الجمعة ٢٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم ياسين الشعري

الذاكرة وتشييد الهوية الفلسطينية في الرواية العربية

الذاكرة وتشييد الهوية الفلسطينية في الرواية العربية:

روايات العقد الثاني من الألفية الثالثة نموذجا

المقدمة

شكلت المأساة الفلسطينية مرجعا أثيرا للتخييل الروائي في كثير من الروايات العربية، اعتمد عليها الروائيون لبناء عوالمهم التخييلية، فاستلهموا وقائعها وأحداثها، وانشغلوا بتوثيق ما تعرض له الفلسطينيون من انتهاكات ومجازر، وتمثيل مقاومتهم لسياسات إسرائيل الرامية إلى طمس الهوية الفلسطينية واقتلاعها. يقودهم في ذلك وعي قومي بعروبة فلسطين، ونزوع نحو الإبقاء عليها في الذاكرة الجمعية، فالكتابة عن فلسطين في هذه الروايات هي محاولة لإخراجها من حيز الغياب، الذي تفرضه عليها مخططات الكولونيالية الاستعمارية، إلى حيز الحضور، بالاستناد أساسا إلى الذاكرة الفلسطينية الموشومة بالجراح والمآسي.

ونظرا لهذه الأهمية التي تحظى بها فلسطين في الرواية العربية، فإن هذه الدراسة ستنشغل بمقاربة تمثلات الهوية الفلسطينية في ثلاثة نماذج من الرواية العربية المعاصرة، وتحديدا في الفترة الممتدة من سنة 2010 إلى سنة 2019، هي: "الطنطورية"، و"طابق 99"، و"أولاد الغيتو2: نجمة البحر". تلتقي في اعتمادها الذاكرة وسيلة أساسية لتشييد الهوية الفلسطينية، وتختلف في كيفية هذا الاعتماد؛ إذ تتجلى الذاكرة تارة بوصفها أداة لاستعادة هوية جماعية غايتها مقاومة المحو (الطنطورية)، وتارة أخرى بوصفها فضاء للتوتر بين التذكر والنسيان (طابق 99)، وتارة ثالثة بما هي عبء تسعى الذات إلى التخلص منه لإعادة تشكيل هويتها (أولاد الغيتو2: نجمة البحر).

1- الهوية المستعادة ومقاومة المحو في "الطنطورية"

تستعرض رواية "الطنطورية" لرضوى عاشور سيرة متخيلة لرقية التي أجبرت على مغادرة قريتها الطنطورة برفقة والدتها وعدد من نساء الطنطورة والقرى المجاورة لها، نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت المدنيين، ففقدت على إثرها رقيةُ والدها وشقيقيها وقريتها. وتنطلق الرواية في استرجاعها لسيرة رقية من فترة إقامتها بقرية الطنطورة، وتحديدا من لقائها بخطيبها يحيى، الذي حال التهجير دون إتمام زواجهما، مرورا بما عاشته من نفي واغتراب وشتات في صيدا وأبو ظبي والإسكندرية، وانتهاء بعودتها إلى صيدا، جنوب لبنان، بعد تخرج ابنتها المتبناة مريم. وهي فترات تاريخية تمتد عبر ثلاث وخمسين سنة، من سنة 1947 إلى حدود سنة 2000، استثمرت رضوى عاشور لسردها الذاكرة الفلسطينية المحملة بجراحات الماضي، وانكساراته ومآسيه، واعتمدتها مصدرا للحكي الروائي، ووسيلة لبناء عالمها المتخيل. وعلى الرغم من أن الرواية اهتمت أساسا بسيرة رقية، إلا أنها لم تنشغل بتشييد هوية فردية خاصة بها، وإنما استحضرت هوية جماعية مشتركة بين الفلسطينيين، إذ تضمنت حكايات وشهادات شخصيات أخرى عن المجازر التاريخية التي أودت بحياة الآلاف من الفلسطينيين، سواء في فضاء الانتساب (مجزرة الطنطورة مثلا) أو في المنافي (مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان مثلا). ولم تقتصر الرواية على سرد الأحداث من منظور رقية، بل إنها انفتحت على سُراد آخرين (أبو الأمين-عبد-أم إلياس-أم نبيل-أم الناهض-أم محمد-حليمة أم الأمين-أبو محمد...). وهذا ما جعل من الرواية فضاء نصيا يحتفي بالتعدد الذي يساهم في بلورة هوية جماعية يشترك أفرادها في النفي والشتات والبعد عن الوطن.

وإذا كانت الرواية تعتمد الذاكرةَ لاستعادة تجربة رقية مع الاقتلاع القسري والشتات، وسرد تفاصيل النفي والتهجير وما خلَّفَاه من ضياع، فإنها لا تقيدها بهذه الوظيفة، بل تمنحها دورا محوريا في ترسيخ الانتماء وتجذيره في سياق تتعرض فيه الهوية الفلسطينية لتهديد مستمر بالتغييب والمحو. فالذاكرة الفلسطينية تتحول في الرواية إلى أداة مقاومة فاعلة، تناهض النسيان والتلاشي ، وتحفظ ملامح الذات الفلسطينية، وتعمل على ترميم انكساراتها الوجودية، وإعادة بناء انتمائها عبر استدعاء الأحداث والوقائع التي عاشتها رقية في وطنها، وتضمين سيرتها حكايات مجموعة من الشخصيات الفلسطينية عن الوطن والأرض والشتات. ومن هنا، يغدو تشبث الشخصيات الفلسطينية بسرد حكاياتها فعلا واعيا، ووسيلة من وسائل تشييد الهوية، ففي تكرار الشخصيات الفلسطينية لحكاياتها (أبو الأمين- أم رقية- حليمة أم الأمين...)، وإلحاح حسن على والدته بتدوين سيرتها، دلالةٌ واضحة على إدراك هذه الشخصيات لقيمة السرد في بناء الهوية وصونها، وإيمانها بقدرتها على مقاومة سياسات الاقتلاع والمحو والنسيان، جاء في الرواية في سياق حث حسن لأمه على كتابة سيرتها: «احكي الحكاية، اكتبي ما رأيته وعشته وسمعته، وما تفكرين فيه، وإن صعبت الكتابة احكي شفاهة وسجلي الكلام، بعدها ننقله على الورق. هذا مهم يا أمي، أهم مما تتخيلين»(ص 204).

وقد تمكنت رقية، بسرد سيرتها، من تشييد هوية تتجاوز ما هو ذاتي وخاص إلى ما هو عام ومشترك، يعتمد الذاكرة الجماعية مصدرا للحكي، وآلية لتمثيل مأساة الفلسطينيين بسبب استيلاء الإسرائيليين على أراضيهم وتهجيرهم منها تحت سلطة القتل والتهديد. لكن رغم ذلك، تظل هذه الشخصيات متعلقة بوطنها، تحلم بالعودة إليه، وتحفره في ذاكرتها وذاكرة أبنائها وأحفادها الذين ولدوا في الشتات، لتعبر بذلك عن تشبث منقطع النظير بالوطن الأم الذي إن تعرض للاستعمار والسلب، وأُبعد أهله عنه، فهو يظل موشوما في الذاكرة وفي الروح برائحته وأرضه وترابه وأشجاره وأغانيه وأهازيجه...، يقاوم المحو، ويتأبى على الزوال والنسيان. ويظهر ذلك في العنوان الذي اختاره حسن لسيرة أمه "الطنطورية" الذي ينسب الشخصية الروائية إلى فضاء انتمائها، ويدل على عدم تنكرها لفضائها الأصلي. وفيما انطوت عليه الرواية من حكايات أبناء الطنطورة أو القرى والمدن الفلسطينية الأخرى التي يعبرون فيها عن تعلقهم بفضاءات انتمائهم، وهو تعلق يبرز في تسللهم في كثير من المرات إلى فلسطين رغم الحصار والأخطار المتربصة بهم. كما يظهر أيضا في تشبث أم رقية، على غرار باقي النساء الفلسطينيات، بمفتاح منزلها، إذ دأبت على تعليقه في عنقها، ولم تكن تزيله حتى عندما تريد أن تتحمم. وهو الأمر الذي أصبحت تقوم به رقية بعد وفاة أمها، بل إن رقية نفسها تسلم المفتاح في آخر الرواية لحفيدتها "رقية"، في إشارة إلى تشبث الفلسطيني بأمل العودة إلى وطنه، وتطلعه الدائم إلى استرجاع ما ضاع منه، وعدم إمكانية اقتلاعه من هويته، فوجوده في المنفى والشتات لم يطفئ جذوة حبه لوطنه وحنينه إليه، بل ساهم في زيادة تعلقه به، وكثَّف من شعوره بأهميته، ذلك لأن «المنفى يعمق من رومانسية الشخص المنفي» ، وينمي فيه الولع بأصوله وجذوره، ويبعث فيه الحنين إلى الماضي (النوستالجيا)، بما يستلزمه ذلك من استحضار، عبر الذاكرة، لتفاصيل فضاء الانتماء (الروائح-العادات-الممارسات اليومية البسيطة-الأشجار-الأغاني...)، لمواجهة ما مورِسَ على الذات المنفية من «إبعاد وتنحية وطرد وإخراج وتغريب وذهاب وانتفاء وانعدام» .

وهكذا، تعتمد رقية في استرجاعها لسيرتها على الذاكرة، فتعيد بعث ما ترسب فيها من ذكريات ووقائع، متحررة بذلك من منطق التعاقب الزمني الذي يضفي على الأحداث تسلسلا خطيا، فقد انتقلت بنا بين مراحل زمنية مختلفة، يتداخل فيها الماضي بالحاضر، وفق ما يقتضيه ذلك من مزج بين التذكر الذي تسترجع استنادا إليه تجربة الشتات التي عاشتها رفقة أسرتها، بدءا من النكبة الفلسطينية إلى حدود سنة2000، وتنقل تجربتها الإنسانية في المنفى، وما عايشته من حروب ومجازر. والتزامن السردي الذي تنقل به ما تعيشه من أحداث في اللحظة التي تكتب فيها سيرتها، وما ينتابها من مشاعر تتراوح بين الحنين إلى ماضيها في قرية الطنطورة، والسأم مما تعيشه في زمنها الحاضر. وتنسجم الاستراتيجية السردية المعتمدة مع المتن الحكائي الذي اختارت الروائية تسريده، فالشتات الذي تعيشه الذات مبرر لتقطع السرد وتداخله. وهكذا، يتضافر الشكل الروائي (المبنى) مع المتن الحكائي (المعنى) لتمثيل تجربة الشتات والنفي التي تعيشها رقية بما تحيل عليه من معاني التأزم والانشطار والقلق الوجودي.

2- الذاكرة الجريحة وتوتر الهوية بين النسيان والتذكر في "طابق99"

تسرد رواية "طابق99" للروائية اللبنانية جنى فواز الحسن، من بين ما تسرده، واقع شاب فلسطيني يدعى مجد، في الفترة الممتدة من مجزرة صبرا وشاتيلا سنة1982 إلى فترة إقامته بنيويورك سنة 2000، حيث يعمل على استرجاع ماضيه، مُبَئِّرًا سردَه أساسا على الواقع الجديد الذي يعيشه في أمريكا؛ واقع الغربة والابتعاد عن فضاء الانتماء، ومستحضرا مجزرة صبرا وشاتيلا التي نجا منها، لكنه ظل يحمل آثارها النفسية التي تتمثل في فقدانه لوالدته ولأخيه الجنين، والجسدية التي تتمثل في عاهة العرج والندبة التي أصيب بها في وجهه.

يهاجر مجد، إثر مجزرة صبرا وشاتيلا، رفقة والده من لبنان ليقيم في المنفى الذي يساهم في توتير وضعيته الوجودية، ويشعره بمأساوية حياته، ويجعله يطرح على الدوام إشكالية الهوية والانتماء، فعلى الرغم مما حققه من نجاحات مادية، تتمثل في كونه أصبح رجل أعمال ناجحا، يعيش حياة الرفاهية والبذخ، ويعمل في مكتب يوجد في الطابق 99 بما يرمز إليه من سمو ورقي، إلا أن وجوده خارج وطنه جعله يعيش أزمة وجودية لا حل لها سوى العودة إلى الوطن.

يتعرف مجد على شابة لبنانية مسيحية اسمها هيلدا، أتت إلى أمريكا لتعلم الرقص. وهي فتاة تنتمي إلى حزب الكتائب الذي كان مسؤولا عن ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا. تجمع بينهما علاقة حب ظلت مهددة بهذا التاريخ الدموي المشترك، ومُنَغَّصةً بإصرار مجد على الاحتفاظ بندبته وعاهته، رغم إلحاحها عليه في كثير من الأحيان بأن يتخلص منهما، لنسيان الأثر الدموي لمجزرة صبرا وشاتيلا، معللا رفضه برغبته في أن يظل مشدودا إلى تاريخه وذكرياته المؤلمة وإلى وطنه الذي لم يسبق له أن رآه أو عاش فيه، ولكنه تربى على حبه والتشبث به، وظل يحمله جرحا، لا يستطيع منه فكاكا، فقد كان يعتقد أنه بتجميله للندبة وتخلصه من عاهة العرج يخون وطنه ويتنكر لما عاشه من مآسٍ وأزمات، فهويته وحقيقته لا تكتمل إلا بهما: «نما في داخلي، مع الوقت، إحساس بأن هذه الندبة هي أنا، تختصرني. صرتها»(ص181).

تعيش الذات الفلسطينية اضطرابا هوياتيا، إذ وجدت نفسها متوترة بين الوفاء لفضاء الأصل (الوطن)، بما يقتضيه ذلك من عيش في ذاكرة جريحة ومعطوبة، وبين الارتماء في أحضان الفضاء البديل (المنفى) بما يجلله من سمات الرفاهية والثراء. وهذا ما يعني أن الهوية في هذه الرواية ذات طابع إشكالي، سببه ما عاشته الذات من اقتلاع فقدت بسببه الانتماء جغرافيا إلى الوطن، وتعذر عليها الانتماء –كليا-إلى الفضاء البديل، نظرا لأن جراحات الماضي ومآسيه صارت عنصرا هوياتيا يُشعرها بحقيقتها، فترى أن التخلص منها خيانة للأصل وللحقيقة وفكرة الوطن، ومن دون ذلك تفقد أي دليل على وجودها. وهكذا، تظل الذات مرتبكة ومتوترة بين رغبتين: الاحتفاظ بالهوية الفلسطينية، والتأقلم مع واقع مدينة نيويورك والاندماج فيها، فمجد رغم المكانة التي يتبوأها في واقعه الجديد إلا أنه يظل مشدودا إلى أصله: «حاولت كثيرا أن أنسى وأتأقلم، أن أصبح جزءا من هذه المدينة الساحرة[..] استعبدني كياني الأصلي ولا أخجل من ذلك»(ص158)، معبرا بذلك عن استحالة تخلص الفلسطيني من هويته، وتشبثه بحلم العودة إليه، إذ تتمرأى فلسطين في الرواية، بالنسبة إليه، حلما وفردوسا مفقودا، لم يره ولكنه يشعر به، تقول هيلدا مختزلة ذلك: «أنت تتحدث مثلا عن فلسطين. هي بمثابة حلم لك»(ص147). هذا التوتر، يجعل الهوية في الرواية حالة غير مكتملة، منذورة للنقص، ومفتوحة على إشكالية الصراع بين ماض مثخن بالجراح، وحاضر الاغتراب والنفي.

لكن رغم ذلك، يقرر مجد أن يتشبث بوطنه وهويته الفلسطينية، تشبثا يظهر في احتفاظه بالعاهة والندبة اللتين يمكن اعتبارهما رمزا للهوية الفلسطينية المعرضة للاقتلاع والنقص، تختزلان ما عرفه الفلسطينيون من أزمات ومآسٍ. كما يظهر في عدم تغييره لاسمه رغم حصوله على الجنسية الأمريكية، كما فعل صديقه محسن اللبناني الذي غير اسمه إلى مايك، معبرا بذلك عن رفضه للذوبان في الهوية الأمريكية، وحرصه على التمسك بأصله وجذوره. ويبرز تمسكه بالهوية الفلسطينية أيضا في التزامه بوصية والده بشأن الاحتفاظ بخريطة فلسطين، حيث علقها على جدار منزله، لأنه أدرك أن مكانها في البيت -بما يرمز إليه من مشاعر الحميمية والانتماء الروحي والألفة، كما بين ذلك غاستون باشلار - أنسبُ من وضعها في المكتب الذي يرمز إلى ما هو مادي، فوجود الخريطة في المكتب قد يُشيِّئُها ويُفرغها من بعدها الوطني والوجداني، بينما يُبقي الاحتفاظ بها في البيت على رمزيتها تلك.

وهكذا، يشكل الإبقاء على الندبة والعاهة وعدم تغيير الاسم والاحتفاظ بخريطة الوطن، عناصر دلالية ترمز إلى مقاومة مجد للاستلاب والذوبان في الهوية الأمريكية، واحتفاظه بمشاعر الانتماء والانتساب، ورغبته في حماية الخصوصيات الثقافية الفلسطينية من التلاشي والزوال، إذ إنه على الرغم من انبهاره بالفضاء البديل، انبهارا كان ينسيه أحيانا موطنه الأصلي، إلا أن احتفاظه بندبته وعاهته كان سببا في عدم نسيانه لهويته ولآلام الفلسطينيين وجراحاتهم.

3- الهوية المستعارة وإعادة تشكيل الذات في "أولاد الغيتو2: نجمة البحر"

يتمحور الجزء الثاني من رواية "أولاد الغيتو" للروائي اللبناني إلياس خوري حول آدم المولود في أعقاب النكبة الفلسطينية سنة1948، في غيتو اللد، حيث الحصار والتضييق على حرية الفلسطينيين. غادر رفقة أمه اللد «بعد أن صادر اليهود بيتها الذي أقامت به بحجة أنه صار جزءا من أملاك الغائبين التي انتقلت ملكيتها إلى الصندوق القومي اليهودي»(ص23). وبعد تزوجها بعبد الله أقام معهما في منزل أشبه بكوخ في سفح جبل الكرمل بحيفا، لكنه قرر مغادرة المنزل وهو في سن مبكرة، بسبب عدم رضاه على تعنيف عبد الله لأمه وإمعانه في إهانتها، لينتقل إلى كاراج اليهودي البولندي "غابرييل" الذي أنزله منزلة أخيه الأصغر الميت شلومو، لأنه يذكره به، وأقام بعدها في شقة بوادي الصليب، أهداها له غابرييل بمناسبة عيد ميلاده السادس عشر، قبل أن ينتقل للإقامة في وادي النسناس بعد افتضاح علاقته برفقة.

تتعرض الهوية الفلسطينية في "نجمة البحر" لـ"لإزاحة" ، حيث قرر آدم التخلي عنها، والتقنع بهوية جديدة هي الهوية الإسرائيلية، فيختار الإقامة في الغياب، بعيدا عن أمه ووطنه وحكايات الفلسطينيين المليئة بالأسى والتي تتكرر إلى ما لا نهاية، بحثا عن الخلاص والانعتاق من مآسيه، ورغبة في البقاء والنجاة مما يتهدده على أرض فلسطين. وقد بدأت فكرة تقمصه للهوية اليهودية وإزاحته للهوية الفلسطينية منذ خروجه من السجن، عندما أوقف غابرييل سيارته قرب السجن، لحمله من الناصرة، حيث كان معتقلا، إلى حيفا، ففي تعريفه بنفسه وضع الألف بدلا من الشدة في اسم عائلته، لينتقل من نسق فلسطيني عربي (دنّون) إلى نسق يهودي إسرائيلي (دانون)، مع الإبقاء على الاسم الشخصي "آدم" دون تغيير، نظرا لانتمائه إلى المشترك الإنساني الثقافي. ويشير هذا التغيير إلى العبور الثقافي لآدم من الثقافة العربية إلى الثقافة اليهودية، من الأصل إلى الإبدال.

ولا تقتصر هذه الإزاحة على تغيير الاسم، وإنما تتجاوزه إلى إقدام آدم على إعادة تشكيل ذاته، أثناء وجوده في المجتمع الإسرائيلي اليهودي، بمنأى عن الذاكرة وحكايات الماضي، فالذاكرة في نظره عنصر مهدد للذات، ومنغص ينبغي التخلص منه وتجاوزه. ولذلك يقرر أن يبدأ في وادي الصليب من جديد دون هوية ولا ماضٍ «كأنه ولد من ذاته، يعيش وحيدا ويضع الماضي في صندوق يدفنه في الأرض»(ص14). ولينجح في ذلك يعمل على اختلاق سردية بديلة، يعوض بها حكايته الأصلية، فينكر هويته العربية: «أنا مش عرب»(ص166)، ويتبنى حكاية أنه الشقيق الأصغر لغابرييل، وأنه هرب مع أمه من غيتو وارسو، وذلك بغية الانتساب لفضاء الآخر والتقنع بهويته. ولا يكتفي آدم بأن يعبر عن رغبته في نسيان حكايته والتخلص من ذاكرته، لكي يكون قادرا على تقمص الهوية اليهودية، وإنما يعمل أيضا على دفن والديه، معتبرا نفسه شخصا لا ينتمي لأحد، فقد جاء في الرواية، لما طلبت داليا من آدم أن يزور جدها ليشجعه بذلك على رواية ذكرياته، الملفوظ الآتي: «أنا لست ابنا لأحد، حتى إنني لا أستطيع أن أنتسب إلى الغيتو إلا بشكل مجازي» (ص425).

غير أن النسيان لا يُمكِّن آدم من التحرر من هويته الأصلية، وإنَّمَا يُساهم في تعميق أزمته الوجودية، ويَسمُ هويتَّه بالهشاشة والالتباس، فيصبح في حالة تمزق واغتراب دائمين، فهو حاضر وغائب في الآن نفسه، يريد نسيان الماضي والتخلص من ذاكرته، لكنه يجد نفسه محاصرا بماضيه وبترسبات الهوية، فيعيش منجدلا بين الأصل والإبدال، تتجاذبه هويتان: الهوية الأصل (فلسطين) والهوية القناع (إسرائيل)، واسمان (آدم مع ممدوح والعمال العرب، وشلومو مع غابرييل)، ولغتان (العربية والعبرية) أوقعتاه في مأزق التواصل، حيث استبد به ما تسميه الرواية بـ"وحل الكلام"(ص88)، فصار لسانه عاجزا عن الحديث بالعربية مع ممدوح والعمال العرب، وبالعبرية مع غابرييل. وعلى الرغم من أنه خلع اللغة العربية، وصارت اللغة العبرية ثوبه الجديد، إلا أنه وجد نفسه بعد خمس عشرة سنة، عندما بدأ في الكتابة لصحيفة "هعير" بالعبرية، عن الموسيقى العربية وأم كلثوم، أنه يكتب العبرية بالعربية، وأن لغته الأم تتسلل إلى لغته الجديدة، وتعيد صوغها. ويشير ذلك إلى تمزق هويته وانشطارها، ويثبت استحالة تخلصه من رواسب الهوية لأنها متغلغلة في لا شعوره.

لقد غادر آدم وطنه لأنه سئم من حكايات الفلسطينيين عن النكبة، لكن هذه الحكايات تلاحقه وهو في المجتمع الإسرائيلي، فقد كان «يصطدم في كل مرة بحقيقة النكبة»(ص 343)، ووجد نفسه محاصرا بحكايات الفلسطينيين الذين اختاروا مثله الإقامة في الغياب، أو حكايات شخصيات يهودية انتُزعت من وطنها، وهُجِّرت إلى فلسطين لإقامة الدولة اليهودية. ومن هؤلاء صديقه رباح، حارس حديقة بنيامين، الذي ينشطر بين الهوية العربية الفلسطينية، وبين العمالة لإسرائيل، فيعيش مكروها عند العرب لعمالته، ومهمشا لدى الإسرائيليين لعروبته، إذ كان بالنسبة إليهم حاضرا غائبا، فهو مواطن في الدولة اليهودية، ولكن غيابه يسمح للدولة بمصادرة أرضه. وحسقيل الذي يعيش، على غرار آدم، النفي في إسرائيل، إذ إنه أُرغم على الرحيل من العراق إلى إسرائيل، ووجد نفسه مجردا من جنسيته العراقية، يعيش صدمة الهوية ومآزقها بعيدا عن فضاء انتمائه. إنه رمز لليهودي العربي الذي نُفي من أرضه (العراق) ولغته (العربية)، إلى أرض فلسطين لإقامة دولة خاصة باليهود. حاول أن يتأقلم مع عالمه الجديد، وأن يتخلص من لغته، لكنه فشل في ذلك، فدخل في صراع وجودي عنيف: «كنت أعيش نهاراتي بالعبرية، وأنام وأحلم بالعربية. أحسست بأنني منفصم، كأنني صرت اثنين»(ص 355).
إن محاولة آدم وضع قطيعة مع ذاكرته عمق أزمته الهووية، بدل وضع حل لها، إذ وجد نفسه، بخلاف ما كان يرغب فيه، يعيش في «الفضاء الثالث (الفضاء الطباقي أو الفضاء بين بين) الذي يتسم بالهجنة وازدواجية الهوية الثقافية» ، يعاني انشطارا هوياتيا بين فضاءين مختلفين: الفضاء البديل (إسرائيل) والفضاء الأصل (فلسطين)، فرغبته في الانفصال عن واقع وطنه، واقتحام فضاء جديد، تبوء بالفشل، إذ إن تهربه من ذاكرته وهويته أفضى إلى تعميق غربته الوجودية، فصار شخصية لا منتمية، لا هي ظلت في وطنها، ولا هي تمكنت من أن تندمج في المجتمع اليهودي وتتلاءم معه، تظل موزعة بين "الهنا" و"الهناك"، ترغب في الانتساب إلى إسرائيل، لكنها تصطدم باستحالة عبور الوطن، وتفشل في جعلِ الآخر يتقبلها في عالمه، فعلى الرغم من محاولة آدم التأقلم والاندماج في المجتمع اليهودي إلا أنه يظل هامشيا ومرفوضا، فهو عربي وسخ، كما وصفه بذلك غابرييل بعد أن علم بمضاجعته لابنته، ويستحيل تزوجه، فقد رفضته رفقة لما اقترح عليها الزواج قائلة: «مستحيل، أنت عربي، وهذا مستحيل»(ص159-160).

وللكشف عن الانشطار الهوياتي الذي يعيشه آدم، تستخدم رواية "أولاد الغيتو" في جزئها الثاني، بخلاف ما كان عليه الأمر في جزئها الأول "اسمي آدم"، ضمير الغائب لسرد حكاية آدم، فعلى الرغم من أن آدم هو بطل الرواية وساردها، إلا أنه اختار أن يقيم مسافة بينه وبين حكايته، فاستند إلى ضمير الغائب لروايتها. وهي استراتيجية سردية تكشف عن انشطار هويته والتباسها، فآدم الفلسطيني الذي يتقنع بقناع اليهودي سعيا إلى النجاة والانعتاق من مآسيه، يعيش في الغياب رغم حضوره، كغيره من الفلسطينيين. ولذلك أمكن القول: إن السرد بضمير الغائب هنا هو اختيار فني يعكس التباس هوية آدم وانفصاله عن ذاته، فقد اختار أن يكتب قصته استنادا إلى ضمير الغائب كي يتمكن من استحضار طفولته التي ينظر إليها بصفتها طفولة شخص آخر، ويتسنى له بذلك أن يقيم مسافة بينه وبين ذاته، ينفصل عنها، ويقيم في الغياب حتى يتمكن من أن يكتب عن أمكنة غائبة.

وهكذا، يغدو مصير الذات في الرواية مماثلا لمصير الأرض التي تُغيب هويتها الفلسطينية، لصالح هوية جديدة تستحوذ على فكرة الوطن الفلسطيني، فتعرضه للاستلاب والمحو، وتُصَيِّرُ الفلسطيني الذي اختار البقاء في أرضه بعد التهجير "حاضرا-غائبا"، لا يملك أرضا ولا وطنا، ولا انتماء...

الخاتمة

نخلص في هذه الدراسة إلى أن الذاكرة مثلت في الروايات المدروسة أداة أساسية لتشييد الهوية الفلسطينية، فاستنادا إليها أعادت استحضار المأساة الفلسطينية وتسريدها، غير أن دورها اختلف من رواية إلى أخرى، فإذا كانت في "الطنطورية" تشكل وسيلة لتشييد هوية جماعية غايتها مقاومة المحو والتلاشي، فإنها في رواية "طابق 99" تمثل مجالا للتوتر والصراع بين نسيان الماضي والتخلص منه للتأقلم مع الراهن والاندماج فيه، والتمسك به وفاءً له، أما في "أولاد الغيتو2: نجمة البحر" فتتحول إلى عبء تروم الذات التخلص منه للنجاة، فهي منذورة للإزاحة والمحو والنسيان. لذلك يمكن القول إن الهوية الفلسطينية تظل -في هذه الروايات-مجالا للتنازع والصراع الدائم بين الحضور والغياب، بين الاستعادة والإزاحة، تعكس ما تعيشه الذوات الفلسطينية من قلق وجودي وانشطار بين التشبث بفلسطين باعتبارها جغرافيا مفقودة، وفردوسا ضائعا، وبين الاندماج في المنفى وفي الفضاءات البديلة التي أضحت مُرغمةً على الانتماء إليها.

المصادر والمراجع

– إلياس خوري، أولاد الغيتو2: نجمة البحر، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط1، 2019.
– بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة وتقديم وتعليق: جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت: لبنان، ط1، 2005.
– بول ريكور، الهوية السردية، ضمن: الوجود والزمن والسرد: فلسفة بول ريكور، ترجمة وتقديم: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، بيروت: لبنان، الدار البيضاء: المغرب، ط1، 1999.
– بيل أشكروفت وآخران، الرد بالكتابة: النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة، ترجمة د. شهرت العالم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت: لبنان، ط1، 2006.
– جنى فواز الحسن، طابق99، منشورات ضفاف، بيروت: لبنان، منشورات الاختلاف، بيروت: لبنان، ط1، 2014.
– رضوى عاشور، الطنطورية، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط1، 2010.
عبد الله إبراهيم، السرد، والاعتراف، والهوية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت: لبنان، ط1، 2011.
– غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 1984.
– محمد الداهي، السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، المغرب، بيروت: لبنان، ط1، 2021.
– محمد الشحات، سرديات المنفى: الرواية العربية بعد1967م، أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2006.
– Paul Ricœur, La mémoire, l’histoire, l’oubli, éd. Seuil, Paris, 2000.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى