الخميس ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم فاطمة الخراز

اغتيال حلم

من واقع الزمن الجميل

مايو 1987

كان في أيام الله الجمعة، الساعة تزف الخامسة والنصف مساءً، انطلقت الفتاة تركض بكل قوتها إلى المنزل كي لا تأتي أمها من العمل ولا تجدها. كان الجو لا يزال مشمسا من أوائل شهر مايو. عبرت الأزقة بخطى جنونية تسابق الزمن بعد أن قضت زهاء ساعة ودقائق جالسة قرب صديقتها الوحيدة صديقها بالقرب من الثانوية التي يدرسون فيها. بهذه الفترة تقل الدروس معلنة نهاية المقرر الدراسي بعد أن ينهي كل أستاذ ما بجعبته مواد مكررة، كي يلقنها بحذافيرها لا تنقص حرفا و لا فاصلة لأجيال قادمة.

المؤسسة شبه فارغة إلا من بعض التلاميذ والتلميذات على شكل مجموعات صغيرة تتجمع هنا وهناك. الجو مفعم بعواطف بريئة وسعيدة بنهاية الروتين الدراسي، وبدأ المراجعة والحفظ للاستعداد لامتحان الموحد حيث تنتهي به المرحلة الإعدادية، لتبدأ النقلة الحاسمة للالتحاق بالمرحلة الثانوية. طول الطريق كانت تجري وسؤال واحد يتكرر في ذهنها - هل سيخبر أخاها أمها بعد أن رآها جالسة مع أصدقائها؟ كانت أسنانها تصطك كما ركبتيها من الخوف والرعب. أملها الوحيد حماية جدتها الحنونة من سياط العقاب التي تنتظرها. وصلت البيت، لم تجد أمها، لكن أختها الوسطى أشارت لها بأن أخاها بالطابق العلوي، لكنه غاضب جدا!

بتلك اللحظة نادى عليها أخوها، وما أن صعدت الأدراج بادرها بالسؤال: من يكون الشاب الذي كان جالسا بجوارها على قارعة الطريق؟! أجابته أنها تعرفه معرفة سطحية ولا علاقة لها به البتة. كانت رفقة صديقتها تستمتعان بوقت لطيف وجاء الشاب وجلس بقربهما وشاركهما الحديث عن الدراسة. لكنه استشاط غيضا وقال لها المفروض عليها العودة للبيت في ساعة الفراغ بدل الجلوس بدون حسيب ولا رقيب! حاولت البنت الدفاع عن نفسها لكنه كان يقمعها ويعنفها بكلمات قاسية لا تستحق الحادثة التلفظ بها... انخلع قلب الفتاة - كالعادة- عندما علمت أمها بالأمر، إذ لم يوفر دقيقة انتظار حين كشف - الأخ العزيز - لأمه ما جرى بالتفصيل الممل.

كانت عبير تدرس في نفس الثانوية التي كان يدرس فيها أخوها، كانت في ربيعها السادس عشر مليئة بالحياة، ذات خدين متوردين طول السنة، خجولة.. حنونة.. مبتهجة.. لطيفة.. أنيقة.. رقيقة الحس. أما أخوها عادل، فيكبرها بسنتين، يدرس في قسم الباكالوريا و ما أدراك ما الباكالوريا! شاب طويل القامة، أبيض البشرة سوى من سمرة طفيفة اكتسبها من الذهاب إلى شاطئ البحر. يتمتع بلياقة بدنية عالية، لمزاولته الرياضة في إحدى نوادي المدينة العريقة. كان يتمتع بحدس قوي وذكاء متقد ناهيك على مستوى عال من الفطنة والاجتهاد الأكاديمي الجامع بين الأدبي والعلمي معا. كانت الأم تميل لابنها الوحيد، تأخذ برأيه مشورته، بدل بناتها الثلاث، عبير كانت أكبر بناتها "المنبوذة" بين إخوتها منذ طفولتها...

سألت الجدة في فزع حفيدتها الصغرى عن مصدر الصراخ والبكاء! لأنها تقريبا فاقدة لسمعها، فجاء جواب الطفلة المذعورة ذات العشر سنوات بعد أن وصتها أمها ألا تقول شيئا لجدتها: لا أدري جدتي!... شعرت المرأة المسنة بأسى وحسرة، هي على يقين أن عبير حفيدتها ـ القريبة لقلبها - تعنف وتضرب من جديد، إن صححنا القول تضرب كل يوم.

نعم بتلك اللحظات الطفلة عبير كانت تئن تحت العنف الجسدي والشتم والتحقير بتلك اللحظة من طرف والدتها، التي هددتها بإيصال الخبر لوالدها... بنفس الليلة كانت عبير ضحية ثلاثي الأخ والأم والأب الذي كاد يهشم عظامها من الضرب، فقط لأنها جلست بجانب شاب مجهول وصرفت ساعة من الزمن خارج إطار المؤسسة. في لحظة جن جنون الأب وتوجه إلى خزانتها المتواضعة وجلب منها كتبها ونفائسها الصغيرة التي تضم صورا من نوع بوستر لنجوم الزمن الجميل، أخذ في تمزيقها وإتلافها تحت وابل من الشتائم وكأنها ارتكبت فاحشة أو ضبطت في فراش مع ذلك الشاب الأخرق، الذي جلس بجانبها في تلك الساعة المشؤومة. بنوع من الهستيريا سحب الأب كل الكتب المدرسية ثم وضعها في آنية كبيرة من الحديد، وضعها قرب المنزل ليضرم فيها النار ظانا منه أنه يمسح عن عائلته هدا العار الوهمي. رأت الفتاة ألسنة اللهب تأكل قلبها قبل أن تراها تأكل مستقبلها وأحلامها...

صدم عادل عندما رأى ما فعلا والداه بأخته، كذلك أخواتها بكيتا بحرقة شديدة بعد أن شاهدا بأم عينيهما آثار الجروح والسياط التي بقيت على جلدها الغض، قبل أن تغوص وترسم ندوبا على جدران ذاكرتها وروحها. عبير لا زالت زهرة في أول عمرها، شوه العنف مصيرها قبل أن يشوه أحلامها ويثقل وجدانها بليلة حوكمت فيها من طرف والديها جلدا وظلما. اغتيلت السنة الدراسية كما اغتيلت مراهقة عبير، وذات السنة قررت أختها الوسطى ألا تدرس خوفا من مصير يشبه مصير أختها الكبرى.. (بعض البيوت تحمل أسرارا أشبه بالخيال) مرت الأعوام تلو الأعوام، وأنياب الندوب تنغرس في قلب ينزف في دوامة العود الأبدي، ما أن تنزوي لتلعق آلامها كي تشفى؛ إلا وتولد من جديد ذكريات الماضي الأسود وتكبر كوحش يبتلع قواها يوما بعد يوم، إلى أن قررت الثورة على ضعفها وتخطو خطى واثقة فوق جمر المستحيل الحارقة لتكمل دراستها...

سُمع طرق خفيف على الباب، أطل وجه شاب وسيم في منتصف العشرينات قائلا:

– مرحبا دكتورة عبير، هل يمكن لنا أن ندعوك لتناول الغذاء سوية، بابا في انتظارك بالسيارة.

ـ بالطبع أقبل دعوتكما حبيبي وقرة عيني - أجابت الأم وهي تهم بإغلاق مكتبها بعد أن أرسلت نسخة من روايتها الجديدة والمثيرة للجدل " الأحلام تُغتال ولا تُباد " إلى دار النشر...

((هذه القصة القصيرة تفتح باب التأويل على مصراعيه؛ كما تعري الوجه المشوه للزمن الجميل الدي لا يعرفه إلا من عاش أحداثه)).

ـ تمت ـ


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى