السبت ٢٩ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
القصة الفائزة بالمرتبة الخامسة
بقلم كمال الرياحي

ابن خلدون

في ذكر فرار العلاّمة من شارع الشوارع ،

وما رآه من عجائب في بلاد المنافيخ ،
وقصة الطائر المخّاخ الذي كاد يبيد أهلها وأحداث وغرائب أخرى.....

تصـديـر :

على أي حال لليالي أعاتب
وأي صروف للزمان أغالب
_كفى حزنًا أني على القرب نازحٌ
وأني على دعوى شهودي غائب
_وأنّي على حكم الحوادث نازل
تسالمني طورًا وطورًا تُحارب.

ابن خلدون

تململ رجل الرصاص [1] ، رمى بالكتاب الثقيل من يديه، اقتلع قدميه من قاعدة الإسمنت، جلس بجانبي ونزع عنه برنسه ووضعه على كتفيّ...

نظر إلى الساعة الشاهقة المنتصبة في آخر الشارع تلسع عقاربها قلوب المنسيين، يبدو أن شارع الشوارع هُجر هذه الليلة باكرًا... طريق باردة من مجلسنا باتّجاه ساعة كالقيامة…
مسح العلاّمة على لحيته وقال : " سأحدّثك الليلة عن حكاية عشتها، حكاية أغرب مما قرأت من أمري في رحلتي مشرقًا ومغربًا ، وأمتع من كل ما قرأته في مقدّمتي وتاريخي ، وأكذب من كل ما رواه حميش في روايته [2] التي أثقلها بسيرتي…"

سكت ابن خلدون، امتدّت يده نحو علبة سجائري، أخذ واحدة، أشعلها، سحب نفسًا، ثم أطلق دخانه إلى الطريق الخالية.... تابع تمزّق الغيمة التي ضاعت في ظلمة الليل واستأنف :

" مثل هذه الغيمة، تهت يومًا في مجاهل الشمال، بعد أن "أقسمت بمن حجّت قريش لبيته" ألاّ أقيم يومًا آخر في هذا الشارع " .
مزّقت الدفتر وركضت نحو "محطة برشلونة" [3] . تسلّلت إلى إحدى العربات متخفيًا ببرنسي. دخلت دورة المياه وأقفلت على نفسي هناك حتى لا يُكتشف أمري… مرّ وقت طويل قبل أن ينطلق القطار نحو المجهول…

لم أكن أعلم إلى أين يسير، كنت أرغب في ترك الشارع فقط، كان ذلك كل همّي…

قضيت ساعات أستمع إلى همهمات المسافرين وضحكاتهم وعراكهم، أحيانًا كان أحدهم يطرق باب المرحاض بعنف ، ثم ينسحب عندما ييأس من فتحه… كان القطار يعبر نفقًا في جبل عندما فتح عليّ مراقب التذاكر الباب، فصرخ من الدهشة وأغمي عليه.... هرع نحونا المسافرون، ارتميت في تلك اللحظة خارج القطار الذي كان قد خفّف من سرعته في منعرج ، ولم أعد أذكر شيئًا غير ارتطام رأسي بجانب النفق المظلم…
أفقت صباحًا فوجدتني قد وقعت في أُمّة تتكلّم عربية غريبة، أمّة برؤوس طويلة وأجسام عظيمة يكسوها شعر مثل وبر الإبل...يُعلِّق الرّجل منهم قرطًا من الخشب في أذنه اليسرى، يلبسون البرانيس والقشاشيب الرماديّة المخططة صيفًا وشتاء ...يأكلون الأعشاب ولا يقربون لحوم الخرفان إلاّ في يوم واحد من أيام السنة يسمّونه "عيد الغرّافة". أمّا لحوم البقر والطيور فهي محرّمة عندهم، ولا يعرفون الأسماك وكل لحوم البحر، وكلمة " بحر " عندهم لها دلالة أخرى مستهجنة، وقد سمعت أحدهم يشتم غريمه قائلاً : " يا بحر! " ، وعندما سألت عن المعنى أفادوني أنها شتيمة تعني اللوطي. فسألت مستغربًا عن وجه الشبه فقالوا :

" البحر ربّ اللوطيين وزعيم المخنّثين يركبه الغرباء فلا يبدي اعتراضًا، كذلك اللوطي من البشر يركبه الغرباء ويلجه السوقة والأعيان، والرجال والغلمان " .

لم أقتنع بتلك التفسيرات، لكنّي لزمت الصمت كأنني اكتفيت، لأنّ عاداتهم ومعتقداتهم مقدّسة لا يتركون غريبًا يناقشها، أردت يومًا أن أستفسر عن علّة ذلك الاسم الذي تحمله تلك الأمّة التي تسكن الشعاب فهمست في أذن أحدهم :

ـ لماذا تسمّون بالمنافيخ ؟!!

حدجني بنظرة مريبة وتبدّل لونه ، وارتعشت عضلات وجهه غضبًا ..وقال :

ـ " إن عدت إلى هذا السؤال ستلقى مصير ذلك الغريب" ، وأشار بيده إلى موقع قريب فيه أشجار عملاقة ملساء الجذوع، قليلة الأوراق تبدو كالأشباح في ذلك المساء.

أخذني الفضول إلى ذلك المكان ، وعندما شارفت عليه خنقتني رائحة نتنة كريهة كرائحة الجيفة، احتميت منها بطرف برنسي وتقدّمت...كانت هناك بقيّة جثّة آدمي مشدودة في السماء من أطرافها الأربع بحبال إلى شجرتين، كانت أحشاؤها تتدلّى إلى الأرض تنقرها طيور غريبة لم أتعرّف منها إلاّ على الغربان، كان بعضها أبيض وبعضها رماديًا ، ولبعضها مناقير كالمناشير ، وكانت تطلق أصواتًا مرعبة وهي تلوك أحشاء الرجل المسكين.

وفي تلك الأثناء حطّ طير ضخم كالنسر - وهو ليس بنسر، رأسه طويل مثل رأس البغل أو الحمار، له فم بشفاه غليظة، فتعجّبت من ذلك الطير الذي لا يشبه الطيور. أخذ ذلك الشيء الغريب يدخل لسانه في رأس الرجل المصلوب ليلحس مخّه بعد أن ثبّت ساقيه على كتفي الجثّة، ففررت فزعًا.

عندما وصلت إلى الدليل الذي بقي ينتظرني بعيدًا كان الرعب قد سرق منّي كلّ دمائي، ولم تعد ركبتاي قادرتين على حملي، ابتسم قائلاً :
ـ لا تخف ! فذلك مصير من يريد هتك أسرارنا…
قلت : " ليس ذلك ما أفزعني " .

ـ ماذا إذن ؟؟
ـ الطير.
ـ أيّ طير ؟
ـ الطير البغل.
ـ هل رأيته ؟
ـ أجل… ما تلك الآفة… ؟!!
ـ هيّا بنا حتّى لا نكون فريسته هذا المساء.
ـ لم تجبني، ما ذاك الشيء ؟! أهو من أسراركم أيضًا ؟!
ـ سأحدّثك عنه عندما نقترب من القرية، هيا أسرع…

* * *

عندما ابتعدنا كثيرًا عن الجثّة المصلوبة، خفّف الرجل من هرولته، والتفت إليّ وهو يقطر عرقًا وقال :

 إنّه المخّاخ، لا يأكل إلا المخّ ولا يقرب غيره، لقد أهلك الألوف من أطفالنا، كل يوم نعثر على العشرات من جثثهم مسلوبة الرؤوس، هو يحبّ أدمغة الأطفال ربّما لأنها طريّة ونقيّة… أمّا أصل حكايته فأمر عجيب قد يرويه لك غيري…

عند الغداء جاءوني بأعشاب وعروق شجر وأنواع من البصل كريه الرائحة ، بعضها نيئ وبعضها مسلوق في مرق أصفر، ذقته فلم أستسغه كأنما هو مسلوق في ماء دون ملح، التفتُّ إلى أحدهم وقلت :
ـ هل لي ببعض الملح ؟

فبانت عليه دهشة ، ورفع حاجبه في تساؤل.... فأعدت السؤال :
ـ أريد ملحًا.

فقال : " وما الملح ؟ "

نزل عليّ الأمر كالكارثة، لقد وقعت في أمّة لا تعرف الملح. التفت إلى ذلك البصل الكريه، قضمت منه فوجدتُ طيبًا ، فاستزدت منه حتى اكتفيت.. وكان الجوع قد أخذ مني مأخذًا، بعد أن انتهينا من الغداء جاؤوا لنا بأباريق حسبتها شايًا ....سكبوا لنا في كؤوس من الخشب سائلاً أبيض خاثرا كالحليب، شربته ففعل بي فعل الخمرة.

حدّثني أحدهم أنهم كانوا في زمن بعيد يصيدون النسناس الذي كانت مجموعات كبيرة منه تعيش في تلك الشعاب، كانت قد حملته لهم ريح قويّة جاءت من بلادٍ بعيدة وهم إلى اليوم يؤرّخون بها فيقولون : حدث ذلك سنة ريح النسناس [4] … وكان ذلك في عام النسناس.

وفي تلك الربوع شجر يسمّى "البطّوم" وهو شجر عظيم بأوراق صغيرة وكثيرة يطرح ثمرًا صغيرًا كعناقيد العنب يسمّونه "قذوم الجنّ"، بعضها أخضر وبعضها بنفسجي ، وآخر أسود وهو ألذّها، يلتهمه الرجال في الليالي الباردة ثم يأتون نساءهم بشوق عجيب، فلا ينزل الواحد منهم عن زوجه إلاّ مع طلوع الشمس. وكان بعض التجّار اليهود يحتكرونه بعد أن اشتروا كل شجره، وكانوا يخلطونه مع أنواع أخرى من الأعشاب فيستحيل إلى أُكلة مُسكرة تذهب العقل وتقوّي الجماع وتهيّج الشهوة ، فإذا بآكلها يركب كل من يعترضه. لذلك كان الرجل لا يأكل منه إلاّ في بيته وبعد أن يحكم غلق الأبواب حتى لا يخرج ويسلّم مفاتيح الباب لزوجه.

وحدّثوني عن راع بادل مع التاجر حفنة من القذوم المخلوط بخروف سمين ، وفي طريق عودته لأهله قضم من قطعة القذوم المعطّرة فاشتدّت به الرغبة في الجماع وألهبته الشهوة ، فنزل عن بغلنه وأولج فيها وبقي يركبها وهي ترفسه بحوافرها حتّى وجده الناس صباحًا ميّتًا وهو يحضنها من الخلف.

ولكن أغرب ما سمعته أن تلك البغلة حملت منه شهورًا تسعة، وجاءها يومًا المخاض ، فاجتمع كل سكان الشعاب والشعاب المجاورة وبعد ساعات من الآلام والنهيق الغريب طرحت البغلة مولودًا عجيبًا - وجهه بغل وقوائمه مثل رجلي الإنسان ، نبتت له أربعة أجنحة...
وطار أمام الأهالي، وحلّق في السماء مطلقًا صراخًا كصراخ الرضّع.

تذكّرت وأنا أستمع إلى الحكاية بغلتي التي سلبنيها تيمورلنك في الشام ، وما قرأته منذ سنين في كتاب لم أعد أذكره ولا أذكر صاحبه من أنّ "النمرود جبار زمانه، قد طغى وبغى، حتى أنه حاول أن يتطاول على العزّة الإلهية، وعندما أراد أن يحرق سيدنا إبراهيم، دعا إليه البهائم وطلب إليها أن تأتيه بالحطب، فاعتذرت جميعها، كي لا تُسخط من الله، في حين أن البغلة استجابت لطلب النمرود وأمدّته بالحطب اللازم. فغضب سيدنا إبراهيم على البغلة ، ودعا عليها أن تبقى محرومة من (لذة النساء)، وتكون عقيمة دون سائر الحيوان، وأن لا تكون لها كنية أو حسب أو نسب، وأن تكون حمّالة الحطب مدى الحياة".

روى أحدهم على الأهالي أنّه شاهد البغلة العجيبة ترضع شيئًا في الظلام وعندما اقترب منها، طار ذلك الشيء الضخم في السماء. حمل الرجال فؤوسهم وسيوفهم واندفعوا نحو البغلة التي لم تبرح مكانها مذ جاءها المخاض في ساحة القرية. كانت الساحة مكانًا لممارسة الشعائر – هكذا قالوا – وجدوا وَبَرَهَا بدأ ينسل وينبت في مكانه ريش خشن ، فازدادوا خوفًا من أن تتحوّل البغلة إلى وحش يهلكهم جميعًا، أحاطوها بالحطب اليابس وأغصان البطوم والتبن وأضرموا فيها النار فأكلها وصراخها اللهيب.

لم تمض مدّة طويلة على تلك الحادثة لتكتشف القرية أولى ضحايا المخّاخ.

أثناء أيامي الأولى بتلك الجبال اكتشفت أن كل النساء بها حوامل ، وعلمت من أحد الخدم أنّ المرأة لا تخرج من بيتها إلاّ متى حبلت ...وإلاّ إذا نُعت زوجها بالبحر، فإذا طال اختفاء الزوجة في البيت أكثر من ثلاثة أشهر فإنّ رجلاً من القرية يدخل عليها فيحبلها ، ويصلب الزّوج للمخّاخ والطيور.

أمّا المرأة العاقر أو التي اجتازت سنّ الخصوبة فمصيرها النار المنصوبة ببطحاء القرية… كانوا بذلك يحافظون على نسلهم بعدما علموا بتكاثر طيور المخّاخ الذي كاد يبيدهم في زمن من الأزمان قبل أن يجتمع شيوخ القرية ويصدروا قانون الحمل العام.

علمت ساعتها علّة إطلاق اسم المنافيخ على سكّان تلك الرّبوع، ذكروا لي بعد ذلك أن رجلاً غريبًا نزل بديارهم يومًا، أقام بها مدّة وشاهد نساءهم الحوامل على طول العام، وعندما كان يغادر المكان قطع عليه الطريق جماعة من الصعاليك سلبوه أمواله وزاده ، وخلّعوه أثوابه وسألوه من أين جاء ؟ فأجاب :" كنت بين المنافيخ " وسرى الاسم كالنار في الهشيم حتى جاء به أحد تجارهم العائدين من الشمال.

أقمتُ في تلك الشّعاب زهاء الشهر شاهدت خلاله عجائب ، وسمعت فيه غرائب ما ذكرتها لأحد قبلك ، لأنني أخشى أن ينعت حديثي بحديث خرافة ، أو أن أرمى بالتلفيق وخلق الأراجيف. كثيرًا ما كنت أفيق صباحًا فأحسب ما رأيته كوابيس وأضغاثًا ، غير أنّي كنت أرى وأسمع في نهاري ما هو أعجب.

مازلت أذكر ذلك الصباح الذي فزعتُ فيه من نومي على أصوات وصراخ ، فهرعتُ إلى الخارج حافيًا، فرأيت الناس يركضون نحو أطراف القرية ، فهرولت معهم ولست بعارف علّة ذلك الركض الجماعي... وعندما شارفنا على بيت قصيّ اعترضنا رجال يجرّون امرأة عارية مجدولة الشعر، كانوا يقيّدونها بالحبال مثل جثّة متعفّنة ، ويركضون بها على الحصى والأشواك، فأدموا جسدها الأبيض البضّ حتى سُلخت مواضع منه، وكان صراخ المرأة يظهر ويختفي بين تلك الصيحات البدائية التي يطلقها الرجال المتوحّشون... فتردّدها الجبال التي تأسر القرية من كل جانب فلا تغادرها.

مرّ المهرولون بجانبي، أمسكت ذراع أصغرهم، كان رجلاً نحيلاً يسعل سعالاً شديدًا وهو يلاحق المتظاهرين فقلت له : هلاّ أفهمتني ما يحدث ؟!
أجابني وهو يلهث ويسعل : الـمـ..خّـ..ا…خ… لقد أنجبت مخّاخًا…
ارتعدت فرائصي وأنا أذكر ذلك الطائر الخرافي البشع الذي كان يلحس مخّ الرجل المصلوب عند الشجرتين، لم أشف من ذلك المشهد منذ أسابيع وظلّ يطاردني في يقظتي ونومي، أردت أن أستفسر أكثر، لكن الرجل النحيل عاد إلى شأنه، كان سعاله يصلني متقطّعًا وهو يركض في اتجاه الرجال الذين استقرّوا في بطحاء القرية.

انتبهت ساعتها إلى قدميّ الحافيتين، سحبت أصابعي إلى الوراء خجلاً ثم أطلقتها (ولماذا أخجل، وهل هناك مكان للخجل في هذه الشعاب الكابوسيّة، وهل يعرف هؤلاء المسوخ الخجل)…

انطلقت نحو البطحاء… كان الأطفال والنساء الحوامل قد لحقوا بالرجال الأشدّاء ، وشكّلوا حلقة كبيرة حول المرأة العارية التي تحوّل جسمها الأبيض إلى خرقة زرقاء تطلق أنينًا ضعيفًا...... توقّف التهليل والصياح، تقدّم رجل بلحية رمادية إلى قلب الدائرة وقال موجّهًا كلامه إلى الحضور :

يا أيها الناس....

يا أبناء المنافيخ الصامدة في وجه الأهوال واللعنات.....
هذه ابنتكم التي أكلت من عشبكم وباركتها الغرّافة ، وزوّجتها من أحد سادتكم ، فأسكنها قصرًا وألبسها الحرير المطرّز بالذهب والنعال الموشّاة بالفضّة ....وزيّن عنقها بقلائد الجوهر والمرجان وأصابعها بالخواتم المحلاة بأندر الأحجار، ها هي اليوم، بعد أن مات زوجها المسكين تردّ لكم وله الجميل فتهديكم لعنة اللعنات…
احكموا عليها بما يناسب خطيئتها…

عندها تقدّم عجوز أفطس يجرّ ساقيه وراء عصاه وقال : " ليس قبل أن تروي لنا هذه الفاجرة حكايتها حتّى يعلم الجميع جُرمها، هيّا أسندوها ! " .

لم تكن المرأة تقوى على الكلام لولا تلك السّياط التي انهالت عليها من الشيخ الأفطس الذي انتصب وحْشًا لا يرحم، يرفع السوط عاليًا وينزل به في شدّة على الجسد المكلوم.... فيصدر فرقعة شديدة ، ويترك حزامًا من الدم مرسومًا على كتف المسكينة التي تعوي وتروي :
بـ… بـ… بدأت الحكاية عندما اكتشف زوجي عقمه ، وأصبح يفيق من نومه مذعورًا يصرخ باسم المخّاخ… كان ينتظر كل يوم أن يدخل علينا أحدكم ويجرّه نحو الشجرتين، كان كثيرًا ما يأخذ في ضرب رأسه على الحائط وهو يردّد : " تبًّا لهذا الرأس الذي سيأكله المخّاخ…! " ، فأركض نحوه لأضمّد جراحه ، وأمسح عن جبهته ذلك الدم النازف.
قمت ذات صباح ، فوجدته يتدلّى في السقف أزرق، لقد شنق نفسه ليلاً، يبدو أنه خيّر الانتحار على الصلب للمخّاخ...... أصابني ذعر بداية الأمر ، غير أنّي كتمت صراخي ، ووأدت دموعي وأنزلته من السقف....فككت الحبل عن عنقه، مددته على فراشه ، وخرجت لكم أروي عليكم قصة أخرى-قلت لكم : " عاد ملسوعًا أو ملدوغًا ، وأن السمّ لم يمهله كثيرًا ففارق.....

لم يشكّ أحد منكم في كلامي ، خاصّة عندما رأيتم زرقة جسده الذي ظلّ معلقًا ليلة كاملة....تسألونني : " لمـاذا كذبت ؟! "
 كنت أخشى أن أكون أنا قربان المخّاخ، أو أن أكون طعامًا لنيران البطحاء.

وبعد دفن زوجي بقيت في بيتي لا أبرحه كعادة كل الأرامل، ومرّ على الحادثة شهران، كنت أعلم أنّه إن لم يتقدّم لي رجل في تلك المدة فسوف أكون قربانًا للغرافة ، فأذبح في الكهف ...وينثر لحمي على الصخور ، لأنّ المرأة العزباء، كما تردّدون دائمًا، لعنة على أمتنا، لذلك كنت أفتح الشباك وأضيء البيت ، وأهزّ بالغناء في ليالي الشتاء الماطرة ، لعل صوتي يصل إلى أحدكم فيأتيني، وفي ليلة…

صمتت المرأة… عادت فرقعة السوط على جسدها… عوت… ورَوَت :
 فـ… فـ…ي تلك الليلة المظلمة كنت أغنّي غناء العاشق العطشان والحبيب الذي أحرقته الصبابة… وفي لحظة سمعت حشرجة أمام بيتي ، ولمحتُ ظلاًّ يطل ويختفي من النافذة المفتوحة، عدت إلى ندائي وغنائي لعلّ الرجل الخجول يقفز إليّ من النافذة ..... وعندما طال تردّده وخجله نزعت عني أثوابي ، وأطفأت قنديلي.

ارتميت على فراشي أقلّب شهوتي وأنا أنادي : " هيا عجّل أيّها الخجول! " لقد أطفأت القنديل وما انطفأت ناري…

في تلك اللحظة رأيت في الظلمة كأنّ رجلاً يملأ النافذة ويقفز نحوي… انقضّ عليّ يضاجعني في وحشية غريبة… تسلّلت إلى أنفي رائحة مقرفة… أردت أن أدفع ذلك الشيء الجاثم فوقي ينهشني، كسرتني الصدمة عندما لمست ريشًا قويًا خشنًا، صرخت… صرخة واحدة غير أن شفاهًا نتنة كتمت صوتي… ثمّ… ثمّ…نهض عنّي… وطار من النافذة وترك بعض ريشه على فراشي وبذرة اللعنة في رحمي… الرحمة يا سادة… الرحمة…
انهارت المرأة.

نهض الشيخ الأفطس... وقال موجّها كلامه إلى الناس المشدوهين بحكاية المرأة :

 ما حكمكم يا خلق في امرأة تعهر مع عدوّنا وقاتل صغارنا ؟ ما حكمكم يا خلق في امرأة تعاشر لعنتنا ؟

أجاب الجميع، النساء والرجال والأطفال في صوت واحد :
" النّار… النار... النار…!!!"

عندها التفت الشيخ الأفطس إلى رجلين مثل الجبلين ، وأشار إليهما بالمرأة العاوية… حملاها رجلاً وساقًا ، ورميا بها في النار العظيمة المنصوبة قربها، ولم نعد نراها ولا نسمع عواءها، كانت ألسنة النار تمزّق السماء…

أمر الشيخ الأفطس بأن يجمع رماد القتيلة ، ويذرّ على قبر زوجها ، ويحفظ بعضه في جرّة ، ويحمل إلى الغرافة .......وتفرّق المتفرّجون.
في ذلك اليوم قرّرت أن أهرب… كان لابدّ أن أفرّ بجلدي حتى لا أكون حطبًا للنار أو طعاما للمخّاخ…

لم يكن اختياري لذلك اليوم صدفة، فقد مكثت في بيتي أيامًا أتدبّر أمر الهروب إلى أن اهتديت إلى ذلك اليوم الذي ستهبّ فيه كل تلك المخلوقات العجيبة إلى الغرّافة لتحيي عيدها السنوي. ستهرع تلك المسوخ على بكرة أبيها إلى الكهف الجبلي، تدق الطبول وتهتف للسيدة العظيمة، سيحملون الأضاحي والقرابين، سيكسرون الجرار وسيأكلون اللحوم المحرّمة، سيأتون نساءهم في ذلك المكان المقدس تبرّكًا، وسيهتفون للسيدة أن ترزقهم ببطل يخلّصهم من عدوّهم وسالب عقولهم ولاحس أمخاخهم.

لن تتصوّر حالتي وأنا أترقّب ذلك اليوم، كنت كالأسير الذي ينتظر ساعة الفرج، أعلّم بالفحم على الجدار كلّما أتاني الليل بعد نهار من العجائب.

في فجر ذلك اليوم كنت أقف أمام النافذة منتظرًا طلوع الشمس، وبداية الحركة… لم تأت الشمس كعادتها حتى حسبت أنها انتحرت أو انفجرت وراء الجبل لتتركني أسيرًا بين هذه الوحوش وفي هذه الظلمة الخانقة…

بعد ساعات من الانتظار المميت، احمرّ الأفق ...وبدأ النور يطرد الظلام والألسنة الخضراء ترميالنجومبِأسْهُمٍفتصيبها في مقتل… وطلعت الشمس : ربة جبّارة تخرق خضرة الغابات وبياض الجدران، تحرّكت الثّعابين من جحورها وتململت العقارب من تحت الصخور ، وصاح ديك شهرزاد المسنّ…
هل نجوتُ ؟!! أطلقتُ سؤالي خافتًا، فانزلق مني وهوى من النافذة نحو الوادي… في تلك اللحظة قُرعت الطبول وانهمر الخلق من بيوتهم يهتفون، رجال ونساء وأطفال وعجائز يصّعّدون الجبل الأسود يحملون الأواني النحاسية ، ويجرّون خلفهم متاعًا وخرفانًا ومعيزًا…
ظلّ نهر البشر ينزف نحو الأعلى لساعة ثمّ انقطع.. انتظرت بضع الساعة حتى تأكدت من أن الجميع التحقوا بالكهف البعيد. عندها جهّزت زوّادتي التي ربطتها على بطني جيدًا حتى لا تعيق سيري، وانحدرت نحو الوادي أركض في غير التفات… تمزّقني الأشجار والأغصان وأمزّقها، أقفز على الصخور الناتئة والحفر الغائرة كما لو كنت شابًا في العشرين....... الخوف جعلني أرتدّ إلى شبابي، نقول في أمثالنا : "الخوف يعلّم السبق"...... في ذلك اليوم علّمني الخوف السبق وركض الغزلان…

كنت أركض في اتجاه أراه في مرمى البصر، موضع بين جبلين على بعد عشرين فرسخًا إن عبرته فقد نجوت من هذه الأمّة…
أدمتني الأشواك والصخور ونزفت من كل مكان، من يدي، من ذراعي، من ساقي من قدمي، من رأسي من عنقي،… لكنّي أبدًا لم أقف ولم أستسلم، كل ما فيّ كان ثائرًا، عروقي كلّها تنبض والدم يتدفّق كالنهر الجارف…
عندما استقرّت الشمس في كبد السماء وأناخت نصف رحلتها كنت قد شارفت على الوصول إلى مضيق الجبلين، شعرت بالارتياح ، فتوقفت عن الركض .كان أمامي نهر جار بماء عذب، فاغتسلت وشربت، كان طعم الماء معطّرًا برائحة الغاب، روائح الإكليل وعبق الزعتر واضحة… شربت مرّات، شعرت بالارتواء والامتلاء… ثقلت، أردت أن أركض فلم أستطع كان الماء يضطرب في بطني فيعيقني…

انتبهت إلى المكان، كان الشّجر الأخضر المورق محملاً بثمار صغيرة جدًّا في شكل التفاح، قضمت واحدة فأعجبتني، فانهمكت أجمع منها ، وأضع في زوّادتي لعلّها تكون غدائي في ذلك الهروب إلى المجهول....أكلت من تلك الثمار حتى شبعتُ، قيل لي بعد ذلك أنّها ثمار الزعرور، نبات حلو وحامض أحيانًا بعضه أصفر، وبعضه أحمر ينبت في المرتفعات الشمالية، وقيل لي إنّها "تفّاح الجنّ"… لم يكن يعنيني الاسم كثيرًا…
وتابعت سيري غير راكض… لم يعد يفصلني عن غايتي غير فراسخ معدودة…
بعد نصف ساعة كنت بين الجبلين، أطلّ على وهاد خضراء وسهول فسيحة، التفتُّ ورائي فتراءت لي "المنافيخ" وغرّافتها بعيدة قصيّة ، فلم أقدر على حبس صرخة فرح كانت ترفس أمعائي ، فنظرت إلى السماء كالذئب أريد الصراخ عاليًا لتسمعني الملائكة والشياطين… ورأيته…
 ماذا رأيت يا شيخ ؟! الملاك ؟!!!

تمزّقت صرختي في أحشائي، انكسرت عضلاتي المتشنّجة ...وجفّ الريق في حلقي ، وانحبس النهر المتدفّق في عروقي ، ونبضت أوجاع الجروح وكدمات الطريق…

كان المخّاخ على غصن الشجرة، فوقي، يخبّئ رأسه تحت أجنحته، تحسّست مؤخرة رأسي، كان دماغي مازال يخفق… ربّما هي لحظاته الأخيرة قبل أن ينقلب وليمة للمخّاخ… سألت دماغي " ماذا تراك تفعل الآن ؟
 أرشدني إلى طريق نجاتك… هل كنت تأمرني أن أركض نحو هذا المضيق لأشهد هذه النهاية ؟!! "

عدت إلى قدري الذي يعلوني فوق الغصن، كان يبدو نائمًا، يطلق صوتًا كالشخير.. سحبت جثّتي عبر الأحطاب والأغصان مثل ثعبان جريح وابتعدت، كنت أنتظر بين اللحظة والأخرى أن ينزل عليّ القدر من الشجرة فيفجّر رأسي، ويكسر عظامي، لذلك كنت أزحف وكفّي على دماغي… وماذا ستفعل تلك الكفّ الليّنة وتلك الأصابع الرقيقة أمام تلك الخناجر اليمنيّة التي رأيتها تمزّق جمجمة الرجل المصلوب… ابتعدت قليلاً عن موقع الشجرة، نهضت… كانت ركبتاي خائرتين، لكني قرّرت أن أركض ولو كانت ركضتي الأخيرة، على المؤمن أن يسعى والقدر بيد الله وحده، لا أدري من أين نزل على كل ذلك الإيمان… ولكنّي ركضت… وركضت…
اعترضني النهر مرّة أخرى، لا أدري إن كان هو نفسه النهر الذي اغتسلت فيه وشربت، ربما هو طرفه الآخر، وربما هو نهر آخر، لكني قرّرت أن أغتسل فيه اغتسال من قرّر لقاء ربّه....ارتميت فيه بعد أن تخلّصت من أثوابي، ونزعت عنّي أوساخ الدنيا وأدرانها، شعرت كأنه الضوء ينسرب إلى قلبي، فتحوّلت إلى كائن شفاف صاف مثل ماء ذلك النّهر، كان نهرًا عجيبًا خلّصني من كل خوف حتى أنني نسيت المخّاخ والمنافيخ ، وانهمكت أتقلّب في الماء أطارد قوافل الأسماك الصغيرة التي كان يجرفها التيار إلى الشمال وفجأة وأثناء لهوي الطفولي، سقطت عليّ شباك خشنة سرعان ما احتوتني مثل سمكة ضعيفة لا حول لها ولا قوّة، أحسست أن هناك من يسحبني بشدة… حاولت التملّص من تلك الشباك بدون جدوى.. توقّف السحب، مسحت عيني من الماء والأعشاب العالقة بي… كان صائدي رجلاً من أصحاب الوجوه الطويلة التي تركتها هناك، كان يقف أمامي وبيده حربة مدبّبة وهو يبتسم، مرت برهة وهو صامت ينظر إليّ محافظًا على ابتسامته قبل أن يقول :
ـ لقد وقعت أيّها الشقيّ....ألم نخبرك أنّه من دخل على أمّتنا لن يفارقها إلاّ إلى النار أو إلى الصلب ؟!!

تخلّصت من دهشتي وصدمتي ، وأجبت :
ـ ولكن هذا حرام، أنا لي أطفال تركتهم هناك ، وامرأة مسنّة لا تقوى على قضاء شؤونها، استحلفتك بالله وبالغرّافة التي تعبدون ، وبالبطل الذي تنتظرون ليخلّصكم من عدوّكم أن أتركني أعبر هذا المضيق.

ـ هذا وحق الغرافة العظيمة المستحيل، أنا حارس الحدود.... ولا أخون أمتي ما حييت، هيا انهض فأنت أسيري وغنيمتي في هذا اليوم المبارك.

جرّني إلى كوخ من قصب، وضع في معصمي ورجلي الأصفاد والسلاسل، وأغمض لي عينيّ بعصابة سوداء فلم أر شيئًا.

في تلك الليلة سمعت صائدي يئنّ وزوجته تنتحب.... ازداد أنين الرجل مع آخر الليل، كنت أسمع حركة الزوجة المضطربة، فهمت بقليل من الفطنة أن الرجل مريض ، وأنّ الزوجة حائرة في أمرها لا تدري ماذا تفعل في تلك الشعاب القصيّة وفي تلك الظلمة الحالكة…
أطلقت صوتي نحوهما :

ـ أيّتها المرأة إن كان زوجك مريضًا فأنا طبيب ويمكنني أن أشفيه ؟!
جاءتني صاحبة الأقدام المضطربة مسرعة وسمعتها تقول :
ـ هل أنت صادق في ما تقول. هل يمكنك أن تداويه ؟

قلت وأنا أتململ من وراء العصابة.

ـ بإذن الله، انزعي عنّي هذه العصابة أولا لأراه.
رَفَعَتْهَا عن عيني وأشارت إلى زوجها المستلقي في الركن ، فأشرتُ لها أن انزعي عنّي القيود، فأبت، فقلت : " لا بأس، أسنديني حتى أصل إليه! "

تحسّست جبهته المتصبّبة عرقًا ...فاشتعلت كفّي، كان محمومًا… قلت للمرأة " إنّ الحمّى تكاد تقضي عليه، هيا آتيني ببعض أوراق الزيتون، سريعًا " جاءتني بطلبي وأخذت تتابعني وأنا أسحب من زوّادتي قلمًا وأكتب على الورقة الأولى "عصت جهنّم"، وعلى الثانية "نحرت جهنّم" وعلى الثالثة "عطشت جهنّم"، أحرقت الأوراق ورقة ورقة بخّرت بها الزوج العليل ، وكتبت له حرزًا فيه سورة "الإخلاص".

وأردفتها بخواتم ثلاثة علّقتها كلّها في رقبة الزوج ، وأمرت حليلته أن تضع كمادات الماء البارد على جبينه…

انقضت ساعات ثلاث، بدأ المريض يفتح عينيه..... تململ في فراشه، تهللت أسارير الزوجة وهي ترقب ابتسامة بعلها، تركته وعادت بشُربةٍ ساخنة، أخذتها منها ورحت أطعمه إلى أن اكتفى، ثم أسندته إلى الحائط… وسألته :

ـ كيف أنت الآن ؟

ـ أنا جيّد الآن… ماذا فعلت حتى أشفيتني من داء ذهب بصغاري السبعة.
ـ هو علم من عند الله ورحمة منه وتجارب من عبده.
سألني : بماذا سأجازيك ؟ فقلت :
ـ اتركني أرحل إلى صغاري.

صمت الرجل مدّة… اقتربت منه زوجته ووشوشت في أذنه ثم عادت إلى مكانها، فقال : لقد وهبتني حياتي وليس أحسن من أن أردّ لك هذا الجميل في هذه الليلة ، لأنّي لا أحسب أني بقادر على ذلك إن جاء الصباح وحضر أعوان القائد. هيا انهض وغادر في الظلام فأنت حرّ......

قامت الزوجة فرحة وفكّت قيودي... نهضتُ وقدّمت له من الزوّادة كتاب السيوطي : "الرحمة في الطبّ والحكمة" و"دعوة الأطبّاء" لابن بطلان و"شرح فصول أبقراط" لابن النفيس و"زاد المسافر وقوت الحاضر" لابن الجزّار.

ـ خذ هذه الكتب هي هديتي ستعينك في تجاوز مهالك المرض ، وتذكّر دائمًا قولة الحكيم الأكبر "لا تجعلوا بطونكم مقبرة للحيوان".
فرح الرجل كثيرًا وأمر زوجته أن تملأ زوادتي ثمارًا وأعشابًا ، وعلّق في رقبتي حبلاً يتدلّى منه ضـرس غريـب وقال : " هذا الضّرس ضرس بغل سيحميك من المخّاخ، ولن يقربك أبدا، وهذا سرّ لا يعرفه غيري، فاذهب ولا تخف من ذلك الطائر اللعين."

كنت أسير وطيور المخاخ تحلّق فوقي ولا تقربني، كانت الصغار فقط تحطّ على كتفي ولا تؤذيني، كنت أغلق أنفي من رائحة ريشها النتنة، ظلّت تلك الطّيور تحرسني إلى أن عبرتُ جبالاً وقرى كثيرة : القنوات، الحِجّاج، الغموقات، ميّان، أولاد العقاب، قماطة، بوجليدة، جنان الجزائري، أولاد عرفة، أولاد خلّوف، صبيكلا، النخلات، لولاج، جبل الجبالية، جبل الريحان، خشّة شعبان، السبعة الرقود، الحُفرْ، خنقمورو، الرميل، مصراته، رياح، سيدي عياد، واد العرعار، الفراشيش، المحاوشية، كنانه [5] … وكانت تسكن هذه الأقاليم أمم غريبة ما رأيت مثلها قطّ - منها أمّة طوال خفاف زرق ذات أجنحة كلامهم فرقعة، ومنها أمّة أبدانهم كأبدان الأسد ورؤوسهم رؤوس الطير ، لهم شعور وأذناب طوال كلامهم دوي، ومنها أمّة لها وجهان قدامها وخلفها وأرجل كثيرة وكلامهم كلام الطير، ومنها الجنّ؛ومنها صفة الجن، وهي أمّة في صورة الكلاب لها أذناب وكلامها همهمة لا يفهم. ومنها أمّة تشبه بني آدم أفواههم في صدورهم يصفرون تصفيرًا. ومنها أمة في خلق الحيات الطوال لها أجنحة وأرجل وأذناب، ومنها أمة يشبهون نصف شق الإنسان لهم عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة يقفزون تقفيزًا، وكلامهم مثل كلام الغرانيق ، ومنها أمّة لها وجوه كوجوه الناس وأصلاب كأصلاب السلاحف، وفي أيديهم مخالب، وفي رؤوسهم قرون طوال، كلامهم كعوي الذئاب ، ومنها أمة لكل واحد منهم رأسان ووجهان كوجوه الأسد طوال لا يفهم كلامهم…
وأغرب ما شهدت في تلك الأقاليم أمّة في خلق النساء لهم شعور وثدي وليس فيهم ذكر، تلقح من الريح وتلد أمثالها، ولها أصوات مطربة يجتمع إليها كثير من هذه الأمم لحسن أصواتها.

 أظنّك الآن ترميني بالخبل وخلق الأكاذيب ؟

ـ لا والله، بل أنا مندهش، لأنّ هذه الأمم ذكرها المسعودي في كتابه "أخبار الزمان" [6].
ـ وماذا قال عنها ؟!
ـ ذكر أنّها من الأمم التي خلقت قبل آدم عليه الإسلام، فهل تراها بقايا تلك الأمم التي حسبنا أنها اندثرت وأبيدت ؟!

ـ هل ذكر المسعودي شيئا آخر عنها ؟

ـ قال أنها ثمانٍ وعشرون أمّة ويقال إن هذه الأمم تناتجت فصارت مائة وعشرين أمّة ....ولم يزد عن ذلك.
ـ لا تطلب مني مزيدًا من التفاصيل عنهم. فالذاكرة بدأت تخونني في هذا الصقيع. قد أعود لهم في حكاية أخرى، لنعد إلى حكايتنا.
ـ وبعد، ماذا حصل معك ؟!!

ـ واصلت رحلتي مصحوبًا بسرب من المخّاخ يحرسني من وحشية تلك الأمم حتى أدركت الطريق المعبّدة. كانت الشاحنات والسيارات تمزّقها في سرعة جنونية، لم أعد أذكر شيئًا غير يدي الممدودة إلى الطريق تحاول أن توقف الضوء… كان الضوء المُعمي يتّجه نحوي مسرعًا. رفعت كفّي أحتمي منه، لكن… فات الأوان… كانت عظامي تتهشم تحت عجلات الشاحنة وانتهى الأمر…

لا أعلم كم من الأيام مرّت عليّ وأنا في غيبوبتي، عندما أفقت في ذلك الصباح كنت في ورشة نحّات عصبي يلسعني بكاويته الكهربائية، غالبت ألمي حتى انتهى من ترميمي، وضع بين يدي الكتاب ولسعني من جديد… أردت أن أقول له إنّ هذا التمثال الذي رفعته يشبهك ولا يشبهني بلحيته الشعثاء وعينيه اللوزيتين، فهل تراك كنت تروم تخليدي أم تخليد نفسك ؟ هل كنت بخلقك هذا تسعى إلى تذكير الناس بفكري أم بفنّك ؟ هل كنت تبنيني أم تبنيك ؟ كل ما أعلمه الآن أنّك تكويني فهل تراك تكْوِيكَ أيضا ؟!

مسح على رأسي مبتسمًا وغاب… حملوني بعدها إلى قاعدتي. وها أنا كما وجدتني أقضي نهاري أخاصر السائحات اللائي يقفن بجانبي لأخذ الصور التذكارية، وفي الليل يأتيني المنسيون لاسترجاع الحكايا ومراقبة دوران عقارب الساعة العملاقة [7] .

قم، يكفي هذه الليلة، لقد بدأت الحركة، وحانت الساعة، سأعود إلى قاعدتي ووقفتي ونسائي الجميلات…

انتصب ابن خلدون؛ رجلاً من الرصاص، حمل كتابه القدري وغاصت قدماه في قاعدة الإسمنت، لمعت قلادة ضرس البغل على صدره. خلعْتُ عليه برنسه وهممت، لا أدري ما الذي جعلني التفت إلى اللوحتين التذكاريتين أسفل التمثال لأقرأ على الرخامة الأولى :

تقديـرًا للفكـر
آمـر بإقامـة هـذا التمثـال
الرئيس الحبيب بورقيبة
انسحبت إلى الثانية :
ولي الدين عبد الرحمن ابن خلدون

732-806 1332-1406
IBN KHALDOUN
1332-1406
Philosophe، Historien، Sociologue
Romancier.

أضفت بعقب السيجارة المحترق

ظللت، وأنا أنطفئ في الشارع الحزين أتساءل عن النحّات الذي سها عن ذكر اسمه ليترك الشارع للعلاّمة والسلطان.........


[1رجل الرصاص : تمثال ابن خلدون بشارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة التونسية.

[2رواية "العلاّمة" للروائي والمفكّر المغربي سالم حميش

[3محطة القطار الرئيسية بتونس العاصمة

[4ذكره أبو حامد محمد الغرناطي في رحلته "تحفة الألباب ونخبة الأعجاب…" : "وعند صنعاء أمّة من العرب قد مُسخوا كل إنسان منهم نصف إنسان له نصف رأس، ونصف بدن، ويد واحدة، ورجل واحدة، يقال لهم وبار، هم من ولد إرم بن سام أخو عاد وثمود، وليس لهم عقول. يعيشون في الآجام (و) في بلاد الشجر على شاطئ بحر الهند، والعرب تسمّيهم النسناس، ويصطادونهم ويأكلونهم. وهم يتكلمون بالعربية (ويتناسلون) ويسمّون بأسامي العرب ويقولون الأشعار". وذكرهم المسعودي في كتابه "أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران" : "ومن العجائب خلق النسناس وهو كمثل نصف الإنسان بيد واحدة ورجل واحدة، ويثب وثبًا ويعدو عدوًا شديدًا، وكان ببلاد اليمن، وربّما كان ببلاد العجم، والعرب تصيده وتأكله. وفي بعض أخبارهم أن سيارة وقعوا في أرض كثيرة النسناس، فصادوا واحدًا وذبحوه وطبخوه وكان سمينًا، فلما جلسوا يأكلونه قال أحدهم : لقد كان هذا النسناس سمينًا، فقال نسناس آخر، قد اختفى في شجرة بالقرب منهم : إنه يأكل السرو فلذلك سمن، فنبّههم على نفسه فأخذوه وذبحوه. فقال آخر من شجرة أخرى، قد اختفى فيها عنهم : لو كان عاقلاً صمت ولم ينطق، فأخذوه وذبحوه، فناداهم نسناس آخر تخبّأ في بعض خروق الأرض : إني قد أحسنت فلم أتكلّم فأخذوه وذبحوه، وكان لهم فيها قوت، فيقيل إنه يتغذى بالثمار والنبات، ويصبر على العطش".

[5قرى تونسية صغيرة تكاد تكون مجهولة حتى لدى التونسيين.

[6المسعودي : أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران.

[7كان ينتصب تمثال للرئيس الحبيب بورقيبة وهو يركب حصانه قبالة تمثال ابن خلدون في الطرف الآخر من الشارع.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى