الأربعاء ٢٣ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم أحمد خضر أبو إسماعيل

القضية الفلسطينية بعيون السرد الجزائري

القضية الفلسطينية بعيون السرد الجزائري "سوناتا لأشباح القدس" أنموذجاً

للروائي الجزائري واسيني الأعرج

السردية الفلسطينية بين عامي 1948 / 2008

من الطبيعي أن تكون القضية الفلسطينية حاضرة في الرواية الجزائرية ، فمن غير الممكن أن ترى جزائرياً إلا ويحمل في قلبه حباً عظيماً للشعب الفلسطيني، ولا تزال مقولة الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين حاضرة في أدبيات النضال الجزائري :"نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".

حالة التوأمة بين نضال الشعب الفلسطيني ونظيره الجزائري جاءت نتاج الممارسات الاستيطانية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي والتي هي أقرب لتكون قرائن مماثلة لما ارتكبه الفرنسيون بحق الثورة الجزائرية، التي بدورها قدمت أبنائها قرابين على مذابح الحرية، مليون ونصف المليون شهيد تحولوا إلى أيقونة مضيئة للنضال العالمي ضد المُحتل و قدوة لكل حركات التحرر حول العالم.

فالحرب كانت حرب وجود، حيثُ سعى المُحتل في كلا البلدين على طمس الهوية الوطنية والإسلامية، ناهيك عن المجازر التي طالت كل مكونات الشعبين والتي يمكن توصيفها بجرائم إبادة جماعية واستخدام أسلحة مُحرمة دولياً في سبيل اخماد صوت الشعب الثائر.

لذلك وجد الروائي الجزائري نفسه أمام اختبار لضميره الإنساني، فالصمت عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي هو ليس حياد كما يروج له عربياً، بل هو خيانة للقضية و استهتار بقوافل الشهداء الذين يدفعون بأرواحهم في سبيل الحرية و الانعتاق.
واسيني الأعرج ابن الثورة الجزائرية والذي حمل في قلبه حباً عظيماً للمشرق العربي و خصوصاً الشعب الفلسطيني، لم يتجرد من مسؤوليته حيال هذا الشعب العظيم، بل سَخّر الأعرج قلمه في سبيل نصرة المظلومين والمستضعفين في العالم العربي عموماً وفي فلسطين المحتلة بشكل خاص.

و اليوم بين أيدينا رواية "سوناتا لأشباح القدس" الصادرة عن دار الآداب اللبنانية في طبعتها الأولى 2009
واسيني رفض الوقوف على مسافة واحدة من الجميع ، بل وقف في صف الشعب الفلسطيني مُعلناً بأن الحرية لا تُمنح ولا تُعطى ولا تُوهب بل تُنتزع من صدور الطواغيت ، وهذا الموقف ليس جديداً حيث يعتبر واسيني الأعرج أن القضية الفلسطينية بكل أبعادها لا تزال هاجساً لكل المبدعين العرب "أنت تكتب عن بلد برغم أنه عربي وتعرفه، لكنك لم تعش فيه"1

"سوناتا لأشباح القدس " العنوان بين التلميح و التصريح

اشتغل واسيني الأعرج على تقسيم عنوان الرواية إلى جزئيتين ، الجزئية الرمزية "سوناتا" التي تعني في السياق الدلالة على مقطوعة موسيقية، فكأن الروائي عمل على اختزال الفلكلور الفلسطيني والتراث المادي و اللامادي في كلمة واحدة، واختار كلمة أعجمية ليكون العنوان موجهاً للعالم وليس للقارئ العربي وحسب، وهذا يدل أن الكتابة الروائية هنا ليست في سياق الامتاع للقارئ، بل الرواية شهادة للتاريخ و وثيقة يجب على كل القراء في العالم الاطلاع عليها، فالكتابة هنا تصبح نوعاً من أنواع المقاومة.

أما "أشباح القدس" فهنا استطاع الأعرج أن يضع عنواناً يتأرجح بين الخرافة و الواقع ، فالأشباح قرينة دالة على الأرواح، وهنا اعتبر الأعرج أن السردية الفلسطينية المكتوبة في الوقت الحاضر هي امتداد لذاكرة جمعية، فالأرواح هم الشهداء الذين لا يزالون يطوفون في شوارع القدس و حرم المسجد الأقصى، و طبعاً القدس بمجازها و معناها الدقيق تحمل هوية للعمل الروائي، وهو تحدي صارخ من الروائي الذي حاول الجمع بين رمزية الكلمة و دلالاتها الواضحة، فأصبح العنوان مزيج من التلميح لقارئ عربي يحاول التطبيع وتوضيح لقارئ أجنبي خدعته كتب التاريخ الغربية.

يمتاز العنوان عند واسيني أنه ليس مجرد وسم للرواية أو علامة فقط للتعبير عن محتوى الكتاب، بل هو بمثابة رسالة ثانية، فالعنوان هو العتبة الأولى للقارئ قبل أن يخوض غمار تجربة القراءة، فلذلك يشتغل الأعرج على صناعة عنوان فيه احتواء واضح للسرد و مختزل بطريقة فنية تتناسب ولغة واسيني الشاعرية، فهو المؤمن بأن اللغة ليست مجرد حروف وإنما روح يمكن أن يُنقل من خلالها الإحساس للمُتلقي، فيقول واسيني الأعرج عن روايته سوناتا لأشباح القدس "صدور الكتاب في فترة معينة يعني تسليط الضوء عليه، خاصة حينما يرتبط بمأساة ما زالت حية وهو ما نود قوله للناس".2

الشتات الفلسطيني في رواية "سوناتا لأشباح القدس"

لعل أبرز النقاط الأساسية التي ركز عليها السرد هو فكرة التهجير الذي عاشه الشعب الفلسطيني، حيث يرتكز النص حول بطل اشكالي، بطل يحمل في أعماقه هوية مغايرة للهوية التي يحملها في الظاهر، وهنا الحديث عن بطلة الرواية "مي" الفتاة صاحبة الثماني سنوات، تلك الصغيرة التي وجدت نفسها مهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب ظروف النكبة العربية واحتلال فلسطين في عام 1948حيث يركز السرد على تأريخ السردية و ربطها بأحداث واقعية، فهذا المزج بين الخيال و الواقع يوصلنا إلى "خيال فني" فكأن الأعرج أعاد سرد القصة التاريخية من منظور أطفال النكبة وليس من منظور الوثائق التاريخية الصماء التي لا روح فيها.

ربط واسيني بين النكبة وحالة الطفولة في محاولة جادة لصناعة مقاربة فنية مع الشاعر نزار قباني حين قال:
كل ليمونةٍ ستنجبُ طفلاً ...ومحالٌ أن ينتهي الليمونُ فالقضية هنا لم تعد أزمة سياسية وحسب، بل ارتقى واسيني بالقضية لتصبح مُعتقد يعتنقه حتى الأطفال، ومهما حاول العدو الغاشم مسحه أو نفيه من خلال امتداد المستوطنات وعمليات القتل والقمع ستبقى القضية إرثاً يتناقله الأطفال قبل الكبار.

صورة "مي الطفلة" هي رمز يتماشى مع سياق الرواية الذي يعتمد على الذاكرة، فنحن نعيش الأحداث في ذاكرة مي، الفنانة التشكيلية التي تعيش صراع الهوية وتعيد تشكيل الأنا الفلسطينية داخل متن الرواية. وعليه تمتاز الرواية بتعدد الأدوات الفنية في عملية الكتابة وبناء الشخوص فبين الاستباقات الخارجية التي تمثل الذاكرة الجمعية و الاستباقات الداخلية التي تُشكل الذاكرة الفردية؛ نجح واسيني في الحفاظ على المعلومة التاريخية كمادة خام توثق للقضية الفلسطينية لكن من منظور السارد، فتحول البطل إلى شاهد عايش الحدث وأعاد ترتيبه بصيغة واضحة تصل إلى المُتلقي.

فنجحت الرواية أن تخرج من عباءة التقرير التاريخ و تماهت مع الحالة الفنية للبناء السردي، ولعل أفضل طريقة للاطلاع على المادة التاريخية من خلال أسلوب حكائي "وجاءت فجيعة آخرى صباح 15 مارس 1948لتختم الكل عندما أعلن الإنكليز انتهاء الانتداب بعد أن سلموا كل شيء لجنود الهاجانا والإرجون و الشيترن، فرح الأهالي نساء و رجال وحمدوا الله على انتهاء الانتداب وهللوا بالدعوات والزغاريد وظنوا أن الإنجليز صمموا أخيراً على مغادرة البلاد لإتاحة الفرصة للجيوش العربية للتدخل وانقاذ الأرض المسروقة " 3

استطاع الأعرج أن يُعيد تشكيل القضية المحفورة في ذاكرتنا ضمن قالب الصورة الحية معتمداً على رسم البيئة الفلسطينية ببساطتها وعفويتها وكأن القارئ في لحظة ما يتحول من مُراقب للحدث إلى جزء من النص من خلال العمل على رصد الانطباعات و ردات الأفعال لدى الشخوص، فمن البساطة في الاستشهاد السابق ظن الفلسطينيون أن انسحاب بريطانيا هو مرحلة النصر، فتلك المشاعر التي يعبر فوقها التاريخ كأنها لم تكن، أعادها واسيني في سياق روائي متين يحمل في دلالته انطباعية اللحظة وبعدها التاريخي ، ويفسر من خلال تلك التفاصيل تلك الملفات المحذوفة من سجلات التاريخ.

المقاومة من خلال الفن

اعتمد واسيني على ابراز صوت المثقف الفلسطيني، فلو دققنا في البنية السردية سنجد أن الأعرج منح مساحة واسعة لفكرة مهمة ألا وهي أن المقاومة ليست فعل مُقتصر على ميادين المعارك، بل اشتغل واسيني الأعرج على ثلاث مُعطيات دقيقة تبرهن أن الأدب و الفن هو نوع من أنواع المقاومة، فأحياناً الفكرة تكون بمثابة رصاصة هدفها أن تقتل الأكاذيب التاريخية.

ولذلك نلاحظ أن "الرواية" بصفتها كيان متكامل يحمل رسالة للقراء حول العالم، وهنا يمكن أن نعتبر أن السرد عندما يوثق لمرحلة تاريخية هو تكذيب لسردية الإحتلال، فالذريعة التي أدخلت جحافل المستوطنين إلى الأراضي الفلسطينية تحتاج لسردية بطابع ندي تُعري الحقيقة، فمن خلال العمل الروائي نستطيع أن نعيد تشكيل الفسيفساء التاريخية كما حدثت في الحقيقة وليس بالطريقة التي حاول الإحتلال أن يروج لها.

فلذلك رواية واسيني الأعرج أكد من خلال روايته أن الأدب ليس مجرد حكاية هدفها الإمتاع وحسب بل هي سلاح فكري يهدف لإعادة توطين الحقيقية في ذاكرة العالم ."وفي النهاية يشير إلى أن ما تعرضت له "مي" في الرواية هو بسبب هويتها الفلسطينية، لكنه أيضا موقف قد يتعرض له أي شخص في العالم، وهو ما حاول طرحه في الرواية، التي تمثل قصة الإنسان أينما وجد.". 4

وهنا نستطيع القول أن واسيني لم يكن يحمل مشعل القضية دفاعاً عن الفلسطينيين وحسب بل يعتبر أن ما حدث للفلسطينيين يمكن أن يحدث لغيرهم ، فلذلك الكتابة واجب والصمت يمسي جريمة وربما خيانة.

في ذات السياق يمكننا الانتقال إلى متن الرواية لنعالج فكرة الفن كأسلوب من أساليب المقاومة، حيث تجلت مي بين سطور الرواية بصفتها فنانة تشكيلية، لا تزال لوحاتها الزيتية تحمل صورة فلسطين التي احتفظ فيها الفلسطينيون في عقولهم، فالفن هنا ـالفن التشكيلي ـ جاء ليوثق الصورة و يترك آثر لا يُمحى .وسط هذا الصمت المتمادي في جبروته ،لا سلاح لي سوى قلمي، التي بدأت علامات التعب ترهقه وتدفع به نحو زاوية الاستكانة، فرشاتي وألواني المائية و الزيتية التي تتعالى وتنزل بالسرعة نفسها كراقصة باليه، أحاول أن أملأ هذا الخوف المتمادي في صمتي بشيء يشبهني ويختلف عني في الوقت نفسه لكي لا استسلم". 5

فهنا يتحول الفن كقرينة دالة على المقاومة، فالفن التشكيلي بصفته الرمزية وألوانه يأتي ليعبر عن روح المقاومة وعدم الاستسلام، فتحول ليكون جزء من بناء الشخوص في السرد ، فبنية الشخوص الروائية اقترنت بأدوات تعبيرية، من الفن التشكيلي عند مي و الموسيقى عند بويا.

وفق ذات النهج أختار واسيني ل يوبا صفته الموسيقية، فهو ابن "مي" والذي يحمل بدوره تلك الهوية الفلسطينية في أصوله وجذروه، فحاول أن يشكلها في سوناتا موسيقية، فهنا عوض اللون كانت النغمة ، وبحكم أن الموسيقى هي لغة العالم، استطاع واسيني أن يمنح الشخصية بعداً عالمياً سواء على مستوى تجلي فكرة المقاومة من خلال الموسيقى أو من خلال بناء الشخصية فهو من أم فلسطينية وأب أجنبي، ركز الأعرج على فكرة الأمومة التي تأتي ربطاً على سياق المقاومة، فكأن الثورات والأفكار و المعتقدات هي أمهات وهذا انتصار ضمني للمرأة الفلسطينية التي رغم الغربة ورغم القمع ومحاولات طمس الهوية تبقى الأمهات تحمل مفاتيح العودة إلى الديار لتذكير الأبناء بحقوقهم المسلوبة.

وفكرة الأمومة المرتبطة بفكرة المقاومة تذكرنا برواية الأم لمكسيم غوركي ، فالأنثى هي كتلة من المشاعر التي تستطيع احتضان المشهد الدرامي، لذلك نجد العلاقة الوثيقة في الرواية بين "مي الأم" و "يوبا الابن"، فمن خلال اللوحات استطاعت مي أن تنقل الصورة إلى يوبا أما يوبا فيحاول أن يحول الصورة إلى مقطوعة موسيقية يسمعها العالم، فهنا يمكننا أن نخلص بأن السوناتا هي تلك القضية الخالدة التي تجاوزت حدود المكان والزمان واللهجات وتحولت إلى مقطوعة موسيقية يستطيع الجميع سماعها دون وجود حاجز لغوي أو مادي، هذه الحالة الفنية بداية من الرواية كقالب فني مروراً باللوحة كأداة تعبير وصولاً للمقطوعة الموسيقية التي جاءت بمثابة اللغة استطاع الأعرج أن يعيد احياء القضية في بعد جمالي من زاوية وبعد تاريخي من زاوية آخرى وكأنه أراد أن يقول أن التراث اللامادي هو ضامن لحقوق الفلسطينيين الذي يؤكد ارتباطهم بالأرض قبل وجود "الكيان"، هذا الارتقاء الفني في السرد من المادة إلى اللا مادة هو بمثابة الدليل القاطع للقارئ بأن الوجود هو ارتباط فكري بالمكان وليس بيولوجي، فالأفكار والمعتقدات نواة الوجود الإنساني ."اعتدل يوبا في مقعده ثم تحسس من جديد السماعة وقلم الرصاص الموضوع على أذنه اليُمنى الذي كان يدون به النوتات الموسيقية الهاربة في رأسه المُتعب، أغمض عينيه قليلاً لكي لا يرى شخصاً آخر غير أمه، ولا يسمع سوى ذاك الأنين الذي كان يأتي من بعد سحيق محمل بالصرخات المكتومة والسعادات الصغيرة التي تتهاوى قبل أن تشرق كالفقاعات الصابونية التي ينشئها الأطفال، ثم يركضون وراءها، وعندما يقبضون عليها تنطفئ في أيديهم الناعمة " 6

صوت الروائي في السياقات المضمرة

أحياناً لابد للكاتب أن يظهر بين سطور الرواية بطريقةِ ما، تارة تكون الرواية جزءاً من تجربة حياتية عاشها الكاتب فيتجلى حضوره من خلال شخصية السارد العليم بكل شيء، وتارة آخرى يكون صوت الروائي من خلال بعض التعليقات على الأحداث فيكون صوت خارجي مكملاً للبنية السردية.

لكن واسيني في رواية سوناتا لأشباح القدس كان على قدر عالي من الحرفية، فهو الذي أراد أن يقتسم هموم القضية على طريقته الخاصة مع أبناء الشعب الفلسطيني ، فلذلك قرر أن يفكر خارج الصندوق معتمداً على الرمز في بناء شخصية "يوبا" فلم يكن اختيار الأسم عبثياً ، بل اعتمد على فكرة الغربة الزمكانية لولادة الشخصية فكان انتقاء الأسم يحمل بعداً ثقافياً دقيقاً بحكم أن أسم "يوبا" أسم ذو أصل أمازيغي، ويعتبر أسم أول ملك نوميدي، ويحمل في معناه القوي والنبيل، طبعاً لا يرجع المعنى إلى أي قاموس في اللغة الأمازيغية إلا أنه أسم ارتبط بأسماء الملوك فمن الطبيعي أن يحمل هذه الدلالة مجازياً.

ومن هنا استطاع واسيني أن يدخل من خلال ثغرة دقيقة جداً ليربط بين شخصيته الجزائرية بهويتها العربية و الأمازيغية و الحالة الفلسطينية معتبراً أن هناك قواسم مشتركة بين تجربته في المنفى خارج الجزائر وتجربة الفلسطينيين في المنافي القسرية بسبب الاحتلال الإسرائيلي "يوبا" اسم أمازيغي، كما أوضح لعرج ....، وهي محاولة منه لوضع جزء من ذاته وذاكرته في الرواية، خاصة أنه عاش حياة مشابهة لما عاشته "مي" من اضطرار لمغادرة بلاده والتنقل بين عدة بلدان أخرى، وكأنه يقول "مي هي أنا في جسد آخر".7

هذه الأنا الذاتية للروائي ليست نوع من الهيمنة على السرد، بل تأتي كحالة مشاركة في صناعة المشهد السردي فالكاتب واسيني الأعرج سعى أن يحمل على عاتقه هذه القضية، اضافة لكونها واجب أخلاقي هي جزء من شخصيته، فهو الذي يدرك تماماً معنى النفي خارج الديار ، فهو الكاتب الذي تعرض لعدة محاولات اغتيال خلال فترة العشرية السوداء فلذلك وفي لحظة ما وجد نفسه مراقباً للأوضاع في الجزائر لكن من خارج الحدود.

حالة الإقصاء يعرفها واسيني جيداً وكما استنكرها بحقه يستنكرها ويدينها بحق الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه في شتات هذه الأرض ، هذه الحالة الإنسانية لم تمنع واسيني من أن يذكرنا أن الرواية لا تحمل تمثيلاً شخصياً للكاتب وحسب بل هي رؤية جزائرية خالصة، فتأتي الرواية كشهادة على تاريخ القضية الفلسطينية وموقف يمثل الرؤية الجزائرية، في الخلاصة ما كتبه واسيني هو موقف الجزائر كشعب وقيادة من القضية الفلسطينية وهنا ندرك كيف يكون يرقى الكاتب بالصنعة الروائية من كونها حكاية إلى كونها موقف وشهادة للتاريخ.

فلسطين عربية حرة شعار لا يموت بالتقادم

من المؤكد أن الرواية جسدت مراحلة تطور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كانت حياة مي وذكرياتها بمثابة محطات نطل من خلال على تنامي هذه السردية من منظورها الحقيقي وليس من منظور العدو، لإن الصهاينة حاولوا دائماً طمس الحقائق وتغليب وجهة نظرهم بالعنف، إلا أن أصحاب الحق لا يحتاجون لكل تلك البراهين الواهية التي يستحضرها الكيان في أروقة الأمم المتحدة.

الفلسطيني صاحب أرض لإن هذا الشعب أختار الثبات رغم عشرات وربما آلاف المجازر التي ارتكبت بحقه، لإنه مدرك تماماً أنه صاحب هذه الأرض دون أدنى شك، خلاف الصهاينة الذين يقتحمون القرى و المدن بأسلحتهم الثقيلة ويسعون لتدمير أي آثر تاريخي يحمل دليل قاطع أن فلسطين عربية.

لذلك اعتمد واسيني على أسلوب "الوصية" في محاولة ليصنع من العمل الروائي رسالة للأجيال القادمة حتى يعرفوا الحقيقة دون تزوير أو تدليس أو كذب، أراد واسيني من وصية "مي" أن تحمل دلالة رمزية عميقة، فبعد أن أصابها السرطان وشعرت بدنو أجلها كانت وصيتها أن تُحرق جثتها وينثر رمادها فوق نهر الأردن وحارات القدس العتيقة، بينما العظام تبقى في الولايات المتحدة الأمريكية وتُدفن هناك والسبب هو رغبة منها بأن يكون لها قبر يزوره ابنها يوبا ويضع عليه أكاليل الورد.

نلاحظ من خلال الوصية فكرة الأبدية، فالموت هنا لا يمنع روح المقاومة، بل الموت تحول من تيمة تُحيل القارئ للنهايات المأساوية المُعتادة في السرد الكلاسيكي ليتحول هنا إلى أداة جديدة للمقاومة، فالرماد الذي ينثر هو تخليد لتلك الأجساد التي ضحت بحياتها في سبيل الحرية، وفي حال لم يشهد هؤلاء الأبطال لحظة الانتصار فيكفي أن تبقى آثارهم خالدة في مدن القدس وحاراتها.

وكأن واسيني الأعرج أراد أن يذكر العالم بأن قتل الفلسطينيين أو موتهم ليس إلا بداية جديدة ونواة لحركات تمرد أكبر، فهذا الشعب العظيم من المستحيل أن يتخلى عن شبر واحد من هذه الأرض حتى في مواجهة حرب الإبادة التي تخوضها إسرائيل ضد المدنيين العزل ."يا نهر الأردن، يا صرخة الأنبياء المكتومة ،الباحثين عن مأوى لهم في تدفقك الأبدي، جئتك بألمي وذاكرتي متحدية كل الفواصل و الحدود، فخفف من وطأة الحرائق التي تأكلني وتأكل من اشتهى الأرض فأحبها حتى أحرقته كما تحرق الفراشات النبيلة، يا نهر الأردن كن سخياً فقط كما تعودت عندما يعبرك الطيبون الذي لا رفيق لهم إلا خيباتهم ومنافيهم وأفراحهم المسروقة " 8

نلاحظ في الاستشهاد السابق جزءاً من وصية مي، ندرك أن الموت في هذه الرواية هو ارتقاء جديد لفكرة المقاومة، حيث يكون التحام الروح بالمكان ثبات في مواجهة محاولات الإحتلال في إنهاء الوجود الفلسطيني، هذه السردية تؤكد تماماً أن البطل في الرواية ليس البطل الخالد مادياً بل الخالد فكرياً فرمز نثر الرماد يحمل فكرة هامة أن شخصيات المقاومة على مدار السنوات الماضية هي تجليات للفكرة، فالأجساد راحلة لا محالة بينما الأفكار هي التي يُكتب لها الخلود الأبدي.

من هنا نستطيع أن نربط الرمز بالمتعاليات النصية فندرك فكرة الأشباح التي أشار لها الأعرج في عنوان الرواية، هي الأرواح التي خلدتها الموسيقى لتبقى بمثابة أشباح تؤرق الكيان وتذكره بأنه زائل لا محالة.

في الختام

سوناتا لأشباح القدس واحدة من عشرات أو ربما مئات الروايات العربية التي استطاعت أن تخلد ذكرى الشهداء الفلسطينيين وتبث روح المقاومة في الثوار الذين لا يزالون يولدون من جديد في كل لحظة.

فرغم أن الرواية العربية بشكل عام كانت حاضرة دائماً من خلال المحتوى الداعم للقضية الفلسطينية إلا أن واسيني الأعرج ولمسته الجزائرية منحت هذه الرواية بعداً آخر، فهي انتصار للذاكرة الجمعية العربية التي شهدت سقوط المستعمر الفرنسي ودحره بعد أكثر من قرن على الأراضي الجزائرية، فكأن واسيني الأعرج جاء مبشراً من خلال هذه السردية للأخوة المرابطين في الأراضي المحتلة ليخبرهم بأن هذا النضال حتى لو طال في النهاية لابد للنصر أن يكون حليفكم دون أدنى شك، فالجزائر خير مثال وخير قرينة دالة على النصر بعد كل هذه التضحيات لابد أن يستجيب القدر.

من خلال لغة شاعرية نوعاً ما و حوارات استطاعت أن تمنح الرواية سلاسة أكبر رغم اتساع مساحتها، نجح واسيني بتوظيف لغة الحوار ليضفي شيء من الروح الواقعية على الحكاية، وثق الأعرج الكثير من الهوامش لإن العمل شاهد على لحظات مفصلية في تاريخ فلسطين و هذا ما زاد في مصداقية العمل، فكل هذا الجهد هدفه أن يكون بقعة مضيئة في ذاكرة القارئ العربي والأجنبي على حد سواء، و تُعتبر الرواية موقفاً واضحاً لموقف واسيني حيال القضية الفلسطينية الذي لا يقبل أي نوع من أنواع التطبيع فهو المؤمن بأن الحق سيعود لأصحابه و لو بعد حين."كلما أغمضت عيني من مشقة الموسيقى والعمل الدائم ،رأيت مي تقوم من رمادها كطائر الفينيق ،و تتحول إلى فراشات لا متناهية خطت على أجنحتها دوائر لا حصر لها، و ألوان بمذاق البرتقال و اللوز، كلما نزل الليل أضاءت مدينة الله اليتيمة، أورشليم، المنكفئة على عزلتها وجبروت صمت موتها المتواتر ."9

ربما كانت النهايات مفتوحة في الرواية وقابلة للقراءة والتأويل، ربما لم واسيني حدوداً للنهاية وجعلها قصة قادرة أن ترافق القارئ ليرسم أبعاد جديدة يتخيل من خلالها نهايات متعددة، لكن هذا النص المفتوح ليس إلا مساحة تشاركية وتفاعلية تمنح أفق التلقي هوامش جديدة مرتبطة بالمتغيرات التي حدثت وتحدث ويمنح السرد قالباً يصلح للقراءة دائماً، صحيح أن النهاية هي حلم القارئ والكاتب وكل عربي مؤمن بحق العودة للفلسطينيين لكن بذات الوقت يترك الأعرج مسافة أمان خالصة لمنظور كل قارئ يتمنى أن يرى النهاية بالطريقة الأقرب إلى قلبه.

المصادر والمراجع

1 سوناتا لأشباح القدس وفصول النكبة / مقال / موقع الجزيرة.نت / 2012
2 المرجع نفسه
3 سوناتا لأشباح القدس / واسيني الأعرج / رواية / دار الآداب / بيروت / 2009 ,/ ط 1/ص 145/146
4سوناتا لأشباح القدس وفصول النكبة / مقال / موقع الجزيرة.نت / 2012
5 سوناتا لأشباح القدس / واسيني الأعرج / رواية / دار الآداب / بيروت / 2009 ,/ ط 1/ص 243
6 المصدر نفسه ص 20
7 سوناتا لأشباح القدس وفصول النكبة / مقال / موقع الجزيرة.نت / 2012
8 سوناتا لأشباح القدس / واسيني الأعرج / رواية / دار الآداب / بيروت / 2009 ,/ ط 1/ص 20
9 المصدر نفسه ص 16


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى