العـــــــــودة بوصفها لحظة تعيّن أخلاقي
د. سمر جورج الديوب - سوريا
ملخص:
تتناول هذه الدراسة رواية «عائد إلى حيفا» من منظورٍ يقرأ العودة باعتبارها لحظة تُعيد تعريف معنى (الانتماء)، في ضوء اختبار أخلاقيّ. وتتناول تحليل العتبات النصيّة، وبنية العنوان، والفجوة الزمنيّة بين 1948 و1967؛ لتبيّن كيف تبني الرواية حالة تعليق دلاليّ تمتدّ من صورة البيت في الذاكرة إلى مشهد مواجهة الابن الذي تشكّلت هويّته خارج سرديّة والدَيه. وتُظهر القراءة أنّ المكان لا يضمن ثبات الهوية، وأنّ رابطة الدم لا تحسم الانتماء، بحيث يظلّ المعنى موزعاً بين إمكانات متعارضة. غير أنّ الرواية تنتهي بتحوّل في وعي الشخصيّة الرئيسة، ينتقل فيه معنى العودة من الحنين إلى القرار المسؤول. وهكذا تقدّم الرواية تصوراً سرديّاً يجعل «فلسطين» أفقاً يُعاد تعريفه في ضوء الموقف.
مقدّمة:
شكّلت رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني لحظة مفصليّة في السرد الفلسطينيّ؛ إذ نقلت سؤال العودة من فضاء الحنين إلى اختبار أخلاقيّ يعيد تعريف معنى الانتماء. ففي المسافة التاريخيّة الفاصلة بين 1948 بوصفها لحظة فقْد تأسيسيّ، و1967 بوصفها لحظة انكشاف عربيّ جديد، تتشكّل العودة داخل سياق تغيّر فيه المكان، والهوية معاً.
لا تقدّم الرواية العودة بوصفها استرجاعاً لما فُقد، إنّها تقدّمها بوصفها مواجهة لنتائج الزمن. فالمكان لم يبقَ كما كان، والابن لم ينتظر في صورة الذاكرة، والوعي ذاته تغيّر بفعل التاريخ. ومن هنا تنبثق إشكاليّة الدراسة:
هل تمثّل العودة في الرواية استعادةً للانتماء، أو لحظة تعيد تعريفه في ضوء اختبار أخلاقيّ جديد؟ وينجم عن ذلك أسئلة، من قبيل:
كيف تُبنى العودة داخل فجوة زمنيّة تمتد من 1948 إلى 1967؟ وكيف يتحوّل البيت من موضوع حنين إلى مجال مواجهة؟ وكيف تُقدَّم شخصية الابن بوصفها هويّة معلّقة بين نسبين؟ وهل تنتهي الرواية إلى استرجاع المعنى أو إلى إعادة تعيينه؟
تفترض الدراسة أنّ الرواية تُبقي معنى الهوية في حالة تعليق ممتدّ، فلا يتعيّن إلا حين يتحوّل الانتماء من شعور بالحق إلى قرار أخلاقيّ واعٍ. وتقوم القراءة على تحليل بنية الزمن، وتمثيل المكان، وتحوّلات الرؤية لدى الشخصيّة الرئيسة؛ للكشف عن انتقال النصّ من اختبار الإمكان إلى تعيين الموقف.
وبخلاف قراءات ركّزت على البعد الوطنيّ، أو صورة الآخر، تنظر هذه الدراسة إلى العودة بوصفها بنية سرديّة تتحوّل من إمكان معلّق إلى تعيين أخلاقيّ.
1- العتبات النصيّة: هندسة الغلاف بوصفها تمهيداً لتعليق الهويّة
تنهض عتبة الغلاف بوصفها جهازاً بصريّاً يؤسّس منذ اللحظة الأولى لتوترٍ دلاليّ بين التعليق، والتعيين. ويُفهم التعليق -هنا- بوصفه إبقاء المعنى في حالة تردّد بين إمكانات متعدّدة من دون حسم، في حين يشير التعيين إلى انتقال هذا التردد إلى موقف يعيد تنظيم العلاقة بين الذات، والزمن.
وتظهر الخلفيّة الزخرفيّة المؤلّفة من خطوط هندسيّة متشابكة بلون أزرق داكن على أرضيّة فاتحة، في حركة امتداديّة غير مغلقة، توحي بالتداخل والاستمرار من دون بلوغ نقطة اكتمال. ولا تمنح هذه البنية العين مركزاً ثابتاً، إنّها تدفعها إلى التنقّل داخل شبكة احتمالات بصريّة مفتوحة، بما يجعل التعليق جزءاً من التجربة البصريّة نفسها.
في مقابل هذا الامتداد المفتوح، يوضع عنوان الرواية داخل مستطيل ذي حدود واضحة، بلون أخضر مائل إلى الأزرق، فيوجِد إطاراً مستقرّاً داخل فضاء متشظٍّ. غير أنّ هذا الاستقرار يبدو مفارقاً للخلفيّة، لا مندمجاً بها، بما يوحي بمحاولة تثبيت معنى محدد داخل سياق غير قابل للانغلاق. فاسم الفاعل «عائد» يدلّ على حركة مستمرة لم تبلغ نهايتها، لا على اكتمال فعل؛ إنّه يشير إلى ذات في طريقها إلى المكان، لا إلى وصول تحقّق بالفعل. وهكذا يتولّد توتّر بين وعد العنوان بإمكان الرجوع، وبين الخلفيّة التي توحي باستمرار التعقيد.
ويعزّز توزيع العناصر هذا المعنى؛ إذ يُدرج اسم غسان كنفاني في شريط مستقلّ أعلى الغلاف، في موقع مرجعيّ يعلن الانتماء إلى أفق أدب المقاومة، غير أنّ انفصاله البصري عن العنوان يمنح النص استقلالاً دلاليّاً، فلا يتحوّل إلى شعار مباشر. أمّا الخط المستخدم في كتابة العنوان فحديث، وواضح، وخالٍ من الزخرفة الكلاسيّة، وكأنّه يوحي بوضوح لغويّ سيعيد المتنُ نفسه تفكيكه. وبذلك لا يعمل الغلاف بوصفه تمهيداً زخرفياً فحسب، إنّه صيغة أولى لتعليق الهويّة، إذ يبدو التعيين محاطاً بشبكة من الإمكانات التي تحول دون استقراره.
ويؤكد العنوان هذا الاقتصاد الدلاليّ؛ فهو يخلو من أيّ توصيف عاطفيّ، أو أيديولوجيّ، فلا يعلن استعادة، أو فقداً، إنّه يكتفي بتحديد اتجاه.
يتعيّن على ذلك أنّ النصّ يتقدّم بوصفه اقتراح مواجهة ستعيد تعريف معنى الانتماء. ومن ثمّ، فإنّ البنية العتبيّة -في مجملها- تمهّد لحركة سرديّة تنتقل من إمكانٍ معلّق إلى موقف متعيّن، بحيث تغدو الهويّة قراراً يتشكّل في لحظة الاختبار، متجاوزة كونها معطىً جاهزاً يُستعاد.
2- الزمن بين 1948 و1967: الفجوة بوصفها بنية لتعليق المعنى
تقوم البنية الزمنيّة للرواية على فجوة تفصل بين لحظتين مفصليّتين: فقدان البيت، والابن عام 1948، ومشهد المواجهة عام 1967. هذه الفجوة عنصر بنيويّ يُبقي معنى العودة معلقاً وليست مجرّد مسافة تاريخيّة؛ إذ يُرجأ الحدث المؤسّس – الفقد – ليُستعاد من داخل وعي مثقل بزمن لم يُختبر؛ فحين تتأخر العودة عشرين عاماً تعود بوصفها دخولاً في زمن أعاد ترتيب الوقائع، وتغيير الذوات، لا بوصفها استرجاعاً لما كان. فقد أعيد احتلال البيت، وتأثيثه، ونما الابن في سياق مغاير، شكّل هويّته خارج ذاكرة والديه. بذلك لا تعود الذات إلى ما تركت، بل إلى ما تحوّل.
ويُجسّد مشهد انكسار «الجدران» هذا التحوّل الإدراكيّ:
«وأخذت صفيّة تنشج ببؤس، فيما مضت ميريام إلى الخارج تاركة الغرفة التي ملأها فجأة توتر محسوس. وشعر سعيد بأنّ جميع الجدران التي عيّش نفسه طوال عشرين سنة داخلها قد تكسّرت، وصار بوسعه أن يرى الأشياء أكثر وضوحاً.. ».
يحيل الانكسار إلى الإطار الذهنيّ الذي حاصرَ وعي سعيد منذ الخروج الأول، لا إلى فضاء البيت. لقد عاش داخل سرديّة عن الماضي أكثر مما عاش داخل منفى مكانيّ. ومع انكسار هذا الإطار، ينتقل من صدمة الفقدان إلى إعادة تأويله، ويتحوّل السؤال من مأساة فرديّة إلى أفق مسؤوليّة عامة.
تُنتج هذه الفجوة حالة تعليق دلاليّ؛ فالهوية طوال السنوات الفاصلة قائمة على صورة متخيَّلة لم تُختبر أمام واقع مغاير. وعند لحظة اللقاء، يتصادم الماضي مع الحاضر؛ صورة الذاكرة بصورة الواقع. ولا يسير السرد في خطّ مستقيم، إنّه يضع الزمنين في مواجهة دائمة، بحيث لا يعود التطابق ممكناً. هكذا لا يعمل الزمن كخلفية للأحداث، إنّه قوّة إعادة تشكيل تمنع العودة من أن تكون استعادة بسيطة.
وتكتسب حرب 1967 دلالة مضاعفة في هذا السياق؛ فهي تسمح بالعبور الجسديّ إلى حيفا، لكنّها تجيء في لحظة هزيمة، لا انتصار. فتجعل العودة مشروطة بسؤال تاريخيّ مفتوح. ولا يُغلق الزمن الجرح، نراه يعيد فتحه في ضوء مساءلة جديدة. ومن ثمّ، يتحول الفرق بين 1948 و1967 إلى ما يشبه «زمن انتظار مؤجَّل»، حيث تتكوّن الهوية في صورة غير مختبرة، قبل أن يهزّها اللقاء الفعليّ.
بهذا المعنى، تؤدي الفجوة الزمنيّة وظيفة بنيويّة، لا توثيقية؛ فهي التي تمنع العودة من أن تُختزل في استرجاع. ولو حدثت العودة قريباً من لحظة الفقدان لأمكن تصور استعادة نسبيّة. أما بعد عشرين عاماً، فإنّ الزمن -ذاته- يغدو عنصراً مقاوماً للتطابق، ويحوّل العودة إلى مواجهة تعيد تعريف معنى الانتماء، وهكذا ينتقل النصّ من تعليق الإمكان إلى اهتزاز الهويّة، تمهيداً لتحوّلها اللاحق إلى موقف أخلاقيّ واعٍ.
3- البيت: من موضوع حنين إلى مجال مواجهة
يشكّل البيت في «عائد إلى حيفا» نقطة التحام بين الماضي والحاضر، لكنّه لا يؤدي وظيفة الاستعادة التي يُفترض أن يحملها في المخيال العاطفيّ للعودة. فحين يدخل سعيد وصفية البيت، يدخلان فضاءً أُعيد تنظيمه، وتسكينه، وتوزيعه وفق حياة أخرى، لا فضاء محفوظاً في الذاكرة. ومن هنا يتحوّل البيت من كونه موضوع حنين إلى مجال اختبار، تُقاس فيه المسافة بين الصورة المتخيّلة، والواقع المعاين.
في الذاكرة، ظلّ البيت صورة مكتملة، معلّقة في زمن 1948؛ غرفة الطفل، السرير، التفاصيل اليوميّة التي توقّفت فجأة لحظة الخروج. غير أنّ هذه الصورة -وقد نجت من تبدّلات الواقع خلال تسعة عشر عاماً- لم تُختبر في زمنها. وعند اللقاء، لا تستعيد الذاكرة سلطتها على المكان، بل تصطدم بسلطة حضور آخرين يسكنونه. فلم يكن البيت في انتظار أصحابه، لقد غدا جزءاً من حياة جديدة، مما يجعل دخوله لحظة كشف، لا استرجاع.
ولا يعمل السرد في هذا المشهد على استعادة البيت بوصفه ملكية قانونيّة، إنّه يعرضه كحيّز تحوّلت دلالته. فلم يعد البيت «بيتنا» بمعناه المطلق؛ لأنّ الملكيّة -هنا- لم تعد امتداداً للذاكرة، لقد غدت موقعاً تتقاطع فيه روايتان: رواية من غادروا، ورواية من استقرّوا. وهكذا يتولّد سؤال: لمن يكون المكان حين تتعارض الذكريات؟ من غير أن يتحقّق معنى الاسترجاع.
حين أتى (سعيد، وصفية)، إلى بيتهما في حيفا بعد عشرين عاماً استقبلتهما العجوز، وكان لقاء دراميّاً:
«.. وقال سعيد لنفسه: يا للغرابة: ثلاثة أزواج من العيون تنظر إلى شيء واحد.. ثمّ كم تراه مختلفاً!
وسمع صوت العجوز وقد صار الآن خافتاً، وأشدّ بطئاً:
– أنا آسفة، ولكن ذلك كان ما حدث. لم أفكر قط بالأمر كما هو الآن.
وابتسم سعيد بمرارة، ولم يعرف كيف يقول لها إنه لم يأت من أجل هذا، وإنه لن يشرع في نقاش سياي، وإنه يعرف أن لا ذنب لها.
لا ذنب لها؟».
ويأتي قول سعيد: «ثلاثة أنواع من العيون تنظر إلى شيء واحد.. ثمّ كم تراه مختلفاً!» بوصفه اعترافاً داخليّاً بطبيعة الموقف الذي يعيشه. فالمشهد الذي ظُنّ في البداية لقاءً بين طرفين، يتكشّف بوصفه تقاطع ثلاث رؤى:
رؤية سعيد المحمّلة بذاكرة الفقدان، ورؤية مريم التي تسكن البيت بوصفه حاضراً مشروعاً، ورؤية الابن الذي يتشكل انتماؤه في أفق آخر. فلا يعود البيت موضوعاً ثابتاً، ويضحي كياناً يُعاد تعريفه بحسب العين التي تنظر إليه.
إنّ هذا الوعي بتعدد العيون يتجاوز أن يكون تعليقاً عاطفياً، ويغدو كشفاً إبستمولوجيّاً لطبيعة الحقيقة في الرواية؛ إذ لا تُختزل الواقعة في سرديّة واحدة، ولا يحتكر أحد موقع الرؤية الشاملة. فلا يُنتج اختلاف الزوايا اختلاف وجهات نظر فحسب، بل اختلاف المعنى ذاته. وهكذا يعلن النصّ من داخله أنّ الواقع لا يُرى في صورة واحدة، وأن العودة، مهما بدت بسيطة، تتشظّى حين تُقرأ من مواقع متعارضة.
يفقد البيت في الرواية صفته كمرجع ثابت للهوية؛ فلا يعود المكان ضامناً للانتماء، ويتحوّل الانتماء نفسه إلى موضع إعادة تعريف. فلم يعد الخارجون منه عام 1948 كما كانوا، ولم يجد الداخلون إليه ما تركوه؛ لذلك تكشف العودة هشاشة التصوّر الذي يساوي بين الرجوع، والمطابقة؛ فلا يعيد حضور الجسد في المكان هذا المكان إلى صورته الأولى، ويفضح انقطاعاً لا يُلغى.
ويتجلى ذلك في طريقة قراءة سعيد تفاصيلَ البيت؛ إذ يقيس النافذة، والممرّ، والغرفة على صورة محفوظة في ذاكرته، غير أنّ المقارنة لا تُنتج تطابقاً، وتنضح فرقاً. فلم يكن الزمن فراغاً محايداً، لقد مثّل قوّة أعادت كتابة المكان، فصار البيت مسرحاً لتداخل زمنين لا يندمجان: الماضي حاضر في الوعي، والحاضر يفرض واقعه المختلف، من غير أن يملك أحدهما إلغاء الآخر.
وتزداد حدة التوتر؛ لأنّ المواجهة تُقدَّم في لقاء متوتر عقلاني يكشف التعقيد الأخلاقيّ للمسألة، لا في صيغة صدام عنيف. فلا يستطيع سعيد استعادة البيت بالقوّة، ولا يستطيع تجاهل ما كان؛ فيغدو البيت علامة على استحالة الاختزال؛ فليس ماضياً صافياً يمكن استرداده، ولا حاضراً يمحو الماضي تماماً.
بهذا المعنى يتحوّل البيت من رمز للفقدان إلى موقع للاختلاف، ومن ذاكرة ثابتة إلى «مختبر دلاليّ» تتفكك داخله يقينات الاسترجاع، وتظهر المسافة بين الحق التاريخيّ، والواقع القائم. إنّه لا يمنح جواباً حاسماً، ويدفع الذات إلى وعي جديد بفداحة الفجوة بين الزمنين، ويحوّل مسار الرواية من انتظار العودة بوصفها استعادة إلى إدراكها بوصفها مواجهة، تُعيد ترتيب معنى المسؤولية. فما معنى أن يكون المكان «بيتنا» بعد أن صار ذا حياة أخرى؟
4- الابن: الهويّة في حالة تردّد
إذا كان البيت قد كشف استحالة استعادة المكان كما كان، فإنّ الابن يكشف استحالة استعادة الهويّة بوصفها امتداداً بيولوجيّاً مباشراً، فلا يُقدَّم خالد – الذي تربّى باسم «دوف» –بوصفه غنيمة مفقودة تُستعاد، أو بوصفه ضحيّة ينبغي استرجاعها إلى أصلها الطبيعي، ويظهر بوصفه ذاتاً تشكّلت في سياق مختلف أعاد صياغة انتمائها على نحو يتجاوز رابطة الدم.
إنّ لقاء الأبوين ابنهما يحدث في مناخ فكريّ، وحواريّ يتجاوز فكرة الفقدان الشخصي، ويتجاوز كونه لقاء عاطفيّاً صرفاً. فيتحدّث الابن بوعي تاريخيّ، وسياسيّ جديد، وينطلق من تجربته داخل المجتمع الإسرائيليّ، لا من ذاكرة والديه. وهنا يتبدّد الوهم الأوليّ الذي كان يمكن أن يجعل من اللقاء لحظة استعادة تلقائيّة للهوية. فلا يعمل الدم بوصفه معطى حاسماً؛ لأنّ الهويّة لم تعد مجرد وراثة، لقد غدت نتاج تربية، وسياق، وخيار، ففي حوار بين الأب وابنه:
«أنا اعرف أنّ ميريام وإفرات ليسا والديّ إلا قبل ثلاث أو أربع سنوات. منذ صغري وأنا يهودي، أذهب إلى الكنيس وإلى المدرسة اليهودية، وآكل الكوشير وأدرس العبرية. وحين قالا لي إنني لست من صلبهما، لم يتغير شيء، وكذلك حين قالا لي -بعد ذلك- إن والديَّ الأصليين هما عربيان لم يتغير أي شيء، لا لم يتغير. ذلك شيء مؤكد. إن الإنسان في نهاية الأمر قضية».
يكشف قول الابن: «إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية» انتقال النقاش من سؤال النسب إلى سؤال الموقف. فبعد أن يبيّن أنّ معرفته بأصله البيولوجيّ لم تُحدث تحولاً في وعيه، يعلن أنّ الهوية لا تتحدّد بالدم، إنّها ماثلة في الانحياز الذي يختاره الفرد. فالانتماء، في هذا السياق، بناءٌ تشكّل عبر التربية، والخبرة، والقرار. ويزداد عمق المقطع حين يعجز عن تذكّر مصدر العبارة، بما يدل على أنّ الفكرة صارت جزءاً من بنيته الفكريّة. وبذلك يبلغ النصّ ذروته في تفكيك التصوّر الذي يساوي بين البيولوجيا والهويّة، ويجعل من مواجهة الابن لحظة انكشافٍ مفصليّة تُسقط وهم الاسترجاع العاطفيّ، وتفتح أفقاً جديداً لتعريف الإنسان بوصفه موقفاً، لا نسباً.
ويتجلّى التوتّر في أنّ الابن لا ينكر أصله البيولوجيّ، لكنّه يرفض اختزاله في هذا الأصل. فهو يعترف بحقيقة ولادته، غير أنّه يتمسك بانتماء صاغته نشأته. وبذلك يقف في موقع مزدوج: فهو ليس منقطعاً عن جذوره، ولا عائداً إليها، إنّه في منطقة بَينيّة تضع الهوية موضع مساءلة.
وتكمن أهمية المشهد في أنه يحوّل سؤال العودة من استعادة شخصٍ مفقود إلى تفكيك مفهوم الانتماء ذاته. فيكشف اللقاء يكشف أنّ الزمن أعاد تشكيل المواقع الأخلاقيّة، والسياسيّة من غير أن يفضي إلى انصهار عائليّ. ويرى الابن في انضمامه إلى الجيش الإسرائيليّ موقفاً مبدئيّاً، لا خيانة شخصيّة، فيرتقي الحوار من مواجهة عاطفيّة إلى جدل فكريّ حول معنى المسؤوليّة.
هنا يتحوّل مركز الثقل من استعادة الابن إلى تحوّل الأب؛ إذ لم يعد السؤال كيف نسترجع ما فقدناه، لقد غدا: كيف نفهم ما صار عليه؟ فبقاء الابن في منطقة غير محسومة اختيار بنيويّ يمنع اختزال الهويّة في ملكية وراثية. فالانتماء لا يُفرض من الدم وحده، ويتعيّن عبر الوعي، والموقف.
وبذلك تمثّل شخصيّة الابن الذروة الدلاليّة للرواية؛ إذ تكشف أنّ الماضي -مهما كان مؤسّساً- لا يملك سلطة مطلقة على الحاضر، وكما لم يضمن البيت استعادة المكان، لا يضمن الدم استعادة الهويّة.
إن الانتماء -هنا- لا يُورّث، ويُعاد تعريفه في ضوء المواجهة، ليغدو اللقاء لحظة تدفع الأب إلى مراجعة ذاته، وتتحوّل العودة من فعل استرجاع إلى وعي بما ينبغي أن يكون.
5- من التعليق إلى القرار: التحوّل الأخلاقي في خاتمة الرواية
لا تنتهي (عائد إلى حيفا)، باسترجاع الابن، ولا باستعادة البيت، ولا بتسوية وجدانية تخفّف من وطأة الفقد؛ بل تنتهي بتحوّل داخليّ في وعي سعيد. وهذه النهاية هي الذروة التي تُعيد تنظيم المعنى بأكمله من غير أن تبدو تفصيلاً سرديّاً.
فعقب مواجهة الابن، وانكشاف استحالة استرداده بالمعنى الذي حلم به الأبوان، لا يعود سؤال الرواية: «كيف نستعيد ما فُقد؟»، لقد تحوّل إلى سؤال مغاير: «كيف نعيد تعريف مسؤوليتنا إزاء ما حدث؟» هنا يتراجع مطلب الاسترجاع، ويتقدّم مطلب الفعل. فلا يُغلِق الوعي الذي تشكّل عبر مواجهة الزمن والمكان والابن الدلالة على خسارة، ويفتحها على موقف.
يدور حوار فكريّ فلسفيّ بين سعيد وصفية في نهاية الرواية:
«أفتش عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم. وكنت أقول لنفسي: ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟ إنه لا يعرف المزهرية، ولا الصورة، ولا السلم، ولا الحليصة، ولا خلدون. ومع ذلك، فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح، ويموت في سبيلها. وبالنسبة لنا أنا وأنت مجرد تفتيش عن شيء في غبار الذاكرة. وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار. غباراً جديداً! لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط. أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل..».
يمثّل هذا الحوار اللحظة التي يعيد فيها سعيد تعريف الوطن ذاته. فبعد أن ظلّ الوطن في وعيه مقترناً بالبيت المفقود والطفل الضائع وذاكرة الفقد، وصل إلى إدراك أنّ اختزاله في الماضي كان خطأً معرفيّاً، لا مجرد موقف عاطفيّ؛ فقوله إنّ الوطن ليس الماضي فقط، بل المستقبل الذي يحمله خالد، يكشف انتقال الهويّة من حالة استرجاع إلى حالة مشروع.
لم تعد فلسطين صورةً في الذاكرة، ولا رمزيةً ثقافية، إنّها أفق يُبنى عبر الفعل، وبذلك تغلق الرواية مسارها بإعادة تحديد معنى الانتماء عبر الابن الثاني، لا باستعادة الابن الأوّل. فتنتهي العودة بإدراك أنّ الوطن لا يوجد فيما كان، إنّه فيما ينبغي أن يكون.
إنّ الجملة الختامية لسعيد، التي تُحمّل الذات مسؤولية ما جرى وتعيد النظر في فعل الخروج الأول، تمثّل تحولاً في بنية التفكير، يضاف إليه الاعتراف الفرديّ، فبدلاً من التمركز حول صورة الضحية، ينتقل السرد إلى مساءلة الذات عن موقعها من الحدث. بذلك تغدو العودة عبوراً في الوعي، لا حركة جسديّة إلى المكان.
تأتي هذه اللحظة بعد انكشاف استحالة المطابقة بين الماضي، والحاضر.
لقد كشف الزمن اختلاف المكان، وأظهر البيت انقطاع الملكية، وفضح الابن هشاشة الوراثة. وبهذا لم يعد ممكناً أن تقوم الهوية على الحنين وحده؛ إذ لا يكفي استدعاء الماضي لضمان المستقبل. من هنا يتجه القرار نحو الابن الحيّ، بوصفه امتداد الحاضر، لا نحو الابن المفقود بوصفه صورة مجمدة للذاكرة.
تدفع الرواية إلى تحمّل مدلول الفقدان، ولا تمنح تعويضاً عنه. فيُحسَم المعنى الذي ظل معلقاً بين انتظار الاستعادة، وصدمة المواجهة بتحديد موقف مما سيكون، متجاوزاً إعادة ما كان. ولهذا تتجاوز النهاية الخاتمة المغلقة، وتمثّل انتقالاً من وعي سلبيّ إلى أفق فعل محتمل.
وهكذا لا تنتهي الرواية باسترجاع الابن، ولا باستحالة مطلقة، بل بتحوّل يعيد تعريف الانتماء، فتتعيّن الهوية التي بدت في البداية مرتبطة بالمكان والدم في النهاية عبر القرار. وفي هذه النقطة تحديداً تكتسب العودة معناها الجديد، فهي ليست رجوعاً إلى ما كان، إنّها انتقال إلى ما ينبغي أن يكون.
6- من استرجاع الفقدان إلى إعادة تعيين المعنى
تكشف المحاور السابقة أنّ «عائد إلى حيفا» تختبر إمكان الفقد أكثر مما تدور حول استرجاعه. فمن العتبات النصيّة إلى الفجوة الزمنيّة، ومن مواجهة البيت إلى لقاء الابن، تتشكّل بنية تُبقي معنى العودة في حالة تعليق، لإعادة تعريفه، لا لإفراغه من مدلولاته.
فلا تعد العتبتان: البصريّة، واللغويّة بحسمٍ جاهز؛ إذ يشير اسم الفاعل «عائد» إلى حركة مفتوحة، لا إلى اكتمال منجز، وتمهّد الخلفيّة غير المغلقة لفضاء دلاليّ لا يستقرّ على صورة واحدة. ويتجسد هذا التعليق داخل المتن حين تكشف الفجوة بين 1948 و1967 أنّ العودة لا تقع في امتداد طبيعيّ للفقدان، بل في سياق تغيّر، أعاد تشكيل المكان والهويّة معاً. فيحوّل الزمن الاسترجاع إلى مواجهة، ولا يرمّم ما انكسر.
ويظهر البيت بوصفه موقع اختبار، لا أداة استعادة؛ إذ لا يستطيع الماضي فرض صورته على واقع تبدّل، كما لا يمنح المكان ضماناً نهائيّاً للهويّة. أما مشهد الابن فيبلغ -بالتعليق- ذروته، حيث تتزعزع فكرة الانتماء البيولوجيّ، وتُفكَّك التصوّرات البسيطة عن الهويّة التي تتحدّد -هنا- عبر سياق تربويّ، وتاريخيّ لا عبر الدم وحده.
غير أنّ الرواية لا تترك المعنى معلقاً بلا أفق؛ ففي خاتمتها يتحوّل الإمكان إلى موقف، حين ينتقل سعيد من حنين سلبيّ إلى وعي بالمسؤوليّة. وبذلك لا تتعيّن الدلالة عبر استعادة ما فُقد، إنّها تتعيّن عبر إعادة تعريف علاقة الذات بالماضي والحاضر. فتُعاد صياغتة الهويّة في ضوء المواجهة، ولا تُسترجَع بوصفها ملكيّة محفوظة.
ومن هذا المنظور، تقدّم الرواية قراءة للانتماء تتجاوز الاستعادة العاطفيّة، والخطاب الشعاراتيّ؛ فهي لا تحتفل بالعودة بقدر ما تمتحنها، ولا تعيد الابن إلى موقعه الأوّل، بقدر ما تعيد تعريف معنى الأبوّة، والوطن، والمسؤوليّة. وهكذا ينتقل النصّ من سؤال الفقدان إلى سؤال الفعل، ومن تعليق الإمكان إلى تعيين القرار.
7- خاتمة
كشف تحليل البيت أنّ المكان لا يضمن ثبات الهوية؛ إذ يتحوّل من موضوع حنين إلى مجال اختلاف تتقاطع فيه روايتان متعارضتان للذاكرة. كما أظهر مشهد الابن أنّ الانتماء لا يُحسم بالدم ولا يُختزل في الأصل البيولوجيّ، إنّه يتشكل ضمن سياق تاريخيّ، وسياسيّ يعيد صياغة الذات. وبذلك يبقى معنى الهويّة معلقاً داخل الرواية، وموزعاً بين إمكانات متعارضة، لا تُغلق على يقين واحد.
غير أنّ النصّ لا يترك هذا التعليق بلا أفق؛ ففي خاتمته ينتقل من اختبار العودة إلى إعادة تعريفها. فحين يتحوّل سعيد من انتظار الاسترجاع إلى وعي بالمسؤوليّة يُعاد تنظيم الدلالة. فلا يتعيّن المعنى عبر استعادة ما فُقد، بل عبر اتخاذ موقف مما انكشف. وهكذا تُخرج الرواية الهويّة الفلسطينيّة من دائرة الامتلاك العاطفيّ إلى أفق القرار الأخلاقيّ.
ومن ثمّ، تقدّم «عائد إلى حيفا» تصوراً سرديّاً للعودة بوصفها انتقالاً من إمكان معلّق إلى تعيين واعٍ؛ إذ لا تُحسم الهويّة بالماضي وحده، وتتحدّد في ضوء مسؤوليّة الحاضر، واستحقاقات المستقبل.
لقد اقترحت هذه الدراسة قراءةً تُعيد تعريف العودة في الرواية بوصفها لحظة تعيّن أخلاقي، لا استرجاعاً عاطفيّاً للماضي، وتضيف إلى القراءات السابقة منظوراً يكشف انتقال الرواية من خطاب الحنين إلى خطاب المسؤوليّة، ويُبرز الهويّة كعمليّة تشكّل مستمرّة، تتجاوز رابطة الدم نحو وعي يُعاد بناؤه عبر المواجهة. وتفتح هذه المقاربة أسئلة أوسع حول كيفيّة تمثيل الهويّة الفلسطينيّة بين الذاكرة والفعل، وإمكان قراءة العودة في الرواية العربيّة بوصفها مشروعاً مستقبليّاً، يعيد صياغة الانتماء في ضوء التحوّلات التاريخية.
المصادر والمراجع:
1- إيكو، أمبرتو: 2002، العمل المفتوح، ترجمة: عاطف جودة نصر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.
2- باشلار، غاستون: 1984، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.
3- جينيت، جيرار: 2008، عتبات: النصوص المحيطة بالنص، ترجمة: محمد معتصم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
4- ديلينجر، سوزان: 2005، التواصل رغم اختلافاتنا: التعرف على نظام الأشكال الهندسية النفسية، ط1، مكتبة جرير، الرياض.
5- ريكور، بول: 2006، الزمان والسرد، ترجمة: سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت.
6- فيصل درّاج: 1996، غسان كنفاني: الذاكرة والمقاومة، المركز الثقافي العربي، بيروت.
7- كنفاني، غسان: 2015، عائد إلى حيفا، منشورات الرمال، قبرص.


