القدس بين شعر التّفجُّع وأمل التحرير
تحظى مدينة القدس بمكانة عالية قلما حظيت بها مدينة من المدن، لما تتمتع به من أهمية دينية تاريخية وحضارية. وحظيت كذلك بمكانة مرموقة في الأدب العربي. وتغنى بها الشعراء العرب على مر القرون فمنهم من تطرق لمكانتها الدينية، ومنهم من تطرق لمعالمها، ومنهم من جمع بين الجانبين فأصبحت القدس في شعرهم رمزاً مقدساً يشعل النفس والمخيلة في السلم والحرب على حد سواء.
والقدس من أقدم المدن التي عرفها التاريخ، وهي مدينة مقدّسة عند أصحاب الديانات السماوية من جهة، وبوَّابة واسعة للقارات الثلاث: آسيا وإفريقيا وأوروبا من جهة أخرى، ومن هنا استرعت اهتمام الغزاة والفاتحين فتعرّضت في تاريخها الطويل إلى ما لم تتعرض له أيّ مدينة أخرى على بقاع المعمورة نظراً إلى موقعها الجغرافي ومكانتها عند الأمم..
يقول الدكتور خليل الموسى في بحثه "القدس في مدوّنة الشعر العربي الحديث": "إنَّ مشكلة القدس مختلفة عن مشكلة أيّ مدينة أخرى في العالم، وهي معقَّدة الخيوط، فعلى الرغم من صغرها نسبيّاً بين المدن الكبيرة في العالم غير أنها تعجُّ بالأماكن المقدّسة عند أصحاب الديانات الثلاث، ولهذه الأماكن ذاكرة تاريخية تزيدها قداسة، ككنيسة القيامة والمسجد الأقصى وسواهما، وقد ذكر هذه الأماكن ووصفها وصفاً دقيقاً عارف العارف وسمير جريس، ومن هنا يتوقَّع المرء أن يطول زمن الصراع على هذه المدينة، وأنَّ جميع الحلول التي تقترحها هذه الجهة أو تلك ستظلّ حلولاً مؤقتة وموضعية، فالصهاينة لن يتنازلوا عن شبر واحد فيها، وقد حزموا أمرهم على ذلك، والعرب مسلمون ومسيحيون لن يتنازلوا عن منازل الآباء والأجداد من جهة، ولن يسكتوا عما يُصيب مقدساتهم ومعتقداتهم في هذه المدينة من جهة أخرى".
"شعر القدس"!!
لقد سارت المخططات الصهيونية الخاصة بمدينة القدس على طريق تأهيل المدينة لتكون عاصمة للدولة بدلاً من تل أبيب، وذلك عبر تغيير ملامحها العربية وإبراز الهوية اليهودية بالقوة وترسيخ الادعاءات الباطلة. ولتنفيذ هذه المخططات ساروا في خطّين متزامنين: ضمّ القدس إلى الكيان الصهيوني، وتهويدها، وهذا ما حدث للقدس الغربيّة في عام 1948، ثم احتلّ الصهاينة القدس الشرقيّة، واستطاع مناحيم بيغن اقتحام المدينة القديمة في صبيحة السابع من حزيران 1967، ودخلها دايان ليعلن أمام حائط المبكى: "لقد أعدنا توحيد المدينة المقدسة وعدنا إلى أكثر أماكننا قدسية، عدنا ولن نبارحها أبداً".
وتناول الدكتور فاروق مواسي في بحثٍ بعنوان: "القدس في الشعر الفلسطيني الحديث" مسألة كان من المفترض حدوثها كقراءة قصائد عن القدس تظهر مكانتها الدينية، وذلك في فترة الصراع مع الصليبيين منذ بدايات القرنين الحادي عشر والثاني عشر، لكن النماذج الكثيرة لا تدل على نشوء ما أصطلِحُ عليه "شعر القدس". "فلو تتبعنا بعض الدراسات عن هذه الفترة المذكورة، وخاصة الفصل الذي يتناول "تحرير بيت المقدس" في كتاب د.عمر موسى باشا "الأدب في بلاد الشام" على سبيل المثال فإننا نجد قصائد كثيرة قيلت في الأحداث والتحرير، ولكننا لا نجد أبياتًا تتناول القدس مكانًا بشيء من التركيز، أو ما يعكس خصوصية بارزة، بل كانت الأبيات مدحًا للأيوبيين ووصفًا لبطولاتهم، وذلك على غرار قول أبي الفضل الجلباني ( ت603 هجري):
الله أكبر أرض القدس قد صفرتمن آل أصفر إذ حَين به حانوا ...حتى بنيت رتاجَ القدس منفرجًاويصعد الصخرة الصماء عثمانواستقبل الناصر المحراب يعبد منقد تم من وعده فتح وإمكان
ويضيف مواسي: "ولا نستطيع أن نقع على قصيدة مستقلة تتحدث عن قدسية المكان وعن معالمه- أكثر من مجرد ذكر الاسم – وإنما هي شذرات – جمل وعبارات مختلفة، بل كان من المتوقع أن نقرأ قصائد القدس في كتب "فضائل القدس" الكثيرة أو في كتاب الأنس الجليل في تاريخ القدس، والخليل لمجير الدين الحنبلي (ت 1520م)، وفي كتب أخرى من هذا القبيل، أو في كتب الرحلات وما شابهها".
وكتب الدكتور عادل الأسطة: "في الأدب العربي درست صورة القدس في أدب فترة الحروب الصليبية، ولعلّ أهم تلك الدراسات دراسة د. عبد الجليل عبد المهدي "بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية". طبعاً هناك دراسات عن القدسيات في أدب تلك الفترة. وهناك دراسات تناولت الأدب الحديث، مثل دراسة د. عبد الله الخباص "القدس في الأدب العربي الحديث في فلسطين والأردن"، ومثل دراسة د. فاروق مواسي "القدس في الشعر الفلسطيني الحديث"، ودراسة إيمان مصاروة "القدس في الشعر العربي الحديث". ولا ينسى المرء دراسة محمد الطحل "رواية القدس في القرن الحادي والعشرين" وهي رسالة ماجستير في جامعة النجاح الوطنية قمت بالإشراف عليها".
وجمع الباحث السوري محمد قجة، في كتاب له صدر في العام 2013، بعنوان "القدس في عيون الشعراء"، مختارات مما كتبه الشعراء على مر التاريخ عن مدينة القدس، وما تحظى به من مكانة كبيرة في نفوس العرب والمسلمين.
وأشار قجة إلى أن ما دفعه لتأليف هذا الكتاب هو الاستئناس ببعض ما قدمه الشعر العربي حول المدينة، وتوظيف هذا الشعر في فصول بحسب الموضوعات التي تناولها الشعراء، مؤكداً أن القدس واحدة من أكثر مدن العالم ذكراً واهتماماً على مدى آلاف السنين وواحدة من أكثر مدن العالم إشكالية، وهي ماثلة في آداب الشعوب وفي كتابات المؤرخين وبارزة في الأساطير.
القدس في الشعر العربي الحديث
أكد الناقد الفلسطيني عبدالله رضوان في مؤلفه الصادر عام 2012، وهو دراسة نقدية تطبيقية، بعنوان "القدس في الشعر العربي الحديث"، "قلة القصائد التي اتخذت القدس موضوعاً فنياً لها، بالقياس للعواصم السياسية العربية، وهذا سؤال يظل قائماً ويحتاج إلى تعمّق يبرر الأسباب ويبحث فيها" (ص77).
وتناول رضوان في بحثه انعكاس الصورة الشمولية حول تعاطي 32 شاعرًا عربيًا مع قضية القدس والكيفية التي تعاملوا بها معها. وماذا تمثل القدس في أذهان هؤلاء الشعراء العرب المعاصرين؟ وهل ما زالت القدس هي بيت القصيد؟ وهل ما زالت تعيش في الوجدان الشعري العربي، حضورًا تاريخيًا وأسطوريًا نبيلًا، وراهنًا تعتصره الآلام ويلفه ما لف الأمكنة العربية الأخرى من سواد؟!..
واعتبر رضوان أن هناك غيابًا حقيقيًا وفاعلًا للمدينة إنسانًا وأمكنة وتاريخًا عن الخارطة الشعرية العربية التقليدية، وربما يعود ذلك إلى أنها لم تكن عاصمة في يوم ما، لكن عقب هزيمة حزيران / يونيو 1967 وسقوطها بدأت تأخذ حضورها النسبي في المعطى الشعري العربي وإن ظل هذا الحضور محدودًا كمًا وكيفا.
ووفق رضوان فقد أمكن رصد صيغ وأشكال التمثلات الشعرية لمدينة القدس في التوظيف التاريخي والأسطوري والديني والتماهي والتناغم بين الذات والمكان وعرض الوقائع اليومية مع استمرار التعلق الروحاني النبيل، وباعتبارها خصوصية فلسطينية نادرة وحالة نضالية.
ومن الصيغ أيضا إدانة الحاضر العربي والتوجع من الواقع اليومي والتباهي والافتخار بالمكان، ونظرة إنسانية حزينة وموقف ديني أيديولوجي واضح ودعوة للثورة والتغيير.
ووصل الدكتور فاروق مواسي إلى نتيجة "..أن الحال لم تكن بأفضل حتى منتصف القرن العشرين، مع أن القدس ومنذ بدايات هذا القرن أخذت تعيش في صراع جديد يستلزم بالضرورة أن تكون هناك قصائد معبّرة عن الخطر ومنذرة بما يحدق منه، فهذا خليل مطران (1871-1949)، في قصيدة "تحية للقدس الشريف"، لا يجد إلا لغة التعميم في ذكره حبه لها:
سلامٌ على القدس الشريف ومن بهعلى جامع الأضداد في إرث حبهعلى البلد الطهر الذي تحت تربهقلوبٌ غدت حبّاتها بعض تربه
القدس بين النكبة والنكسة:
أحدث احتلال جزء من القدس (1948)، واستكمال احتلالها بشكل كامل (1967)، صدمة قاسية على الشعراء والشعر العربي الحديث، واعتبر الدكتور خليل الموسى أن هذا الاحتلال قد أثّر تأثيراً بالغاً في سيرورة الشعر واتجاهه وبنيته في آنٍ معاً، ويمكن أن ندَّعي بأنَّ الصرخة الملحمية التي تجلَّت في شعر ما قبل النكبة، وكانت موجَّهة إلى استنهاض الهمم للقضاء على الغرباء، قد تحوّلت إلى صرخة أليمة حادة وزفرة رومانسية حارقة اتجهت إلى الداخل، ولاسيّما بعد النكسة. وفقد الشعراء الأمل إلى حدّ كبير بالبطل الملحمي، وحلَّ محلَّه البطلُ التراجيدي الذي استيقظ من أحلامه الوردية على واقع راعب، وحلّ القلق محل الاطمئنان واليقين، كما حلَّت الرومانسية الدامعة محلّ الكلاسيكية الهادرة، وربما كانت صرخة الشاعر عمر أبو ريشة في قصيدته "بعد النكبة" معبّرة عن غياب البطل الملحي الذي كان ينتظره الشعراء من قبل"، ولنستمع إلى آلامه الدامية وهو يخاطب أمته ويشكو منها إليها ويوازن بين ماضيها وحاضرها:
أُمَّتي! كم غَصَّةٍ داميةٍخَنَقَتْ نجوى عُلاَكِ في فميأيُّ جُرْحٍ في إبائي راعفٍفَاتَهُ الآسي، فلم يَلْتَئِمِأَلإِسْرَائِيلَ تعلو رايةٌفي حِمَى المَهْدِ وظِلِّ الْحَرَمِكيفَ أَغْضَيْتِ على الذُّلِّ ولمتَنْفُضي عَنْكِ غُبَارَ التُّهَمِ...رُبَّ "وَامُعْتَصِمَاهُ" انْطَلَقَتْمِلْءَ أَفْوَاهِ البناتِ اليُتَّمِلاَمَسَتْ أَسْمَاعَهُمْ لكنَّهالم تُلاَمِسْ نَخْوَةَ الْمُعْتَصِمِ
وخاطب الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود الأمير سعود منبهاً إلى الخطر الذي يحيط بالقدس ومسجدها الأقصى فقال:
يا ذا الأمير أمام عينك شاعر ضمت على الشكوى المريرة أضلعه
المسجد الأقصى أجئت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودعه؟
ولبدويِّ الجبل قصيدة بكائية طويلة صارخة بعنوان "من وحي الهزيمة" نظمها بعد حرب تشرين 1973، وهو يبكي فيها على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في ظلّ الاحتلال الصهيوني، ويوازن فيها بين حاضر العرب وماضيهم، ويرى أنَّ المسلمين فيها ضعاف، وكأنه يصرخ: "وامعتصماه" ولكن ليس من مجيب:
هَلْ دَرَتْ عَدْنُ أنَّ مَسْجِدَها الأَقْـصَى مكانٌ من أَهْلِهِ مَهْجُورُأينَ مَسْرَى الْبُرَاقِ، والقُدْسُ والمَهْـدُ وَبَيْتٌ مُقَدَّسٌ مَعْمُورُ؟لم يُرَتّلْ قُرْآنُ أَحْمَدَ فيهِوَيُزَارُ المبكى ويُتْلَى الزَبُورُطُوِيَ المُصْحَفُ الكريمُ، وَرَاحَتْتَتَشَاكى آياتُهُ والسُّطُورُ
ولم يقتصر الأمر على الآلام والبكاء والشكوى، وإنَّما تمادى الصهاينة في غِيّهم، ولم تقتصر اعتداءاتهم على الأرض والبشر، وإنَّما ذهبت إلى المقدسات الإسلامية والمسيحية، ولا سيّما المسجد الأقصى، فهو المكان الأكثر استهدافاً بحجّة كاذبة من حجج الصهاينة، وهي أنَّه مبني فوق الهيكل المزعوم، ولذلك دُنِّس هذا المكان غير مرّة، ولذلك يتوجَّه هارون هاشم رشيد إلى العرب الغافلين عما يُدَبَّر لهذا الصرح الديني في الخفاء، فيقول في قصيدته "صرخة الأقصى":
الْمَسْجِدُ الأَقْصَى يُبَاحُ وَيُهْدَمُوَالْعَالَمُ الْعَرَبِيُّ غَافٍ يَحْلُمُالمسجدُ الأقصى يَدُورُ بِسَاحِهِالآثِمُونَ الْغَادِرُونَ ويُظْلَمُالمسجدُ الأقصى على أَفْوَاهِنانَغَمٌ نُرَدِّدُهُ وشِعْرٌ يُنْظَمُوَقَصَائِدٌ رَنَّانَةٌ نَهْذِي بهاوَتَلفُّتٌ وَتَحَسُّرٌ وَتَأَلُّمُ
وفي مسيرة الشعراء الذين تعاطوا مع القدس في شعرهم، يتوقف الناقد الفلسطيني عبدالله رضوان عند الشاعرة هلا الشروف وهي من الأراضي المحتلة، التي عمدت في قصيدتها "ودخلت في القدس القديمة" إلى شخصنة العلاقة مع المكان عبر تقديم حالة سردية أقرب للسيرة الذاتية قدمت فيها بوحها ورؤيتها ووعيها لمدينة القدس وكيف تراها:
"والقدس قناديل المقاتل/ والقدس ذاكرة المناضل/ كنا نمر على البلاد كما يمر الغيم فوق البحر/ صوب نهاية مجهولة/ كنا نمر على الجراح/ جراحنا متصوفين".
ومن وجهة نظر الشروف فالقدس نقطة رئيسة مضيئة في مسيرة النضال الفلسطيني.
أما القدس التي يقدمها تميم البرغوثي فهي قدس الصراع اليومي بين حضارتين وثقافتين ورؤيتين لا تلتقيان أبدًا، بين غريب محتل طارئ يحمل تاريخًا مزيفًا وبين الإنسان الفلسطيني المتجذر في أرضه وتاريخه ووطنه: "في القدس توراة وكهل جاء من منهاتن العليا/ في القدس شرطي من الأحباش يغلق شارعا في السوق/ رشاش على مستوطن لم يبلغ العشرين/ قبعة تحيي حائط المبكى/ في القدس متراس من الاسمنت/ في القدس دب الجند منتعلين فوق الغيم".
وكتب محمود درويش في قصيدة "سرحان يشرب القهوة في الكفاتيريا":
وما القدسُ والمدنُ الضَّائِعَهْ / سوى ناقةٍ تَمْتَطِيْها البداوه / إلى السُّلطةِ الجائِعَهْ. / وما القدسُ والمدنُ الضائعهْ / سوى منبرٍ للخطابَهْ / ومستودعٍ للكآبَهْ./ وما القدسُ إلاَّ زُجَاجَةُ خمرٍ وصندوقُ تبغ.. / .. ولكنَّها وطني. / منَ الصَّعْبِ أن تَعْزلوا / عصيرَ الفواكهِ عن كرياتِ دمي.. / ولكنَّها وطني
ويحاول الشاعر إبراهيم نصرالله في قصيدة "الطريق إلى القدس" بطريقته الخاصة الإجابة عن سؤال يمثل مركزية لديه حين يقول:
"نحن من نحن/ نحن الطريق إلى ما نحب/ ونحن بداية ذاك الطريق إلى القدس/ حكمة هذا الشجر".
ويُبرز الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد في قصيدته "القدس"، من خلال نصه حزن وفجائعية المشهد عبر استعراض ما حدث من احتلال والمناداة على الأهل والعشيرة لطلب النصرة مع التشكيك بإمكانية الاستجابة:
"لها للقدس وهي تئن/ تحت سنابك الحقد/ خطى الغازين تصفعها/ تلطخ جبهة المجد تفض الطهر من عينين/ أنادي لو يهز نداي/ لو يسمع لو يجدي/ أنادي المئة مليون/ من قومي ومن جندي/ أناديهم لعل الصوت يكسر صخرة اللحد".
أما الشاعر سليمان العيسى ففي قصيدته "عن الأقصى" فنجد حزنًا إنسانيًا ثائرًا يشيد بالمقاومة والانتفاضة ويدعو إلى استمرارها مستخدمًا المسجد الأقصى رمزًا للقدس بخاصة وفلسطين بعامة:
سلام على الأقصى ونحن حجارة / تصب عليها النار رعبا جهنم / سلام على الأقصى وتخبو انتفاضة / لتشتعل ألفا هذه الأرض أكرم..
هذه الروح الحزينة والمتمردة معًا نجدها عند عدد من شعراء الكلاسيكية سواء في الوطن العربي أو المهجر فالشاعر عمر أبو ريشه بقصيدته "عروس المجد" يشير بوضوح لخصوصية القدس ودورها العربي وأهميتها الإسلامية مع التأكيد على ما صنعته الالآم من توحيد المشاعر:
يا روابي القدس يا مجلى السنا
دون عليائك في الرحب المدى
ومن وجهة نظر الباحث عبدالله رضوان فإن الحالة الإنسانية الأجمل في التعامل مع القدس باعتبارها حالة إنسانية شاملة ومغلفة بحس رومانسي عميق ومؤثر قد تمثلت في قصيدة الأخوين رحباني، التي غنتها فيروز، وفيها:
عيوننا ترحل إليك كل يوم / تدور في أروقة المعابد / تعانق الكنائس القديمة / وتمسح الحزن عن المساجد
وقد عمد شعراء إلى إعلاء البعد الديني بموضوع القدس باعتباره البعد المسيطر انطلاقا من موقف أيديولوجي عقدي لا يرى القدس إلا صرحًا دينيًا، فالشاعر يوسف العظم يقول:
حجارة القدس نيران وسجيل / وفتية القدس أطيار أبابيل / وساحة المسجد الأقصى/ ومنطق القدس آيات وتنزيل
وبمثل هذه الروح يعالج أمين شنار في قصيدته "بيت المقدس" موضوع القدس ممزوجًا بنظرة رومانسية حزينة فيقول:
"هنا المآذن الحزينة التي تسامر النجوم/ تمتد في وجوم/ المسجد الأقصى هنا مسرى الرسول/ مشى المسيح ها هنا وأمه البتول/ وها هنا الفاروق شاد مسجدا".
وقد اعتبر مظفر النواب في رائعته "سفينة القدس" المدينة بأنها بوصلة لقراءة المواقف وكل الجهات بعيدًا عنها خيانة:
"أيها الجند/ بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة/ حطموها على قحف أصحابها".
وكتب الشاعر أحمد ابراهيم عبدالله الحاج الحلاحلة:
.. والقدسُ في كبدي جمرْ، / والقدسُ شوكٌ بالحلوقِ كما الإبرْ، / ..
.. في القدسِ شعبٌ قد صبرْ، / في القدس شعبٌ قد تحصّنَ ما نخرْ..
ويتساءل الشاعر لطفي الياسيني:
أيُحرم الأهل من أرض لهم سلبتوينعم الوغد حاشا لست راضيهإرادة الله أقوى من إرادتهجسر التلاقي غدا لا بد نأتيه
وعن "آهات القدس"، كتب الشاعر شادي المناصرة:
آهـات صـدر الـقـدس يـا أمــمعن وصفهـا قد يعجـز القلـمصـرخات قدسي قـد تعالـت لوعـةدوت لتسمـع من بـه صمـمالقدس قـد جرحـت و أدم جرحهـاهيهـات أن الجـرح يلتلـئـم
ودعت الشاعرة شريفة السيد الفلسطيني بأن لا يترك أرضه فخاطبته:
أخي في القدس لا ترحـل تَشَبَّثْ، أمسِـك الأرضَـاوكُنْ لـو قيَّـدوكَ مُـدًى تجـزُّ القيـدَ لا ترضَـىونسرًا في سمـاء الحـق فـوق القهـر مُنقـضَّـابـأسـنـانٍ مُـدَّبـبـةٍ تعـضُّ قلوبهـم عضَّـا
أما الشاعر عبد العزيز جويدة فكتب:
يا قدسُ قد غامتْ رُؤاي/ يا قدسُ أنتِ سَجينةٌ / والقيدُ أوَّلُهُ يداي / يا قدسُ أحلُمُ كُلَّ يومٍ/ أنْ يضُمَّكِ ساعِداي / يا قدسُ مَثْقوبٌ أنا / كَثُقُوبِ ناي / فَلْتعزِفي حُزني لأبكي / رُبَّما هدَأتْ خُطاي / يا قدسُ جِسمي طَلقَةٌ / فَلْتُطلقيها واعلمي / أنَّ البِدايَةَ منكِ كانتْ مُنتهاي..
وكتب الشاعر محمود درويش:
واقف تحت الشبابيك / على الشارع واقفْ / درجات السلم المهجور لا تعرف خطوي / لا ولا الشباك عارفْ / وعلى أنقاض إنسانيتي / تعبر الشمس وأقدام العواصفْ
أما الشاعر نزار قباني فكتب:
بكيت حتى جفت الدموع / صليّت حتى ذابت الشموع / ركعت حتى ملني الركوع / سألت عن محمد فيك، وعن يسوع / يا قدس يا مدينة تفوح أنبياء / يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء
وكتب الشاعر هارون هاشم رشيد:
لعينيها.. مدينتي التي سُجِنت
لمسجدها لأقصاها.. لحرمتها التي انتهكت
لخطو محمد فيها لما حملت، وما حفظت
وفوق جبينها المشجوج آي الله قد طُمِست
ومن قصيدة (عاش.. يسقط) للشاعر أحمد مطر نقرأ:
يا قدس معذرة ومثلي ليس يعتذر / مالي يدٌ فيما جرى، فالأمر ما أمروا / وأنا ضعيف ليس لي أثر.. / وأنا بسيف الحرف أنتحر / وأنا اللهيب.. وقادتي المطر / فمتى سأستعر.. هُزّي إليك بجذع مؤتمر / يسّاقطْ حولك الهذر / عاش اللهيب.. ويسقط المطر!
ويقول الشاعر راشد حسين، في قصيدة "القـدس والساعة":
كانت الساعة في القدس قتيلاً وجريحًا ودقيقهْ / ولهذا كلما مرت بمحتلّي عيون القدس طفلهْ / طفلةٌ بنت صغيرهْ / فتّشتْ أعينهمْ.. آلاتهمْ في صدرها / في رحمها.. في عقلها.. عن قنبلهْ / وإذا لم يجدوا شيئًا أصرّوا:
"هذه البنت الصغيرهْ / وُلدت في القدس ِ / والمولود في القدس ِ / سيُضْحى قنبلهْ / صدقوا… المولودُ في ظل القنابلْ / سوف يُضحى قنبلهْ..!"
في الختام، لقد تناول الشعراء قضية القدس في عدة وجوه، تراجيديا وألم، وصف دقيق لمعالمها، حلم بعودتها إلى أهلها، بواقعها الحالي الصعب المتمثل بسياسة التهويد والطمس، والإصرار على مواجهة كل مشاريع التهويد، وعلى أن تبقى القدس بوجهها العربي.
ولا أجمل من كلمات المحامي جواد بولس، لختام هذا الموضوع حين كتب: "القدس دمعة شمس منسية.. تنام كمدينة الهزيمة الدائمة التي كلّما حمت ضلعًا في صدرها الهش المكشوف خانتها الجهات وغدرت فيها الرياح.
إنها المدينة العانس، تأوي إلى حضن جورية ندية، وتحلم، كالمجدلية وكأيائل صهيون، بولادة فجر يندلق كالأماني، لكنها تفيق مع أول السحر لتجد خاصراتها تدميها خناجر الأصحاب والأهل والأعداء"...

مشاركة منتدى
٢٢ شباط (فبراير), ٢٣:٣٢, بقلم فتحي الزبدي
*صرخة الوعي في وجه الطغيان الصهيوني والامريكي تجاه هدم الاقصى والمشروع الإستيطاني من النيل إلى الفرات.*
يا أمةً نزلَ القرآنُ بلسانِها، وشقَّ الإسراءُ طريقَ مجدِها في سماءِ قُدسِها! أينَ الوعيُ وقد بلغتِ القلوبُ الحناجر، وأين الحِجا وقد نطقَ "المُعاقر" بكلِّ فُجرٍ وفاجر؟
لقد خرجَ علينا سفير الصهاينةِ بخرائطِ الوهم، يَرسمُ بمدادِ الحقدِ حدودَ دولتِه المزعومة، ظانّاً أنَّ النيلَ سيخضعُ لرجسِهم، وأنَّ الفراتَ سيجري بذُلِّهم. وما عَلِموا أنَّ "القدسَ" ليست مجردَ أحجارٍ تُهدم، بل هي عقيدةٌ في الصدورِ تُؤدَّم، وقصةُ كرامةٍ لا تقبلُ التلعثم.
إنَّ هؤلاءِ الذين "تفنَّنوا" في صُنعِ ما يؤذيها، ونثروا مُخَّ صغيرِها أمامَ دارِها، قد غَرَّهم حلمُ الحليم، واستدراجُ القويِّ العليم. يظنونَ أنَّ الدمَ الذي سفكوه سيُثبتُ أركانَ عروشِهم، وما علموا أنَّ دماءَ الشهداءِ هي وقودُ الزوالِ لمستعمراتِهم.
لقد جاوزَ المعتدي كلَّ الحدود، وطفقَ يشبُّ النارَ في كلِّ وادٍ، يزرعُ الطائفيةَ ليمزقَ الوحدة، وينشرُ الرذيلةَ ليضربَ العِفّة، ظانّاً أنَّ الشعوبَ قد نامت على ضيم، أو استعذبت حياةَ اليُتم.
أين تحذيرات القرآن؟ وأين ذممُ الكرام؟
إنَّ مشروعَهم الذي يقومُ على الأشلاء، لا يُجابهُ ببياناتِ الاستجداء، بل بصفٍّ مرصوصٍ كالبنيان، وقلوبٍ عامرةٍ بالفرقان. إنهم يرمونَنا بسهمِ "من النيلِ إلى الفرات"، ونحن نردُّ عليهم بـ "سبحانَ الذي أسرى" وبآياتِ الغلبةِ والتمكين.
إنهم يزرعون الشقاق: ليحصدوا الهوان.
إنهم ينشرون الفساد: ليفسدوا الفطرة.
ولكن: "وفسادُ كلِّ مسيرةٍ، يُرْدِيها".
صبـراً يا قدس الإسلام يا "قدسُ"، يا وجهَ الأرملةِ الصابرة، وعينَ اليتيمةِ الثائرة؛ إنَّ الخريطةَ التي يرسمونها بأوهامهم ستمزقُها سواعدُ أطفالك، وإنَّ العباءةَ التي سرقوها ستعودُ لتلتحفَ بها مآذنك.
إنَّ اللهَ الذي قدَّرَ الإسراءَ في ماضيكِ، هو الذي كَتبَ الفتحَ في آتيكِ. ولن يحيقَ المكرُ السيئُ إلا بأهله، ولن تظلَّ "مجازر الدماء" في مأمنٍ من عدلِ السماء.
*الرسالة الأولى: جغرافيا الوهم.. بين "خريطةِ الصهاينة" ويقينِ "المقاومة"*
إنَّ ما نطقَ به لسانُ "الغرور" مؤخراً، من رسمِ حدودٍ تمتدُّ من ضفافِ النيلِ الصبور إلى أعطافِ الفراتِ الهصور، ليس مجردَ زلّةِ لسانٍ أو شطحةِ بيان، بل هو "العقيدةُ الكامنة" التي أخرجَها سُكْرُ القوةِ إلى العَلَن. يظنونَ أنَّ الجغرافيا تُرسَمُ بريشةِ حاقدٍ على طاولةِ مفاوضات، أو بمدادِ زيفٍ في خرائطِ الظلام، وما علموا أنَّ الأرضَ ليست مجردَ مساحةٍ للنهب، بل هي "عِرضٌ" لا يُباح، وتاريخٌ لا يُستباح.
إنهم يستهدفون "القدس" لتكونَ حجرَ الزاوية في بنيانِهم الـمُنهار، ظانّينَ أنَّ بضعَ رصاصاتٍ تُخرسُ صوتَ المآذن، أو أنَّ جداراً عازلاً يحجبُ نورَ الفجرِ عن عيونِ المرابطين. لقد حوّلوا "السياسة" إلى "مجزرَة"، والـدبلوماسيةَ إلى "سرقةٍ مقنّنة"، متناسينَ أنَّ الذي أسرى بعبدهِ ليلاً من المسجدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصى، قد جعلَ لهذه الأرضِ "جُنداً" لا تراهُم الأقمارُ الصناعية، وعزيمةً لا تكسرُها الترساناتُ النووية.
هذه الأرضُ التي ينثرونَ فيها "مُخَّ الصغير" ويُذلّون فيها "عفّـة الكبير"، ليست عطاءً من لا يملك لمن لا يستحق، بل هي "القدس"؛ كلمةُ اللهِ الباقية، ومسيرةُ الحقِّ المتمثلة في صمودِ حجرها وبشرها. إنَّ مشروعَ "النيل والفرات" ليس إلا صرخةَ غريقٍ في بحرِ الأوهام، فالتاريخُ يُخبرنا أنَّ الإمبراطورياتِ التي قامت على الجماجمِ لم تخلّف وراءَها إلا الرماد.
يا أيها المعتدُّ بخرائطِك: اِرسُمْ ما شئتَ من حدود، فما هي إلا خيوطُ عنكبوتٍ أمامَ يقينِ طفلٍ مقدسيٍّ يرى في حجرِه "قدرَ الله" النافذ، وفي صمودِه "نهايةَ التاريخ" لزيفِكم.
*الرسالة الثانية: عنجهية الصهاينة. حين يرتدُّ السهمُ على راميه*
يقولُ التاريخُ في أصدقِ صفحاته: "إنَّ القوةَ إذا تجردت من الحقِّ عميت، وإذا عميت طغت، وإذا طغت هوت". وما نراه اليوم من غطرسةِ المعتدي، وتفنُّنه في صُنْعِ ما يؤذي "الأرضَ والإنسان"، ليس إلا مظهرًا من مظاهر "سُكرِ القوة" الذي يُعشي الأبصار عن رؤية المنحدر.
إنَّ الذي يتباهى اليوم بهدمِ المنازل، وسرقةِ العباءات، ونثرِ أشلاءِ الصغار، يظنُّ واهماً أنَّ الصمتَ الدوليَّ صكُّ غفران، وأنَّ الترسانةَ العسكريةَ حصنٌ من خذلان. لكنَّ الحقيقةَ الكامنةَ في روحِ "القدس" وفي "نبضِ الأقصى" تقول غير ذلك؛ فكلُّ رصاصةٍ تُطلقُ على صدرِ بريء، هي في الحقيقة مسمارٌ يُدقُّ في جدارِ كيانٍ غريبٍ لا جذورَ له.
لقد "تجاوزَ المعتدي كلَّ الحدود"، ولم يكتفِ بسلبِ التراب، بل أرادَ سلبَ "الروح" عبر نشرِ الرذيلةِ وزرعِ الطائفيةِ وتمزيقِ النسيجِ الذي جمعَ الأمةَ قروناً. هذا "الإفسادُ في الأرض" ليس علامةَ تمكين، بل هو إيذانٌ بالنهاية؛ فالفلسفةُ الإلهيةُ والسننُ الكونيةُ تُخبرنا أنَّ "فسادَ كلِّ مسيرةٍ.. يُرديها".
إنَّ الظلمَ "جذوةٌ رعناء"، مَن أوقدَها ليحرقَ بيوتَ الآمنين، ستحرِقُ غداً يَدَه التي أوقدتها. والذين يظنون أنَّ "لغةَ الركام" صامتة، واهمون؛ فالركامُ ينطقُ بحكايا الصمود، والدمُ المسفوحُ ينبتُ في الأرضِ وعياً لا تقتلُه القنابل. إنَّ مشروعاً يُقامُ على "الرذيلة" و"الطائفية" و"الأشلاء" هو مشروعٌ يحملُ بذورَ فنائِه في جوفه، لأنَّ الفطرةَ البشريةَ تأباه، والعدالةَ السماويةَ ترصُدُه.
يا مَن غرَّتكم قوتُكم: انظروا في غابرِ الأزمان، كم من جبارٍ ظنَّ أنَّ الأرضَ قد خضعت له، فما هي إلا غفوةُ زمن، حتى صارَ أثراً بعد عين. إنَّ "القدس" التي تبكي اليوم دماءَ ذويها، هي ذاتها التي ستبتسمُ غداً حين يُقذفُ المعتدي في نارِ ما صنعته يداه.
*الرسالة الثالثة: نداءُ الوعي والضمير..للننتقل من مرحلة"غُثاءِ السيل" إلى "البنيانِ المرصوص"*
يقولُ لسانُ الحالِ قبلَ لسانِ المقال: "يا أمةً مَلأتِ الأرضَ ضجيجاً، وحينَ نادى المنادي في القدسِ استكنتِ حجيجاً!". إنَّ الكثرةَ التي لا تذودُ عن حِياضِها، والجموعَ التي لا تحمي ذِمارَ مقدساتِها، هي في ميزانِ العزّةِ "غثاءٌ كغثاء السيل"، تتقاذفُها أمواجُ الوهنِ يمنةً ويَسرة.
إنَّ مشروعَ "الاستيطان" الذي يتبجحُ به السفيرُ ومن خَلْفَه، لا يستمدُّ قوتَه من "بأسهِم"، بل من "تفرُّقِكم". إنهم يراهنونَ على تمزيقِ الصفوفِ عبرَ بذورِ الطائفيةِ التي يبذرونها، وعبرَ سمومِ التغريبِ والرذيلةِ التي يروجونها، ليُشغلوا الأمةَ بنفسِها عن عدوِّها. ولكن، أين الضمائرُ الحيةُ التي لا تزالُ تنبضُ بالفرقان؟
يا أحرارَ العربِ والمسلمين، إنَّ "القدس" ليست قطعةَ أرضٍ تُقايَض، ولا خريطةً تُفاوض؛ إنها ترمومترُ كرامتِكم. فإذا هانتِ القدسُ، هانَ النيلُ والفراتُ والحرمين. إنَّ منطقَ العقلِ السليمِ يقول: إنَّ الذي يأكلُ الثورَ الأبيضَ في ساحاتِ الأقصى، لن يتورعَ عن ذبحِ بقيةِ القطيعِ في عواصمِكم المترفة.
لقد آنَ الأوانُ لننتقلَ من "رداتِ الفعلِ" الباردة، إلى "صناعةِ الفعلِ" الواثقة. إنَّ توحيدَ الصفوفِ ليس خياراً دبلوماسياً، بل هو ضرورةٌ وجودية. فالحقُّ الأعزلُ من القوةِ يظلُّ عاجزاً، والقوةُ الخاليةُ من الحقِّ تظلُّ غاشمة، أما "الحقُّ المؤيدُ بالوحدةِ والوعي" فهو الإعصارُ الذي لا يقفُ في وجهه غاصب.
يا أمةَ القرآن، إنَّ كتابَ ربكم يحذرُكم من "مُعاقرةِ الدماء" ومن كيدِ الذين لا يرقبونَ في مؤمنٍ إلّاً ولا ذمة. فاستنهضوا الهممَ، وشُدّوا العزائم، واعلموا أنَّ "القدسَ عاصمةٌ يقدّرُ أمرَها.. مَن قدّرَ الإسراءَ في ماضيها". إنَّ عودتَكم إلى وعيكم هي البدايةُ الفعليةُ لنهايةِ دولتهم "النتنة".
*الرسالة الرابعة والأخيرة: صرخةُ الوعي.. حين يحذرنا الله "في القرآن من اليهود وجرائمهم*
إنَّ أعظمَ سلاحٍ في معركةِ الوجود ليس البارود، بل هو "الوعيُ" المعتصمُ بحبلِ اللهِ المتين. لقد حذّرنا كتابُ اللهِ عز وجل من طبيعةِ هؤلاءِ المعتدين، ورسمَ لنا ملامحَ مكرِهم بدقةٍ تُغنينا عن مئاتِ مراكزِ الدراسات؛ فهم "معاقرو دماء"، وناقضو عهود، ومفسدون في الأرض. فكيف نغفلُ عن تحذيرِ الخالقِ ونحن نرى أثرَ أفعالِهم عياناً؟
إنَّ مشروعَهم الذي يزرعُ "الرذيلة" ويُغذي "الطائفية" ليس إلا محاولةً لطمسِ "نورِ الكتاب" في قلوبِ الشباب؛ لأنهم يدركونَ تماماً أنَّ جيلاً يتربى على "الفرقان" هو الجيلُ الذي سيُنهي "دولةَ البهتان". إنَّ العودةَ إلى القرآنِ ليست مجردَ تلاوةٍ في المحاريب، بل هي تفعيلٌ لمنطقِ العزة، وفهمٌ لسننِ المدافعة، ويقينٌ بأنَّ "البغيَ" مآلُه البوار.
يا أمةَ الإسلام، إنَّ "القدسَ" تنادي وعيَكم قبلَ أجسادِكم؛ فهي تسألُكم: هل فقهتم درسَ التاريخ؟ هل أدركتم أنَّ القوةَ في "الوحدة" والضعفَ في "الفرقة"؟ إنَّ كلَّ دعاوى الزيفِ الصهيوني ستأكلُ بعضَها، وسينكشفُ السفهُ في أقبحِ صوره، ولن يبقى في الميدانِ إلا الحقُّ الأبلج.
إنَّ الصرخةَ التي نطلقُها اليوم هي دعوةٌ لـ "استردادِ الذات"؛ فإذا استعدنا وعيَنا بكتابِ ربِّنا، واستشعرنا قداسةَ مَسرى نبيِّنا، سقطت خرائطُ الوهمِ تلقائياً. إنَّ "نورَ الكتاب" هو الذي سيهدي الأمةَ في غياهبِ هذه الفتنة، وهو الذي سيحوّلُ "لغةَ الركام" الحزينة إلى "أهازيجِ نصرٍ" مجيدة.
ختاماً يا مرابطون: صبراً، فإنَّ الفسادَ إذا بلغَ مداه، أذِنَ اللهُ بخرابه. وكما انتهت قصصُ الطغاةِ عبرَ العصور، ستنتهي قصةُ هذا "الاحتلالِ النتن" على أعتابِ وعيِكم وصمودِكم.
« *وأخـــــــــيـــــــــــــــــراً.........*
يا كلَّ حُرٍّ غيور، إنَّ المعركةَ اليومَ ليست على حدودِ الأرضِ فحسب، بل هي معركةُ وجودٍ ووعي. عودوا إلى كتابِ ربكم، ففيه الخبرُ واليقين، وتحذيرٌ من كيدِ المعتدين. لا تتركوا "الحزينة" تبكي وحدَها والعواصفُ تقذيها، بل كونوا لغيثِ نصرِها مَجاريها.
"إنّ المَطامعَ دونَ حقٍّ جَذوةٌ .. رَعْناءُ تحرقُ رجلَ من يُوْرِيها"
أ/فتحي الزبدي 2026/2/32م