الاثنين ١٨ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم عادل عامر

التحولات الرقمية وتأثيرها على تماسك العلاقات الأسرية

تلعب التحولات الرقمية سلاحاً ذا حدين في تماسك الأسرة؛ فهي تقرب المسافات جغرافياً وتسهل التواصل اللحظي، إلا أن الإفراط في استخدامها يؤدي إلى "العزلة الاتصالية" وتفكك الروابط الأسرية بسبب استبدال التفاعلات الإنسانية المباشرة بـ "الزمن الرقمي"

ان تحقيق الأمن الأسري مسألة نسبية ومتغيرة، تقتضي تضافر المقومات الدينية والقانونية والتربوية، مع ضرورة وضع ضوابط واضحة لاستخدام الوسائط الرقمية بما يحفظ توازن الأسرة واستقرارها في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.

كذلك رصد تأثير التكنولوجيا الرقمية على غياب الحوار الأسري وتغير نسق القيم في الأسرة العمانية. استخدم الباحثان منهج المسح الاجتماعي بطريقة العينة، حيث يتم اختيار عينة طبقية من طلاب جامعة السلطان قابوس، وتستند الدراسة إلى النظرية التفاعلية الرمزية كموجه نظري لها، حيث أنها أنسب المداخل النظرية لتفسير نتائج الدراسة.

بينت الدراسة أن تأثير التكنولوجيا الرقمية كان مرتفعا فيما يتعلق بمحوري العلاقة بين الزوجين والعلاقات بين الوالدين والأبناء، في حين كان تأثيرها متوسطا على محوري الحوار الأسري ونسق القيم في الأسرة العمانية، ويمكن تفسير ذلك أن المجتمع العماني مجتمع محافظ بطبعه، ومتمسك بهويته العربية والإسلامية، وبالتالي فإن أدوات التكنولوجيا الرقمية لم تستطع إحداث تغيير جذري في بنية نسق القيم في المجتمع ا

إن الأسرة أحد أهم مكوناته المجتمع، وأساس استقراره وصلاحه، وقد أولاها الإسلام عناية خاصة، وعدها المحضن التربوي الأول لبناء إنسان مُحصَّن بأخلاق الإسلام وقيمه. وقد تأثرت الأسرة والعلاقات بين أفرادها بشكل أو بآخر بما يجري في المجتمع من حراك في كل المجالات، وخاصة في ظل مزاحمة التكنولوجيا وتطبيقاتها للحياة في كل جوانبها؛ ومن ثم لم تعد العلاقات الأسرية محكومة بالإطار المكاني التقليدي، بل انتقلت إلى فضاء افتراضي غَيَّرَ الكثير من أنماط التعامل فيها.

أن الأسرة هي أحد المكونات الرئيسية للمجتمع، والتي تتأثر بالتقدم التقني والخدمات التكنولوجية في جميع مظاهر الحياة، ويظهر ذلك في التحدي الرقمي على الأسرة واختياراتها، وتخطيطها لمستقبل أبنائها، وكيف يؤثر التحول الرقمي السريع على اليد العاملة من رب الأسرة أو المرأة، ولذلك لابد من جعل الرقمنة أداة لتجويد العلاقات والروابط الأسرية والاجتماعية.

وتنعكس التحديات وآفاق التحول الرقمي في أبعاد أسرية مختلفة، مثل: التعليم الأسري أو التعليم المنزلي، فالتحول الرقمي الذي فرضته جائحة كورونا لم يكن متوقعاً أو مخططاً له ولكنه فرض نمط جديد للتعلم في كل الأسرة، مؤثراً في شريحة عريضة من الطلبة وأسرة، والتي استطاع المتأثرين بالنمط الجديد من التكيف والتفاعل السريع مع الوضع الجديد.

أما التحدي الثاني للأسرة وهو الإدمان الإلكتروني، والذي فرض على الأسرة استخدام التقنيات والبرامج والتطبيقات لفترة أطول من السابق لأغراض التعلم والاطلاع والمعرفة والتواصل، كذلك تحول دور الأم من الأمومة والتربية والرعاية والحضن إلى الأم المعلمة، مما يجعلها تدخل في صراع مع الأبناء يفقدها دورها التربوي.

ويتمثل التحدي الثالث في البعد الاجتماعي والعلاقات الإنسانية والأسرية، من خلال تشجيع الانعزالية والانطوائية، مما يضعف العلاقات الأسرية والترابط الأسرية، لان خلق التوازن بين التطور التكنولوجي والرقمي الذي لا غنى عنه والعلاقات الأسرية أمر غاية في الأهمية لحماية الأسرة والمجتمع.

لقد باتت التكنولوجيا الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وأثرت على جميع جوانب الحياة، من التعليم والعمل إلى الترفيه والتواصل الاجتماعي. ومع هذا الانتشار السريع، ظهرت ظاهرة “الإدمان الرقمي”، التي تتمثل في الانغماس المفرط في استخدام الأجهزة الذكية، الإنترنت، وألعاب الفيديو، بشكل يتسبب في اختلالات على مستوى العلاقات الإنسانية. الأسرة، باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع، لم تسلم من هذا التأثير؛ حيث إن هذا الإدمان أصبح عاملاً أساسياً في تغيير ديناميكيات العلاقات الأسرية، سواء بين الآباء والأبناء أو بين الأزواج.

يشهد العالم اليوم نمواً غير مسبوق في استخدام الأجهزة الذكية والإنترنت، مما أتاح فوائد عديدة ولكنه أفرز أيضاً مخاطر جمة، من بينها الإدمان الرقمي. فما هو تعريف الإدمان الرقمي؟

الإدمان الرقمي هو نوع من الإدمان السلوكي يتمثل في قضاء فترات طويلة في استخدام الأجهزة الرقمية أو الإنترنت إلى درجة تعوق قدرة الفرد على أداء وظائفه اليومية الطبيعية. تختلف أشكال هذا الإدمان بين الانغماس في الألعاب الإلكترونية، تصفح وسائل التواصل الاجتماعي لساعات متواصلة، أو قضاء وقت طويل في مشاهدة الفيديوهات أو استخدام التطبيقات.

أن شبكات التواصل الاجتماعي تشكل عاملًا ذا حدين في طبيعة العلاقات الأسرية. فمن الناحية الإيجابية، تساهم في تعزيز التواصل بين أفراد الأسرة البعيدين جغرافيًا، ودعم الترابط العاطفي، وتسهيل تبادل المعرفة والخبرات. بينما يؤدي الاستخدام المفرط وغير المنظم إلى ضعف التواصل المباشر، وتزايد الفجوة الرقمية بين الأجيال، وارتفاع معدلات النزاعات الزوجية (الغيرة الرقمية)، وظهور ظاهرة الإدمان الرقمي التي تقلل من وقت الأنشطة الأسرية المشتركة. وتخلص الدراسة إلى أن نوع الاستخدام هو العامل الحاسم؛ فالاستخدام الموجه نحو التواصل الأسري يعزز التماسك، في حين أن الانغماس الترفيهي المفرط يؤدي إلى آثار سلبية ملموسة.

شهد العالم تحولات جذرية في العقود الأخيرة بفعل الثورة التكنولوجية والرقمية، مما أدى إلى ظهور مفهوم المجتمع الإلكتروني، وهو نموذج اجتماعي جديد يتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية، معتمدًا على منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات التفاعلية لإعادة صياغة العلاقات الإنسانية، يتسم المجتمع الإلكتروني بكونه فضاءً رقميًا يجمع الأفراد لتحقيق أهداف اجتماعية وثقافية وتعليمية، حيث يمكنهم إنشاء هويات افتراضية تعبر عن قيمهم ومعتقداتهم وتعزز الروابط الاجتماعية في بيئة تفاعلية.

يتألف هذا المجتمع من عدة مكونات رئيسية، منها الأفراد الذين يشكلون النواة الأساسية عبر تفاعلهم في المنصات الرقمية، والتكنولوجيا التي تمثل البنية التحتية التي تتيح لهم الاتصال، كما تلعب الهوية الافتراضية دورًا مهمًا في التعبير عن الشخصيات والقيم، إلى جانب القيم المشتركة التي تشكل الإطار الثقافي والاجتماعي لهذا التفاعل، ويعتمد المجتمع الإلكتروني أيضًا على الأهداف المشتركة التي تجمع الأفراد، مثل التعليم أو الترفيه، مما يعزز من مستوى التعاون والانتماء.

تتميز تكنولوجيا التواصل الاجتماعي بخصائص فريدة، من أبرزها القدرة على إلغاء الحواجز الجغرافية، والتفاعل الفوري، والمرونة التي تتيح للأفراد استخدامها عبر أجهزة مختلفة مثل الهواتف المحمولة. ورغم ذلك، فإن لها تأثيرًا مزدوجًا على الأسرة؛ حيث تسهم في تعزيز التواصل والانفتاح الثقافي، لكنها في المقابل تؤدي إلى ضعف الروابط العاطفية والاجتماعية، وتراجع القيم التقليدية، خاصة في ظل الإفراط في استخدامها.

بالتالي فتأثير هذه التكنولوجيا على القيم والأدوار الأسرية، حيث أدى الانشغال بوسائل التواصل إلى تراجع التواصل المباشر بين أفراد الأسرة، وظهور مشكلات نفسية واجتماعية مثل الاكتئاب والعزلة، إلى جانب إضعاف دور الأسرة التقليدي في التنشئة والرعاية، كما أن العولمة التي صاحبت التكنولوجيا الحديثة ساهمت في إدخال قيم وافدة أثرت على الهوية الثقافية للأسر.

لمواجهة هذه التحديات، يُبرز البحث أهمية تعزيز الحوار الأسري وتنظيم استخدام التكنولوجيا، بالإضافة إلى تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في دعم الأسرة وتوعيتها. كما يشير إلى أهمية تحديد أنشطة تجمع أفراد الأسرة وتشجع على التواصل الفعّال. ورغم التحديات التي يفرضها المجتمع الإلكتروني، فإنه يمثل فرصة لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية بأساليب مبتكرة إذا تم استخدامه بوعي ورقابة فعّالة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى