الثلاثاء ٢٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
دراسة فائزة في القائمة القصيرة، مسابقة ديوان العرب رقم ١٢
بقلم محمد صلاح زيد

الوطـن بوصـفه أثـرًا حاضـرًا في رواية «الطنطورية» لرضـوى عاشور

سردية المقاوم - من عام 1947م حتى عام 2000م

د. محمد صلاح زيد - مصر

تقديم:
إن هذا المستوى من مساءلة المفاهيم، يسعى إلى البحث في تحول السرد في الرواية المصرية المعاصرة. والرواية المصرية المعاصرة هي جزء من الرواية العربية المعاصرة، تتأثر بها وتأخذ منها، وتتطور بتطورها. حيث أنجزت الرواية المعاصرة مقولاتها الحداثية، وعبر هذه المقولات المنجزة يمكن أن نرصد التحولات التي مر بها هذا الجنس الأدبي. وفي هذا السياق يمكن أن نختزل المشهد الروائي في العقود الثلاثة الأخيرة في ثلاثة اتجاهات كبرى. ينزع الاتجاه الأول نزعة تحديثية، ويواصل تحديث تقاليد الجنس الروائي التي بدأت تلوح منذ بداية النصف الثاني للقرن الماضي، عندما ظهرت أعمال نجيب محفوظ التي عرفت بالسرديات الذهنية. «وهو اتجاه يسعى إلى خلخلة أساليب الكتابة السردية التقليدية التي كرست الحبكة واحترمت خطية الزمن إلى حد بعيد، وفسحت المجال لتدخل السارد العالم بالكون وهو يوجه مصائر الشخصيات ويكيف الأحداث لرؤيته العالمة وفاء لواقعية تفرط في إحالتها المرجعية، واتجاه ثان يعتقد أن الواقعية لا تزال قادرة على ابتكار شخصياتها النموذجية». لقد جاء ذلك بواسطة «إنتاج سرد قوي ومتماسك يستمد طاقته الإبداعية من إعادة طرح إشكالية التمثيل والإحالة المرجعية، وهو في ذلك يتمثل راهنية المذهب الواقعي». إن مفاد ذلك «أن كل مرحلة عظيمة هي مرحلة تحول، وهي مرحلة وحدة وتناقض بين أزمة من ناحية وتجديد من ناحية أخرى، وبين خراب وولادة جديدة».

أما الاتجاه الثالث فهو اتجاه الكتابة السردية التجريبية، فقد ظهر هذا الاتجاه منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي، بوصفه حركة فنية واعية بضرورة التجاوز وخوض مغامرة الشكل. إنها تحيد بشكل ظاهر عن الطرق المألوفة لتصوير الواقع، إما في تنظيم عملية السرد وإما في الأسلوب وإما في كليهما من أجل تكثيف إدراكنا لذلك الواقع أو تغيير ذلك الإدراك. ومع ذلك «يمكن أن نرصد نزعتين ظاهرتين: نزعة أحدثت ما يشبه القطيعة الإبستمولوجية، وهي تدعو إلى تأصيل الجنس الروائي في منظومة الأجناس السردية التراثية، ونزعة انفتحت على التجارب العالمية كما ظهرت في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الحالتين أصبحت الكتابة السردية مجالًا واسعًا لاختبار الأشكال الفنية وأساليب القص الحديثة، ومع ذلك يبدو لنا أن الرواية العربية تشهد منذ نهاية العقد الأخير من القرن الماضي تحولًا واضح المعالم. يبدو لنا أن اتجاهًا جديدًا في كتابتها يظهر وهو يواجه حركة التجريب». وهذا ما تتضح معالمه في عالم الروائية «رضوى عاشور» الروائي، من خلال روايتها الشهيرة «الطنطورية».
– سردية الانتهاك والاغتراب.
إنه يمكننا أن نطلق على هذا الاتجاه -كما يرى محمد الباردي- «الكلاسيكية الجديدة» في انتظار أن تتضح معالمه الفنية، «ولكنه يبدو لنا كأنه بمثابة ردة فعل قوية على سرديات الحداثة ومقولاتها، إذ يعود السرد إلى مقولات الكتابة السردية التقليدية ويلبسها ثوبًا جديدًا لتظهر بمظهر الجدة، إنها سرديات ما بعد الحداثة أو الكتابة السردية الكلاسيكية الجديدة، كما يحلو لنا أن نسميها».
إن ما يسميه «محمد الباردي»، بالسرديات «الكلاسيكية الجديدة»، هو ما قد نسميه نحن بـ «الكتابة السردية الجديدة»، أو «سرديات ما بعد الحداثة»، أو «الكتابة السردية المعاصرة»، فـ «الكتابة السردية المعاصرة» هي تسمية زمنية، قائمة على التحديد الزمني لوقت كتابتها، وهو الزمن المعاصر، المحدود بأطر زمنية، متفق عليها، أما «سرديات ما بعد الحداثة»، فهي تلك الكتابة السردية التي تفيد من معطيات وأدوات تيار ما بعد الحداثة، وتتبنى وجهة نظره، وتقوم في بنائها على خصائصه، و«الكتابة السردية الجديدة»، فهي تقترب بشكل أو بآخر من التعريف الذي نفهم به ماهية «سرديات ما بعد الحداثة»؛ حيث إنها تجديد في البناء السردي والشكل الفني، ليس هذا فحسب، بل تجديد يطال طبيعة موضوعاتها، وأفكارها التي تخاطب بها جمهور المتلقين، فهي تتخذ من التشظي والانتهاك والاغتراب والانسحاق والتهميش والسديم أسسًا لها، وهذه الأسس منها ما هو بنائي فني، ومنها ما هو موضوعاتي، يتعلق بموضوع النص السردي وفكرته، وهذا بالضرورة يطرح تساؤلًا مهمًا: ماذا اعتمدت الكاتبة «رضوى عاشور» من أسس تبنت من خلالها أدوات الكتابة السردية المعاصرة أو سرديات ما بعد الحداثة أو السرديات الجديدة؟ هل عادت في كتابتها الروائية إلى تمثل مقولات الكتابة الروائية التقليدية من حيث الشكل والموضوع؟ يبدو لي الأمر ليس كذلك، ففي أحداث الرواية تتضح ملامح الكتابة الروائية الموحية والموجهة بشكل أكبر لدى الكاتبة «رضوى عاشور»، التي جاءت لترصد معاناة الشعب الفلسطيني المأزوم، وذلك خلال الحقبة الزمنية بداية من عام 1947م ما قبل النكبة بعام، وحتى أحداث عام 2000م، حيث تجاوزت الكتابة الروائية الكلاسيكية شكلًا وموضوعًا، شأنها في ذلك شأن الرواية ما بعد الحداثية المصرية والعربية مؤخرًا، إن كتابتها السردية جاءت كتابة جديدة ومغايرة، كتب لها الصمود أمام النص الروائي ما بعد الحداثي، والدرس النقدي المعاصر، الذي يستمد مادته من نظريات ما بعد الحداثة. كتابة تقف أمام سؤال ثنائية الهوية والوطن، وترصد ملامح التشبث للشعب الفلسطيني المناضل في مقابل الانتهاك والقتل، بل الإبادة والتشريد (الاغتراب / التهجير)، تتعرض لتفاصيل جرائم الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، الذي يواجه أصحاب الأرض والحق (الشعب الفلسطيني) بكل جبروت وقسوة وظلم، معتمدًا على ترسانته العسكرية التي تستخدم أدواتها للقتل والتنكيل والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني الأعزل. تقول:
«كان الخبر الأول الذي نبهني هو ما حدث في حيفا في نهاية شهر كانون الأول، إذ حكت إحدى الجارات لأمي عن اشتباكات في حيفا بين العمال اليهود والعرب في مصفاة النفط. قالت الجارة: إن اليهود ألقوا قنبلة من سيارة مسرعة، فقتلوا منا وجرحوا كثيرين. وقالت: إنه في اليوم التالي مباشرة انقض العمال الفلسطينيون بالعصي والسكاكين على العمال اليهود، وثأروا منهم وقتلوا من قتلوا. وقبل الفجر هجم عسكر اليهود على بلد الشيخ وعلى حيّ على مشارفها يسكنه عمال في المصفاة من إجزم وعين غزال وقرى أخرى في الناحية مع زوجاتهم وأولادهم. دخلوا على الأهالي بالبلطات والسكاكين والقنابل والبنادق، وخلفوا وراءهم الجثث في كل مكان. البعض يقول قتلوا ستين من الأهالي، والبعض يقول إن القتلى مئات».

في المقطع السابق تتحدث الكاتبة عن ذلك الشعب البطل المأزوم، الذي يواجه هذا الاحتلال الغاشم بكل ظلمه وجبروته واعتداءاته المتكررة واللانهائية، فهؤلاء العمال اليهود يقومون بترويع العمال الفلسطينيين الآمنين، ويرمون عليهم قنبلة من سيارة مسرعة؛ ليخلفوا وراء جريمتهم قتلى وجرحى كثيرين؛ مما أثار حفيظة أصحاب الحق والأرض من أهل حيفا، حيث أرادوا الأخذ بالثأر، ففي اليوم التالي مباشرة هاجموا العمال اليهود وثأروا منهم وقتلوا من قتلوا، فهذا دفاع مشروع للفلسطينيين عن الأرواح والأنفس، لكن الأمر لم ينته عند هذا الأمر، بل تداعت الأحداث، حيث هجم عسكر اليهود قبل الفجر على بلد الشيخ وعلى حيّ، وقرى أخرى، دخلوا على الأهالي الآمنين والنائمين بكل ما يملكون من أسلحة وأدوات قتال (بلطات / سكاكين / قنابل / بنادق) وخلفوا وراءهم الجثث والأشلاء والمصابين في كل مكان. أما عن أعداد الضحايا من القتلى والمصابين، فإن الروايات اختلفت، فالبعض يقول: «قتلوا ستين من الأهالي»، والبعض يقول: «إن القتلى مئات». في المقطع الروائي السابق لا يخفى علينا ما أوردته الكاتبة من مشاهد انسحاق وانتهاك، والتي تتسق مع روح الانهزامية التي سرت داخلها أثناء الكتابة؛ مما جعلها تحيا حياة سديمية بائسة، تلاشى فيها الحضور، وتساوى مع الغياب، بل التلاشي، وهذه كانت معايشة افتراضية بل حقيقية من الكاتبة تمثلتها بكل وجدانها، وسطرتها داخل أحداث الرواية.
لقد حاولت الكتابة تجاوز نمطية السرد الخطي، بالقفز على المكونات السردية المثالية للنص السردي التقليدي، من خلال اشتغالها على آليات وثيمات فنية جديدة لبناء هرم مخالف للبنى والثيمات الفنية السابقة، وهذا بإنتاج خطاب لا يتوقف عند المستويات الدنيا لأفق انتظار المتلقي، بل تجاوزه إلى المساءلة والاتكاء على نظريات علم الجمال والتلقي، وأخذ المتلقي إلى عالم لا نهائي من التأويل.
وبناءً عليه، فإن رواية «الطنطورية» للروائية المصرية «رضوى عاشور» قد تورطت في إنتاج أسئلة مضادة للأسئلة التقليدية التي تحدد مضمار عملها في نصوص سردية أخرى، تؤخذ مكتملة ناجزة، مسلمًا سلفًا بتجنيسها، والمفاهيم والأدوات التي لا تخرج في أفضل الأحوال عن ثنائية الشكل والمضمون للرواية التقليدية.
لقد كتبت الروائية «رضوى عاشور» هذا النص في سياق سوسيو- تاريخي معين، وإنه وفقًا للدلالات والآفاق التي تفضي إليه تنطلق من مبدأ التشخيص للواقع الممكن، والذوات المأزومة المتشظية ضمن خصوصية هذا الواقع.
وهذا التشخيص للواقع الاجتماعي والتاريخي خاصة، تبنته الرواية في شكل حكايات يحكيها الراوي العليم، الذي يوجه الأحداث ويعلق على المواقف، إلا إن الملفت في البناء السردي لهذه الرواية هو قيامها على عامل التغيير والتطور بفعل تحريك عجلة الحياة وتقادم الزمن، فـالقرية الفلسطينية المنكوبة «الطنطورة» -شأنها في ذلك شأن كل الوطن الفلسطيني-، هي ذلك الواقع الرمزي الذي تسير به الحياة سلبًا، وتتحرك من خلاله الأحداث داخل الرواية، هي المحرك الرئيس للحكاية داخلها بكل تعقيداتها وتشابكاتها.
وعلى الرغم من أن الرواية تبدو من خلال الاسترسال السردي والوقفات الوصفية، أن الحدث فيها يسير ببطء، إلا أن طبيعة هذه الأحداث قد جعلت منها بنية متحركة، تقول:
«أتخيل أمي في تلك الأيام. أستعيد ما قالته وما لم تقله. أسمعها وهي تكرر على جارة من الجارات ما سبق أن قالته لخالتي: قلت له: تغرَّب بنتك في حيفا يا أبو الصادق! قال: اركبي القطار. سبحان الله، أسافر من بلد لبلد لأرى بنتي؟! وماذا لو جاءها المخاض في نصف الليل؟ وماذا لو أصابها لا قدر الله، مرض؟! ثم كيف أركب القطار، ومن يدريني كيف أركب القطار، وكيف أنزل منه، وكيف أذهب من المحطة إلى دارها؟! ثم كيف أركب قطارًا معظم ركابه من العساكر الإنجليز ومن المستوطنين اليهود؟! حتى لو تركوني في حالي ولم يؤذني أحد منهم، كيف أجرؤ على الاستعلام منهم؟! قد لا يفهمون كلامي حين أسألهم، وقد يسخرون مني، وقد يتقصدون ألا يدلوني فأنزل في المحطة الخطأ وأضيع بين البلاد، وقد أجد نفسي في كُبانية من كُبانياتهم، ماذا أفعل ساعتها؟ أدق الباب على اليهود وأقول لهم رجعوني بلدنا؟! لماذا يختار أبو الصادق الصعب ويقول اقبلوا ما اخترت؟!».
تسعى الدراسات التي تتناول الكتابة السردية الجديدة إلى تقديم مقاربات نظرية وأخرى تأويلية لـمظاهر التطور في «السرديات الجديدة» على مستويين: «الحداثة وما بعد الحداثة»، و«السرديات الجديدة» (سرد ما بعد الحداثة / النصوص السردية الجديدة) وخصائصها.
ولعل اتجاه التجريب في هذه السرديات كان من أهم الانشغالات والمساءلات التي طرحها هذا النص السابق للكاتبة «رضوى عاشور»، الذي ظل ينشد دائمًا البحث عن أنساق سردية مغايرة، بإمكانها تجاوز بنية النص التقليدي، خاصة في أطروحاته الكلاسيكية والعينية، والوقوف أمام سردية الانتهاك والاغتراب، وثنائية الهوية والوطن.
وقد اشتغلت هذه الكتابة السردية الجديدة في بحثها الدؤوب عن هذا المتغير، على كل ما من شأنه أن يجعل خطابه مخالفًا للسائد الخطي والواقعي، ومكسرًا لنمطية الساكن، الذي جعل النص السردي إلى وقت قريب شبه جامد.
لقد قامت هذه النصوص بالعمل على مراجعة المكونات السردية وطرائق توظيفها، بحيث شكلت لنفسها منهجًا جديدًا في مسار الحكي، استنادًا إلى قناعات فنية مغايرة آمن بها كتابها. تقول الكاتبة «رضوى عاشور»:
«ولكن «شباط الخبَّاط» على ما فيه كان هينًا ولطيفًا قياسًا بالشهور اللاحقة. عندما نورت أشجار اللوز كان البلد كله يعرف أن الحرب تدور هنا وهناك، وأن الحاجة للسلاح صارت كشربة ماء، ضرورية للبقاء. أصبح الحديث مشاعًا حتى بين نساء القرية عن شراء السلاح.
وصارت أسماء العصابات الصهيونية وزعمائها، أسماء غريبة وصعبة النطق، صارت متداولة بينهن فيعرفن من هم الهاجاناه.. ومن شتيرن ومن إتسيل.. ومن هو بن جوريون. ثم وصل البلد خبر وقوع محمد الحنيطي قائد حامية حيفا ورفاقه في كمين وهم عائدون من لبنان بشاحنتين من السلاح، وبعد أسبوعين سقطت حيفا. لم ينتبه أحد حتى نحن الصبايا والأولاد، أن اللوز أخضر على الشجر».
في المقطع السابق، تقف الكاتبة أمام سرد متداخل ومتقاطع في الآن ذاته، تتساءل ضمنيًا، هل انهزم الشعب الفلسطيني؟ هل سقطت حيفا / فلسطين؟ هل الفلسطيني في حالة الحضور أم الغياب؟ ماذا عن تلك المشاهد الحدثية التي مر بها؟ (أشجار اللوز التي نورت / البلد كله الذي يعرف أن الحرب تدور هنا وهناك / البلد كله الذي يعرف أن الحاجة للسلاح صارت كشربة ماء، ضرورية للبقاء / الحديث المشاع بين نساء القرية عن شراء السلاح / أسماء العصابات الصهيوينية الغريبة والصعبة التي صارت متداولة وشائعة على ألسنة النساء / خبر وقوع محمد الحنيطي قائد حامية حيفا ورفاقه في كمين وهم عائدون من لبنان بشاحنتين من السلاح / سقوط حيفا / عدم انتباه الصبايا والأولاد أن اللوز أخضر على الشجر).
أضف إلى ذلك التوظيف الجديد لمكونات السرد المعروفة داخل بناء الرواية، من خلال إدخال عنصري «المفارقة» و «العجائبية» في تشكيل مسار السرد وبنية الحكاية فيها؛ وعيًا من الكاتبة بأن أشكال التعبير المكرسة سرديًا قد استنفدت إمكاناتها، وأصبحت من ثمة جديرة بأن توضع موضع المساءلة والتشكيك، وبالتالي وجوب البحث عن سبل جديدة مغايرة في توظيف هذه المكونات.
ولعل مما زاد في جمالية هذا النص الروائي وانفتاحه على القراءة هو استثماره للموروث الثقافي لبيئته، فمشهد أشجار اللوز التي نورت في شباط، ثم عدم انتباه الصبايا والأولاد، أن اللوز أخضر على الشجر وقت سقوط حيفا، كذلك الهزيمة على يد جنود الاحتلال وسقوط حيفا الذي قد يمثل لاحقًا رمزًا لسقوط الوطن الفلسطيني ككل، يمثل مفارقة سردية، وعجائبية في تشكيل مسار السرد وبنية الحكاية فيها، استنادًا على ذلك الموروث الثقافي لبيئة البطلة والصبايا والأولاد على حد سواء، فالموروث الثقافي لهما معًا مغاير لهذه المفارقة، وقد يكون رافضًا لها تمامًا (الانسحاق والهزيمة / النكبة)، إذ إنه ليس من المعلوم عن هذا الموروث الثقافي لبيئة البطلة وكل أطياف الشعب الفلسطيني معًا، أن تكون الهزيمة لديهم مقبولة. ولعل في هذا استحضار محطات تاريخية وثقافية ثابتة وراسخة داخلهم جميعًا، هي من عمق ذاكرة شعوبها. وقد تم بلورة ذلك كله في سرد مفتوح على التأويل اللانهائي، وعلى عتبات الآتي والمتخفي.
ومما تجدر الإشارة إليه أن النص الروائي للكاتبة «رضوى عاشور»، في روايتها «الطنطورية» قد خلق واقعًا جديدًا، من خلال بنيته الفنية المتغيرة، بحيث استطاعت كاتبتها ابتداع واقع فني معادل لواقع الحياة، بفضل التشخيص الأسلوبي للغة. وهذا عنصر أساسي من عناصر الحداثة في الخطاب السردي الجديد. تقول:
«بعد سنوات عندما انتقلنا إلى بيروت وشاركت في محو أمية النساء في شاتيلا وتعين علي أن أزور نساء المخيم لإقناعهن بأهمية الأمر، اكتشفت أن ما ورثته عن أمي كان شائعًا. استغربت كيف تفعل النساء الشيء نفسه، دون سابق اتفاق؟ أذكر زيارتي الأولى. ولأنها الأولى كنت حيية مرتبكة، لا أعرف إن كانت ستبدو تطفلًا أم أمرًا مرحبًا به. استقبلتني أم إبراهيم، ختيارة ستينية تعيش مع ابنها وكِنَّتِها وأحفادها. عرفتها بنفسي. قلت إنني من الطنطورة وإنني زوجة الدكتور أمين في الهلال الأحمر الفلسطيني. قالت نحن من سعسع، هل تعرفينها؟ وفرت علي الحرج لأنها لم تنتظر جوابي. راحت تحكي لي عنها وعن المجزرتين اللتين وقعتا فيها. قالت: راح لي بنت في المجزرة الأولى في شباط. كان عمرها خمس سنين. دفناها هناك في البلد. في تشرين أول، بعد أن أعلن اليهود دولتهم بخمسة شهور، هجموا مرة أخرى، قاموا بمجزرة ثانية واستحلوا البلد وأطلعونا.
مدت أم إبراهيم يدها في صدرها وأرتني المفتاح المعلق في حبل حول رقبتها. قالت: مفتاح دارنا.
لاحقًا سوف أعرف أن أغلب نساء المخيم يحملن مفاتيح دورهن تمامًا كما كانت تفعل أمي. البعض كان يريه لي وهو يحكي عن القرية الذي جاء منها. وأحيانًا كنت ألمح طرف الحبل الذي يحيط بالرقبة وإن لم أر المفتاح. وأحيانًا لا ألمحه ولا تشير إليه السيدة ولكنني أعرف أنه هناك، تحت الثوب». في المقطع الروائي السابق خلقت الكاتبة واقعًا جديدًا، من خلال بنيتها الفنية المتغيرة، بحيث استطاعت ابتداع واقع فني معادل لواقع الحياة، بفضل التشخيص الأسلوبي للغة، لقد جاءت اللغة بوصفها إنسانًا يبوح بالكثير من أسرار الحياة ومفرداتها داخله، فأنسنة الخطاب اللغوي سردًا ووصفًا للمشاهد الحدثية التي تضمنها المقطع الروائي السابق، جعلت من اللغة داخل النص إنسانًا ينبض بالكثير من التقلبات الشعورية، ويموج داخل طوفان لا نهائي من التساؤلات المقلقة، يقف على جدلية السؤال وإشكالية الحياة، وتقلباتها (وفرت علي الحرج لأنها لم تنتظر جوابي / راحت تحكي لي عنها وعن المجزرتين اللتين وقعتا فيها / قالت: راح لي بنت في المجزرة الأولى في شباط. كان عمرها خمس سنين / دفناها هناك في البلد. في تشرين أول، بعد أن أعلن اليهود دولتهم بخمسة شهور / هجموا مرة أخرى / قاموا بمجزرة ثانية / استحلوا البلد وأطلعونا / مدت أم إبراهيم يدها في صدرها وأرتني المفتاح المعلق في حبل حول رقبتها / قالت: مفتاح دارنا / لاحقًا سوف أعرف أن أغلب نساء المخيم يحملن مفاتيح دورهن تمامًا كما كانت تفعل أمي. / البعض كان يريه لي وهو يحكي عن القرية الذي جاء منها / أحيانًا كنت ألمح طرف الحبل الذي يحيط بالرقبة وإن لم أر المفتاح / أحيانًا لا ألمحه ولا تشير إليه السيدة ولكنني أعرف أنه هناك، تحت الثوب).
ولعل ما سبق ذكره قد شكل دافعًا كبيرًا للتعمق في الكتابات السردية الجديدة؛ بقصد فك بعض شفرات هذه النصوص التي تستمد مرجعياتها من الواقع أولًا، ولكن بعد أن تغيبه في ثنايا العجيب المؤطر بلغة شاعرية، تنبذ التفاصيل، وتنشد الإطلاق، لخلق نص يصمد أمام المتغير، ويراهن على الجديد المتأصل. ويفيد من إنجازات النظريات النقدية الجديدة التي تهتم ببنية النصوص، قبل أن تركز بشكل كامل على المضامين. نجد صدى كبيرًا لذلك عند الكاتبة «رضوى عاشور» داخل أحداث الرواية، تقول:
«عندما انتقلنا من صيدا إلى بيروت في خريف العام سبعين، كان صادق التحق بالسنة الأولى في دراسته الجامعية. وكان حسن تلميذًا في نهاية المرحلة الإعدادية. شابان لا يُخشى عليهما. يقرآن الصحف ويتابعان الأخبار. انتقلنا في شهر أيلول وكانت المعارك دائرة في عمان بين الفدائيين والملك حسين. يتابع الولدان ما يجري يومًا بيوم، ويشتركان معنا في التعليق والتحليل والتوجس والقلق».
في المقطع الروائي السابق تتضح لدى الكاتبة «رضوى عاشور» ملامح الكتابة السردية الجديدة ما بعد الحداثية، والتي أصبحت جزءًا من تاريخ الكتابة السردية العالمية، ومن أهم الروافد المهمة التي طورت هذا الجنس الأدبي؛ فإنها لم تكن يومًا على هامش ما طرأ على هذا النوع، الذي عرف دون غيره تغيرات شتى على مستوى الشكل والمحتوى وهذا ما نلمسه داخل المشاهد الحدثية السابقة، بحيث نلمح تغيرات البناء الداخلي لها من حيث مكونات السرد وتنوع الفضاءات، والتي استندت في حداثتها إلى نزعتها التجريبية التي تطرح من جديد إشكالية التمثيل وطبيعة الجنس الأدبي. حيث إن الكتابة السردية الجديدة دائمًا، كانت تسعى إلى خلخلة البنى السردية السائدة في الكتابة السردية التقليدية _ بشكل عام_ وزعزعة طقوس التلقي القديمة التي ربطت المتلقي بالرواية زمنًا طويلًا. كذلك جاءت بوصفها كتابة معبرة وموحية عن آلام وجراح ونكبات أصحابها. تفتش في عوالمهم الداخلية المأزومة منها، والمتصالحة. ونلمح -أيضًا- صدى لذلك في المقطع الروائي الآتي، تقول الكاتبة:
«لما استحلوا البلد شردنا إلى القرى المجاورة ننتظر على أمل أن يساعدنا جيش الإنقاذ الذي كان يعسكر على بعد كيلو مترات قليلة. ولما انقضى شهر آيار وجاء شهر حزيران، قلنا سيهلك المحصول على عيدانه، والزاد شحيح وعيالنا جوعى. قلنا نواجههم وليكن ما يكون. انتشر الخبر في القرى المجاورة، فأتى الشباب للمساعدة. انطلقوا. من معه بندقية حملها ومن لا يملك بندقية تسلح بعصا أو سكين. و»الله أكبر الله أكبر» هجموا. خاف اليهود. هربوا. تضحك أم الناهض. كان القمح محصودًا وفي الأكياس. رأوا الشباب هاجمين وسمعوا الصوت فتركوا الأكياس وهربوا. تركوا في الأرض ثلاثة مدافع رشاشة مرفوعة على مسند وموجهة نواحينا. وسبع حصادات، ومكن كبير حصدوا به قمحنا».
في المقطع السابق طغت على النص ملامح الكتابة السردية الجديدة وسمات ما بعد الحداثة، والتي تعيد النظر في الظواهر الفنية السردية (الشخصية، الوظيفة السردية، الحبكة، صورة الراوي)، مع تميز كل نص تبعًا لإمكانيات كاتبه من حيث القدرة على الحكي، ومن حيث التحكم في بناء النص سرديًا وهذا ما امتلكته ببراعة الكاتبة «رضوى عاشور»، وأبان عنه المقطع الروائي السابق. وهو ما يعني أن كتاب النصوص السردية الجديدة يسعون إلى ألَّا يقعوا في فخاخ التنميط، لا داخل التجربة السردية عامة، ولكن -أيضًا- داخل التجربة الفردية. وفي هذا السياق تكتسي هذه التجارب السردية أهميتها الخاصة، من حيث كونها تنشد نمطًا بنائيًا يكمن في البعد التجريبي المتمثل في ذلك الخطاب السردي الروائي والقصصي ما بعد الحداثي، الذي يسعى إلى خلخلة السائد، والبحث عن فعاليات سردية وجمالية بديلة؛ لتأسيس خطاب سردي متميز معبر عن حال أصحابه، وما يمرون به من نكبات وأزمات، وصراع حول الهوية والبقاء داخل الوطن، وموح بما آلت إليه الأحوال.
ختامًا لقد جاءت رواية «الطنطورية» للكاتبة «رضوى عاشور» نصًا استثنائيًا ومغايرًا، يتحول القارئ فيه من مستهلك، هدفه المتعة، إلى قارئ يهدف إلى أبعد من النص، وهو القارئ المؤول، الذي يسعى إلى كشف المسكوت عنه في النص، وهنا يحدث التفاوت بين النقاد؛ لأنه كلما زادت ثقافة القارئ وقدرته على الكشف في مجاهيل النص، زادت قيمته واتسعت مجالاته. فالنص قبل القراءة ميت، والقارئ من يبعث فيه الحياة، والاستمرار في القراءة هو ما يضمن له الوجود، ولهذا ليس لزمن قدرة على القضاء بموت نص أو حياته، فالقدم والجدة ليسا معيار حضوره، بل قد يصبح النص القديم الذي نسي منذ زمن بعيد نصًا له كيان ومعترف به، إذا جاء من يقوم بإعادة قراءته، وفي مقابل هذا قد يصبح النص الذي لا يفصلنا عن كتابته سوى يوم واحد، نصًا منسيًا، إذا امتُنِع عن قراءته.
إنه من المسلم به على العموم أن النصوص الأدبية تأخذ حقيقتها من كونها تقرأ، وهذا بدوره -ووفق بعض النقاد- يعني أن النصوص يجب أن تحتوي مسبقًا على بعض شروط التحيين التي تسمح لمعناها أن يتجمع في الذهن المتجاوب للمتلقي. وعادة ما تكمن شروط التحيين في لغته، فلا مكان في الإبداع للغة العادية البسيطة التي تحمل المعنى فوق السطور، ولأن الأدب هو ما امتنعت فيه اللغة إلا أن تكون عاملًا مضللًا وليس دليل هداية، وبفضل هذه الصفة فيها تكتسب ألفاظها الكثير من الدلالات ويحدث ذلك أثناء محاولة القارئ الإمساك بالمعنى، فقبل الوصول إلى معنى معين، فهو يطرح العديد من الاحتمالات التي تغني النص وتزيد من قيمته. وهذا هو دور المقاربات التأويلية التي تم اعتمادها منهجًا لهذه الدراسة النقدية لرواية «الطنطورية» للكاتبة «رضوى عاشور»، تلك المقاربات التي تستقرئ النصوص، عبر قراءات متعددة، تحاول الاقتراب شيئًا ما من بواطن النصوص ودواخلها، تسعى إلى الكشف عن كوامنها، وفق آليات منهجية تأويلية، فشرط ربط صفة الاحتمال بالقراءة ضروري فيها؛ وذلك حرصًا من القارئ على فتح باب القراءات، وعدم تقييد النص بمعنى معين؛ لهذا فعملية التأويل لا تهدف إلى إدراك المعنى فحسب؛ لأنها لا تنطلق من اللغة العادية، بل تقيم المعنى على أساس الفهم، وبالتالي إضفاء بعض الذاتية على النص، وهذا ما يجعل المعنى الحقيقي للنص غائبًا وسط مقاربات احتمالية متعددة ناتجة عن قراءات مختلفة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى