السليمانية وباكو.. ومفارقات الوعي والبيئة
تأملات في أدب السفر: السليمانية وباكو.. ومفارقات الوعي والبيئة
الشاعر والقاص: أحمد عارف
عندما يريد الإنسان مغادرة وطنه والتوجه نحو وطن الآخرين، يتعين عليه تسليح نفسه بعقلية وفكر مقارن، وأن يتحلى دائماً بروح المقارنة لا بروح الحسد تجاه الآخرين. فعندما تنوي القيام برحلة ما، يجب أن تجمع في ذهنك كل واجباتك وجهودك في بلدك، حتى تتمكن من رؤية جهود وتعب صاحب البيت الذي يستضيفك باحترام لبضعة أيام. من الواضح أن البشر في هذا العالم هم بشر في النهاية، بكل ألوانهم وتكويناتهم وخلقهم، لكن ما يختلف بين الشعوب والبلدان والأنظمة هو الأداء العقلي للبشر؛ كيف وبأي طريقة وظفوا هذا العقل. يجب علينا في أسفارنا إلى أي بقعة عامرة من هذا العالم أن نجري مقارنة دقيقة بين نتاج عقلنا وعقول الآخرين، وأن ننصف تقدم أولئك الذين يسبقوننا ونقول لهم: )أحسنتم( لأنهم استطاعوا تشغيل عقولهم أكثر منا، لا أن نقول بحسد إنهم محظوظون وقد تهيأت لهم الظروف ولذلك وصلوا إلى هذه الرفاهية والعيش الرغيد.
إن السفر دائماً عملية جيدة لتنمية العقل. وفي كثير من الأحيان أصل إلى قناعة بأن السفر القائم على العقل والتأمل يمنحك متعة قراءة كتاب، ويجمع من المعلومات بقدر ما يجمعه كتاب لشخص يسافر بيقظة وانتباه. ونحن الكورد، كأمة بلا كيان أو نظام أو فكر رصين في وطن شاسع مقسم إلى أربعة أجزاء موزعة على أربع دول وقوميات ليست أدنى منا عقلاً، لم نتمكن من إظهار الإخلاص لأرضنا ووطننا، ولم نصل بأنفسنا إلى مرحلة نصبح فيها أصحاب دولة تدافع بإخلاص عن الوطن وعن ذواتنا. وفي كل مرة يُتحدث فيها عن مآسينا - أياً كان المتحدث - نلقي بالأعباء والأسباب مباشرة على الأعداء والمجتمع الدولي، دون أن نأخذ نواقصنا بعين الاعتبار، ودون أن نتراجع خطوة واحدة عن قلة وعينا وجهلنا.
وأود هنا أن أعقد مقارنة بين مدينة السليمانية - عاصمة الثقافة الكوردية في جنوب كردستان - ومدينة باكو عاصمة آذربيجان، وأن أستعرض فقط بعض الأشياء التي رأيتها خلال رحلتي إلى باكو ولم يتمكن أهالي السليمانية من تحقيقها بعد.
عندما حلقت في أعالي سماء وطني العزيز المهمل، تنفست الصعداء وقلت في نفسي: (أيها الوطن، أحبك كثيراً، وكن على ثقة بأنني سأعود إلى أحضانك بعد بضعة أيام...) وعندما هبطتُ إلى أحضان وطن يمتد فيه الخضر والمسطحات المائية الشاسعة على مد البصر، تنفست بنفس الغريب، وانطلقت لأطأ بقدمي أرض وطنهم الجميل. أنا الآن في باكو، العاصمة الوقورة لآذربيجان.. على مد البصر، تبدو وسط المدينة خضراء وهادئة، ولا توجد فيها حركة سيارات؛ في حين أن منطقة (أمام السراي) لدينا لا تجد فيها مكاناً للمشاة بسبب كثرة السيارات. هناك في باكو تجد جانباً مخصصاً لبيع الكتب والمقاهي، ولا توجد فيها عربة واحدة لبيع الفواكه أو غيرها، فهي خالية تماماً من كل شيء باستثناء البشر، فالابتسامات وحدها هي ما يضفي على الأجواء روعة وجمالاً.
أما لدينا، فتبدو جميع الأحياء والشوارع وكأنها مكبات للنفايات، بينما هنا في باكو لو بحثت يوماً كاملاً عن أعقاب سجائر فلن تجدها، يا إلهي أي فرق هذا الذي بيننا وبينهم!!! أخذت أتجول وأدور في كل حدب وصوب، وفتشت في كل زاوية وركن من المدينة، فلم أجد سوى الجمال. وفي أحد الأيام، ذهبت إلى جبل يقع في حدود مدينة باكو، لم تكن ترى الأرض من كثرة الأشجار والخضار والزهور؛ وحينها بكيت حسرة على جبلينا (أزمر) و(كويژة) اللذين يقعان لدينا عاريين تماماً. التفتُّ نحو اليمين فرأيت مساحة خضراء شاسعة جداً، فاقتربت وإذا بها مقبرة مكسوة بالبلاط ومصممة بنظام واحد ولون واحد؛ تقدمت نحوها وبدأت أقرأ ما كُتب فوق الصور، وإذا بهم جميعاً شهداء عام 1992، وقد زُينت لهم أجمل القبور بأرقى نظام. حينها تذكرت على الفور شهداء (قرگە)، فهجرت الدموع عيني بكل إجلال، وتذكرت كم نحن بلا راعٍ ولا كفيل.. نحن الكورد نمتلك آلاف الشهداء الأماجد، ورغم مرور كل هذه السنوات، لم نتمكن حتى الآن من تخصيص مكان لائق بهم وتزيينه بالورود والرياحين لكي يقصده الناس لزيارتهم.
عن ماذا تتحدث؟ وماذا تقارن مع أوطان الآخرين؟ ذات صباح، استيقظت من النوم وفكرت في منطقة (أمام السراي)، وبجوار الجامع الكبير، وشارع مولوي، والعربات والدراجات النارية؛ جال خيالي في كل أسواقنا هناك، ثم أطللت برأسي إلى الخارج وتطلعت في الشارع المقابل للفندق، فلم أرَ سوى دكاكين متفرقة هنا وهناك. عدت إلى الفندق وسألت الشاب المسؤول: (يا عزيزي، ألا تخبرني أين يقع سوق هذه المدينة؟!) فأخرج خريطة وقال: (إذا ذهبت إلى هذا السوق، فهو كبير جداً وفيه كل ما يحتاجه الإنسان...) فقلت له: (أسرع واطلب لي تاكسي عبر تطبيق (بولت) لأذهب إلى هناك.).
جاء التاكسي وانطلقت في طريق استغرق نحو ساعة.. وعندما نزلت، وجدت مدينة قائمة بذاتها، لا تدري من أي زاوية تنظر إليها، وكما يقول الكورد في أمثالهم الشعبية (كانت تموج بالبشر كقرية النمل). بقيت هناك حتى وقت متأخر من الليل، ثم عدت إلى الفندق وأنا في غاية التعب والإرهاق.
إنه بلد يكسوه الخضر بالكامل، وتجتاحه مياه هادئة مطلة على بحر قزوين، حيث كانت الأسماك مطمئنة وآمنة لدرجة أنها تأتي إلى حافة البحر وتقفز وتلعب بحرية. شعبهم هادئ وبسيط، والبسمة والضحكة لا تفارق وجوههم، ومستعدون دائماً لمساعدة كل من يحتاج إليهم. لقد مرت عليّ الأيام الثمانية وكأنها ثماني ساعات؛ لم أكن أعرف كيف أجد الوقت لأرى المزيد والمزيد. تجولت كثيراً ودققت في التفاصيل، وظننت في البداية – كما هو الحال لدينا – أن هناك الآلاف من العمال الأجانب الذين ينظفون الشوارع والأزقة، لكنني عندما رأيت في أحد الأماكن سيدة أنيقة وجميلة، ترتدي القفازات والكمامة، وبيدها مكنسة وكيس نفايات كبير وهي تنظف الشارع بجد، لم أتمالك نفسي فاقتربت منها وقلت: (هل يمكنني أن أقبل يدكِ؟!) فابتسمت قائلة: (لماذا؟!) قلت لها: (أنتِ مقدسة لأنكِ تقومين بهذا العمل العظيم...).
فكرت في حالنا؛ شعبنا لا يأنف من القيام بذلك فحسب، بل إن الكثيرين منهم يستأجرون عمالاً وخادمات لمنازلهم رغم أن أغلبية الناس من الفقراء. لا أدري ماذا أقول، فعندنا تجد رجلاً ضخماً يمر في الشارع، وعندما يمتلئ فمه بالنخامة لا يخجل من بصقها على الأرض؛ أما هناك فلن ترى شخصاً يمسك سيجارة، وإن وُجد فلن تجد عقب سيجارة واحداً ملقىً في الشارع.
وفي الختام، أستودعكم الله داعياً إياكم إلى التمسك بالنظافة وحماية البيئة.
ترجمة: مكرم رشيد الطالباني


مشاركة منتدى
٦ آب (أغسطس), ١٨:٣١
السفره السياحيه تطوير في العملیه الذهنیه ان کانت بمخطط استباقی ولیست تاءوهات شبقیه ئزید فی ذکورە الوصف الاءستنجائی طرق باب المقارنات وفق تاءوهات ببجرسه اءجتماعیه قد تطوق النفس بدرنات قد تسقی بصداء خنسی علینا بسیاق اءطر السفرات والهدف منها تکون اءما ترفیهیه اءوتسطع بنبوغ فکر استزادە علمیه اءو الاخری حیث الفراغ القاتل لدی المواطن حیث اءشماءز من تکرار اللا تعبویه لا فی الافکار الغیر مبرمجه باءطارها الشبه تقلیدی اءو کملئ فراغ لنفس قد تهمس همسا اءجتراریا لسنوات عجاف حیث اءنعدام الا رتقاء ەوتلک هی اءکثر اءختیار سفراتنا الفصلیه شکرا لمن بسبب اءفکارە حررت تلک اکفقرات الدکتور فاروق القرداغی٦/٥/٢٦