا الصراع الأيديولوجي، وهذا هو الجانب الأقوى في عملية التخييل، حين يجمع بين الشاب العربي الفلسطيني والطالبة اليهودية صدفة في مقصف الجامعة ويتحابان، فكانت النهاية درامية؛ مقتل الشابة اليهودية، وما يحمله ذلك من دلالات وأبعاد فكرية واجتماعية وسياسية.
قد تكون فكرة الرواية المباشرة مستمدة من خبر في إحدى وسائل الإعلام التي تحدثت عن مقتل صبية يهودية واتهام شاب عربي بتنفيذ ذلك حتى قبل القيام بعملية التحقيق. هذا الخبر يشبه في حياتنا اليومية، بهذا الطرح، خبرا عاديا، لكنه حين يتحوّل إلى عمل روائي عمدته التخييل تصبح "القصة" أكثر أهمية، وذلك من خلال توظيف تقنيّات فنية تعتمد على تهشيم الزمن، وعلى سرد ووصف عمادهما اللغة الفنية بمستوياتها المختلفة، وإقامة حوارات حاذقة، والانتقال من مكان لآخر وفق الضرورات الفنية، مما يجعل النص قابلا للتصديق بفضل عوامل التخييل وتقنيّاته المتعددة.
يتغيا الروائي محمد علي طه من خلال هذا العمل، كما ذكرنا، أن يتحدث عن موضوع حارق يتعلق بحياة العربي اليومية وما يتعرض له من ظلم وضيم نتيجة السياسة العنصرية، فاختار الحديث عن مقتل فتاة يهودية في منطقة عربية، لتبدأ عملية البحث عن الجاني، ثم تتشظّى الحكاية وتتفتّق عن عوالم تجمع بين الواقع والخيال، وتبنى الأحداث وفق منطق المبنى الفني الروائي مع التشديد على أهم الميزات الخاصة التي تتعلق بحياة العربي ومعاناته اليومية في أكثر من مجال، بحيث يصبح النص "منطقيا" وفق عاملي المكان والزمان، واعتمادا على سارد قادر على الحفاظ على بُعدٍ ما من الحكايات، بحيث يبدو محايدا، يساعده في ذلك توظيف تقنيات رواية تيار الوعي التي تحيّد السارد الرئيسي، ومن ثم تحيّد الروائي، وذلك من خلال المونولوج، والحلم والذكريات والاستطراد، أو الوقف أحيانا، وخلق الفراغات النصية ليصبح القارئ جزءا من عملية الخلق لا مجرد مستقبل سلبي. وكي تتحقّق عملية التخييل وظّف الروائي المفارقات الزمنية وتهشيم التسلسل الزمني وحاول جاهدا توظيف أكثر من صوت عبر تعدد الضمائر وتسليم السرد لرواة ثانويين بهدف خلق رواية ديالوجية، وهي خطوة نحو الأمام مقارنة مع روايته الأولى "سيرة بني بلوط" لكنّه لم يرخ للرواة العنان، ولم يفلتهم من عقاله فكانت حرية مقيدة.
لقد أجاد محمد علي طه في توظيف كل هذه التقنيّات بالذات في توصيف المكان بكل ما يحمله من ميزات محلية خاصة، لذلك كنت أتمنى على الروائي أن يسلك أكثر سبيل الإيجاز والتلميح بعيدا عن الإطالة والاستطراد أحيانا.
يسلك الكاتب في هذه الرواية سبيل المغامرة، وقد تجلى ذلك في أكثر من جانب، بدءا من الموضوع ذاته، نظرا لما فيه من حساسية. أما المغامرة الكبرى فهي في مجال الحوارات بين شخوص الرواية بهدف تعدد الأصوات، وهي في معظمها أصوات متناقضة تمس صلب القضية الفلسطينية في بعدها الأيديولوجي، مما يفسح المجال للآخر المختلف أن يقول رأيه بوضوح قد لا يروق لبعض القراء، لكنّ الروائي، عملا بتعدد الأصوات فتح باب الحوار على مصراعيه بكل ما فيه من تناقضات بين كل الأطراف. في محاولة منه خلق رواية ديالوجية (حوارية) لا رواية مونولوجية (أحادية الصوت).6)
– هكذا رأينا أن الأدب في الرواية الموجّه للكبار قد رصد القضية الفلسطينية مبيّناً الأسباب والحلول عبر الرمز من الشخصيات البشرية أو المواقف ورأينا أن بعض الكتّاب صرّح بشكل مباشر باسم فلسطين, وبعضهم قدّم الرموز بشكل قريب من مدارك الإنسان . وممّا لا شك فيه أن أغلب كتاب الرواية قد رصد الجانب الوطني,والقضية الفلسطينية, وفي هذه الدراسة قدّمت الأمر من خلال بعض الدراسات كمثال على تلك القضية المهمة في حياتنا الوطنية قضية فلسطين.
المراجع:
1- RH Hameed · 2014 — مجلة الآداب المستنصيرية – مقال (الملامح الرئيسية للشخصية الفلسطينية في الرواية العربية)-
https://amm.uomustansiriyah.edu.iq › article › view
2- جريدة القدس مقال (فلسطين في شتات الرواية العربية )-في جريدة بتاريخ 28/02/2023 —
https://www.alquds.co.uk
3- موقع الجرمق للدراسات – على الرابط
https://aljarmaqcenter.com/%D8
28/04/2023
4- عادل الأسطة - مقال صورة الفلسطيني في الرواية العربية.
كتبت في 7 حزيران 2020
II
https://www.facebook.com/Dr.Adel.Osta/posts/%D8%A8%D8%AD%D8%ABaljarmaq-center%D8%A3%D8%AF%D8%A8%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%
5- مقال (فلسطين في شتات الرواية العربية) – على الرابط https://aawsat.com/home/article/4181541/
6- مقالة على الرابط
https://www.diwanalarab.com/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-
%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%AA.htmlhttps://www.diwanalarab.com/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%AA.html
