السبت ٢٥ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم عائشة بوزرار

العلاج بالكتابة :دفاتر سرية لمقاومة الصمت والقلق

في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، يبحث كثير من الأفراد عن وسائل بسيطة تحمي توازنهم النفسي وتمنحهم فرصة للتصالح مع ذواتهم، وبينما يلجأ البعض إلى الحديث مع الأصدقاء أو طلب المساعدة المهنية، يختار آخرون طريقا أكثر هدوءا: الكتابة، لأن القلم بالنسبة لكثيرين لم يعد مجرد أداة للتعبير الأدبي، بل تحول إلى وسيلة لمواجهة القلق والأزمات النفسية، من خلال رسائل خاصة يوجهها الإنسان إلى نفسه.

يُعرف هذا الأسلوب في علم النفس بـ"الكتابة التعبيرية"، وهو يقوم على فكرة بسيطة مفادها أن تحويل المشاعر المضطربة إلى كلمات يساعد على تنظيمها وفهمها. فالإنسان حين يكتب عن خوفه أو حزنه أو إحباطه، يخلق مسافة بينه وبين أزمته، ويمنح نفسه فرصة للتأمل بدلا من الانغماس الكامل في الألم، ومن هنا تظهر أهمية الرسائل التي يكتبها الفرد إلى ذاته، حيث يتحول النص إلى حوار داخلي يعيد ترتيب العلاقة بين الشخص ونفسه.

في المغرب، يمكن ملاحظة حضور هذا الشكل من التعبير في الحياة اليومية، خصوصا بين الشباب، فالكثير من التدوينات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تبدأ بعبارات مثل: "رسالة إلى نفسي" أو "إلى قلبي المتعب". هذه النصوص القصيرة، التي قد تبدو عفوية أو شخصية للغاية، تعكس في الواقع محاولة للتعامل مع ضغوط الحياة بطريقة هادئة، بعيدا عن الأحكام الاجتماعية أو الخوف من الوصم المرتبط بالحديث عن الصحة النفسية.

وقد برز هذا الاتجاه بشكل واضح خلال فترة الحجر الصحي التي فرضتها جائحة كورونا، آنذاك، وجد كثير من المغاربة أنفسهم في عزلة مفاجئة، مع توقف الدراسة والعمل واختلال الروتين اليومي. في تلك الفترة، انتشرت ظاهرة كتابة اليوميات والرسائل الذاتية بين الطلبة والشباب، بعضهم بدأ يدون يومياته لأول مرة، ليس بهدف النشر، بل كطريقة لفهم القلق الذي فرضته ظروف غير مسبوقة.

كما تظهر هذه الممارسة أيضاً لدى الطلبة الذين يتركون مدنهم الصغيرة للانتقال إلى المدن الكبرى مثل الدار البيضاء أو الرباط ،من أجل الدراسة أو العمل. فشعور الغربة والضغط الأكاديمي يدفع بعضهم إلى كتابة رسائل شخصية لأنفسهم، يعبّرون فيها عن خوفهم من الفشل أو عن حنينهم إلى العائلة. هذه الرسائل، وإن بقيت حبيسة الدفاتر، تلعب دورا في تخفيف الإحساس بالوحدة.

قصة من الواقع: تحكي غيثة، وهي طالبة جامعية في العشرينات جاءت من مدينة صغيرة من شرق المغرب إلى الدار البيضاء لمتابعة دراستها، أنها وجدت نفسها في السنة الأولى من الجامعة أمام شعور قوي بالوحدة. تقول: "كنت أعيش في حي بعيد عن عائلتي، وأحيانا كنت أشعر أن كل شيء أكبر مني: المدينة، الدراسة، وحتى المسؤولية الجديدة."

في تلك الفترة، بدأت غيثة، عادة بسيطة: كانت تكتب كل ليلة رسالة قصيرة لنفسها في دفتر صغير. لم تكن تلك الرسائل أدبية أو منمقة، وإنما مجرد كلمات صادقة عن يومها، عن خوفها من الرسوب، وعن اشتياقها إلى بيت العائلة. بعد أشهر، تقول إنها لاحظت أن تلك الرسائل ساعدتها على فهم مشاعرها أكثر، وأن القلق الذي كان يثقلها في البداية أصبح أقل حدة. "كنت أشعر وكأنني أتحدث مع صديقة قريبة جدا… لكنها أنا نفسها."

رأي مختصين: ويرى بعض المختصين في علم النفس أن مثل هذه الممارسات البسيطة يمكن أن تكون مفيدة في تخفيف الضغط النفسي، ذلك أن التعبير عن المشاعر، سواء بالكلام أو الكتابة، يساعد الإنسان على تفكيك التجربة العاطفية وفهمها. وقد أشار عالم النفس العربي مصطفى حجازي إلى أن الإنسان حين يجد وسيلة للتعبير عن معاناته يصبح أكثر قدرة على استيعابها والتعامل معها.

كما تؤكد بعض الأخصائيات النفسيات في المغرب أن كتابة اليوميات أو الرسائل الذاتية قد تكون أداة بسيطة لكنها فعالة في مواجهة التوتر اليومي، خاصة لدى الشباب الذين يجدون صعوبة في الحديث المباشر عن مشاكلهم، ومع ذلك، يشدد المختصون على أن الكتابة ليست بديلا كاملا عن العلاج النفسي في الحالات الصعبة، لكنها قد تكون خطوة أولى نحو فهم الذات والبحث عن التوازن الداخلي.

في النهاية، تكشف ظاهرة الرسائل الموجهة إلى الذات عن حاجة إنسانية عميقة وهي الحاجة إلى أن يصغي الإنسان إلى صوته الداخلي ،ففي مجتمع يميل أحيانا إلى كتمان المشاعر، قد تصبح الصفحة البيضاء ملجأً صامتا يسمح للفرد بأن يواجه نفسه بصدق. وهكذا تتحول الكتابة من فعل بسيط إلى تجربة علاجية، تمنح صاحبها فرصة لإعادة فهم ذاته، وربما بداية طريق نحو التعافي ،فهل نحن بحاجة اليوم إلى دفاتر أكثر… أم إلى مساحات أوسع للإنصات والتفهم؟
وهل تتحول الصفحة البيضاء أحيانا إلى مساحة علاجية أكثر أمانا من الكلام المباشر؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى