الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم عادل عامر

الثغرات التشريعية في مواجهة جرائم الإنترنت

لم تعد جرائم الإنترنت مجرد صورة مستحدثة من صور الجرائم التقليدية، وإنما أصبحت ظاهرة إجرامية متطورة تمتلك أدواتها ووسائلها وبيئتها الخاصة، وتتغير أنماطها بسرعة تفوق في كثير من الأحيان قدرة التشريعات على ملاحقتها.

فمع التطور المتسارع في تكنولوجيا المعلومات، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت الجريمة الرقمية قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية، وإخفاء هوية مرتكبيها، واستغلال البيانات الشخصية والصور والأصوات، بل وإنتاج محتوى زائف يبدو في بعض الأحيان مطابقًا للحقيقة.

ومن هنا تبرز أهمية تطوير المنظومة التشريعية والإجرائية بصورة مستمرة، بحيث لا تظل القواعد القانونية أسيرة للصور التقليدية للجريمة، بينما تتغير أدوات ارتكابها بصورة يومية.

الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق

من أبرز التحديات الجديدة ما يعرف بتقنيات التزييف العميق (Deepfake)، التي تتيح إنشاء صور أو مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية مصطنعة يمكن أن تنسب إلى شخص أفعال أو أقوال لم تصدر عنه. وتزداد خطورة هذه التقنيات عندما تستخدم في التشهير أو الابتزاز أو الاحتيال أو انتحال الشخصية أو التأثير في سمعة الأفراد والمؤسسات.

ولا تكمن المشكلة فقط في وجود فعل ضار، وإنما في صعوبة إثبات مصدر المحتوى وتحديد الشخص الذي أنشأه أو عدله أو نشره، فضلًا عن التطور المستمر للأدوات التقنية التي تجعل التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع أكثر تعقيدًا.

ومن ثم، فإن التحدي التشريعي لا يتمثل بالضرورة في استحداث جريمة مستقلة لكل تقنية جديدة، وإنما في وضع نصوص مرنة ومنضبطة تستطيع استيعاب صور الاعتداء الرقمي المستحدثة، مع الحفاظ على مبدأ الشرعية الجنائية وعدم التوسع في التجريم أو العقاب بغير نص.

الحسابات الوهمية وإخفاء الهوية

تمثل الحسابات الوهمية والأسماء المستعارة إحدى الأدوات التي يستغلها بعض مرتكبي الجرائم الإلكترونية لإخفاء هويتهم الحقيقية.

وقد أصبح الفضاء الرقمي يسمح بإنشاء حسابات متعددة خلال دقائق، واستخدام بيانات غير حقيقية، وإعادة نشر المحتوى من خلال سلسلة من الحسابات بما يصعب عملية تحديد المصدر الأول.

ومع ذلك، فإن إخفاء الهوية الرقمية لا يعني بالضرورة استحالة الوصول إلى مرتكب الجريمة، إذ يمكن أن تترك الأنشطة الإلكترونية آثارًا رقمية يمكن الاستدلال منها على المستخدم أو الجهاز أو الحساب أو مسار الاتصال.

لكن الوصول إلى هذه الأدلة يحتاج إلى إجراءات قانونية وتقنية دقيقة، وإلى تعاون بين جهات التحقيق والجهات الفنية ومقدمي خدمات الاتصالات والمنصات الرقمية، مع ضرورة تحقيق التوازن بين مكافحة الجريمة واحترام الخصوصية والحقوق والحريات.

الروبوتات والحسابات الآلية

تفرض الحسابات الآلية والروبوتات الرقمية تحديًا جديدًا أمام القانون، خصوصًا عندما تستخدم بصورة منظمة لنشر محتوى مضلل، أو تضخيم شائعة، أو إغراق منصة إلكترونية بآلاف المنشورات، بما يوحي بوجود تأييد أو انتشار حقيقي لفكرة معينة.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتداخل الحسابات الآلية مع الحسابات التي يديرها أشخاص حقيقيون، أو عندما تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى متكرر على نطاق واسع.

وهنا يجب أن تركز المعالجة القانونية على السلوك الضار ونتيجته والقصد الجنائي، وليس على مجرد استخدام تقنية آلية في حد ذاتها؛ لأن التقنية قد تكون أداة مشروعة في بعض الاستخدامات، بينما تتحول إلى وسيلة إجرامية عندما تستخدم لتحقيق غرض غير مشروع.

اقتصاد المشاهدات وصناعة الشائعات

أفرزت منصات التواصل الاجتماعي نموذجًا اقتصاديًا جديدًا يقوم في جانب منه على جذب المشاهدات والتفاعل، وهو ما قد يدفع بعض المستخدمين إلى إنتاج محتوى مثير أو صادم أو مضلل بهدف زيادة الانتشار وتحقيق عوائد مالية.

وتظهر الخطورة عندما تتحول الشائعة من مجرد منشور عابر إلى نشاط منظم يهدف إلى تحقيق الربح على حساب سمعة الأشخاص أو استقرار المؤسسات أو حق الجمهور في الحصول على معلومات صحيحة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين حرية التعبير والنقد من ناحية، وبين نشر الأكاذيب أو ممارسة الابتزاز أو التشهير أو الاحتيال من ناحية أخرى، بحيث لا تتحول مكافحة الجرائم الإلكترونية إلى وسيلة لتقييد الاستخدام المشروع للفضاء الرقمي.

الأدلة الرقمية والتحدي الإجرائي

لا تقتصر المشكلة على نقص النصوص الموضوعية، وإنما تمتد إلى الإجراءات المتعلقة بضبط الأدلة الرقمية وحفظها وفحصها وتقديمها أمام القضاء.

فالدليل الرقمي يمكن أن يتغير أو يحذف أو ينتقل من خادم إلى آخر، كما يمكن أن تكون البيانات محل الجريمة محفوظة خارج الدولة.

ولهذا فإن كفاءة مكافحة الجريمة الإلكترونية تتطلب منظومة متكاملة تشمل قواعد واضحة لجمع الأدلة الرقمية وحفظها والتحقق من سلامتها، مع تدريب القائمين على الضبط والتحقيق والفحص الفني على طبيعة هذا النوع من الأدلة.

الجريمة الإلكترونية لا تعترف بالحدود

من أخطر التحديات أن الجاني والضحية والخادم الإلكتروني ومقدم الخدمة قد يوجدون في دول مختلفة. فقد يرتكب شخص موجود في دولة معينة جريمة ضد ضحية في دولة ثانية، بينما تكون البيانات أو المنصة المستخدمة في دولة ثالثة.

وهنا تظهر أهمية التعاون القضائي الدولي، وتبادل المعلومات والأدلة، وتنفيذ طلبات المساعدة القانونية وتسليم المتهمين وفقًا للأطر القانونية والاتفاقيات ذات الصلة.

ومن دون هذا التعاون، قد تظل بعض الجرائم الإلكترونية عابرة للحدود أكثر قدرة على الإفلات من الملاحقة القضائية.

نحو تشريع يواكب التكنولوجيا

إن مواجهة جرائم الإنترنت لا تتحقق بمجرد زيادة العقوبات، وإنما تحتاج إلى منظومة تشريعية متكاملة تجمع بين التجريم المنضبط، والإجراءات الفعالة، والخبرة الفنية، والتعاون الدولي.

كما أن المشرع مطالب بمراجعة التشريعات بصورة دورية، لأن التطور التكنولوجي لا يتوقف، وما يعتبر اليوم وسيلة تقنية متقدمة قد يصبح غدًا أداة تقليدية.

ويجب أن تتجه السياسة التشريعية إلى وضع قواعد قادرة على استيعاب التطورات المستقبلية، دون الوقوع في فخ النصوص شديدة التفصيل التي قد تصبح عاجزة عن مواجهة التقنية الجديدة بمجرد ظهورها.

الوعي الرقمي شريك في المواجهة

ولا يمكن أن تنجح المواجهة القانونية وحدها في الحد من جرائم الإنترنت؛ فالوعي الرقمي يمثل خط الدفاع الأول إلى جانب التشريع.

فالمستخدم الذي يدرك مخاطر الروابط المشبوهة، وانتحال الشخصية، والابتزاز الإلكتروني، وتزييف الصور والأصوات، وسرقة الحسابات، يكون أكثر قدرة على حماية نفسه وبياناته.

كما أن المؤسسات مطالبة بتطوير أنظمة حماية البيانات وتدريب العاملين على التعامل الآمن مع المعلومات والأنظمة الإلكترونية.

الخلاصة

إن الثغرات التشريعية في مواجهة جرائم الإنترنت لا تعني بالضرورة غياب القواعد القانونية، وإنما تكشف عن الحاجة المستمرة إلى تطوير التشريع والإجراءات بما يتناسب مع التطور المتسارع للتكنولوجيا. فالجريمة الرقمية تتغير أدواتها باستمرار، بينما يجب أن تظل العدالة قادرة على ملاحقتها دون أن تتخلى عن ضمانات المحاكمة العادلة أو حماية الخصوصية أو حرية التعبير المشروعة. والتحدي الحقيقي أمام المشرع ليس أن يلاحق كل تطبيق أو تقنية جديدة بنص مستقل، وإنما أن يبني منظومة قانونية مرنة ومنضبطة، قادرة على مواجهة السلوك الإجرامي المستحدث، وتحقيق التوازن بين حماية المجتمع وحماية الحقوق والحريات في البيئة الرقمية. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد حماية المجتمع من الجريمة الإلكترونية مسؤولية القانون وحده، وإنما أصبحت مسؤولية مشتركة بين التشريع والقضاء والجهات الفنية ومقدمي الخدمات والمنصات الرقمية والمستخدم نفسه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى