الجمعة ٢٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم هند الفيل

الهوية الفلسطينية بين الاغتراب والمقاومة

الهوية الفلسطينية بين الاغتراب والمقاومة

قراءة نفسية ثقافية في رواية: "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي

مقدمة:

تعد الرواية الفلسطينية من أهم الروايات العربية لما لها من خصوصية فهي المرآة التي تعكس الواقع الفلسطيني، والتي يمكن من خلالها تصور مدى المعاناة التي يحياها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة. كذلك هي مرآة الذاكرة التي توثق الصراع، وتعبر عن الهوية وترسخ لحق العودة.

مرت الرواية الفلسطينية بعدة مراحل بداية لما قبل عام 1948م، فهناك إشارات إلى عدة أعمال مثل:"مذكرات دجاجة" 1943م لـ "إسحق الحسيني، و"مرقص العميان" 1947م لـ "عارف العارف"، وغيرها من الروايات الاجتماعية التي كانت تصور الواقع بعيدًا عن الاحتلال.

جاءت الخصوصية الحقيقية للرواية الفلسطينية نتيجة نكبة 1948م، وما تبعها من نكسة 1967م، فقد عاش الروائي الفلسطيني المحنة وواكبها حتى انتهى الأمر إلى اغتصاب الأرض وتشريد الشعب، فانعكس الواقع الجديد على مسيرة الرواية مشكلًا تلك الخصوصية على المستويين القومي والعالمي.

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية الدراسة فيما يلي:

• تسليط الضوء على رواية مهمة في الأدب الفلسطيني، والإسهام في الدراسات النقدية التي تتناول الرواية الفلسطينية المعاصرة.
• إظهار العلاقة بين الأدب والذاكرة، وكيفية توظيف السرد الأدبي في معالجة قضية الهوية الفلسطينية.

الهدف من الدراسة:

تهدف الدراسة إلى:

• تحليل البنية السردية في الرواية، والكشف عن دلالة الرموز من الناحية النفسية والثقافية.
• دراسة تمثلات الهوية الفلسطينية وإشكالياتها.
• تحليل الصراع النفسي للبطل، وآليات المقاومة في مواجهة الاغتراب.

منهج الدراسة:

تعتمد الدراسة على المنهج الثقافي للكشف عن الخطابات الثقافية في الرواية. كذلك على المنهج النفسي لتحليل رموز تجربة الهوية.

تمهيد

"قناع بلون السماء"، رواية للكاتب الفلسطيني "باسم خندقجي" صادرة عام 2023م عن دار الآداب في بيروت، وحائزة على جائزة "البوكر" عام 2024م، كتبها وهو معتقل في سجون الاحتلال، وقد خرجت للنور على أجزاء تم نشرها عام 2023م. الكاتب هو باسم محمد خندقجي وُلد في نابلس 23 ديسمبر 1983م، درس الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، كتب عددًا من القصص القصيرة قبل أن يعتقل عام 2004م حيث كان يبلغ 21 عامًا، اُعتقل بعد عملية "سوق الكرمل" التي أدت إلى مقتل ثلاثة إسرائيليين، وحُكم عليه بثلاثة أحكام بالسجن المؤبد عام 2005م.

تحرر من السجن في 14 أكتوبر 2025م ضمن اتفاقية حماس وإسرائيل للإفراج عن الأسرى بعد أحداث السابع من أكتوبر وحرب غزة، وبعد خروجه ذهب إلى مصر حيث قال أثناء زيارته:"ها أنا اليوم أبعث حرًا من داخل هذه السجون بفضل صمود شعبنا ومقاومته الباسلة في قطاع غزة"، وأضاف:"اليوم أتوجه بأعمق وأصدق عبارات الفخر والاعتزاز إلي شعبنا العظيم في قطاع غزة، السلام على غزة يوم تقاتل، ويوم تصمد، ويوم تقاوم، والسلام على غزة يوم تبعثنا أحياء من داخل سجون الاستعمار الصهيوني."

حول صاحب المؤبدات الثلاثة الزنزانة إلى غرفة عمليات ثقافية يدير منها مشاريعه الفكرية، فقد قام بطباعة أعماله بدعم من أسرته، بل وقام بتنظيم حفلات توقيع في نابلس ورام الله كانوا ينوبون عنه فيها. اتخذ باسم قرارًا واعيًا بأنه لن يكتب عن السجن حيث قال: "وأنا أكتب، تختفي الزنزانة."

وقد بدأ رحلة الكتابة داخل السجن من خلال كتابه "مسودات عاشق وطن"، وقد كتب دواوين شعرية مثل "طقوس المرة الأولى" عام 2009م، وغيره من الدواوين الشعرية، كما كتب روايات مثل "نرجس العزلة" التي قام بإطلاقها في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية عام 2017م في رام الله، وغيرها من الروايات. وتعد تجربته في أدب السجون تجربة مختلفة ولافتة للنظر، فالأدب في رأيه يعمر أكثر من السياسة حيث تحفظه وتتناقله الثقافات، بينما "تموت السياسة في الغالب مع صاحبها".

وبالنظر إلى المواقع الإسرائيلية فيما كتب عنه نجد موقع "המכלול" على سبيل المثال قدمه كما يلي:"هو "مخرب" فلسطيني.. كان شاهدًا في الطفولة على الانتفاضة الأولى، وعندما بلغ الخامسة عشرة من عمره انضم إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني."

وأضاف الموقع:"في مقابلة أجريت معه عام ٢٠٢٥م، أكد أنه كان بصدد كتابة كتاب عن سجين آخر، وهو وليد دقة، الذي قضي حتى وفاته عقوبة السجن المؤبد بتهمة اغتيال جندي إسرائيلي. كما أكد أنه كان متورطًا في إرسال "انتحاريين" لقتل إسرائيليين. وقد أشار إلى أنه كان ينوي إرسالهم لمهاجمة أهداف عسكرية، وليس مدنيين، وأضاف أنه لو كان بإمكانه العودة بالزمن إلى الوراء، لما كان لجأ إلى "العنف"."

وقد لقت روايته "قناع بلون السماء" صدى واسعًا علي الصعيدين العربي والإسرائيلي حيث تحكي الرواية عن "نور الشهدي"، الشاب الفلسطيني الباحث في التاريخ الذي يعيش في أحد مخيمات رام الله، ويعمل على بحث حول أسرار "مريم المجدلية". وفي خضم بحثه يكتشف نفسه من خلال الآخر حيث يجد ذات يوم في جيب معطف قديم أثناء سيره في أحد الأسواق، هوية زرقاء تخص المدعو "أور شابيرا" "אור שפירא" الإسرائيلي الإشكنازي، وبسبب ملامحه الشقراء وإجادته العبرية، يقرر "نور" انتحال هوية "أور" - الكلمة التي تعني "نور" كذلك في العبرية- والدخول إلى المجتمع الإسرائيلي كباحث في بعثة تقوم بمهمة استكشافية. ومن خلال الهوية الجديدة يبدأ رحلة لاكتشاف التاريخ الفلسطيني المدفون تحت الرواية الإسرائيلية. تعالج الرواية تجربة إنسانية معقدة يعيشها بطلها حين يجد نفسه مضطرًا إلى تقمص هوية أخرى، الأمر الذي يفتح المجال أمام تساؤلات متعددة حول مفهوم الهوية والانتماء، والعلاقة بين الذات والآخر. كما تسعى إلى كشف التوتر القائم بين الرواية التاريخية الفلسطينية والرواية المضادة التي يحاول الاحتلال ترسيخها في الوعي والذاكرة.

وقبل الدخول إلى عناصر الدراسة لابد من التطرق إلى بعض من ردود الفعل الإسرائيلي على الرواية من خلال بعض العناوين الواردة عنها في الصحف والمواقع، فعلى سبيل المثال نجد مقالًا في جريدة يديعوت أحرونوت بعنوان:"الفائز بجائزة أدبية بقيمة 50 ألف دولار: "مخرب" مسئول عن تنفيذ هجوم إرهابي في تل أبيب." كذلك نرى في جريدة هآرتس خبرًا بعنوان:"الإرهابي باسم خندقجي، الذي كان متورطًا في هجوم قُتل فيه ثلاثة إسرائيليين، فاز بجائزة أدبية." ومقال آخر من هآرتس بعنوان:"باسم خندقجي يسعى إلى كشف الوجه الحقيقي للأدب الصهيوني." وأخيرًا وليس آخرًا مقال من موقع إخباري وإعلامي إسرئيلي بعنوان:"مثير للغضب: "إرهابي" محكوم عليه بالسجن المؤبد يحصل على جائزة أدبية رفيعة عن كتاب ألفه داخل محبسه."

هذه العناوين وغيرها تؤكد على الموقف الأيديولوجي الواضح ضد باسم وغيره حيث يتم التعامل معه بوصفه إرهابيًا مخربًا لا بوصفه أديبًا روائيًا، هذه النظرة تحيلنا إلى لغة الخطاب داخل هذا المجتمع الذي يحاول أن ينتزع الشرعية عن أبناء الشعب حتى ولو كانت شرعية أدبية إبداعية خوفًا من إمكانيتها في تحويل الأدب الفلسطيني إلى أداة تأثير عالمية يمكنها أن تغير السردية الإسرائيلية المزيفة المتخفية تحت القناع.

جدلية العنوان بين رمزية القناع والسماء

يمثل العنوان بنية وسيطة بين داخل الرواية وخارجها، فهو نص مصغر يقف موقف الوسيط بين العالم الواقعي والعالم الروائي. وعنوان روايتنا يحمل مفارقة لفظية بين عنصرين متناقضين، القناع بما يحمله من معنى التخفي والزيف، والسماء بما تحمله من معنى الحرية اللانهائية، والجمع بين المفردتين عن طريق اللون كذلك له دلالة استنكارية إذ كيف لهذا الشيء الذي يحمل في طياته إخفاء الحقيقة أن يحمل في الوقت نفسه لون السماء الزرقاء النقية؟!

واللون الأزرق له دلالات مختلفة منها دلالته النفسية حيث يرمز إلى الهدوء النفسي في أحيان أو الاغتراب الداخلي في أحيان أخرى. الأمر الذي يجعلنا نتساءل ماذا لو تماهى القناع في الفضاء المفتوح للسماء وأصبح جزءًا منها، وبالتالي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الذات التي ترتديه إلى حد يختفي فيه الحد الفاصل بين الحقيقة والزيف أو للحد الذي يخلق للذات المتخفية الفرصة لإعادة التشكل والظهور بالشكل الذي يسمح لها بالحضور الملموس. وهنا تتجلى جدلية العنوان حيث يختزل من بداية الرواية الجدلية التي يعيشها أصحاب الهوية الفلسطينية الضائعة وسط الواقع المأزوم الذي يضطهرهم في الكثير من الأحيان إلى التأرجح بين الاختفاء والظهور، وبين الحقيقة والزيف، وبين الاغتراب والمقاومة.

كذلك غلاف الرواية، فهو غلاف شديد الخصوصية والتعبير حيث يظهر الغلاف باللون الأخضر المتدرج بين الفاتح والغامق، اللون الذي يعبر عن أرض فلسطين وسماءها. ويؤكد الرمزية بصورة خلفية لمسجد قبة الصخرة الممثل للقدس، الفضاء المكاني المركزي المعبر عن الصراع بين التاريخ والواقع، فهو ليس مجرد مكان تراثي ديني بل هو ممثل للوجود الفلسطيني.

كما يتصدر الغلاف شخصان متشابهان أحداهما واضح، والثاني ظلًا خفيًا، وهما يمثلان الهوية المزدوجة لبطل الرواية، ويرتديان النظارات الشمسية وهي قناع الرواية التي تمثل الاغتراب. وهناك البالونات السوداء في الخلفية تطوف حول المسجد والشخصيات كناية عن الغموض الذي يحيط بالتاريخ والأشخاص، كما نجد قطعة قماش تمثل الثوب الفلسطيني التراثي ليشير إلى الأصل، وتقف في مقابله الهوية الزرقاء لتعبر عن الواقع المعاش.

ومن العتبات التي يجب الالتفات إليها كذلك في الرواية هي الاقتباسات الافتتاحية التي يبدأ بها خندقجي أقسام روايته الثلاثة، فنجده يستهل قسمها الأول المعنون باسم "نور" باقتباس من شعر "محمود درويش: جدارية" حيث يقول:"غنيت كي أزن المدى المهدور في وجع الحمامة..

لست أنا النبي لأدعي وحيًا
وأعلن أن هاويتي صعود."

هذا الاقتباس الشعري يرمز إلى الحق الفلسطيني المهدور والوجع الذي تعانيه الحمامة الرامزة للسلام أمام الضمير العالمي، وفي النهاية يقف نور عاجزًا أمام هذا الوجع فهو ليس بالنبي أو المخلص الذي يمكنه تصحيح الأوضاع.

وفي القسم الثاني المعنون باسم "أور" نجد الاقتباس من إنجيل توما حيث يقول:"طوبى للأسد الذي يأكله الإنسان، فيصير الأسد إنسانًا. وملعون الإنسان الذي يأكله الأسد، فيصير الإنسان أسدًا."

الاقتباس الديني هنا يرمز إلى الصراع بين الإنسان والأسد ممثلًا للصراع بين نور وأور، من منهم سيأكل الآخر ومن منهم سيعلن سيطرته على الأرض، من منهم سنطلب له الرحمة ومن منهم ستحل عليه اللعنة.

ثم يأتي اقتباس القسم الثالث والأخير المعنون باسم "سماء" الذي يقول فيه:"قالت مريم المجدلية:"أنا رأيت الرب في رؤية. وله قلت:يا رب، رأيتك اليوم في رؤية. فأجاب وقال:طوباك.. ".

تمثل المجدلية المجال البحثي لنور الذي يحاول فيه تفنيد السردية المنتشرة حول هذه الشخصية المشوهة، ويحيلنا هذا إلى تشويه السردية العالمية للقضية، وكأن محاولة نور البحثية لتغيير النظرة العامة عن المجدلية هي محاولة لتغيير نظرة العالم حول القضية، وفي ذلك إشارة إلى أحداث السابع من أكتوبر الماضي الذي يعد نقطة تحول في تاريخ القضية، فعلى الرغم من المجازر التي تعرض لها شعب غزة إلا أن ذلك كانت سببًا في تغيير تحول رؤية العالم السطحية لمعاناة الشعب إلى رؤية حقيقية دون قناع.

كل ما سبق نستطيع أن نلمسه من خلال العديد من فقرات الرواية منها على سبيل المثال:"فأنا لم أزل أنا نور.. أنا الباطن وهو الظاهر. الباطن يتجلى والظاهر يُحجب."

"ولكنني أنا.. لم أمت بعد يا مراد.. فأنا النصب التذكاري الحي.. نصب تذكاري عمره أكثر من سبعين عامًا!"

وفي كتابات نور لصديقه مراد يدور هذا المونولوج:" بالمناسبة يا مراد، هل قلت لك يومًا ما هو مقابل كلمة قناع بالعبرية؟
إنها تلفظ مسخا "מסכה"، فإذا قمنا برش قليل من العربية عليها فستلفظ مسخ.. وأنا لا أرتدي قناعًا، أنا أرتدي مسخًا.. بل أنا هو المسخ الذي وُلد من رحم النكبة.. والغربة، والصمت.. وُلدت من رحم التهميش وسجنك أنت يا مراد، وُلدت من مرآة أور.. فهل من رحم تلدني مرة أخرى إنسانًا؟!.. هل من سماء أتجلى بها نورًا ونارًا؟!

هذه الفقرة تعبر عن مدى التشوه النفسي والاغتراب الداخلي الذي يعيشه نور، الأمر الذي يصل إلى أنه يرى نفسه في مرآة الآخر مسخًا نتج عن الواقع الذي لطالما عاش فيه الشعب عبر التاريخ. ومن هنا يأتي السؤال الوجودي، هل هناك أي فرصة لأن يولد من جديد نورًا من نار المقاومة التي يمكنها أن تدمر ذلك المسخ للأبد، فهذا الميلاد هو حلم عودته للإنسانية المفقودة داخله.

أزمة الهوية وتجليات الاغتراب في الرواية

أولى عتبات التعبير عن الهوية هو استخدام الكاتب لضمير الحكي، فهو الأداة التي تعينه على توصيل رسالته. استخدم باسم آليات حكي كثيرة منها البطاقات الصوتية التي يسجلها الراوي بضمير المتكلم موزعة على أجزاء الرواية، يحكي فيها نور لمراد عن بحثه حول المجدلية وذاته الحقيقية.

وقد اختص ضمير المتكلم بدلالات متعددة ومختلفة منها، دلالته على الاتحاد بين السارد والبطل ووجود نية لسرد قصة حياة شخصية تمثل الحقيقة التي يعيشها البطل. كما يحيل على الذات ويستطيع التوغل إلى أعماقها ويقدمها كما هي، لا كما ينبغي أن تكون.

يتخلي باسم عن هذا الضمير في بعض اللحظات ليحل محله الراوي العليم بضمير الغائب،وفيه يكون الراوي كلي المعرفة مهيمنًا خارج نطاق الحكي, يقف وراء الأحداث والشخصيات, ويوجهها نحو مصائرها. إنه يروي من منظوره الخاص، هذا المنظور قد يبدو من خلاله حياديًا حينًا أو منحازاً حيناً آخرا.‏ وفي الوقت الذي يحيل فيه ضمير المتكلم على الذات، يحيل ضمير الغائب على الموضوع.

يعبر نور عن تشظي الهوية عن طريق القناع الذي يحيل إلى الانفصال بين ذاته والآخر، والصراع بين الظاهر والخفي، ويطرح تساؤل دائم عن الأنا الفردية والجماعية حيث يقول بضمير المتكلم:"نور، ابن هذا المخيم _ وكل المخيمات سواء. فما الحاجة إلى الأسماء!.. ليس ثمة معنى لاسم المخيم إلا عندما تُرتكب فيه المجزرة، ليصبح اسمًا من أسماء المآسي في تاريخ الإنسانية." ، ثم يعود قائلًأ: "من أنا؟ من أبي؟ ما هي الأزقة؟ أين هويتي؟ أين ظلي؟ أين مرآتي؟ ماذا أفعل هنا؟!" ، تستمر معاناة الشخصية حتى بعد الانخراط داخل مجتمع الآخر حيث يظل البطل غير قادر على الانتماء لا إلى ذلك ولا إلى ذاك، لتتحول الهوية إلى كيان دائم الانهيار أمام الصراعات. ويتحول القناع من محاولة للتكيف إلى دليل الانهزام، وتظل الأنا مضطربة وتائهة في دروب الواقع المفتوح على كل الاحتمالات.

وتظهر تجليات الاغتراب من خلال حالة الانعزال التي يحياها البطل في مجتمعه، كذلك الانفصال عن ذاته التي تراقب نفسها من الخارج، ليظل مجرد شاهد غير مشارك في قراراتها أو مصيرها، و تتجلى حالة الاغتراب في وجود القناع فقد ظل تحت وطأة عدم الانتماء ليتبلور أمامنا كذلك الاغتراب المكاني الذي يتحول المكان فيه إلى مكان طارد يفتقد فيه الإحساس بالاستقرار فهو كالمنفى، منفى وطني يرفض أهله حيث يقول بضمير الغائب: "يعود أدراجه إلى المخيم.. إلى البيت البائس في أجواء صباح.. مصرًا على البقاء، مسرحًا لذاكرة تعربد عليه الآن.. وهو اللاجئ الذي لا يتلمس ملامح المخيم إلا عندما يخرج منه.. وأما في المدينة الأسمنتية الكبيرة رام الله.. فهو لاجئ دون الأخذ بعين الاعتبار إذا ما كانت ملامح وجهه وطلته لا تبوحان بهذا، يكفيه اغترابه عن هذه المدينة المختلة والمحتلة."

يتضح من ذلك أنه كلما زاد تمسك البطل بقناعه المادي والمعنوي كلما زادت أزمة الهوية وتجلى شعور الاغتراب داخله، فهو يعيش بين هويتين: الهوية الأصيلة المهددة بالفناء، والهوية المفروضة الضامنة للبقاء ليستمر المأزق الذي يحياه البطل، مأزق الفلسطيني الذي يختصره في حواره مع سماء الفتاة الحيفاوية التي تحمل الهوية الإسرائيلية حيث قالت: "أيها المغفل، أنا أنتظر عمرًا بأكمله من أجل الخلاص من هذه الهوية.. وأما أنت فقد خسرت عمرك كله لترتدي هذا القناع! وهذه الهوية التي نكبتني."

وإذا كان قسم باسم أجزاء روايته بين نور وأور فقد خصص القسم الثالث والأخير منها لشخصية "سماء إسماعيل"، الشخصية التي ترمز باسمها الأول إلى نقيض شخصية "نور" ومرآته الحقيقية، فإذا كان نور يرتدي قناعًا بلون السماء ليخفي هويته ويندمج في الآخر، فسماء التي تحمل هوية الآخر ترفضها وتراها سببًا في نكبتها، فسماء "نور" ملونة بلون الآخر المزيف، أما سماء "سماء" فهي رمز للنقاء الذي لا يشوبه وجود الآخر. واسم إسماعيل ما هو إلا إشارة للجذور العربية الأصيلة للأرض الباقية رغم كل محاولات الاجتثاث.

تمثلات المقاومة في الرواية

المقاومة هي التعبير الإبداعي الذي ينبثق من المعاناة ليصور الواقع المأساوي ويتجاوزه في آن واحد، إنه ليس مجرد توثيق للألم بل هو صرخة احتجاج، ودعوة للصمود. هي إبداع يمتزج فيه الوطني بالإنساني، والذاتي بالجماعي لتشكل تعبيرًا أصيلًا عن هوية شعب يرفض الذوبان.. والأدب المعبر عنها هو أدب ينبع من تجربة معاشة ويعبر عن معاناة حقيقية يخاطب بها ضمير العالم، وهو أدب متطور يتفاعل مع المتغيرات ويستجيب للتحديات.

يتمثل فعل المقاومة في الرواية من خلال حالة الوعي المستمر للبطل الذي يصر على الاحتفاظ بذاته في مواجهة محاولات الطمس، فهويته هي ساحة المقاومة التي يتصارع فيها مع ذاته مع الآخر، فهو يرفض الاندماج الكامل داخل هوية الآخر كما يرفض الاستسلام الكامل لشعوره بالاغتراب في وطنه. هي تجربته البحثية والنفسية التي قرر أن يخوضها متحملًا كل عواقبها حيث يقول: "أتعاتبني يا صديقي على مسعاي وتتهمني بالهروب من الواقع إلى دهاليز تاريخية مجهولة؟"، ثم يستطرد قائلًا: " دعني أقول لك بكل أسف: إنني فشلت في مسعاي هذا.. فأنا مشتبك.. مشتبك يوميًا مع هذا الواقع الذي أعمل به."

تظهر المقاومة هنا فعل اشتباك يومي واجهه نور بالهروب إليه، الهروب الذي يرفضه مراد ويراه هروب إلى مصير مجهول وواقع أسوأ. فمراد ممثل لضمير نور ووعيه، وهو الوعي الجمعي للشعب كله، هو الجانب الأصيل للهوية التي تقاوم في سبيل القضية، والبطاقات التي يسجلها نور له هي صوته الداخلي الذي لا يستطيع أن يخرجه للعالم، فمراد هو ذات نور الباطنية المقاومة للاغتراب.

تتجلى المقاومة كذلك من خلال السرد عبر عدة تقنيات منها تعدد الأصوات في الحكي، وتعدد أصوات الحكي هو صورة من تعدد صور المقاومة فمنها مقاومة مراد، ومنها مقاومة نور حيث يعبر عن الاختلاف بينهما من خلال قوله: "واجه مراد المعتقل بإراداته الفولاذية، وهزم غربته بالأمل المتدفق من حبر قلمه، ليبارز الانتزاع الممنهج للإنسانية من زمنها ومكانها." ، في حين يقول عن نفسه: "فملامحي أصيلة كملامح العديد من أبناء شعبي المحتل.. وما قمت به ليس سوى التحايل على قيمة الملامح لدى المعايير الصهيونية.. إذ أن وجهي هذا لن يمنحني تفوقًا في نيويورك.. أما هنا، فهو يمنح بسخاء." ، فإذا كان مراد هو الممثل لذات خندقجي الظاهرة، فربما يكون نور هو ذاته الخفية المقنعة.

إعادة تشكيل الهوية بين الاغتراب والمقاومة

عنصر تشكيل الهوية بين المقاومة والاغتراب في الرواية هو عنصر شديد التعقيد يتشكل من الصراع المستمر بين الثنائيات المتناقضة، فالبطل لا يملك هوية ثابتة بل هوية تعيد إنتاج ذاتها باستمرار تحت وطأة الاغتراب والمقاومة. وفي هذا السياق يلعب الاغتراب دورًا مزدوجًا مهمًا ما بين القبول وبين الرفض، فهو الوسيط بين الوعي واللاوعي الذي يترك البطل في مرحلة التشظي حتى يأتي فعل المقاومة ويعمل على لملمة ذلك التشظي والمساهمة في إعادة تشكيل الهوية. يظهر ذلك من خلال الحوار الداخلي بين نور وأور حيث يقول: "سترتديني بعد قليل.. لا تهنأ كثيرًا بعودتك إلى أصلك..
أنا أرتديك كما أشاء لا كما تشاء أنت."

ويستمر الحوار حتى تأتي لحظة المواجهة كالتالي: " لقد أتعبتني.. هل ستظل صامتًا هكذا.. أجبني؟

ماذا تريد؟

التحاور

الآن أصبحت تعترف بوجودي.. بعد أن تسللت إلى داخلك!

بل انتحلتني.. كما أنك لا تعرف عني شيئًا سوى بياناتي المتوافرة في بطاقة هويتي..

وما حاجتي لكل ترهاتك هذه؟ تكفيني مزاياك.. أريد أن أدرك حقوقك التي اخترعتها أنت فوق هذه الأرض.. حقك بالوجود.. أريد أن أدركك لكي لا أصير مثلك.. أريد أن استخدمك لكي أتحرر منك.

كيف ستتحرر مني وأنت تتقمصني وتنتحلني الآن؟!

السر يكمن في المرآة. المرآة هي المعادلة، هي التفاصيل.. هي الكائنان أحدهما مسيطر والآخر خاضع.. ولهذا يجب أن أحطم المرآة."

هذا الحوار يعبر عن حالة الإرهاق الوجودي للطرفين وتأرجحهما بين خاضع ومسيطر لتأتي المرآة، الحد الفاصل بين الظاهر والمحتجب، فهي ليست مجرد انعكاس للوجوه بل هي انعكاس للهوية المزدوجة. وتحطيم المرآة هو تعبير عن حالة الرفض لتلك الازدواجية ورمز التحرر.

وتتزامن نهاية الرواية مع أحداث مشابهة لمعركة "سيف القدس" عام 2021م حيث يتم إلغاء البعثة الأثرية التي انضم إليها نور بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة، ومن هنا يقوم نور بالتخلي عن هوية أور والعودة إلى أصله مرة أخرى حيث يقول: "يقف قبالة الباب المفتوح.. ينحني ليشاهد سماء.. ثم ينتصب واقفًا مرة أخرى. ينزع قلادة نجمة داود من عنقه، يلقيها بعيدًا.. ينتشل بطاقة الهوية المزورة من جيبه.. ثم يمزقها بعنف ليلحقها بالقلادة.. يخرج هاتفه من جيبه، يعيد برمجته إلى اللغة العربية.. يصعد جالسًا بجانب سماء.. ثم يقول لها بكل ما أوتي من لغته العربية المستعادة: أنت هويتي ومآلي."
لم تقدم الرواية حلًا جذريًا لمأساة بطلها بل تركت النهاية مفتوحة نسبيًا، لا تنتهي نهاية حاسمة بل نهاية تحمل بعض الرمزيات منها تمزيق الهوية والعودة إلى سماء، وهي عودة إلى الأصل، فرغم كل الاغتراب الذي يحياه لكنه ما زال متمسكًا بلغته العربية التي تعبر عن هويته حيث ينهار القناع في النهاية أمام السماء الحقيقية.

وهذه النهاية هي نهاية رومانسية تحمل الطابع الحالم الملئ بالأمل المرير الذي يقاوم اليأس، فكأن الرواية تعتمد في سردها على البنية الدائرية التي تهدف إلى الإيحاء بأن كل أحداث الرواية متكررة الوقوع، ومتشابهة تعبر عن حالة القلق التي يعاني منها شخصوها والناجمة عن شعورهم بالاغتراب رغم المقاومة. والنهاية المفتوحة كذلك هي نهاية تنويرية تحث القارئ على إنتاج نصًا موازيًا حسب وجهة نظره ورؤيته للأحداث.

الخاتمة

تُبرز الرواية مدى تعقيد التجربة الإنسانية الفلسطينية حيث تتداخل أزمة الهوية مع تجليات الاغتراب وتمثلات المقاومة. وقد أظهرت الدراسة أن الهوية ليست ثابتة أو مطلقة، بل عملية مستمرة من التفاوض. كما أن المقاومة تتعدد أشكالها بين النفسي والثقافي، لتكون جزءًا من الحفاظ على الذات في مواجهة الآخر.

من خلال ذلك تتضح قدرة الرواية على تقديم الذات الفلسطينية بوصفها كيانًا يعيش في توازن هش بين الاغتراب والمقاومة. وتتيح للقارئ استيعاب تعقيدات التجربة في ظل الاحتلال مع التأكيد على أن الهوية والمقاومة عمليتان مستمرتان لا تتوقفان عند حدود النص أو الزمان.

النتائج:

• أزمة الهوية في الرواية تظهر كصراع ناجم عن التناقض بين الذات الحقيقية والذات المفروضة، وتأثرها بالضغوط المختلفة.
• الاغتراب ليس مجرد شعور بالانفصال، بل تجربة معقدة تجبر الشخص على إعادة اكتشاف ذاته وهويته.
• المقاومة تتخذ أشكالًا متعددة، وتصبح وسيلة للحفاظ على الهوية والذات.
• إعادة تشكيل الهوية عملية مستمرة تنتج هوية جديدة قادرة على التكيف ومستمرة في المقاومة دون فقدان جوهري للذات الأصيلة.
• الرواية تؤكد أن الهوية الفلسطينية هي تجربة مستمرة ناتجة من الوعي والمقاومة، مما يجعلها قوة وجودية وعاطفية في آن واحد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى