الانتفاضة.. صورة المقاومة في الرواية
"الانتفاضة.. صورة المقاومة في الرواية
(دراسة فى ملامح الرواية المقاومية خلال فترة الانتفاضة الأولى والثانية)
مفتتح
خلال السنوات القليلة الماضية نالت القضية الفلسطينية ﺇهتمام عالمي، بسر صمود أهل غزة في مواجهة الآلة العسكرية العبرية، وأظن أننا في انتظار مخاض جديد على الأرض، وليس ببعيد الصمود نفسه الذي مارسه الأطفال قبل الكبار خلال سنوات الانتفاضة (الأولي والثانية) التي فرضت دلالاتها، فكان حقا علينا أن نرصدها.
أليس من أهم وأبرز أدوار"أدب المقاومة"هو الحفاظ على قيم ومبادئ الأمم لذاكرة التاريخ..
تمهيد
لعل أسفار التوراة"إقرار بشريعة الحرب والقتال على أبشع صور التدمير والتخريب والهلاك والسبي."الحرب"وسيلة، فلا محل لوصفها بالعدل أو بغيره، لكونها عندهم أمر إلهي.
بينما فكرة الحرب في المسيحية على عدة وجوه.. كانت رافضة لها في البداية :"من ضرب بالسيف سيهلك أو يجن..". ومع القديس"بولس"بدأت فكرة لاستعمال"القوة"، بعد أن زاد عدد المسيحيين، ثم جاء القديس"أوغسطين"فقال بمقولة ربانية:"لو أراد الله بأمر خاص، أن نقتل يصبح قتل الإنسان فضيلة".. لم يرفض الحرب، شريطة أن تكون تعبيرا عن المشيئة الإلهية. وكان القديس"توما الاكوينى"صاحب مقولة"الحرب العادلة"، والآن تردد الكنيسة أن الحرب يمكن أن تكون عادلة، بالإعداد الجيد حتى دون التأكد من عدالة القضية، بشرط الرجوع إلى أصحاب العقل الراجح،
أما الإسلام فقد بدأ بقوله تعالى:"وأصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا"سورة الطور، آية 48. كذلك:"فاصفح الصفح الجميل"سورة المؤمنون، آية 196، في الفترة الأولى (المكية)، أما في الفترة الثانية(المدينة)، فقد تقرر القتال حين يطبق الأعداء:"أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وأن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.."سورة الحج، آية 40-41. وفي السنة الثانية من الهجرة تقرر الإذن بالحرب:"كتب عليكم القتال، وهو كره لكم....."سورة البقرة، آية126.
فرض القتال بشروطه المتعددة.. الحرب من أجل الدفاع عن العرض والأرض والمال والشرف.. من أجل الدعوة إلى الله. ولا يفوتنا أن لفظ الحرب لا يوجد في الإسلام، بل"الجهاد"وهى لفظ من الجهد والمشقة في ملاقاة العدو، ولا تعني الاعتداء والعدوان. كما قنن الإسلام سلوك المجاهد..الثبات ، استخدام الحيلة والخداع، السماح بالفرار وحتى بعد نصر المسلمين، مع تنفيذ عقود الذمة، وحسن معاملة الأسرى.
واضح أن فكرة"الحرب العادلة"بالمعنى الأخلاقي أو المسيحي القديم-مقولة"توما الاكوينى"- لم تخرج عن حيز جدران الكنيسة، لتبقى فكرة الحرب متداولة في الفكر الإنساني بين النافع والضار، أو من حيث أن الحرب وسيلة لتحقيق منفعة ما أم لا..
.. بعد حربين عالميتين، كانت هناك مساع ومحاولات لدرء أضرار الحرب. حيث تجاوز الإنسان فكرة كون الحرب عادلة أو غير عادلة، إلى فكرة"ضد الحرب"، بفضل أفكار رجال القانون الدولي"القانون المضاد للحرب".. وهو ما أعطى لفكرة"حق الاسترداد"مشروعية"المقاتلة-الحرب"لمن وقع عليه غبن وظلم وﺇحتلال.
.. لعل التاريخ هو.. الوعي بالذات الجمعي، وظلت المعرفة التاريخية هي ملاحقة الملوك والسلاطين والأباطرة والقياصرة، وفي القرن التاسع عشر (في أوروبا) بعد الثورة الصناعية هناك، بدت الدراسات التاريخية من خلال المأثورات الشعبية على تنوعها.. وهى التي أفرزت وبرزت فيها روح الشعوب.
أكد البعض على أهمية الأعمال الفنية التاريخية، كما عند"جورج لوكاتش".. لأنها تفي بتوفير"وجهة النظر"التي تحسم القضايا العقائدية والسياسية. وهو في ذلك يؤكد على معنى توظيف العمل الفني التاريخي إلى جانب خصائص"أدب المقاومة"، الذي هو أدب ترسيخ قواعد الوجود الإنساني الخير، أدب المدينة الفاضلة بمعنى ما، أدب الأنا الجمعية في سعيها إلى الحرية لتقوية ذاتها في مواجهة الآخر العدواني.
.. الآن نقترب من"الحرب"، فالتجربة الحربية معقدة، ومنبه غير تقليدي.. لا هي
أحادية ولا هي بسيطة، ومع ذلك لا تكتسب دلالتها إلا بوجود دوافع داخلية.. مثل القيم العامة للمجتمعات، ودوافع مباشرة لأوامر الجماعة. عادة درجة استجابة المرء، إما مباشرة أو غير مباشرة لحدوث اللذة أو الألم، فتكون جملة الانفعالات التي يعانيها المرء هي التي ستحدد اتجاهاته وسلوكه. وقد يلجأ إلى"الخيال"، تلك القوة السحرية الساحرة القادرة على إنجاز الفن أو الأدب بأشكاله.
.. ما سبق لا يعني أن أدب التجربة الحربية في جوهره وسيلة للخلاص الفردي، ولكن يعني قدرة"الصفوة"من الناس الذين خاضوا التجربة (الحربية)، وقد امتلكوا الخيال والقدرة على التعبير (بأي وسيلة كانت)، يحفظون لنا خصوصية تلك التجربة بكل طزاجتها وخصوصيتها.. يأتي"أدب الحرب"في النهاية للتعبير عن هول التجربة: يكفى القول بأن النفس البشرية جبلت على حب الحياة، بينما يخوض الأفراد التجربة الحربية مدفوعين بأمر الجماعة (المجتمع) وبناء على رغبتهم، وقد يباركون موته.
الانتفاضة نموجا وللرواية:
.. لا تعد"الانتفاضة"حربا بالمعنى الحرفي أو الاصطلاحي، فالحرب تكون بين جيشين منظمين، حيث مجموعات الجنود المحترفة والمدربة، وقد تسلح الجنود -على الطرفين- بالمعدات المناسبة، بداية من التسليح الشخصي، حتى استخدام المعدات المعقدة سلفا.. بينما"الانتفاضة"بدأت وانتهت وتجددت على سلاح"الحجر"!، فيما تمكن البعض من إنتاج بعض الأسلحة البسيطة، مع استمرار الانتفاضة، ولا تعد تسليحا حقيقيا، مقارنة بتسليح الجيش الإسرائيلي.
.. بدت"الانتفاضة"مجموعة من الصبية في مواجهة الدبابات والقنابل، من أجل"التعبير"عن رفض كل الممارسات التعسفية والشرسة على الأرض الفلسطينية. ويعتمد الهيكل التنظيمي للجيوش على الشكل الهرمي، بداية من الجماعة (عشر أفراد وقائد"، حتى قائد أعلى للقوات المسلحة، وهو غالبا رئيس الدولة).. فيما بدت الانتفاضة، وكأنها بلا رأس، تحركها انفعالات الصبية، وتؤججها..إصابة أو مقتل أحدهم، وأيضا تدمير المنازل وتشريد العائلات.
.. إننا إذن أمام شكل من المواجهة والعنف، هو رد فعل في جوهره أقرب لأن يسمى (مقاومة الصبية الفلسطينيين، لآلة الحرب الإسرائيلية).. إنها"مقاومة"إذن. والمقاومة في جوهرها مشروعة وعادلة.
.. في ضوء ما سبق، تبدو الانتفاضة شكل من أشكال المقاومة الشعبية، ولن نجردها من جوهرها، ونصف القائمين بها، على أنهم"سكان المخيمات"فقط، وكأن المقاوم الفلسطيني بالعموم، هو فقير فلسطين (وانتهى الأمر). بل تعد الانتفاضة"حالة جماعية.. تعبيرا عن الرفض، ومحفزة علية"عاشها ويعيشها كل أفراد الشعب الفلسطيني (وهو ما بدى جليا في الإبداعات القصصية والروائية).
.. لم تعد"الانتفاضة"محددة بملاحقة الجندي الإسرائيلي المسلح للأطفال على الطرقات وفى الأزقة والحارات. انتقلت إلى مواقع الزجر والاستفزاز في كل مكان.. عند الحواجز والمعابر وحول المستوطنات.. واتسعت. أما وقد تعددت الصور النضالية للشعب الفلسطيني طوال رحلة كفاحة.. فقد أضافت الانتفاضة صورة لم يعهدها كفاح الشعوب من قبل، وهى"العمليات الاستشهادية"، ولن نصفها بالانتحارية
..كما أضافت الانتفاضة صورة"التصفية الجسدية"لبعض الرموز السياسية، وهو ما تم بصورة أكثر شراسة من آلة الحرب الإسرائيلية، نحو رموز ساسة فلسطينيين.. بداية من النشيطين الشباب إلى قادة وزعماء سياسيين !
.. ثم أضافت الانتفاضة، وكأنها أشعلت حمية المرأة الفلسطينية. لم يعد دورها محدودا بحث رجلها أو ابنها على الكفاح من أجل الأرض والعرض.. أصبحت عضوا فاعلا، بداية من التصدي للجنود بأصواتهن وأجسادهن، وقت الاقتحامات والمداهمات.. حتى المشاركة في العمليات الاستشهادية بعدد لافت للانتباه وأكثر منه أعتقل في السجون.
.. لقد أعطت الانتفاضة الكثير من الصور والتجارب، ربما ما كان خيال الشاعر أو القاص أو الروائي بقادر على استحضارها أو تخيلها...هاهي ذي الأسيرة الفلسطينية الشابة"ميرفت أبو دولة"فور الإفراج عنها، تقول:
"إنها فرحة منقوصة، سأبقى أعيشها حتى تحرري من جحيم السجون الإسرائيلية.. لأن الاحتلال نقلني من سجن كبير إلى سجن آخر أصغر منه، لتستمر معاناتي". وتتابع:"لا توجد كلمات تصف ظلم وقسوة الاحتلال الذي حرمني مشاعر الفرح والسعادة بتحرري من القيود وظلام السجون.. إذ قرر فرض الإقامة الجبرية على منزلي الكائن في مدينة القدس المحتلة، وحتى إشعار آخر".."بموجب هذا القرار يحظر عليّ مغادرة المنزل من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة من صبيحة اليوم التالي، مع إلزامي بمراجعة الحاكم العسكري كل أسبوع والتوقيع لديهم"..
..تتابع الأسيرة"ميرفت":"قيدوني أمام زوجي، وسط الشتائم والكلمات النابية والإهانات، ثم نقلوني إلى سجن"المسكوبية"، حيث عشت لحظات رهيبة من هول المعاملة غير الإنسانية التي تلقيتها..."
..فيما بدت العمليات الاستشهادية وكأنها ظاهرة أفرزتها ثقافة جديدة"ثقافة الاستشهاد"، المطلع على آخر مقولات المستشهد يتأكد أن البعد الديني/ النفسي/ الاجتماعي، هو الأغلب والدافع لأن يتخلى المرء عن حياة، بنما جبلت النفس البشرية على حب الحياة. ومن قال أن الاستشهاد"ممات"، إنها حياة أخرى، هذا ما ردده المستشهدون في آخر ما سجلتها أقلامهم.
..قدمت الانتفاضة الأسرى الصامدين، ومنهم السيدات المناضلات فعلا وعملا وقولا.. وفكرة"الاستشهاد"، التي يمكن تمييزها عن"الانتحار الياباني القائم على فكرة"المقاومة السلبية"، وتميز الأفكار الفلسطينية في مقاومة المحتل عما سواها عند آخرين من مظاهر الرفض السلبي الذي ينتهي بالانتحار لأسباب سياسية أو اجتماعية وكما عبرت الانتفاضة عن نفسها أمام الحواجز بمشاهد قد لا يصدقها البعض.
نعم..لقد قدمت الانتفاضة الكثير لأقلام الكتاب والمبدعين: فكانت الرواية الأولى لسياسي معروف (عضو كنيست إسرائيل)"عزمي بشارة".. وقيمة هذا العمل الروائي، أبعد كثيرا من قيمتها الفنية (وهى أيضا ذات قيمة أدبية وفنية).
.. هناك جيل حضر الانتفاضة الأولى يحبو، وحضر الثانية، وقد شب عن الطوق..فكانت تجربته الجوهرية في إبداعاته. لعل أكثرهم لم ينشر قصصه في كتاب، ربما تتكاثر في المواقع الأدبية على شبكة الانترنت... هناك جيل راسخ الآن، كتب أعمالا ناضجة باقية، لن تنساها ذاكرة الأمة... زودت الانتفاضة المبدع الفلسطيني بتجارب"الأسر والاعتقال، خصوصية تجربة الاستشهاد.. ثم ربما زودته بتجربة –ربما- تبدو نادرة، ألا وهى الحياة والموت عند الحواجز(من روايات التجربة الأخيرة:"المعبر/زياد عبد الفتاح"، و"الحاجز/عزمي بشارة"..وأيضا رواية"الحصار/ رفيق محمود"، وغيرها مع العديد من القصص القصيرة... كثرت الأعمال التي غاصت في تفاصيل الحياة اليومية في المخيمات، تلك التي رفضها البعض، وفضل تسميتها بالمعسكر، ربما لقسوة دلالة"المخيمات"..يقول"غريب عسقلاني"في إحدى رواياته:".. في بيوت المخيم المتراصة كعلب الكبريت غيّب الآدميون في جوفها حتى الانتفاخ، فيما راحت رياح تشرين تصفر بين جدران الأزقة الضيقة، تتلوى أصواتا شيطانية حول السقوف الواطئة..."
.. أضافت الانتفاضة شكلا إبداعيا لم تعرفه النثرية الفلسطينية من قبل.. وهو المزج بين الشعر والنثر (على كافة معطياته من خواطر، قص، حكم وأمثال..الخ)... تلاحظ مشاركة الشعراء الروائيين في إنتاج جنس الرواية، على الرغم من أن القارئ يعرفهم كشعراء (سميح القاسم/إلى الجحيم أيها الليلك – أحمد يعقوب/البالوع- أدمون شحادة/ الطريق إلى بيرزيت- زكريا محمد/العين المعتمة)، ربما لخصوصية الرواية وخصائص الحكي والقص، مع الرغبة في البوح.
.. الأعمال التي رصدت المقاومة قبل اتفاقية"أوسلو"، غلبها التلميح، والبعد عن التصريح المباشر، مع إبراز قضية"الترانسفير". وإن عبر البعض عن عدم سعادته باتفاقية"أوسلو".. كما في رواية"مقامات العشاق والتجار/ أحمد رفيق عوض"حيث قال بطل الرواية، على الرغم من أنه خرج من المعتقل، بات يعمل في غرفة قريبة من الغرفة التي تعذب فيها، لذا لا يشعر بالسعادة.
.. الأعمال التي كتبها روائيو عرب إسرائيل، بقيت (قبل الانتفاضة وبعدها) أقرب للرمز والتلميح (ربما باستثناء رواية الحاجز/عزمي بشارة).
.. كما أن رواية السيرة الذاتية راجت، وبدت أقرب إلى بعض الأقلام. ربما لقربها بين المزج المرغوب بين التجربة الخاصة والحكي القصصي.. منها"حصرم الجنة/ عاطف أبو سيف"و رواية"زمن اللعبة/ أحمد عمر شاهين".
.. نجحت الانتفاضة في غزو اللغة المجرية، بعد أن كتب بها أحد روائيو فلسطين""حجارة الألم"التي قدم لها الأديب (رئيس الدولة السابق للمجر) معربا عن دهشته من قسوة ما قرأه.
.. وكما كل إبداع المقاومة، أفرزت الانتفاضة الرواية التي تجعل من"الأرض"رمزا وموضوعا..كما في رواية"خندق المصير/ حسين المناصرة". فالكنز في الأرض أمل ومطمع ومحل صراع بين الجميع، وقد جعل من المثل الشعبي"بين حانا ومانا
ضاعت لحانا".. حتى أنه خاطب العرب (في كل العالم) يقول:
"يا عالم يا هو: من نحن؟ ثلاثمائة مليون، عام ألفين، ولا يهشون وتنشون أمام عشرة ملايين يهودي..متى نصير أسياد أنفسنا؟"
* إجمالا يمكن الإشارة إلى أن الروايات والقصص التي تناولت"الانتفاضة الأولى"بدت فيها معالم الفعل النضالي خفيا بين الأحداث، وفى خلفية المشاهد التي يرصدها الراوي، وبين طيات الأحاديث الحوارية..على العكس من الروايات التي عالجت الانتفاضة الثانية. فقد كتبت تلك الأعمال ونشرت تحت ظل السلطة الإسرائيلية، على العكس من تلك التي كتبت تحت ظل السلطة الفلسطينية ـ حيث استلمت السلطة الفلسطينية مقاليد الأمور بعد معاهدة أوسلوـ
*وقفة بانورامية مع روايات الانتفاضة:
.. رواية"أحواله وأحوالنا"للروائي"حافظ البرغوثي"، رصدت مبكرا الانتفاضة، ولعلها الرواية الأولى"؟ ربما لا ينافسها في أسبقية النشر، إلا رواية"أحمد ومحمود وآخرون"للروائي"زكي درويش"،
*تبدو رواية"أحمد ومحمود وآخرون"شديدة البساطة في عرضها وشخصياتها ومعالجتها ، كل فصل باسم شخصية.. أسرة متوسطة المستوى تعيش في"طولكرم"، فهي أقرب النقاط العربية إلى الحدود الإسرائيلية).. الأب الفلاح من شدة الحاجة اضطر للعمل في"تل أبيب"، ولتمرده على الجندي الإسرائيلى، قتل.. اضطر"أحمد"لأن يترك الدراسة ويعمل، حتى يعيل الأسرة، الأم و"محمود"و"ديمة".
ذهب إلى بيروت ليعمل، فشارك في العمليات الفدائية، ولما أحب، كانت حبيبته معلقة ب"كمال"الفدائي الذي استشهد في اجتياح لبنان. تسافر الحبيبة، ويتابعها أحمد، وكان سفره إلى الكويت للعمل.
تبدأ الانتفاضة، وتشارك"ديمة"(الأخت الصغرى)، لتفقد عينها اليسرى، وتحزن الأم حزنا شديدا، ويظل الحزن هو سمة الأم حتى يهدم بيتهم انتقاما من سلطة الاحتلال بعد متابعة محمود الجهاد.. لم تتحمل الأم أكثر، ماتت.بقاء أحمد لم يدم طويلا في الخليج، عاد بعد أن تابع كل ما كان، وما توقعه جعله يقرر أن يشارك..وتنتهي الرواية بعودته مع الانتفاضة المتأججة.
** كما بدت بعض الأعمال وكأنها مزيج من القصة القصيرة والسرد الروائي والشعر، وربما الموتيفات المتنوعة كما في"البالوع"لأحمد يعقوب، وهو ما جعله يعنون الكتاب ب"نصوص".الهام هنا أن التجربة نفسها (التجربة المقاومية) أفرزت الشكل نفسه في العديد من الأعمال العربية، مثل"بردية من أكتوبر"للشاعر"أحمد الحوتي"بعد معارك أكتوبر والعبور في عام 1973م.
** قليلة هي الرواية المعبرة عن تجربة"الانتفاضة"(نسبيا). وقد أشار إلي تلك الملاحظة"د.مصطفى عبد الغني"في كتابه"الاتجاه القومي في الرواية"يقول:"ويلاحظ في ذلك كله أن الروائي لم يصنع بطلا واحدا- على كثرة الأبطال الأسطوريين وغلبة أدوارهم –وإنما تحولت الانتفاضة- في حد ذاتها- إلى حالة (أسطورية) غير عادية، تنسج خيوطها هذه الحركة اليومية المستمرة من نضال آلاف الكوادر والمقاتلين في الأرض المحتلة..)، ص340
*اعتمدت محاور تلك الروايات على عنصرين : تصوير وقائع نضالية/ مقاومة.. حيث كتب الروائي"محمد نصار"رواية"نزيف القلب"راصدا مجزرة"مخيم جباليا"ضمن أحداث الانتفاضة.تتبع الروائي أحد الأسرى الذي أشفق على زوجته وطلب منها الموافقة على تطليقها. رفضت لكنه طلقها، لتتزوج ابن عمها وتصاب بمرض تفقد بعده الذاكرة. أما وقد خرج الأسير من المعتقل، لم يعثر على أسرته، حتى وجد زوجته المريضة تسير في إحدى المظاهرات وتصرخ للإفراج عن زوجها الذي لم تعرفه.
أما العنصر الاخر فهو، تصوير الحياة اليومية في ظل الاحتلال.. كتب الروائي"عبد الله تايه"رواية"العربة والليل"التي تتضمن تفاصيل أحوال سكان المخيم تحت ظل أوامر حظر التجول المستمرة والممتدة والتي تصل لعدة أيام. فيقل من يخرج للعلاج أو لشراء طعام لأطفاله، أو حتى للعثور على جرعة ماء.
** وقفة مع تماذج روائية والانتفاضة:
*رواية"العربة والليل"للروائي الفلسطيني"عبد الله تايه": (القدس عام 1982م). تتناول التجربة الحربية/الأدبية الفلسطينية خلال مرحلة البحث عن الذات الجديدة
بدت الرواية مفعمة بالأسى والأمل، معبرة عن الذات الجمعية فى نبل ، وعن الراوي الخفي/الروائي بصدق وإخلاص.هي رواية قصيرة (نوفيلا)، تولى قص أحداثها راوي مشارك فى الحياة اليومية سواء من الطبقة الكادحة وسكان المخيمات الفلسطينية المناضلين ، أو من فقراء الإسرائيليين المجندين.. وهيمنة الراوي العالم.
تنقسم الرواية أربعة أقسام.إطلالة سريعة على أحداث الرواية.. قاعة محكمة، صدور الحكم بالسجن على أربع شخصيات ، العجوز"أبو عزيز"والشباب الثلاثة : نبيل خضر، حسن رباح ، فتحيالراعي، وهم أنفسهم رفقاء الدرب مع"عزيز"الإبن ، وقد تمكن من الفرار ولم يقبض عليه. ليبقى أمل المقاومة، ولتستمر المقاومة بيد الابن بعد سجن الأب، استمرارا لتاريخ جهاد الجد والأب والحفيد.
تبدأ الرواية بعرض صورة كريهة وممهدة لعالم الرواية فيما بعد. كانت قاعة المحكمة:"انتظار، قلق،اضطراب، عرق، أسلحة، صور، النيابة العسكرية، روائح بشرية، الشهود، ازدحام الحاضرين، دخان يعبق". خلال الرحلة يضيف الراوي العديد من العوالم الخاصة، أكسبت العمل ملامحه وخصوصيته. فقد كان تصوير عنبر السجن، فى صورة كريهة، حيث معاناة المسجونين :"التبول في وعاء بلاستكي، تفوح من المكان رائحة الرطوبة، العفن، البول، وبقايا الخبز والبيض.. ورائحة"غزة"القادمة عبر النافذة الضيقة والمرتفعة".
كما كانت صورة"المخـيم"سيئة بحيث يستشعر القاريء الغمة المشتركة بين المخيم والسجن.
إلا أنه من خلال قراءة"عنوان الفصول"، يلحظ القارئ تساوي عنصري الزمان والمكان على الفصول الأربعة. فهي على الترتيب بالعناوين التالية:"مخيم"،"عربة"،"ليل"،"شمس". ولا يخلو الأمر من الدلالة الواضالرواية،غلب"مبدء،الحيز الأكبر من الرواية، و"شمس"الحيز الأصغر..
وقد برز ملمح"النبوءة"في هذه الرواية مع تقنية فنية طموحة غير تقليدية، خصوصا أنها كتبت قبل الكثير من الأحداث التي تابعناها فيما بعد على أرض الواقع ، حيث كتبت رواية العربة والليل عام 1979م.
**رواية"البالوع"..وقائع الموت والحياة ل"أحمد يعقوب"(صدرت عام 2003م)
"إلى"نمر": والذي على قيد الحياة أو طفلي الذي اختطفت حياته أو أي طفل تسميه الأم الفلسطينية"نمر"كي يتفادى موت أطفال آخرين"..إنه"الإهداء"وعتبة لنصوص.. فكان معبرا، وأصبح الولوج إلى العمل الفني على غير ضرورة للشرح أو التفسير.. حيث تدور الأحداث (وقائع الانتفاضة)..
ينقسم العمل إلى شرائح، كما ينقسم إلى أجناس أدبية مختلفة..بداية من"في الطريق إلى البالوع"حتى النداء باسم أحد الأبطال"يا أحمد العربي".. في إطار سردي، وقصائد نثر، خواطر، أغنيات، رؤى وتأملات، بل وشئ من المقال...
"صباحات لم يغنها الملك داود".. عنوان النص الأول، تجربة فلسطيني أمام أحد الحواجز وما أكثرها (حوالي 700حاجزا)، إنه أمام حاجز"إيرز"، وقد خرج من أجل الشعر لحضور إحدى الندوات. كان ذلك في اليوم الرابع للانتفاضة.
تملأه الكآبة، ولم لا؟! ازدحام وسؤ معاملة وطقس غير موات.. بينما أعلن"شارون"آمر الوحدة101، شبيه الماموث، صانع المذبح: لن يستخدم إسرائيلي تصريحا للتحرك على الأرض الفلسطينية.تذكر ما قاله"أدونيس":"نحن لا نحيا.. نحن نحيا موتا يوميا أخرس"
تذكر الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، والسنيمائي العراقي"عدي رشيد"، وزملاء جنوب أفريقيا في الدراسة بأسبانيا وأحوال التفرقة العنصرية، وحتى نساء ألمانيا في سجون النازي، وتذكر كثيرا، حتى تذكر الطفل الشهيد"محمد الدرة"..فقرر ألا ينجب طفلا.إحداهن من الإثيوبيات (زميلة دراسة) قالت أن الإمبراطور هيلاسيلاسى من سلالة أسد يهوذا.وتتداخل المقولات والحكايات والأشعار..حتى خرج من الحاجز..
تابع الروائي تصوير مشهد مطاردة الجنود الإسرائيليين للأطفال الفلسطينيين،
نحن إذن أمام عمل فني..وليد تجربة حياتية متوهجة للانتفاضة (حيث البداية مع اليوم الرابع لبداياتها)، عبر عنها شاعر في نصوص، فقد هوية التصنيف..لا يهم.قد نفضل توصيفها بعنوانها"وقائع الموت والحياة"، فنفهم إلى أي حد يمكن أن تتفاعل التجربة المتوهجة مع السارد لتنتج عملا أدبيا..
**رواية"الحواف"أنتجتها الانتفاضة الأولى:
اندلعت أحداث الانتفاضة الأولى خلال عام1987م، لم تغفلها قريحة المبدع الفلسطيني، فكانت"الحواف"واحدة من أهم الروايات التي عبرت عنها، وعلى قدر فنى وتقني يضيف إلى العطاء الأدبي في سيال الإبداع الروائي الفلسطيني.وضعنا الروائي في تناقض ومفارقة الفن والواقع مع السطور الأولى للرواية.. فالزمن الروائي غير مستقيم بل مثقوب دوما ما بين الماضي والمستقبل..ما بين ما كان وما يرجو أن يكون.
والمكان الروائي يوحي بواقعية الأماكن التي حدد بعضها اسما، مثل مخيم"الأمعري"ومخيم"قلنديا"..ومع ذلك فهي أماكن غير مكتظة بالناس، ويكاد العمل كله في دائرة فراغ ما. حتى الشخصيات..ربما نلتقط منها ثلاث:"ع"الغامض الإيجابي المخلص للقضية ،"فؤاد"الذي سجن لسنة ثم تحول عن القضية، و"إبراهيم فوزي"المطارد وسجن بسبب حب الوطن. ومع الثلاثة لم يبدُ لنا الروائي منحازا بصوت عال إلا إليهم، وإن بدا فنيا تحيزه ل"لفوزي"الذي بقي مخلصا للقضية.
اندلعت الانتفاضة ولم يخبرنا الراوي..متى ولا كيف؟ فقط هناك من يعمل من أجل..؟ فقد بعث"ع"برسالة:"بسم الله الرحمن الرحيم. أخي فؤاد، ماذا لو شربنا القهوة في بيت رأفت؟ مساء. 25-1-88 – أخوك"ص8.إنه عمل سري إذن، كما أننا على حافة أحداث لها ماضي ومستقبل. وهكذا يبدو بناء الرواية..بسيطا ومركبا في آن واحد. ويكفي الإشارة إلى أن"ع"لم نتعرف عليه اسما أو رسما طوال الرواية حتى نهايتها. لتبقى الشخصية الأمل الباقي والمعبر عن رغبة الشعب الفلسطيني في العمل والإيجاب.أما"فؤاد"المناضل القديم (صفة القديم من القارئ لأننا علمنا أنه ناضل وحاول، لكنه سقط بعد أول عثرة، وقد حكم عليه بالسجن لمدة سنة). خرج من السجن وهو مؤمن بنفسه ومصالحه الشخصية قبل أي شئ آخر.
يقول:"يجب أن تلغي من قاموسك كل تبادل للعاطفة، هناك تبادل مصالح وتزاحم في العلاقات.".ص47م.
وهناك"إبراهيم فوزي"الشخصية الواضحة والتي لا يمكن الاستغناء عنها في الأعمال الفنية للتعبير عن"المقاومة"، الهام في الأمر أن تكون طبيعية، وألا تفرد وجودها على وجود الشخصيات الأخرى، مهما كانت الأخرى فيها من سلبيات..أليست هي الحقيقة والفن معا. إنه صادق ومخلص حتى أن شهادته في المحكمة هي التي خففت الحكم على"فؤاد"بسنة واحدة، وحكم عليه بثمانية سنوات.. بل مات في نهاية الرواية.
وتتعدد في الرواية ما يمكن أن نطلق عليه بالموتيفات الموحية والتي تشي ولا تخبر، بالإضافة إلى الجماليات الفنية المضافة للعمل.
خاتمة:
لقد رصدت الرواية للحياة اليومية خلال فترات ساخنة لرحلة صراع الفلسطيني على أرضه، حيث يواجه فظاظة الحياة اليومية تحت وطأة الاحتلال والعدوان اليومي.. ليس على المسلحين أو هي مواجهة بين جيشين.. بل مواجهة بين جندي مدجج وأعزل لا يملك سوى جسده، وربما يملك حجرا!
المصادر والمراجع
أولا: الدراسات والبحوث..
: ببليوجرافي الرواية العربية- الجامعة الأمريكية بالقاهرة-عام 1999م
تحت إشراف د.حمدي السكوت.
: مصادر الأدب الفلسطيني الحديث- د.محمد عبد الله الجعيدي – سلسلة"كتاب الرياض"عام 2001م.
: الاتجاه القومي في الرواية- د.مصطفى عبد الغني – سلسلة"عالم المعرفة"رقم188، عام
1994م.
: من الغيم إلى المطر – د.مصطفى عبد الغني – مكتبة الأسرة عام 2004م.
: الذات والمهماز – د.محمد نجيب التلاوي –سلسلة"دراسات أدبية"–هيئة الكتاب المصرية عام 1998م.
: أدب المقاومة- عباس خضر- دار الكتاب العربي-بالقاهرة –1973م
: سيكولوجية العدوان- خليل قطب أبوقورة-هيئة قصور الثقافة بالقاهرة-عام 1995م
: فقه السنة(الجزء الثالث)- السيد سابق- دار الريان بالقاهرة- عام 1977م
: سيكولوجية التطرف والإرهاب- عزت سيد إسماعيل- حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت- عام 1994م
: الحرب:الفكرة-التجربة-الإبداع. السيد نجم- هيئة الكتاب المصرية –عام1995م.
: المقاومة والأدب- السيد نجم- هيئة قصور الثقافة –عام2001م.
: المقاومة والحرب في الرواية العربية – السيد نجم – سلسلة"كتاب الجمهورية"عام2005م.
: عدد من الدوريات الأدبية(مجلة فصول بالقاهرة- مجلة الإنسان والتطور
بالقاهرة- مجلة عالم المعرفة بالكويت – مجلة التربية المعاصرة بالقاهرة)
:عدد من المطالعات والقراءات على شبكة الانترنت.
ثانيا: الإبداعات القصصية والروائية محل الدراسة.
