السرد غير الطبيعي وتمثلات المنفى الفلسطيني
السرد غير الطبيعي وتمثلات المنفى الفلسطيني: قراءة في "طيور الحذر"
مقدمة:
يشهد النقد السردي المعاصر تحولات بارزة مع ظهور السرديات غير الطبيعية التي تتناول النصوص التي تتجاوز منطق الواقع. وفي المقابل يقدم الأدب الفلسطيني تجربة إنسانية معقدة ترتبط بالاقتلاع والذاكرة والهُوية، مما يُثير سؤالًا نقديًّا حول قدرة الأدب على إعادة صياغة معنى الكارثة؟ ومن هنا ينطلق البحث من تساؤل رئيس: هل يمكن للسرد غير الطبيعي أن يكون أداة جمالية لتمثيل التجربة الفلسطينية؟
تنبع الإشكالية من أن الواقع الفلسطيني ذاته يبدو خارج المنطق التقليدي للسرد؛ بزمن ممتدٍّ منذ النكبة، وأماكن قائمة وممحوة في الوقت ذاته، وشخصيات معلقة بين الغياب والحضور، مما يجعل السرد التقليدي غير كافٍ أحيانًا لتمثيله. لذا يفترض البحث أن تقنيات السرد غير الطبيعي تمكّن الكُتّاب من التعبير عن الصدمة التاريخية، وتشظي الزمن، وكشف هشاشة الهوية تحت الاحتلال.
وبالنظر إلى اتساع مفهوم السرد غير الطبيعي وتعدد مستوياته بين الحدث والزمن والإدراك والصوت السردي، فإن هذا البحث يختار التركيز على البعد الخاص بالسارد غير الطبيعي بوصفه مدخلًا إجرائيًّا لتحليل تمثيل النكبة في رواية طيور الحذر لإبراهيم نصر الله، وذلك لما يتيحه هذا النستوى من كشف تحولات الوعي وتعدد الأصوات وتمثلات الغياب والحضور داخل النص.
جاء اختيار هذه الرواية بوصفها مادة للتحليل لما تتيحه من بنية سردية مفتوحة على مستويات متعددة من التجريب، خاصة على مستوى الصوت السردي وتعدد تمثلات السارد، بما يسمح بقراءة تمثيلات النكبة الفلسطينية خرج الأطر الواقعية التقليدية، كما تنتمي الرواية إلى سياق أدبي يُعيد إنتاج الذاكرة الفلسطينية بوصفها ذاكرة مشروخة ومفتوحة على الغياب والاستمرار في آن، وهو ما يجعلها نموذجًا ملائمًا لتطبيق مقاربة السرد غير الطبيعي، وبخاصة في بعده المتعلق بالسارد بوصفه بنية متحولة تكشف تشظي الوعي وتداخل الحضور والغياب.
يعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي القائم على الوصف الدقيق والتحليل المعمق، وتركيب النتائج بصورة يمكن تفسيرها.( ) وينقسم البحث إلى محورين رئيسين:
1- من الواقع إلى اللا معقول: نحو تحديد مفهوم السرد غير الطبيعي.
2- المجاز الطفولي بوصفه خطابًا غير طبيعي في سرد الكارثة
– من الواقع إلى اللا معقول: نحو تحديد مفهوم السرد غير الطبيعي
يؤكد جان ألبير أهمية المخيلة بوصفها قوة تتجاوز الواقع، لا تكتفي بإعادة إنتاج العالم، بل تبتكر عوالم مستحيلة التحقق.( ) وهو ما انعكس في الرواية المعاصرة، التي اتخذت من التجريب والانزياح عن المألوف منهجًا، لتصبح المخيلة جوهر التحوّل الجمالي والمعرفي.
في هذا الإطار يمثّل السرد غير الطبيعي تحوّلًا بارزًا، إذ يتحرر من الزمن الخطي، والسببية الصارمة، ليغدو فضاءً تتداخل فيه الأزمنة وتختلط الحقيقة بالوهم، ويغدو الوعي الإنساني محور الحكي. وتكمن أهميته في قدرته على التعبير عن الاغتراب والصدمة وتوترات الذات، وإعادة صياغة العلاقة بين النص والعالم، بحيث لا يقتصر على تمثيل الواقع، بل يُعيد تخيله.
ظهر هذا المفهوم مع منظرين مثل برايان ريتشاردسون، وجان ألبير، كردٍّ على محدودية النماذج الكلاسيكية للسرد، حيث عرّفاه بأنه خرق لقوانين الواقع كالأصوات المستحيلة، والزمن المكسور، والراوي المستحيل.
ويرى ألبير أن الاستحالة معياره الأساسي( )، ويؤكّد أن الحكم على اللا طبيعية يتم بمقارنتها بالعالم الواقعي كما نعرفه( ). بينما توسّعه فلوردنيك ليشمل الخرافي.( ) ويربطه ريتشاردسون بمبدأ مضاد المحاكاة( )؛ التي تقوّض تمثيل الواقع.( ) وعلى الرغم من اختلاف هذه الرؤى في تحديد طبيعة اللاطبيعي إلا أنهم يتفقون على أنه يزعزع القواعد التقليدية للحكي.
يتجلّى السرد غير الطبيعي في عدة مستويات:
الصوت السردي:
من خلال رواة يتجاوزون حدود الإنسانية؛ فيظهر كجماد أو كيان متخيل، أو صوت صادر مما بعد الموت، ووفقًا لجان ألبير تمثل هذه الشخصيات تجسيدًا للاستحالة الجسدية أو المنطقية أو الإنسانية، وتؤدي وظيفة دلالية تتجاوز العبث نحو النقد والسخرية. ( )
الزمن
يتمثل في تفكيك الزمن الخطي عبر التشظي والتكرار، حيث تشير تصورات ريتشارسون إلى أشكال زمنية مستحيلة؛ كالسفر عبر الزمن( )، والحلقات الزمنية( ) مما يحرر السرد من التسلسل التقليدي.
الإدراك:
يتجلى من خلال منظور غير إنساني كوعي لم يولد، أو كيان لغوي، مما يوسع حدود الإدراك ويخلخل المرجعيات الواقعية.
الحدث:
رغم غياب هذا البعد في بعض التنظيرات، إلا أن الحدث يعد عنصرا حاسما في تحديد طبيعة السرد؛ فحين يخرق الفعل السردي قوانين السببية والمنطق، يتحول النص إلى غير طبيعي، كما في رواية (دون كيشوت) حيث يتولد اللاطبيعي من تداخل الوهم والواقع.
وعلى خلاف العجائبي لا يهدف هذا النمط إلى الإبهار داخل القواعد، وإنما يهدف إلى كسرها، مما يقوض مفهوم الحبكة بوصفها تسلسلًا منطقيًّا( )، لتنشأ حبكات متناقضة تعزز الطابع التجريبي للنص.
وبذلك يغدو السرد غير الطبيعي مختبرًا جماليًّا وفلسفيًّا يُعيد تشكيل قوانين الإدراك والزمن، ويعكس تعقيد التجربة الإنسانية، ويفتح أفقًا جديدة لقراءة النصوص التي تتجاوز الأطر السردية التقليدية.
– المجاز الطفولي بوصفه خطابًا غير طبيعيّ في سرد الكارثة
تنتمي رواية طيور الحذر لإبراهيم نصر الله إلى سلسلة الملهاة الفلسطينية التي ترصد التجربة الفلسطينية من النكبة إلى الشتات، مركزة على معاناة الشعب الفلسطيني في المخيمات، وتمثلات الطفولة بوصفها وسيطًا لرؤية العالم والألم والحلم. وعلى الرغم من انطلاقها من سرد واقعي تاريخي، إلا أنها تنفتح على أبعاد رمزية ومجازية، خاصةً من منظور الطفل، مما يجعل التجربة السردية متجاوزة لحدود الواقع.
يتجلى السرد غير الطبيعي في الرواية من خلال بناء سارد مستحيل؛ يتمثل في جنين يتولى الحكي قبل ولادته، في خرق واضح لقوانين الإدراك والوجود، ولا يقتصر هذا الخرق على الوعي، وإنما يمتد إلى التحليل والتذكر وبناء الحكاية، مما يندرج ضمن ما يُعرف بالوعي المستحيل.
ومن داخل هذا التشكيل غير الممكن يتحول الرحم إلى فضاء سردي مكتمل، أشبه بعالم مغلق يسبق الوجود، حيث تغدو الولادة حدثًا وجوديًا مشحونًا بالصراع.
في هذ السياق يظهر الطائر الذي يسمعه الجنين رمزًا للحرية والدفع نحو الخروج إلى العالم: "سمعت ذلك الغناء… عصفور حقيقي كان يغني.. تلك الليلة قررت المغادرة"( )
هنا يقدّم السارد من داخل الرحم وصفًا حسيًّا ووجدانيًّا دقيقًا، فيحوّل الجسد إلى مكان قابل للسرد، ويؤسس ثنائية الداخل/ الخارج؛ إذ يبدو الداخل عالمًا مكتفيًا في مقابل خارج مهدّد ومجهول، مما يعكس توترًا وجوديًّا مرتبطًا بالتجربة الفلسطينية. ويتجلى هذا التوتر في قول الجنين:
"كنت أعرف أن ليس لدي إخوة لأنني لم أر آثار أحد في الداخل أبداً، كان الرحم جميلاً ودافئاً.." ( ). ثم يضيف: "لماذا لا يكون هذا البيت الجميل خارج بطن الأم؟"( ) لتغدو الولادة انتقالًا من أمان نسبي إلى تاريخ مضطرب، ويصبح الرحم استعارة للوطن الأول.
ويمتد تفكيك الواقعية إلى مستويات أعمق، حين يقيم الطفل حوارًا مع جنين لم يولد بعد في خرق أنطولوجيّ واضح. يسأل الجنين عن العالم، فيجيبه الطفل بوصفه أشياء حسية، مثل: القطعة الزرقاء والقمر، ثم يقول له: "عليك أن تحب شيئًا حتى تستطيع الوجود قبل موعدك"( ). في هذا السياق يتحول الحب إلى قوة أنطولوجية دافعة للوجود لا مجرد تجربة لا حقة لها، ويغدو الانتظار حالة وجودية ممتدة، كما لو أن الحرية نفسها مؤجلة، غير أن النص يلمح إلى إمكانية كسر هذا التأجيل عبر الإرادة العاطفية.
غير أن هذا التواصل ينقطع فجأة مع اختفاء صوت الجنين، وهو ما يمكن قراءته بوصفه استعارة لفقدان الاتصال بعالم أوليّ، يظل حاضرًا كنداء دون إمكانية العودة إليه. هكذا يصبح الانقطاع بين العالمين علامة على أن بعض العوالم لا تُستعاد إلا في الذاكرة.
وفي مواضع لاحقة يكشف الحوار بين الطفل وأمه عن ذاكرة غير مستقرة تتداخل فيها الأزمنة، بحيث لا يعود الماضي منفصلًا عن الحاضر: "لن تصدِّقه أمه حين يقول لها: إنني أتذكَّر كلّ ما حدَث، كما لو أنه يحدُث الآن، وغدًا، كما لو أنه يحدث دائما؛ لن تصدِّقه، ولكنها سترتبك حين يقول لها: لا تنسَي أنني كنت الحاضر وأنت الغائبة في تلك اللحظات، حيث لم يكن هناك سوى صراخك! وستصرخ للمرّة الألف: ستجنّني فيقول لها: أنتِ لا تختلفين أبدًا عن أمّ سعيد! فتقول: ومَن هي أمّ سعيد؟ - واحدة لم أعرفها ولم تعرفني!"( )
هنا يتحول الزمن إلى تجربة دائرية لا تخضه للتسلسل التاريخيّ، وإنما لإيقاع نفسي متكرر؛ يعكس طبيعة الزمن الفلسطيني بوصفه زمنًا ممتدًّا غير مكتمل، أشبه بجرح مفتوح لا يلتئم. كما يتداخل الخطاب بين الشخصيات -كما في الإشارة إلى أم سعيد وهي شخصية غير معروفة- بما يكشف عن ذوبان الفروق الفردية داخل معاناة جماعية، حيث تتشابه التجارب إلى حد التماهي، فيغدو الألم خبرة جمعية تتجاوز الفردي.
وفي هذا الإطار تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة للنسيان، وإعادة إنتاج مستمر للحدث، بينما يصبح زمن الرواية بنية مضطربة تعيد تشكيل الوعي والمكان معًا. ويكشف النص عن أن الاختلال السردي ليس انحرافًا عن الواقع، بقدر ما هو استجابة جمالية لواقع مختل في جوهره.
ويمتد الوعي غير الطبيعي إلى مرحلة الطفولة؛ حيث يُمنح الطفل قدرة على التأمل تفوق عمره؛ فيراقب العالم من زاوية شبه كونية، فتتحول القطعة الزرقاء "السماء" إلى رمز للحرية، والرغبة في الانفلات من حدود الجسد والمكان، "كنت أواصل النظر إلى النافذة وأرى قطعة زرقاء صافية، لست أدري، بعيدة وقريبة، تعلقت بها، ولو كنت أتكلم لطلبت من أحد المهنئين بقدومي لهذه الدنيا أن يأتيني بها بدل هذه الثياب"( )
من خلال هذا الصوت الطفولي يُعاد اكتشاف الواقع بوصفه تجربة أولى، حيث تتحول الأشياء المألوفة إلى علامات غامضة، فخروج الطفل إلى العالم ورؤيته البيوت الصغيرة المتناثرة دون معرفة السبب، يغدو لحظة كشف وصدمة تقابلها رغبة في العودة إلى الداخل -إذ يرى العالم للمرة الأولى كما يرى القارئ واقع المنفى- وحين يعود إلى الداخل يبكي لأنه فقد السماء والضوء والمسافة. وهنا تتجلى تجربة الفلسطيني بين رؤية الوطن وفقدانه.
كما يقدم النص مشهدًا جمعيًّا يكشف البنية المأساوية للمكان: "انتشر البشر في بيوت متباعدة زرعوا أمام المغاور دواليهم، وهم يدركون أن إقامتهم هنا لن تطول، يتجولون وخضرتهم معهم. ويشقون. ولم تكن الأشجار التي يحبونها، أشجارهم الفلسطينية، عاجزة عن أن تنمو في هذه السفوح، فزرعوها، وهم على يقين أنهم سيتركونها هنا ذكرى لأيام قاسية عاشوها بعيدا عن وطنهم"( ). تتحول الأشجار والبيوت إلى علامات على وجود مؤقت، وإلى أثر لوطن غائب يُزرع في أرض لا تستقر.
وتستمر الرواية في توظيف فضاءات رمزية مثل الثعالب والمغارة والسيل -التي يعرفها الطفل قبل أن تحكي أمه عنها-، لتجسيد هشاشة المكان وتجربة الاقتلاع؛
في أحد المشاهد يقول الطفل:
"لا أحب المغارة.
وردت: ومن يحبها؟
قال: كان يجب أن تتركاها منذ أتيتما هنا للثعالب
– ومن حدثك عن الثعالب؟
– أنت تعرفين، لا أحد
وأطلقت الثعالب عواءها ثانية.
– هي تعاقبنا، لن تتركنا ننام مادمنا نائمين في مكانها." ( )
فيتحول الحوار إلى كشف رمزي لعلاقة غير مستقرة مع المكان؛ حيث تظهر الثعالب بوصفها كائنات تمتلك المكان بالأساس، بينما يشكل وجود البشر اقتحامًا له، فيمثل رمزًا لحالة الاقتلاع المكاني التي يعيشها اللاجئون، إذ يكتشفون أن المكان الذي احتموا له ليس ملكًا لهم أيضًا، مما يضع فكرة الانتماء ذاتها موضع مساءلة.
ويتعزز هذا المعنى حين يتلاشى الأفراد: "تلاشى الصغير في فكرة أن الجميع يتلاشون"( )، حيث يغدو التلاشي بنية سردية تعكس تجربة الاختفاء الجماعي بعد النكبة؛ إذ لم تعد القرى والأسماء والوجوه قابلة للاستمرار في حضور ثابت. ويتحول الآخر إلى غياب دائم: "لم يعد أحد يرى الآخر المزروع أمامه"( ) مما يعكس تفكك النسيج الاجتماعي ذاته، مما ينقل الوجود الفلسطيني من مستوى الحضور الفيزيائي إلى مستوى الهشاشة الوجودية، حيث يصبح البقاء نفسه مهددًا بالذوبان داخل العدم التاريخي.
ويشير وعي الطفل المتضخم بفقدان العالم إلى حالة جيل ما بعد النكبة، الذي يرث الذاكرة دون أن يعيشها، فيصبح حاملًا لقلق الفقد دون تجربة الأصل. ومن خلال هذا البناء، يتحول السرد غير الطبيعي إلى أداة لتمثيل الصدمة التاريخية، حيث يتشظى الزمن، ويعاد تشكيل المكان، ويضطرب الوعي.
وفي المخيم تبلغ القسوة ذروتها حين يجبر الصغير على أكل عصافيره التي يربيها بطريقة مستحيلة منطقيًّا، عبر إدخالها في جسده (فمه وأذنه وعينه)، وهو ما يمكن قراءته بوصفه اختراقًا لحدود الجسد، فيصبح الإنسان مستباحًا من الداخل، كأن الاحتلال امتد إلى تكوينه الفيزيائي.
وفي معسكر الأشبال تتبدل الطفولة جذريًّا: "الأولاد يركضون.. يحملون الأسلحة"( )، في انزياح كامل عن منطق الطفولة؛ حيث تُنتج السلطة أطفالًا داخل منظومة عسكرية، وتعيد تشكيل الوعي منذ بداياته الأولى.
ويُقرأ هذا التشويه بوصفه تفكيكًا لبنية النمو الطبيعي، إذ لم تعد الطفولة مرحلة للبراءة، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة عنف. وهنا يتحول السرد إلى كشف آليات الهيمنة التي تمتد إلى تكون الذات نفسها، مما يجعل الهوية مفروضة لا مُكتشفة.
والرواية تستخدم هذا التشويه للطفولة لتعرية الواقع، ولفت انتباه القاريء إلى خطورته، فالطفل الذي ينشأ في بيئة عسكرية سيحمل معه آثار هذه التجربة طوال حياته، مما يؤثر على هويته وطريقة إدراكه للعالم، ويمكن قراءة هذا التشويه بوصفه تعبيرا عن حالة الاستعمار النفسي، حيث يتم التحكم في عقول الأطفال، وإعادة تشكيل وعيهم، بما يتوافق مع مصالح النظام، محولا الطفولة إلى ساحة صراع.
ثم يصل التحول زروته حين يفقد الطفل ساقه -التي تُدفن وحدها- فيقرر أن يصطاد العصافير "وأطيرها لأعلمها الحذر"( )، في مفارقة تُعيد إنتاج العنف بوصفه محاولة للنجاة، لنجد أن الضحية تتحول إلى مدرب على الألم.
وفي لحظة لاحقة يتخيل أنه يطير والعصافير داخله "وقلت لها: لا تخافي، حتى لو وقعت العصافير سترفعني قبل أن أصل الأرض. وقلت: إن ظلي يمكن أن يتعثر ويسقط، أما أنا فلا. وارتفعت. وقلت: تعالي معي للسهل، فلم تأت"( ) ويتعلم الطيران "كنت أطير.. العصافير في بطني.. العصافير تحملني.." ( ) حيث ينهار منطق الجسد والطبيعة معًا، ويصبح الطيران بديلًا عن الواقع بوصفه يمثل آلية نفسية للهروب من واقع لا يحتمل.
وفي تحول الطفل لطائر تشيء للإنسان، وفي الوقت ذاته تتحول العصافير لكائنات واعية وفيه أنسنة للحيوان، وهذا يعكس انهيار الحدود بين الإنسان والطبيعة، فالإنسان حين يفقد إنسانيته تحت العنف يلجأ لأن يكون شيئًا آخر. وهذه هي الطريقة الوحيدة لقول ما لا يمكن قوله بلغة واقعية؛ لأن الحرب غير منطقية، والطفولة المدمرة غير قابلة للتمثيل الواقعي، والألم يتجاوز اللغة، من هنا تكسر اللغة ذاتها.
الرواية لا تقول صراحة أن الطفل يطير، لكنها تقول إن الواقع نفسه أصبح مستحيلًا لدرجة أن الطيران صار أكثر منطقية منه.
وهكذا يتحول النص إلى تفكيك شامل للمنطق الواقعي، حيث تتجاور المستحيلات، مثل الجنين الذي يحكي ، والطفل الذي يتذكر المستقبل، والجسد الذي يطير، والعصافير التي تعيش داخل الإنسان، حيث يتحول الطيران،وابتلاع العصافير، وتفكك الصوت السردي إلى آليات تمثيلية لوعي مصدوم، لم يعد قادرا على استعاب العالم ضمن قوانينه المنطقية، فهذه الانزياحات ليست عبثًا سرديًّا، إنها محاولة لقول الحقيقة بالشكل الوحيد الأنسب داخل حدود الواقعية، لأن الواقع نفسه فقد اتساقه.
وبذلك يوظف السرد غير الطبيعي بوصفه أداة فلسفية لتمثيل الوجود الفلسطيني؛ إذ يُعاد من خلاله تشكيل العالم المنفى من منظور متصدّع، تصبح فيه الذاكرة غير مستقرة، والزمان متشظيًّا، والمكان هشًّا، بينما يغدو الوعي نفسه مساحة مفتوحة على الفقد والتحول المستمر.
وإذا كانت الرواية قد انتهت إلى هذا الحد من تفكيك الواقع وإعادة تركيبه، فإنها في العمق لا تهدم العالم بقدر ما تعيد مساءلته؛ إذ يصبح السرد غير الطبيعي وسيلة لإعادة التفكير في معنى الوجود ذاته تحت شرط الاقتلاع؛ فالعالم في طيور الحذر تجربة تُعاد صياغتها عبر وعي مأزوم، لا يثق في ثبات الأشياء ولا في استقرار المعاني.
ومن هنا يمكن النظر إلى هذه الانزياحات بوصفها محاولة لإعادة امتلاك العالم رمزيًّا، بعدما تعذر امتلاكه واقعيًا؛ إذ يعيد الطفل—بوصفه وعيًا بدائيًّا—تسمية الأشياء، واكتشافها، ومنحها دلالات جديدة تتجاوز معناها المباشر؛ فالسماء ليست مجرد فضاء علوي، وإنما هي وعد بالانفلات، والعصافير ليست كائنات طبيعية، ولكنها وسائط للنجاة، والطيران ليس حركة فيزيائية، إنه إمكانية تخييلية لمقاومة السقوط.
بهذا المعنى تتحول اللغة نفسها إلى مساحة بديلة للوطن، حيث يُعاد بناء ما تهدّم في الواقع داخل النص، ويصبح السرد فعل بقاء، لا مجرد تمثيل. كما أن هذا التشكيل الجمالي يكشف أن التجربة الفلسطينية في أقصى لحظات انكسارها، لا تزال قادرة على إنتاج معنى، وإن كان معنى متشظيًا، وقلقًا، وغير مكتمل.
وهكذا لا يقدّم النص إجابات نهائية، لكنه يترك القارئ داخل حالة من التوتر الإدراكي، حيث يتداخل الممكن والمستحيل، والواقعي والمتخيل، ليصبح السرد ذاته فعل مقاومة، وطريقة للقبض على ما يتفلّت دائمًا: الذاكرة، والهوية، وإمكانية الحلم.
الخاتمة ونتائج البحث
يمكن القول إن التجربة الفلسطينية لا تُنتج خطابًا سياسيًا أو واقعيًا فحسب، وإنما تبتكر أيضًا أشكالًا سردية جديدة تتجاوز قوانين الحكي المألوف، ليغدو السرد غير الطبيعي أداة فاعلة لفهم الذاكرة والمنفى والهوية الممزقة. فالرواية تحوّل الذاكرة الفلسطينية من حدث تاريخي منتهٍ إلى حالة زمنية مستمرة، يظل فيها الماضي حاضرًا داخل الوعي، في انسجام عميق مع خبرة الاقتلاع و العيش في المنفى.
ومن ثمَّ لا تقدم الرواية واقعًا طبيعيًّا مستقرًّا، بقدر ما تُنشيء عالما سرديًّا مشوهًا ومفخخًا، تتداخل فيه التحولات القسرية؛ فالأطفال يتحولون إلى جنود، والأوامر تحل محل الوعي، والواقع ينقلب إلى فضاء عبثي مفارق، تتجسد فيه السلطة من خلال خطاب التحكم والسيطرة، وبهذا تُسلب الطفولة من سياقها الإنساني، وتُعاد صياغتها داخل منظومة القهر.
ويغدو اختيار طفل راويًا اختيارًا دالًّا؛ إذ يتيح إعادة اكتشاف العالم من نقطة البدء بعين لا تألف الحدود ولا تخضع لمنطق الواقع المستقر، مما يكشف هشاشة البنية السياسية وعبثيتها. هنا يتحول الوعي الطفولي إلى استعارة لوعي جمعي يتشكل تحت القيد، كأن الرواية تكتب تجربة شعب يُعاد ميلاده داخل شروط قاسية، لا تسمح بثبات الهوية أو استقرارها.
وبذلك لا يقتصر السرد غير الطبيعي على خرق قوانين الواقع، وإنما يتجاوز ذلك ليغدو صيغة جمالية وفلسفية تعيد بناء التجربة الفلسطينية، وتمنحها أفقًا أعمق لتمثيل الوجود والذاكرة في عالم فقد اتساقه.
نتائج البحث:
1- الأدب الفلسطيني يستخدم تقنيات قريبة من السرد غير الطبيعي دون إعلان نظري مباشر.
2- تعكس الرواية انقسامًا بين الحقيقة والهذيان، حيث يصبح الواقع غير قابل للتصديق، مما يعكس الصدمة التاريخية التي يعيشها الفلسطيني.
3- كسر الزمن والواقع في النص ما هو إلا استجابة لتاريخ عنيف.
4- كلما ازداد السرد ابتعادًا عن الواقعية الإدراكية، ازداد اقترابه من الحقيقة الرمزية للتجربة الإنسانية التي يحاول النص التقاطها.
5- السرد غير الطبيعي يسمح بتمثيل ما لا يمكن قوله بالواقعية المعتادة؛ فيعد استراتيجية جمالية لتمثيل واقع مأزوم لا يمكن تمثيله بالسرد التقليدي.
المصادر والمراجع
أولا- المصادر:
1- رواية طيور الحذر الملهاة الفلسطينية، إبراهيم نصر الله، قراءة من خلال تطبيق أبجد الإلكتروني.
ثانيًا- المراجع:
– المراجع العربية:
2- مناهج البحث العلمي، محمد سرحان علي المحمودي، دار الكتب، صنعاء، اليمن، ط3، 2019م.
– المراجع الأجنبية:
1- Unnatural Narrative Impossible Worlds in Fiction and Drama, Jan ALBER, the Board of the university of Nebraska, Manufactured in the United States of America, 2016.
2- What is the Unnatural about Unatural Narratology?, A Response to Monica Fludernik, Jan Alber, BRIAN Richardson, &others, The Ohio State University Press, 2012.
3- Unnatural Narratology, Extensions, Revisions, and Challenges, edited by: Jan Alber & Brian Richardson.
