الأربعاء ١٩ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦
بقلم خالد زغريت

الشاعر الذي قتلته النيران الصديقة

أخيراً ترجلت .... وبكل بساطة ترجلت ولم يترجل القهر عن رصيف أحلامنا بعد، ترجلت ولم أمل عن صليبه ، ترجلت سيدي وما آن لك أن تترجل ، لكنك ترجلت ، وترجل محمد الماغوط ، ترجل الفارس الذي لم يملك إلا ظله فرساً مطهمة ، أو خشبة جعلها جواده في طفولته ، ولما كبر رفع بها سماء تشرده ،وسند حائط دموعه عن برد السنين ، ترجل الفارس الذي لم يملك يوماً جواداً ، لكن ثأر خمسين عاماً للحرية ، وعلى الفقر و القهر والفساد، خاض بسوس الحداثة ، ولم يكن له كليب يتوج العرب بعزته ،كان زيراً متعطشاً لدماء الظلم ، ولم يمتد ملكه عن عواء جوعه ، ولم يتسع عن صحراء سلمية
الدمعة التي ذرفها الرومان

على أول أسير فك قيوده بأسنانه

ومات حنيناً إليها

إنه محمد الماغوط الذي ألفنا بوحشنا، وآلف وحوشنا بنا، علّمنا شرف الخيانة المرفوعة الرأس عند الانتصار ظالماً ومظلوماً للإنسان المتهدم بواقعه ، ونبدأ مع الماغوط في ساعة رحيله ، فأية جنازة ستتسع لكل قامة الماغوط ، وأي رثاء يكفنه بدمعه ، الآن خسرنا عمود إنساننا الأول ، الآن خسرنا لم نربحه إلا بسخريته ، خسرنا آخر صورملامحنا في مرآة شعره ، وما علينا إلا أن نبدأ من أخر نقطة على سطر تعرية بعض خياناتنا السرّيّة، ... وفتح ديوان الماغوط السياسي المسيج بحقل ألغام عشوائي لا يمكن التسلل بينها إلا لمن ألف بمهارة أسطورية مراقصة الألغام ؛ وتلك فرصة للحلم بانكشافنا على محرّماتنا الذاتية والموضوعية من خلال عين الماغوط الذي وحد في جبته حكماء العرب فأفسدهم وأطلقهم صعاليك خلعاء يعيثون فساداً في قرى روحنا .. فتغير المأثور المحرم : الصعاليك إذا دخلوا قرية أفسدوا ملوكها .

ويبقى في ذهن الكثير سؤال عن حياته ، لكن كما سينتابهم الضحك عند ما يعرفون بساطة هذا العبقري فمن هو محمد الماغوط وماهي رحلة هذا السندباد الذي جعل من دمعة بحراً وأمضى عمره يحلم بسفينة تعبره،وبقي يذود عن حوض دمشق حبه لتكبر كما يهوى ، بقى منتمياً لمائه في عرق لبغوطة وشقوق صخر سلمية :

ينظر إلى أمه الطبيعة
- قلت لها عطشان يا دمشق
- قالت اشرب دموعك
- قلت لها : جوعان يا دمشق
- قالت : كل حذائي
-  وماذا قلت لها
-  لاشيء
-  أطرقت في الأرصفة وبكت
-  والآن – و الآن قولوا لها أن الأغنية التي غادرت حنجرتها
-  قبل آلاف السنين
-  قد بلغت حافة القيثارة
-  وأن الأصابع الزائدة
-  عن أسوار الحصون و القلاع
-  تتجمع الآن على هوامش الصفحات
-  تجمع البحارة على الشواطئ
-  قولوا لها كل شيء يا رجال
-  باسم الآباء و الأجداد باسم الكلاب و القطط و الكلاب
-  ولكن ليس باسمي
-  سأظل مع القضايا الخاسرة حتى الموت
—  سأظل مع الأغصان الجرداء حتى تزهر مع دمشق القديمة كملامحي
-  إنها أصالة الماغوط في حبه ، فماذا تقول دمشق للماغوط وداعاً .

-  و هاهو يقف على برزخ نهاية الجسد و الحياة بعد أن خلف لنا تجربة ،شعرية صاعقة و راية ثورة من ثورات القرن العشرين التي ستبقى عالية رغم سقوط جل الرايات ، إن أهم سؤال تصادم به تجربة الماغوط الشعرية ، بعد أن ولدت من الإشكالات البنائية ما لا يحصى ، ترى ما دور كتابة الماغوط المفارقة للكتابة العربية التاريخية في بناء تنويري للكتابة الجديدة التي يروجها الزمن الجديد الذي تعطفه العولمة عن أمسه القريب جداً، لاشك أن تجربة محمد الماغوط الشعرية أضحت تراثاً إبداعياً هو العتبة الرئيسة في البناء الجديد كون تجربة الماغوط ثقافة في التغيير و الإبداع و إذا أردنا اختبار قدرة نص الماغوط على إنتاج ملكته الحداثية التي ترتقي إلى مساءلة الطروحات الجديدة فلابد لنا من استعراض الشروط الجديدة لأدب المرحلة الجديدة التي تبدأ بالأسئلة البنائية ، لكن من ينكر أن سلالة شعر الماغوط أقامت في القصيدة الحديثة كما أقام عسيب .

-  وها أنت يا ماغوط قد حللت ضيفاً على زميل الحرمان و التسكع بدر شاكر السياب منذ ما يزيد على ثلاثين عام خاطبته
-  يا زميل الحرمان و التسكع
-  حزني طويل كشجر الحور
-  لأنني لست ممدداً إلى جوارك
-  ولكنني قد أحل ضيفاً عليك
-  في أية لحظة
-  موشحاً بكفني الأبيض كالنساء المغربيات
-  لا تضع سراجاً على قبرك
-  سأهتدي إليه
-  كما يهتدي السكير إلى زجاجته
-  و الرضيع إلى ثديه
-  ترى هل اهتديت والآن ليس في العراق كله سراج
-  ربما تضيء دموع الأمهات العراقيات لك الطريق فمنذ سبعة آلاف عام يقفن حاملات سراج ملأنه زيت دموعهن ينتظرن الحياة ، فهل وصلتها ولست من العدائين ولا دراجة لديك و لا لدى السياب
-  لا تضع ملاءة على شارات المرور وتناديها يا أمي
-  فالأمهات هناك على المقابر ينتظرن شهيداً جديداً
-  فسلام الله على يا ماغوط مت في زمن حتى القبور العربية لا تأوي أبناءها ، فنم غريباً شريداً كما كنت في حياتك ، لكن إياك التسكع في الليل على الأرصفة خشية القتل بنيران الحرية الصديقة، فلن نقدر على موت بالنيران الصديقة مرتين أيها النار الصديق .


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى