الاثنين ٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم صبحي فحماوي

الانزياحات اللغوية في رواية «ماريونيت» لليندا عبيد

في روايتها الأولى الصادرة حديثاً قدمت د. ليندا عبيد سرداً عبارة عن مسحٍ فني اجتماعيٍّ للمجتمع الأردني، إذ كانت تتنقل بين الحواري والأزقة القروية والمدينية، وتتقلب بين سردية عاشقين سعيدين، ومشاعر امرأة محرومة، مُعذَّبة بنصيبها الزوجي، وشاب جامعي ذكي ولكنه مظلوم بالسجن، وطافت في سردها بسهولة المرور قفزاً سريعاً بين مجتمع الفقراء ومجتمع الأغنياء، بين ثراء بَطِر، وجوع مُقفر، ولا أقول الطبقة الفقيرة والطبقة الغنية ذلك لأنها قدمتهما متشابكين متداخلين مختلفين متقاربين متنافرين..وكأنها تحمل عدسة تصوير وتركض بها بين المجتمعين المتناقضين، فتشرح عذابات الفقراء، وتسرد حبّ الأغنياء..لدرجة وأوصلتنا فيها إلى الشعور بالاختناق نتيجة الغلاء وضعف الحال، حتى أن المجتمع الفقير صار يجمع حشوده لتظاهرة مليونية على الدوار الرابع، لمقاومة زيادة حلب الفقراء الذين جف ضرعهم، وتغوُّلت الضرائب عليهم.
ومعظمنا يعرف أن ليندا عبيد اشتُهرت برسم الفوضى والرعب والقرف والاشمئزاز والحب والعشق والتضاد والجماليات في نصوصها القصيرة التي تعودنا أن نقرأها بشغف.

ومما أذهلني في قراءة هذه الرواية ( ماريونيت ) الانزياحات اللغوية التي تعني خروج الكاتب عن قواعد اللغة المألوفة والمعتادة، بهدف خلق جمالية فنية، وإعطاء النص الأدبي خصوصية وتوهجاً. وفي الحقيقة فإن الرواية التي تعتمد كثيراً على الخيال هي أهم من يستطيع ممارسة الانزياحات اللغوية، لخلق تصور خيالي فني مدهش يختلف عما نشاهده بأعيننا، وهذه الانزياحات تجعلنا نتخيل كيف يكون الشيء المذكور بصورة مختلفة، كيف يتحول الإنسان إلى خيط، والعين إلى غيمة سماوية، ليس كما أذكر هنا، وإنما لخلق عالم آخر، عالم ربما أجمل، وربما أبشع، لأن كلمات الانزياح تثقب ما هو على السطح، وتُفجِّره لتُظهِر المخفي الأعظم من المشاعر الإنسانية وربما الحيوانية أيضاً، وقد تُنطِقُ الحجر.
وكما تعودت قراءة سطورها التي كانت عبارة عن نصوص قصيرة تدهش القارىء، وتجعله يترقب نصاً سَمِّيه أدبياً..سمِّيه فكرياً..سمِّيه فوضوياً، من أدب اللامعقول..لكنه كله يصب أخيراً في المذهب الواقعي الذي نعيشه يومياً، ويعيشه أفراد وأُسر الشعب الأردني، ونراه ينطبق على الشعب العربي الواحد، إذ يكابدون نفس المعاناة، ويترقبون نفس الفرح الذي يأتي ولا يأتي، ومع ذلك يمنعهم سايكسبيكو من الوحدة.
كتبت لي أ. د. ليندا عبيد على صدر روايتها إهداءً تقول فيه: "إن الحياة مسرح دمى"، وأضافت: وَلَدْتُ ماريونيت إليك، علّك تجد بها ما يشبهك ويشبهنا.هي لم تقل مقولة شكسبير" الحياة مسرح كبير" بل قالت مسرح دمى..و(الماريونيت) بالفرنسية هي دمية أو عروسة اصطناعية متحركة، يتم التحكم في حركاتها من الأعلى أو من الخلف، بواسطة خيوط أو أسلاك أو قضبان يمسكها ويحركها شخص أو أشخاص مُختفون أو ظاهرون، يُسمى كل منهم: "محرك الدمى". ترى من هم الذين يمسكون برقابنا نحن الدمى بخيوطهم، فيحركوننا كما يشاءون؟

كنت قد قرأت مسرحية "بيت الدمية" لهنريك إبسن، واستمعت للحديث الذي دار بين شخصية الرواية والتي أيضاً اسمها "ليندا" بالصدفة، وشخصية أخرى لامرأة اسمها نورا..ترى ما وجه الشبه بين ليندا عبيد في ماريونيت ، وليندا هنريك إبسن في "بيت الدمية " لا تبحلقوا بي هكذا، فأنا لست أدري، إذ عليّ أن أبقى في روايتها الأولى هذه، فأقول:
كان الناس يكدحون سواء كانوا رجالاً أم نساءً..وأما في عصر "ما بعد العولمة"، فلقد صاروا دُمى يحرك خيوطَها رأسُ المال المتوحش، الذي استولى بقدرة قادر على المجتمع بكامله، وكأنه ورثه مجاناً من أبيه البرجوازي، وحوّله إلى "جَوَارٍ كُنّس". تقول الساردة في الصفحة الثامنة: "وحدها ماري انطوانيت كانت مشنوقة بزنار ثوبها في مدينة باردة بعيدة"..منذ بداية الرواية وصلت إلى النهاية، إذ شعرت بحكم ليندا عبيد على الأثرياء جداً، ممثلين بنهاية ماري أنطوانيت ولويس السادس عشر. هل تقصد صاحبة الرواية أننا نحن العرب نعيش عصر لويس السادس عشر وماري أنطوانيت التاريخي، بما يكتنفه من أحداث غيّرت مجرى التاريخ، أم في "عصر ما بعد العولمة" الذي فرضه علينا رأس المال المتوحش؟
وماريونيت هنا امرأة سمراءالبشرة، يبدو أنها فلّاحة، وهي موظفة من طبقة غريبة عن ثراء عمان، يصادف أن اختارها المدير لتمثل الشركة في حفل أُقيم داخل فندق عمّاني من ذوات الخمسة نجوم، لم يسبق لها أن دخلت فندقاً مذهلاً مثله من قبل. تُدْهش ماريونيت بهذا البهو العظيم، وهذه الثريات المتوهجة نوراً..كانت فضولية لمّاحة إذ خرجت من الحفل ونزلت تتعرف على معالم فندق الخمسة نجوم، وبركة السباحة وعلى من هم مرفهو بيئة هذه البركة..
الجميل في هذه الرواية أنها تنقلنا بقدرة فائقة السرعة من مجتمع مكان فقير مسقوف بالزينكو، إلى مجتمع عبدون ودير غبار ودابوق، وذلك عبر عدة رواةٍ ساردين، أو ما يسمى تعدد الرواة، أو تعدد الأصوات. (وأنا لا أحب كلمة البوليفونية) وهي تقنية سردية حديثة ابتكرها لورنس داريل في "رباعية الإسكندرية"، فقلّدهُ نجيب محفوظ برواية "ميرمار"، إذ تعتمد على وجود أكثر من شخصية أو صوت يسرد الأحداث، بدلاً من الاعتماد على راوٍ واحد مهيمن أو "عليم بكل شيء". وتجعلنا نتفرج على هذين المجتمعين المختلفي المظهر والمخبر..إذ قال فخري قعوار ذات يوم، أنه لو حُفِر نفق بين الوحدات ودوّار عبدون، وجاء الفقراء من هناك ليشاهدوا معالم عبدون لانفجر القوم ولم يبق في رؤوسهم عقل..ولكن ليندا عبيد يا روح فخري قعوار الجميلة، فتحت هذا النفق، وجعلت الحابل يختلط بالنابل، فلم تقع خشبة من السماء، إذ ما يزال الناس يعيشون (بين حانا ومانا، ضَيّعنا لحانا).لقد جعلَنا رأس المال المتوحش نُضَيِّعُ لحانا(واللي بقى يهوانا، بَطّل يهوانا).. صور كثيرة كثيرة..ومن يريد المزيد فليقرأ الرواية.

وأما أنا فسأتفرغ للاندهاش بالانزياحات اللغوية في هذه الرواية، إذ تقول الروائية الساردة في صفحة 16 عن الفتاة الصغيرة التي تُحَضِّرُها نساء الحارة لعرس الليلة .." النساء يعددن عجينة السكر ويتناوبن على سلخ جلدي مرّة بعد مرّة." النساء في الصورة هنا يقصدن تجميل العروس، ولكن العروس تشعر أنهن يتناوبن على سلخ جلدها مرّة بعد مرّة..هنا انزياح من جمالية المناطق الجسدية التي تمت إزالة الشَّعْر عنها، إلى شعور بأنهن يعذبنها بسلخ جلدها مرة بعد مرة..والعروس هنا هي ضحية للنساء اللواتي يستمتعن بسلخ جلدها، والانزياح هنا في المشاعر، بين فرحة النساء السالخات- إذا صح التعبير- وبين العريس الذي سيراه سحراً جمالياً مختلفاً عمن تتعذب، شاعرة بأنه سلخٌ لجلدها..وأما الفرحة العظمى فهي لذلك العريس الذي يتأهب لإقامة نصرِهِ فوق جسد زوجته المنهكة. ونحن نفهم عادة أن النصر يتم في المعارك، ولكن الساردة -الظالمة هنا- تعمل انزياحة خيالية في المشاعر، إذ تصور أن الرجال يقيمون نصرهم فوق زوجاتهم المنهكة..ولكن أليس الرجال منهكون أيضاً بأعمالهم ومسؤولياتهم وهمومهم التي تهد الجبال، ليحصلوا على القرش ويقدمونه أجوراً للعروس"فآتوهن أجورهن" ؟ وفي هذه الصور انزياح أنثوي يتهم الرجل بالبطريركية..والرجل المُخْتَرَقْ بأشعة الشمس التي تجعل البلاط يغلي تحت قدميه وهو يكدح في النهار والليل مظلومٌ في هذه الصور.. مشاعر متباينة متضادة محزنة ممتعة..تحركها خيوط مسرح عرائس (ماريونيت).
وفي صفحة 17 تقول الساردة : "وستقلي الشمس أجساد الأرصفة الخالية من قهرهم وضجيجهم وذلهم." لاحظوا أن الشمس لن تقلي( أجساد الناس فقط)، بل تنخرها لتصل إلى (أجساد الأرصفة).. الشمس الخارقة الحارقة هنا للرصيف بعد حرق الرجال.."الشمس وقودها الناس والحجارة" هذا الانزياح لحرارة الشمس بعد اختراق الرجال لتنسكب على الحجارة..على الأرصفة..يوضح مدى حرارة الشمس الساقطة على من يكدحون عاملين نهاراً في تلك الشوارع. الساردة هنا تؤنسن الأرصفة فتُدخلنا في أحاسيسها، إذ تجعلنا نشعر مع الأرصفة التي تتألم بحرارة الشمس فنشفق عليها.هنا نشعر بقيمة خيال الساردة الذي يخترق مشاعر الحجر.
وفي صفحة19-20 تقول: "خلّاط العصير يدور بسأم..الرجل يحدق بالخلاط.. والعصير الزهري يدور ويدور..العصير في الخلاط مصاب بالدوار..والخلاط يغفو بعد أن ارتاح قليلاً من صداعه المزمن." والذي أذهلني أن هذه الساردة الساحرة، كيف عرفت أن آلة الخلاط تشعر بالسأم؟ وكيف عرفت أن الخلاط مصاب بالدوار، وكيف عرفت أن لدى الخلاط صداع مزمن؟ مشاعر لا تخطر إلا على بال ليندا عبيد. هنا انزياحات تجعلنا نشعر أن السأم يتسلل إلى ذات العصير..العصير مصاب بالدوار .لقد دخلت الساردة في مشاعر الخلاط ..أنسنته، فجعلته يصاب بالدوار مثلما هي عقول الناس مصابة بالدوار، ذلك الذي يسمونه دوار البحر..وإذ أنه لا بحر في عمان، فخلّاط العصير مصاب بدوار الخلط..كما نقول: (صار يخلط ويخربط) فهل المجتمع الأردني مصاب بالدوار، هل نحن نخلط ونخربط؟ وهل صار كل شيء لدينا مصاب بالدوار تضامناً من المشاعر العربية ولا أقول الأردنية وحدها لا شريك لها، لدرجة أن الخلاط صار يشاركنا هذا الشعور بالدوار، نظراً للمعاناة التي يتكبدها في كل شيء؟ هنا نشعر أن الساردة جعلت الناس وحتى الحجارة يشعرون بالدوار بفعل الرأسمالية المتوحشة، التي أثْرت الغني، وأفقرت الفقير المُعدم، وجعلت الرجل -على ذمتها التي لا أواكبها- متوحشاً يضرب زوجته ليل نهار، والزوجة المظلومة تئن تحت السياط، وتقوم مُزرقّة الوجه والطين، لتعمل واجبها الموكول إليها.
تقول الساردة: "هل تعلمين أن أثرياءً في هذه المدينة يحتكرون فرنسا، ويصطحبونها معهم أينما ذهبوا..الثياب فرنسية، والعطور فرنسية، ومجلات الموضة فرنسية، وتعليمات الإتكيت فرنسية..حتى المياه يا ليندا (مياهنا) التي تصل إلى صنابير بيوتنا فنشربها ونغسل بها أصبحت فرنسية. لقد أثّرتِ بي فجعلتني أكره هذه الطبقة الفرنسية وأتحوّل إلى الطبقة الصينية ههههههه.
وفي صفحة 108 تقول الساردة: "لديّ أب بعينين حزينتين، وقميص مقلم يتسع لأحشر رأسي بين خيوطه وأختبىء." وهنا ترى نفسها عاشقة لأبيها، لدرجة أنها تتضاءل أمامه فتدخل في مسامات خيوط قميصه.كيف تتضاءل عشقاً فلا تدخل في قلب أبيها، وإنما تدخل في مسامات خيوط قميصه. والانزياح اللغوي هنا الذي جعلها تتضاءل جداً فتدخل في مسامات الخيوط، قد تفوّق على فكرة ذلك الفيلم السينمائي الهوليوودي بعنوان(الرحلة العجيبة-سترينج فوييج) والذي استمر عرضه لأكثر من خمسين عام متواصلة، إذ يصور إرسال رجال آليين دقيقي الحجم إلى شرايين وقلب رجل محشو لدرجة الانسداد، فيلتهمون دهون الحشو، وينظفون القلب والشرايين ثم يخرجون عائدين وقد نجا المريض..ولكن الانزياح الذي جعلها تدخل في خيوط قميص أبيها الدقيقة حُبّاً وكرامة، تفوّق على الفيلم المذكور، إذ جعل الجسد لا يتضاءل ليدخل القلب فقط، وإنما هو يتضاءل لدرجة تمكنها من حشر رأسها بين خيوطه الشديدة الدقة.الانزياح يحولها إلى زغب دقيق بين الخيوط فتسكن إلى جوار قلبه.. أصبح جسمها خيطاً رفيعاً أمام عظمة أبيها وعشقها البنُّوتي له..لم يسبق لي أن قرأت انزياحاً كهذا. ثم تقول: "ينظر إليّ بعينين غائمتين.." وهنا انزاحت صورة عينيه الزرقاوين فصارت سماء زرقاء ولكنها غائمة..وفي صفحة 112: "والمدينة امرأة جميلة كاملة الفتنة.." لا داعي للشرح، فالصور المنزاحة هنا لتُظهر صورة مغايرة مدهشة واضحة المعنى الذي يُلهب الخيال ويمتعه فنتابع قراءة الرواية..
وفي صفحة 115: "تعبر السيارة الطرقات، تجر أقدامها بصعوبة، بينما تنظر الطرقات إليهن بحزن ودهشة... وفي صفحة 116: العتمة عنكبوت أسود كبير يطل من وراء النافذة..عمان امرأة فاتنة..تقف جبالها السبعة بشموخ مارد ضخم..يتمايل الشجر، والعشب يتلصص على حكايا الطريق. تسحرني هذه الانزياحات الجمالية، فأتوقف عن الشرح والتوصيف، تاركاً الصور المنزاحة جمالياً تُمَتِّعُ القارىء، وتجعله غير قادر على ترك الرواية إلا في الصفحة الأخيرة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى