الذاكرة الفلسطينية في الرواية العربية
الذاكرة الفلسطينية في الرواية العربية
دراسة مقارنة في: رجال في الشمس – باب الشمس – الطنطورية من 1953 وحتى 1990
المقدمة
منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، لم تعد فلسطين مجرد أرض محتلة أو مكان مفقود على الخريطة، بل تحولت إلى قضية إنسانية وتاريخية وثقافية شديدة الحضور في الوعي العربي. وقد أدى الاقتلاع الجماعي للفلسطينيين من مدنهم وقراهم إلى تشكل ذاكرة جمعية قائمة على الفقد والحنين والبحث المستمر عن معنى الوطن.
وفي هذا السياق لم يكن الأدب العربي بعيدًا عن هذه التجربة؛ بل كان من أكثر الفنون قدرة على احتضانها وتمثيلها، لأن الرواية لا تسجل الحدث في صورته الخارجية فقط، بل تنفذ إلى أثره في النفس واللغة والعلاقات الإنسانية... ولهذا أصبحت الرواية العربية أحد أهم الفضاءات التي حُفظت فيها التجربة الفلسطينية، لا بوصفها مجرد وثيقة سياسية، بل بوصفها حياة كاملة انكسرت ثم أعادت بناء نفسها في الحكي.
من هنا يمكن النظر إلى الرواية العربية التي تناولت فلسطين بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية، أو بوصفها حارسًا للذاكرة الجماعية. فبينما يكتفي التاريخ الرسمي في كثير من الأحيان بتدوين التواريخ والمعارك والتحولات السياسية، تمنح الرواية هذه الوقائع أصواتًا بشرية ووجوهًا وعلاقات وخسارات يومية، وتجعل من المأساة تجربة معيشة لا مجرد سجل.
ولذلك برزت أعمال روائية كبرى جعلت من فلسطين محورًا لسردها، لكنها اختلفت في زاوية النظر، وفي تصورها للفلسطيني، وفي الطريقة التي عالجت بها الزمن والمكان والحنين والمنفى والهوية.
تتناول هذه الدراسة ثلاث روايات عربية بارزة هي: رجال في الشمس ل"غسان كنفاني"، وباب الشمس ل"إلياس خوري"، والطنطورية ل"رضوى عاشور".
وتمثل هذه الروايات ثلاث لحظات متباينة في تطور السرد العربي عن فلسطين. ففي رجال في الشمس تتجسد صدمة النكبة وآثارها النفسية والاجتماعية في صورة اختناق جماعي وصمت مأساوي... وفي باب الشمس تتحول الذاكرة إلى حكاية جماعية مضادة للنسيان، تتكاثر فيها الأصوات والروايات الشفوية... أما في الطنطورية فتغدو التجربة الفلسطينية شهادة فردية حميمية تنقل التاريخ من مستوى القضية العامة إلى مستوى الحياة اليومية والجسد والأسرة والمنفى.
وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل تمثلات الذاكرة الفلسطينية في هذه الروايات الثلاث، من خلال محاور رئيسية تشمل: مفهوم الذاكرة في الأدب الفلسطيني، وصورة الإنسان الفلسطيني بين الضياع والمقاومة، ووظيفة المكان بوصفه حاملًا للهوية والحنين، ثم تقنيات السرد واختلاف الرؤية الفنية. وتعقد الدراسة مقارنة نقدية بين الأعمال الثلاثة من حيث تصور الذاكرة، وتمثيل الفلسطيني، وبناء المكان، وشكل الحكاية.
أولًا: الذاكرة في الأدب الفلسطيني
تُعد الذاكرة من أكثر المفاهيم حضورًا في الأدب الفلسطيني الحديث، لأن التجربة الفلسطينية نفسها تشكلت تاريخيًا بوصفها تجربة اقتلاع وفقدان واستعادة مستمرة للماضي عبر الحكي. فالنكبة لم تكن حادثة عابرة انتهت بانتهاء زمنها المباشر، بل أصبحت بنية ممتدة تعيش في الوعي الفردي والجمعي، وتتجدد عبر الأجيال. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول الذاكرة إلى ركيزة جمالية وفكرية في السرد الفلسطيني، حيث لم يعد الماضي مجرد خلفية زمنية، بل صار قوة فاعلة في تشكيل الشخصيات، وفي فهم الحاضر، وفي إنتاج المعنى.
وتنبع خصوصية الذاكرة الفلسطينية من أنها ذاكرة جماعية بامتياز، لا تُعاش على مستوى الفرد فقط، بل تُبنى داخل العائلة والقرية والمخيم والمنفى... فالفلسطيني لا يتذكر وحده، بل يتذكر ضمن شبكة من الحكايات والأسماء والخرائط الشفوية التي تُنقل من جيل إلى جيل. ومن هنا جاءت أهمية الرواية بوصفها أداة لا تحفظ الوقائع فحسب، بل تعيد تشكيلها داخل بنية إنسانية وجمالية. إن الرواية لا تعيد إنتاج الحدث التاريخي كما هو، وإنما تمنحه حياة ثانية في اللغة، وتسترجع المكان الذي دُمِّر، والأشخاص الذين غابوا، والعلاقات التي انكسرت، فتغدو الذاكرة داخل الرواية أقرب إلى وطن بديل، أو إلى أرشيف وجداني يعوض ما ضاع في الواقع.
وإذا كان التاريخ الرسمي يدوّن ما حدث من أعلى، فإن الرواية تعيد كتابته من أسفل؛ من منظور الضحايا والمشرّدين والمهمشين، ولهذا فإن أهمية السرد الفلسطيني والعربي عن فلسطين تكمن في أنه لا يكتفي بإثبات وقوع المأساة، بل يكشف كيف عاشت داخل النفوس والبيوت والطرقات والأسرة والجسد. ومن ثم يمكن القول إن الرواية لم تكن وسيطًا جماليًا فحسب، بل كانت أيضًا أداة من أدوات مقاومة النسيان.
وبهذا المعنى، فإن الذاكرة في الأدب الفلسطيني لا تؤدي وظيفة استرجاعية فقط، بل تؤدي أيضًا وظيفة أخلاقية وسياسية، فهي تحفظ الأسماء والأمكنة والقرى والعلاقات من المحو، وتعيد الاعتبار لتجربة شعب حاول التاريخ القاهر أن يدفعه إلى الغياب. ولذلك يصبح فعل التذكر، داخل الرواية، نوعًا من البقاء، كما يصبح الحكي نفسه مقاومة.
وقد أسهمت المفاهيم الحديثة للذاكرة الجماعية، كما طوّرها موريس هالبفاكس ثم وسّعتها الدراسات الثقافية اللاحقة، في فهم طبيعة هذه الذاكرة بوصفها بناءً اجتماعيًا لا مجرد مخزون فردي... فالذاكرة تتشكل من خلال الجماعة ومن خلال اللغة والطقوس والأماكن وأشكال السرد. وإذا أسقطنا ذلك على الحالة الفلسطينية وجدنا أن الرواية لا تحفظ الوقائع فقط، بل تحفظ أيضًا طريقة الشعور بها، أي أنها تصون البعد الوجداني للمأساة، وهذا ما يمنحها قيمة تتجاوز التوثيق إلى إعادة إنتاج المعنى الإنساني للتاريخ.
ومن اللافت أن الأدب الفلسطيني لا يستعيد الذاكرة باعتبارها ماضٍ مغلق، بل باعتبارها عنصرًا فاعلًا في الحاضر. فالإنسان الفلسطيني في كثير من النصوص لا يعيش بعد النكبة حياة منفصلة عنها، بل يحملها بوصفها زمنًا مفتوحًا يفسر الواقع الراهن ويؤثر فيه... ومن هنا تتولد فكرة «استمرار النكبة» في الوعي السردي العربي، حيث لا يعود التهجير حادثة واحدة، بل مسار من الانكسارات والمنفى وإعادة التشكل.
كما أن الذاكرة الأدبية الفلسطينية تكشف عن توتر دائم بين الحنين والواقع. فاستعادة المكان المفقود لا تعني العودة الفعلية إليه، لكن هذه الاستعادة تحول المكان إلى طاقة رمزية تقاوم الذوبان. وهنا بالضبط تظهر قوة الرواية؛ فهي تبني وطنًا لغويًا حين يتعذر الوطن المادي، وتحول الفقد إلى سرد، والسرد إلى حضور مستمر.
ثانيًا: الفلسطيني في الرواية العربية بين الضياع والمقاومة
1. الفلسطيني في رجال في الشمس
تعد رواية "رجال في الشمس" من أكثر النصوص العربية تكثيفًا لتمثيل الفلسطيني بعد النكبة في طور الصدمة والانكسار. ف"غسان كنفاني" لا يقدّم الفلسطيني هنا بوصفه بطلًا قوميًّا جاهزًا، بل بوصفه إنسانًا مسحوقًا، مطحونًا بين فقدان الوطن والحاجة الاقتصادية والمهانة السياسية. وقد رأت دراسات نقدية أن الرواية تصوّر الحياة القاسية والألم النفسي للفلسطينيين بعد ضياع الوطن، وأن الشخصيات تبدو غارقة في جو قاتم من الصدمة.
وتقوم الرواية على ثلاث شخصيات أساسية: أبو قيس، وأسعد، ومروان. وكل واحدة من هذه الشخصيات تمثل مستوى من مستويات التجربة الفلسطينية. فأبو قيس هو الذاكرة القديمة، وارتباط الإنسان بالأرض التي اقتُلع منها. أما أسعد فيمثل القلق والتردد والرغبة في الفرار من المصير المغلق. في حين يجسد مروان هشاشة الجيل الأصغر الذي وجد نفسه مضطرًا لحمل مسؤوليات ثقيلة في زمن الانهيار. لكن أهمية هذه الشخصيات لا تأتي من فرديتها فقط، بل من كونها تكشف مجتمعة عن حالة أمة جُرّدت من مكانها وأُجبرت على العيش في انتظار دائم.
والملاحَظ نقديًا في الرواية أن الشخصيات تتحرك، لكنها لا تتقدم فعليًا نحو الخلاص... فالرحلة إلى الكويت في ظاهرها بحث عن العمل، لكنها في جوهرها انتقال من شكل إلى آخر من أشكال الاختناق، ولهذا تتحول الصحراء إلى فضاء للتيه، ويصبح الخزان رمزًا مكثفًا لعالم مغلق يفضي إلى الموت.
لقد تمكن "كنفاني"، باقتصاده الشديد في اللغة، من تحويل الرحلة الواقعية إلى استعارة كبرى عن الوضع الفلسطيني بعد النكبة: عبور بلا أفق، وأمل ينتهي إلى مقبرة معدنية صامتة...
وهكذا يتحول سؤال النهاية: «لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟» إلى صيحة أخلاقية وسياسية تتجاوز الشخصيات إلى الوعي العربي كله، فتغدو الرواية نقدًا للهزيمة بقدر ما هي تصوير لنتائجها.
وتكمن أهمية هذا التمثيل في أن "كنفاني" لا يكتفي بإدانة الخارج وحده، بل يكشف أيضًا هشاشة الداخل. فالرواية لا تُكتب ضد الاحتلال فقط، بل ضد ما أنتجته النكبة من تحلل داخلي، ومن اختلال في العلاقة بين الألم والفعل. لذلك احتفظ النص بمكانته المركزية في الذاكرة الأدبية العربية، لأنه واجه القارئ بسؤال قاسٍ عن الصمت والعجز والخذلان.
وعلى المستوى الجمالي، فإن التكثيف الذي يتسم به النص ليس مجرد خيار أسلوبي، بل هو جزء من دلالته. فالرواية قصيرة نسبيًا، لكنها تمارس ضغطًا نفسيًا كبيرًا على القارئ، لأن كل مشهد فيها محكوم بالإيحاء والاقتصاد والتوتر. وهذا ما يجعلها من النصوص المؤسسة في أدب النكبة.
2. الفلسطيني في باب الشمس
إذا كان الفلسطيني عند "كنفاني" يتحرك داخل الصدمة والصمت، فإنه عند "إلياس خوري" يستعيد صوته بوصفه راويًا، فباب الشمس لا تقدم الفلسطيني كضحية فقط، بل ككائن حكاء قادر على مقاومة المحو بالسرد. وقد وصفت قراءات نقدية الرواية بأنها منشغلة بالعلاقة المعقدة بين الكارثة والصدمة من جهة، وبين الحكي والسرد من جهة أخرى.
والفلسطيني في باب الشمس ليس فردًا واحدًا، بل شبكة من الأصوات والتجارب والحكايات. نجد القرويين، واللاجئين، والفدائيين، والنساء، والمهجرين، والعائدين سرًا، وسكان المخيم، وكلهم يسهمون في بناء ذاكرة جماعية لا تسير في خط مستقيم. ومن ثم تبدو الرواية بمثابة تاريخ شفهي واسع لفلسطين، يعيد تشكيل القرى والطرق والأسماء داخل اللغة.
وتميّز هذه الرواية أنها تفكك السردية الوطنية الخطية، فلا تقدّم التاريخ الفلسطيني في صورة ملحمة بطولية متجانسة، بل في صورة ذاكرة متشظية، تتخللها الأسئلة والالتباسات والانكسارات... وهذا ما يمنح الفلسطيني في النص إنسانيته الكاملة؛ فهو ليس شعارًا، بل إنسان يحب ويخاف ويتذكر وينسى ويتردد ويخون أحيانًا، لكنه مع ذلك يظل قادرًا على تحويل الحكاية إلى شكل من أشكال البقاء.
ومن هنا فإن الفلسطيني في باب الشمس ينتقل من طور الضحية الصامتة إلى طور الراوي الذي يعيد بناء المكان والتاريخ داخل اللغة. فحين تُروى القرى المهدمة، والأسماء، والطرقات، والحقول، فإن الجغرافيا المفقودة تعود سرديًا، وإن لم تعد ماديًا. ولهذا فإن الرواية تُظهر أن الذاكرة ليست مجرد احتفاظ بالماضي، بل فعل إعادة خلق مستمر.
كما تكشف الرواية أن الحكي ليس فعلًا جماليًا فقط، بل ممارسة مقاومة. فالسرد هنا يؤجل الفناء، ويعيد الوصل بين الأجيال، ويمنع التاريخ من أن يتحول إلى صمت. ولهذا يغدو "خليل"، في أثناء حكايته ل"يونس"، أشبه بحارس لذاكرة جماعية، أكثر منه راوٍ لسيرة فردية.
وعلى المستوى الفني، تعكس بنية الرواية المتعددة الأصوات طبيعة الذاكرة الجمعية نفسها؛ فهي ذاكرة لا تتكون من خط واحد أو رواية واحدة، بل من تراكم الأصوات والطبقات والروايات الشفوية. ومن ثم فإن الشكل السردي في باب الشمس يتكامل مع مضمونها في جعل الحكاية أفقًا للبقاء.
3. الفلسطيني في الطنطورية
في الطنطورية تبلغ صورة الفلسطيني مستوى مختلفًا من النضج الإنساني والسردي، لأن "رضوى عاشور" تختار أن ترى فلسطين من خلال صوت امرأة تحمل التاريخ في تفاصيل حياتها الخاصة. وقد وصفت دراسات أكاديمية الرواية بأنها ترصد «نزيف الذاكرة الفلسطينية»، وهو توصيف دقيق؛ لأن الذاكرة هنا ليست مادة محفوظة فقط، بل جرح ممتد ينزف عبر السنوات.
بطلة الرواية "رقية"، ليست مجرد شخصية فردية، بل هي وسيط إنساني تمر عبره التجربة الفلسطينية من التاريخ العام إلى الحس اليومي. فبدلًا من أن تُروى النكبة هنا من خارجها، نراها عبر أثرها في الطفولة، وفي فقد الأب والأخوة، وفي الخوف، وفي الزواج، وفي الأمومة، وفي حياة المنفى. ولهذا تبدو الرواية أكثر حميمية من باب الشمس، وأكثر انغماسًا في التفاصيل الإنسانية الصغيرة من رجال في الشمس.
وتنبع قوة هذا التمثيل من أن الفلسطيني في الطنطورية لا يُرى فقط في علاقته بالأرض، بل في علاقته بالجسد والأسرة والحب والبيت والمخيم والمنفى... أي أن فلسطين تتجسد في الحياة اليومية، لا في الحدث السياسي المجرد وحده، ومن ثم فإن الرواية توسع مفهوم النكبة، فلا تجعلها لحظة تأسيسية واحدة وقعت وانتهت، بل تُظهر كيف استمرت في أشكال متلاحقة من النزوح والعنف والخوف.
كما أن مركزية الصوت الأنثوي في الطنطورية تمنح تمثيل الفلسطيني بعدًا جديدًا. فالمرأة هنا ليست ملحقًا بالسرد الوطني، بل هي مركز الرؤية. التاريخ لا يُحكى من منظور المقاتل وحده، بل من منظور المرأة التي تحمل ذاكرة البيت والغياب والمنفى والاستمرار، وهذا ما يضيف إلى الأدب الفلسطيني والعربي بعدًا بالغ الأهمية، يكشف أن مقاومة المحو لا تتم بالسلاح وحده، بل أيضًا بالحفاظ على الحياة نفسها.
واللغة في هذه الرواية هادئة، شفافة، لكنها مشبعة بالألم؛ وهي لا تلجأ إلى التهويل أو الخطابة، بل تترك التجربة تتكشف من خلال النبرة الإنسانية المتصلة. وهذا ما يمنح الرواية قوة خاصة، لأن القارئ لا يواجه حدثًا تاريخيًا باردًا، بل يعيش مع "رقية" مسارًا طويلًا من الفقد والصبر والتذكر.
ومن هذه الزاوية تصبح الطنطورية رواية شهادة بامتياز؛ إذ تحفظ المأساة الفلسطينية لا في مستوى الحدث العام فقط، بل في مستوى أثره الدائم في النفس والعائلة والزمن الشخصي. وهي بهذا تضيف إلى السرد الفلسطيني بعدًا حميميًا وأنثويًا لا غنى عنه لفهم التجربة الفلسطينية في شمولها.
ثالثًا: المكان بوصفه ذاكرة
في الروايات الفلسطينية والعربية عن فلسطين لا يؤدي المكان وظيفة الخلفية السردية المحايدة، بل يصبح حاملًا للهوية، ووعاءً للذاكرة، وعلامة على الفقد والاستعادة معًا. فالمكان هنا لا ينفصل عن الإنسان؛ لأنه ليس مجرد جغرافيا، بل تاريخ معاش، وقرابة، وطفولة، وعلاقات، وأثر أخلاقي ونفسي. ولذلك فإن دراسة المكان في الروايات الثلاث تكشف اختلافًا مهمًا في كيفية تمثيل الذاكرة الفلسطينية نفسها.
في رجال في الشمس يبدو المكان مكانًا عدائيًا مغلقًا... الصحراء فضاء قاسٍ وفارغ، لا يحمل وعدًا حقيقيًا بالخلاص، بل يُشعر القارئ منذ البداية بأن الشخصيات تسير في اتجاه انعدام المعنى، أما الخزان فهو المكان الرمزي الأشد كثافة في الرواية؛ لأنه يختصر الاختناق الذي يعيشه الفلسطيني بعد النكبة. فهو مكان انتقال في الظاهر، لكنه في الحقيقة مكان موت.
أما في باب الشمس فإن المكان يستعاد عبر الحكاية... القرى المفقودة، والكهوف، والحدود، والمخيمات، والطرقات، كلها تظهر بوصفها أمكنة تعيش داخل اللغة حتى بعد زوالها أو تعذر الوصول إليها. ومن هنا تغدو الرواية، في جانب منها محاولة لإعادة بناء جغرافيا فلسطين سرديًا. فحين تُروى الأسماء والبيوت والحقول، لا يعود المكان مجرد ذكرى، بل يصير حضورًا متجددًا في الوعي الجمعي.
وفي الطنطورية يكتسب المكان طابعًا أكثر حميمية. فالمكان لا يظهر فقط في صورته الوطنية الكبرى، بل في هيئة البيت، والبحر، والشارع، والمخيم، والغرفة، وأصوات الناس، وتفاصيل الحياة اليومية. وهذه الحميمية تجعل المكان مشبعًا بالعاطفة لا بالرمز وحده... إنه ليس وطنًا مفقودًا فحسب، بل بيتًا ترك أثره في الذاكرة الحسية والنفسية.
كما أن المكان في هذه الروايات يؤدي وظيفة معرفية؛ فهو لا يحدد فقط أين وقعت الأحداث، بل يكشف كيف تشكلت الهوية، فمن خلال الطريق والخيمة والبيت والقرية والمخيم، تتجلى العلاقة بين الجغرافيا والذات، بين ما فُقد وما بقي محفوظًا في اللغة. ولهذا فإن الذاكرة الفلسطينية لا تنفصل عن خرائطها السردية، بل تُكتب دائمًا بوصفها عودة متكررة إلى أمكنة يتعذر الرجوع إليها ماديًا.
ومن هنا نرى أن المكان يتحول، في الروايات الثلاث، إلى شكل من أشكال الذاكرة. لكنه يفعل ذلك بطرائق مختلفة: فهو في كنفاني مكان الاختناق، وفي خوري مكان الاستعادة السردية، وفي عاشور مكان الحميمية المنفية. وهذا الاختلاف نفسه يكشف تنوع طرائق تمثيل الذاكرة الفلسطينية في الرواية العربية.
رابعًا: تقنيات السرد واختلاف الرؤية الفنية
تكشف القراءة الفنية للروايات الثلاث أن اختلاف تمثيل الذاكرة الفلسطينية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالشكل السردي. فكل رواية تجد بنيتها الخاصة التي تناسب طبيعة الذاكرة التي تعالجها. في رجال في الشمس يعتمد "غسان كنفاني" على التكثيف الحاد والاقتصاد اللغوي والرمزية المحكمة. الرواية قصيرة نسبيًا، لكن أثرها عميق، لأن بناءها محكوم بالتوتر والتصاعد حتى النهاية الفاجعة.
وتقوم تقنية الاسترجاع في رجال في الشمس على كشف الخلفيات النفسية والاجتماعية للشخصيات تدريجيًا، بحيث تتكثف المأساة دون إسهاب. وقد لاحظت دراسات نقدية أن هذا الشكل المضغوط يتلاءم مع تمثيل الصدمة، لأن الصدمة نفسها لا تنتج خطابًا واسعًا بقدر ما تنتج صمتًا واختزالًا واحتقانًا.
أما باب الشمس فتقوم على نقيض ذلك تقريبًا. فهي رواية واسعة، متشعبة، متعددة الأصوات، تتقدم عبر الحكايات والاستطرادات والتكرارات والتداخلات الزمنية. وهذا ليس مجرد خيار جمالي، بل تعبير عن طبيعة الذاكرة الجماعية نفسها، التي لا تسير في خط مستقيم، ولا تُروى من خلال صوت واحد. ومن هنا تبدو البنية المتشظية شكلًا فنيًا ملائمًا لذاكرة مكسورة لكنها حية.
في المقابل، تستخدم "رضوى عاشور" في الطنطورية صوتًا أكثر حميمية واتصالًا، يقوم على القرب الشديد من الذات الشاهدة. وهذا الاختيار يمنح الرواية طاقة وجدانية خاصة، لأنه يجعل القارئ قريبًا من التجربة لا من خبرها فقط. لغة "رضوى عاشور" أقل رمزية من "كنفاني"، وأقل تشظيًا من "خوري"، لكنها ليست أبسط فنيًا؛ إذ إن قوتها تأتي من قدرتها على إذابة التاريخ في النبرة الإنسانية.
ومن خلال هذه المقارنة يتضح أن الشكل السردي ليس عنصرًا منفصلًا عن المضمون، بل هو جزء من رؤية الرواية إلى فلسطين نفسها. فالتكثيف عند "كنفاني" يعبر عن الاختناق، والتشظي عند "خوري" يعبر عن تعدد الذاكرة الجماعية، والحميمية عند "رضوى عاشور" تعبر عن الذاكرة الشاهدة. ولهذا فإن اختلاف التقنيات الفنية بين الروايات الثلاث لا يعبّر فقط عن اختلاف الأساليب، بل عن اختلاف عميق في تصور معنى التذكر نفسه.
كما يظهر اختلاف الرؤية الفنية في موقع الراوي وعلاقته بالحدث. فعند "كنفاني" يظل السرد محكومًا بمصير مأزوم يتجه نحو النهاية المحتومة، بينما يمنح "خوري" السرد قدرة على التفرع والعودة والمراجعة. أما "رضوى عاشور" فتقيم مسافة حميمة بين الراوية والقارئ، فتجعل الشهادة أقرب إلى الاعتراف الطويل. ومن ثم يتبدى أن الذاكرة الفلسطينية لا تملك شكلًا واحدًا في الرواية العربية، بل تتجسد في أشكال متعددة تبعًا لنبرة كل كاتب ومشروعه الفني.
خامسًا: الرواية بوصفها حارسًا للذاكرة
إذا كان التاريخ الرسمي يُكتب غالبًا من وجهة نظر الدولة أو المنتصر أو المؤسسة، فإن الرواية تمنح الكلام لمن عاشوا الخسارة من الداخل. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الرواية العربية التي تناولت فلسطين أدت وظيفة ثقافية وأخلاقية بالغة الأهمية، إذ حفظت الذاكرة الفلسطينية من التبسيط والمحو. وهذا الدور واضح في الأعمال الثلاثة محل الدراسة، وإن تحقق بطرائق مختلفة.
في رجال في الشمس تحفظ الرواية ذاكرة الصدمة الأولى. فهي لا تؤرشف النكبة في معنى الحنين الرومانسي، بل تسجل أثرها القاسي في الإنسان الممزق الذي انتهى به الأمر إلى الموت في خزان شاحنة أثناء رحلة بحث عن العمل. وهكذا تحوّل الرواية الخسارة التاريخية إلى سؤال وجودي وأخلاقي عن الصمت والعجز والخذلان.
وفي باب الشمس تتحول الرواية إلى أرشيف حي للذاكرة الجماعية. فهي تحفظ الأسماء والقرى والحكايات والعلاقات والتجارب الشفوية، وتظهر أن الشعب الفلسطيني لا يبقى فقط عبر السياسة والمواجهة، بل عبر السرد أيضًا. إن "خوري" يجعل الحكاية نفسها وسيلة بقاء، ولذلك بدت الرواية من أكثر النصوص قدرة على تمثيل النكبة بوصفها حدثًا مستمرًا لا مجرد ماضٍ منتهٍ.
أما الطنطورية فتقوم بحراسة الذاكرة من خلال الشهادة الإنسانية. إنها لا تقدم سجلًا عامًا للمأساة، بل تحتفظ بها داخل ذات تعرف كيف تحب وتفقد وتخاف وتصبر. ومن هنا فإن عاشور تحرس الذاكرة الفلسطينية من خطرين معًا: خطر التبريد الأكاديمي الذي يجعل المأساة مجرد مادة تاريخية، وخطر الخطابة السياسية التي قد تبتعد عن الإنسان الفرد.
وبذلك يمكن القول إن الرواية العربية لم تكتف بتمثيل فلسطين، بل أسهمت فعليًا في إبقاء فلسطين حاضرة في الوعي الثقافي العربي. لقد حوّلت الفقد إلى نص، والنص إلى ذاكرة، والذاكرة إلى مقاومة. وهذه الوظيفة هي ما يمنح السرد الفلسطيني والعربي عن فلسطين قيمته المتجاوزة للأدب بوصفه فنًا خالصًا، إذ يغدو فعلًا من أفعال البقاء الرمزي في مواجهة المحو.
ومن المهم هنا الانتباه إلى أن حراسة الذاكرة لا تعني تجميدها. فالروايات الثلاث لا تحفظ الماضي بوصفه شيئًا مكتملًا ونهائيًا، بل تعيد مساءلته وتشكيله في كل مرة. ومن ثم فإن الرواية لا تمارس حفظًا جامدًا، بل إنتاجًا متجددًا للذاكرة، يجعلها قادرة على الاستمرار في الوعي الجمعي عبر أجيال مختلفة وسياقات متبدلة.
الخاتمة
تكشف القراءة المقارنة لروايات رجال في الشمس وباب الشمس والطنطورية أن الذاكرة الفلسطينية في الرواية العربية قد تطورت من تمثيل الصدمة الأولى وآثارها الخانقة، إلى بناء الحكاية الجماعية التي تقاوم المحو، ثم إلى الشهادة الفردية الحميمية التي تنقل التاريخ إلى التفاصيل اليومية للعيش الإنساني. ففي رواية "غسان كنفاني" تظهر الذاكرة بوصفها جرحًا صامتًا ينتهي إلى الاختناق، بينما تتحول عند "إلياس خوري" إلى سرد جمعي يعيد بناء فلسطين داخل اللغة، وتصبح عند "رضوى عاشور" ذاكرة مجسدة في صوت امرأة تحمل الوطن في جسدها وحياتها وأسرتها ومنفاها.
وهذا التطور لا يعكس اختلاف الرؤى الفنية فحسب، بل يعكس أيضًا تطور الوعي العربي بالقضية الفلسطينية. فالرواية لم تعد تكتفي بتسجيل المأساة، بل باتت تُعيد إنتاجها إنسانيًا وتاريخيًا، وتمنحها معاني متجددة تتجاوز الحدث السياسي المباشر. ومن هنا تنبع أهمية هذه الأعمال الثلاثة؛ إذ تثبت أن الرواية العربية كانت، وما تزال، حارسًا من حراس الذاكرة الفلسطينية، وأن السرد ليس مجرد فن أدبي، بل فعل مقاومة ثقافية وأخلاقية ضد النسيان والمحو.
وبهذا يمكن القول إن الرواية العربية أسهمت إسهامًا كبيرًا في إبقاء فلسطين حية في الوعي الثقافي العربي، مؤكدة أن الذاكرة لا تُحفظ بالسرد لأنها ماضٍ فقط، بل لأنها مستقبل أيضًا؛ أي لأنها الصيغة التي يواصل بها شعب مقتلع الدفاع عن حقه في الحضور والمعنى.
المصادر والمراجع
غسان كنفاني. رجال في الشمس. بيروت: دار الآداب / مؤسسة الأبحاث العربية، طبعات متعددة.
إلياس خوري باب الشمس. بيروت: دار الآداب، 1998.
رضوى عاشور الطنطورية. القاهرة: دار الشروق، 2010.
Halbwachs, Maurice. On Collective Memory. University of Chicago Press.
Said, Edward W. Reflections on Exile and Other Essays. Harvard University Press.
Muhaidat, Fatima et al. Representing a Traumatized Nation in Ghassan Kanafani’s Men in the Sun.
Razinsky, Liran and Amos Goldberg. Scheherazade in Palestine: Nation and Narration in Elias Khoury’s Gate of the Sun.
Goldberg, Amos. Narrative, Testimony, and Trauma: The Nakba and the Holocaust in Elias Khoury’s Gate of the Sun.
El-Mansi, Zainab Saeed. Blurring the Boundaries between History and Fiction in Khoury’s Gate of the Sun and Ashour’s The Woman from Tantoura.
زياد العطاونة فلسطين في أعمال رضوى عاشور. جامعة القدس المفتوحة، 2022.
