الاثنين ٢٩ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

الحِصَار

(1)

الشبابيكُ جثثٌ واقفة،

والهواءُ خيطُ مشنقةٍ طويلٌ

يتدلى من سقفِ السماء.

الوقتُ ليس عقاربَ تدور،

بل مخالبُ تنبشُ في لحمِ الحكايات.

نحنُ هنا...

نعلّبُ أنفاسَنا في جِرارِ الصبر،

ونقتاتُ على ملوحةِ الرؤى.

المسافةُ بين الرغيفِ والأصابعِ بلادٌ مفقودة،

والأبوابُ المغلقةُ لا تعنيها الجهات.

لم يَعُدِ الحصارُ جداراً من إسمنت؛

إنه ينمو الآن كطحلبٍ داكنٍ فوقَ وعينا،

يجففُ بحيراتِ الكلام،

ويتركُنا محضَ وجوهٍ من طينٍ مرّ،

تنتظرُ غيمةً طائشةً... أو رصاصةً طائشة،

لا فرق،

ما دامَ كلاهما يملكُ مفتاحَ الانعتاق.

(2)

الصمتُ مكبّرُ صوتٍ لابتلاعِ الفراغ،

والأيامُ أكياسُ رملٍ نكدّسُها خلفَ الأعينِ...

كي لا يفضحَنا البكاء.

كلُّ فكرةٍ طازجةٍ خيانةٌ للهدوءِ المفروض،

وكلُّ حلمٍ نافذةٌ تُفتحُ على حقلِ ألغام.

نحنُ لا ننتظرُ الغد،

لقد جمّدنا الجهاتِ الأربع في خزانةِ الخوف،

وصِرنا نتحسّسُ جدرانَ العزلةِ كأعمى يبحثُ عن ظلّه.

المدنُ في الخارجِ تركضُ في قطاراتِ الوقت،

بينما نرسو نحنُ كأرصفةٍ مهجورة،

تقتاتُ على صدى خُطىً... لن تأتي.

ليس هذا الحصارُ غياباً للضوء،

بل هو فائضٌ من الظلمةِ يلتصقُ بالجلد،

يُحيلُ ملامحَنا إلى مرايا مكسورة؛

كلّما نظرنا فيها لنجدَ أنفسَنا،

تشظّتِ الحقيقةُ،

ونزفَ السؤالُ الأخير:

مَن منّا يحاصرُ الآخر...

نحنُ، أم هذا المدى الضيّق؟

(3)

تَمُرُّ أَيَّامُنَا كَأَنَّهَا أَسْلاكٌ شَائِكَةٌ،

نَحْسَبُ أَنْفَاسَنَا قُبَالَةَ جُدْرَانٍ لا تَطْمَعُ فِي الْخُرُوجِ.

الْمَدِينَةُ تَتَقَلَّصُ،

تَتَقَلَّصُ حَتَّى صَارَتْ غُرْفَةً فِي رَأْسِ امْرَأَةٍ

تُغَنِّي لِطِفْلِهَا الْجَائِعِ،

وَوَجْبَةً بَارِدَةً فِي مَطْبَخٍ مُعْتِمٍ،

وَكَلِمَةً في قَامُوسِ العَنَاءِ.

نَسْكُنُ فِي الظِّلِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْحِصَارُ،

نَقْتَاتُ مِنْ قِصَصِ الْأَجْدَادِ عَنْ بَحْرٍ لَمْ نَرَهُ،

وَنَرْسُمُ الْحُرِّيَّةَ عَلَى الْجُدْرَانِ بِأَظَافِرِنَا حَتَّى تَسِيلَ،

فَتَصْبِحَ خَرِيطَةً لِطَرِيقٍ لَيْسَ لَهُ مَصِيرٌ.

الْوَقْتُ هُنَا لَا يَمْشِي... يَتَسَلَّلُ.

وَالْبَابُ — تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْقَدِيمَةُ — صَارَتْ مُزَاحاً بَيْنَ اثْنَيْنِ،

يَقُولُ أَحَدُهُمَا: "لَوْ فَتَحْنَاهُ..."

فَيُكْمِلُ الْآخَرُ: "سَنَجِدُ بَاباً آخَرَ وَرَاءَهُ".

وَفِي اللَّيْلِ، نَسْمَعُ أَصْوَاتاً مِنْ خَارِجِ الْجِدَارِ،

لَا نَعْرِفُ أَمِنَ الْعَدُوِّ هِيَ أَمْ مِنَ الصَّدِيقِ الَّذِي نَسِينَا صَوْتَهُ.

نُصْغِي... نُصْغِي...

ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى أَكْلِ خُبْزِنَا الصَّامِتِ.

الْحِصَارُ لَيْسَ سُوراً،

الْحِصَارُ أَنْ تَتْرُكَ أَمَلاً يَنْضَجُ لِلْأَبَدِ دُونَ مَوْسِمِهِ،

أَنْ تَرَى الشَّمْسَ كُلَّ صَبَاحٍ وَلَا تَأْمَنَ أَنَّهَا سَتُشْرِقُ غَدَاً،

أَنْ تُحِبَّ شَخْصاً فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى،

وَتَبْقَى الْمَسَافَةُ بَيْنَكُمَا أَكْبَرَ مِنْ خَرِيطَتِكُمَا مَعاً.

لَكِنَّنِي — يَا أَيُّهَا الْحِصَارُ — أُقْسِمُ:

حَتَّى فِي أَضْيَقِ اللَّحَظَاتِ،

يَكْبُرُ فِيَّ شَيْءٌ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ جُدْرَانُكَ.

إِنَّهُ التَّنَفُّسُ.

إِنَّهُ الرَّجَاءُ الَّذِي يَزْرَعُهُ أَبٌ فِي عُيُونِ ابْنَتِهِ.

إِنَّهُ أَنْ نَقُولَ "نَعَمْ" لِلْحَيَاةِ،

وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْبَابَ قَدْ يَبْقَى مُوصَداً مِائَةَ عَامٍ أُخْرَى.

فَلْيَأْتِ الْحِصَارُ... لَا أَزَالُ هُنَا.

وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ — بِكُلِّ شُرُوقِهَا الْآتِي — لَا تَزَالُ تَنْبِضُ.

في 1997 ـ 2004


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى