الأربعاء ٤ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم نوزاد جعدان جعدان

الأب الروحي للأغنية الشعبية الكردية

يعتبر الفنان الكردي حسن زيرك واحداً من أكثر المغنين إبداعا من الذين أنجبتهم الأمة الكردية في مجال الغناء والفن ومدرسة غنائية مختلفة وخاصة، وذلك بصوته الشجي كأنه الحبل السري يعيدنا إلى أمّنا الحياة حيث تنطلق الروح بصراخ أو ضحكة لنقول يا الله!.. تلك الموهبة الحقيقية التي تبقى كوردة لا تغير فستانها ولا تبدل عطرها مهما امتد الزمن مغسولة بماء فطرتها.. يفرش بموسيقاه لحافا للغيم كي يتدثر المطر ثم يسحبه إلى مائدتنا ونحن نتحاور حولها عن الحب والبلاد.. نقل لنا التراث الكردي وعلّق عناقيد من ضوء على محراب المستقبل..

الولادة والنشأة

ولد زيرك في مدينة بوكان في إيران في التاسع والعشرين من تشرين الثاني من سنة 1921، يتيم الأب ثم تزوجت والدته لتتجلّى كل معاني قسوة الحياة وبشاعتها في طفولته البائسة، عانق الطفل الصغير أوجاع الحياة رغماً عنه، لم يلتحق بالمدرسة كجميع الأطفال بل اضطّر للعمل وهو في الثامنة من عمره في أعمال مجهدة من بيع المرطّبات إلى العمل في المقاهي إلى أجير باص ومن ثم العمل عند أحد الآغاوات فصوته الشجي الجميل كان مدخلاً ليغني الأغاني الفلكلورية التي حفظها جيداً في المضافة الخاصة بالآغا في الأمسيات والسهرات الغنائية، هناك وعى وجوده وذاته ليقابل شظف العيش ومرارتها بالغناء والموسيقى ويترفّع عن الظروف السيئة بإحساسه المرهف العميق الذي نفذ إلى قلب ووجدان كل من سمعه.

مع مرور السنين كبرت موهبة الصبي اليافع وصُقّلت تجربته بالحياة والموسيقى أيضاً فقد عمل في أعمال عديدة ومتنوعة رافضاً الذل والعبودية في كل مرة يشعر فيها بالإهانة من قبل صاحب العمل حتى اضطر إلى ترك بلده والانتقال إلى العراق لتحسين مستوى معيشته والبحث عن فرص عمل أفضل فعمل أجيراً في فندق في بغداد إلى أن قادته الحياة إلى إذاعة بغداد تلك الإذاعة التي كانت موئلاً للفنانين الكرد آنذاك.

في البداية كان يعمل في فندق شهرزاد ببغداد والذي كان معظم رواده من الأكراد، وكان الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني من مرتادي الفندق حيث استمع الى صوته وأعجب بأدائه وتوسم فيه النبوغ والموهبة فبذل جهوده لإيصاله الى الإذاعة ليسجل أغانيه وليشتهر بواسطتها وسطع نجمه أكثر بعد مشاركته مع مجموعة من الفنانين الأكراد عندما شارك في الحفلة التي أحيتها فرقة (مولوي) الموسيقية في قاعة اعدادية السليمانية للبنين فأبدع اثناء الحفلة ولا سيما أنه كان وسط جمهوره الكردي فأبدع خلال الحفلة المذكورة وذاع صيته في الافاق، أثناء ذلك كانت زوجته ميديا الزندي تعمل مذيعة وتساهم في بعض التمثيليات الإذاعية.

قضى حسن زيرك عشر سنوات في العراق وتعرف على الكثير من الفنانين الكرد الذين كانوا يتسابقون للغناء في إذاعة بغداد القسم الكردي فسجّل أول أغانيه هناك وغنّى في برنامج أسيوعي في الإذاعة ذاتها التي عمل فيها مدة خمسة أعوام وسُجّلت له أكثر من سبعين أغنية، في عام 1959عاد حسن زيرك إلى طهران للعمل في القسم الكردي إذاعة طهران وفي تلك الفترة تعرف على زوجته "ميديا زندي " وأنجبت له طفلتين ثم استقرّ به الأمر في إذاعة كرمنشاه عام 1960 وسجل العديد من الأغاني هناك وفي عام 1967رجع إلى بغداد ليسجل بعض الأغاني الجديدة وهناك تم اعتقاله ستة أشهر وتسليمه للسلطات الإيرانية لتتوالى المحن والمصاعب فانفصل عن زوجته ورجع إلى كوردستان إيران وفتح مقهى له في مدينة "بانه" كمصدر رزق وعيش.

اضطر حسن زيرك بعد فترة إلى إغلاق المقهى وذهب إلى مدينة مهاباد فتعرض لضغوطات وملاحقات من السلطات الإيرانية اضطر لمغادرة مهاباد إلى مدينة “شنو” التي قضى فيها باقي حياته.

أصدر الفنان الكردي حسن زيرك عشرات الألبومات الغنائية ومئات التسجيلات باللغة الكردية “اللهجة الصورانية” وباللغة الفارسية والقليل من التركية ليرتقي إلى مرتبة أستاذ الفنانين كما تميّز بعشقه للتراث والغناء الفلكلوري محافظاً بذلك على الآلاف من الأغاني الكردية من التشتت والضياع.

توفي حسن زيرك في عمرٍ مبكر في الواحد والخمسين من عمره في السادس والعشرين من حزيران عام 1972 نتيجة إصابته بمرض سرطان الرئة، ودفن في مقبرة(ناله شكينة ) التي غنى لها أغنية كردية شجية.

ملك التراث الكردي

كانت العادة السائدة إذا حل مطرب ضيفا على قرية ما يجتمع حوله شباب القرية وهواة الغناء احتفاء بمقدمه ولعرض مهاراتهم الغنائية. ومن أجل أن يألف الضيف تلك الأجواء وتسري روح المنافسة بين المغنين، وليزول عن الضيف الخجل والتردد، كانت تجري المساجلات الغنائية، وعندما زار الراحل منطقة بن كورة في ناحية قورتو سنة 1957 وحل ضيفا في قرية كاني ماسي وكان يصحبه محمد جيران فزارا عدة قرى أخرى، وبعد رحيله عن القرية ظل الناس يتحدثون عنه وعن صوته لمدة طويلة لذا ليس غريبا أن يتمتع بهذه الشعبية الواسعة نظرا لكثرة معجبيه وعشاق صوته الكثيرين حتى قبل انتشار أجهزة الراديو وظهور التلفزيون في القرى، وبهذه الوسيلة اي بواسطة الاتصال المباشر بينه وبين الفلاحين توطدت العلاقة بينه وبينهم وأكسب سمعة عريضة في كوردستان

ارتبط عيد النوروز بأغنية "نوروز" ارتباطاً وثيقاً حتى باتت الأغنية رمزاً من رموز النوروز والربيع والحياة الجديدة، كما يمكننا تخيل وجه الحسناء الكردية "كاجه كافروش " عبر غنائه عنها واصفا جمالها وشدة بأسها.

بالمقابل، برز حسن زيرك بعد جيل الرواد أمثال سيد علي أصغر كردستاني و كاويس آغا وعلي مردان. ولكن الشيء الذي يميزه عن أقرانه الرواد أنهم كانوا يؤدون المقامات والأغاني الكلاسيكية وكلمات أغانيهم من دواوين الشعراء الكلاسيكيين من أمثال مولوي ونالي وغيرهم، بينما امتاز حسن زيرك بطريقته الخاصة وصوته المتميز وكان احيانا يؤلف أغنية في الحال عندما يثير انتباهه شيء أو يصادفه موقف ما.

وحول مكانة زيرك في السلم الغنائي الكردي، قال عنه الدكتور توفيق آلتونجي"لا يمكن التطرق إلى الغناء الكردي الشعبي دون التوقف عند أحد عمالقته، وأكثر المطربين في العالم غزارة في إنتاج الأغاني، وهو المطرب الشعبي الكبير زيرك فهو مدرسة غنائية شعبية متكاملة، أينما حل ورحل، من إيران الى كركوك".

وعن دور الأغنية الكردية القديمة كوسيلة للتواصل بين قبائل وعشائر الشعب الكردي وتمجيدها لبطولته، كتب الأستاذ أحمد زاويتي في مقدمة مقابلته مع المغني الشعبي الكردي خليل باكوزي: " كانت الأغنية الكردية القديمة من أهم وسائل التواصل بين قبائل وعشائر الشعب الكردي. وبهذه الطريقة انتشرت القصص والأساطير بين مختلف مناطق كوردستان واختلطت فيها الحقيقة بالخيال المصطنع من قبل المغني".

استوحى المطرب التركي إبراهيم تاتليس أغنيته "يلا شوفير أو هيّا أيها السائق" من أغنية حسن زيرك التي تحمل العنوان ذاته.

لزيرك أكثر من 70 أغنية مسجلة في إذاعة بغداد الكردية وعشرات الأغاني في إذاعة كرمنشاه الكردية، كما يعتبر زيرك من أوائل الموسيقيين الذين غنوا بلغة غير عربية في راديو بغداد حيث غنى باللهجة السورانية في عام 1953، الذي مهد الطريق لموسيقيين أكراد عراقيين في الموسيقى العراقية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى