انقلاب في مملكة الجسد
في مملكة خفية لا تظهر على الخرائط، كانت الأعضاء تعيش تحت حكم القلب منذ أول نبضة، لم يكن ملكا بالتاج و لا بالصولجان، بل بإيقاع أحمر قانٍ يتردد في كل زاوية من الجسد، كل صباح كان يرسل دفعات الحياة عبر الشرايين، فتستيقظ العينان على الضوء، وتتحرك القدمان نحو المقاصد، وتمتلئ الرئتان بالهواء.
ولسنوات طويلة، لم يشك أحد في سلطته، فقد كان القلب كثير التقلب، سريع العطف، واسع الأحلام، يفتح أبواب المملكة على مصرعيها لكل شعور عابر، ويستقبل الأمنيات كما تستقبل الأرض المطر.
لكن، شيئا ما بدأ يتغير.
ففي كل مرة كان العقل يرفع تقريرا محذرا من خطر قادم، كان القلب يمزقه باسم الأمل، وكلما أشارت العينان إلى حقيقة مؤلمة، أصر على رؤية ما يرغب في رؤيته لا ما هو موجود فعلا. ومع مرور الأيام، أخذت آثار قراراته تتراكم في الممرات وأروقة الشرايين، حتى صارت الأعضاء تتبادل نظرات القلق في صمت.
كانت المعدة أول من تذمر من اضطراب الأحوال، وكانت الرئتان أول من مر بثقل الأنفاس، أما العينان فكانتا تخفيان خلف الجفون بحارا من الدموع لم تجف بعد.
ورغم ذلك، ظل القلب على عرشه مطمئنا، يظن أن المملكة ما زالت تهتف باسمه كما كانت من قبل.
لم يكن يعلم أن همسات خافتة بدأت تتسلل عبر الأعصاب، وأن اجتماعات سرية قد انعقدت في أروقة الدماغ، وأن كلمة واحدة كانت تردد بين الأعضاء كشرارة تنتظر الريح.
في ليلة ثقيلة.... وقد أنهكت العواطف الجسد، دق جرس المحكمة الكبرى... اجتمعت الأعضاء جميعها في قاعة واسعة تتوسطها منصة العدالة، ...جلس العقل على كرسي القضاء، بينها وقف القلب في قفص الاتهام، يخفق باضطراب لم يعتده.
نودي على المدعي الأول
تقدمت الرئتان أولا وقالتا:
– سيدي القاضي ...كم مرة اضطررنا إلى اللهاث لأن هذا المتهم ركض خلف أوهام الحب؟ كان نبضه يسرع كلما لمح وجها أو سمع كلمة، فنجد أنفسنا نعمل فوق طاقتنا.
ثم نهضت المعدة وهي تتأفف:
– وأنا شاهدة على أفعاله، في أيام الفرح يمنعني من الإحساس بالجوع، وفي أيام الحزن يعقدني بالعقد ويملؤني بالمرارة، لا يعرف الاعتدال.
جاء دور العينين:
– بسبب قراراته ذرفنا أنهارا من الدموع، كان يصدق الوعود البراقة، ويأمرنا بالنظر إلى السراب كأنه حقيقة.
أما اليدان فرفعتا شكواهما:
– كم كتبنا رسائل ندم وأمسكنا هدايا لم يكن ينبغي تقديمها، كل ذلك بأوامره.
وأضاف الساقان:
– كم مشينا في دروب مظلمة على أمل اللقاء ...لم تنهكه المسافات بقدر ما أنهكتنا ولم يخفه الظلام بقدر ما أخافنا ...تورمنا وهو لا يبال.
ساد الهمس أرجاء المحكمة، والقلب يطأطئ رأسه.
عندها أذن العقل له بالكلام.
– نعم أخطأت كثيرا ...انفعلت، وثقت بمن لا يستحق، وجررت الجميع إلى التعب، لكن من منكم يعرف معنى الحياة بدوني؟ أنا من منحكم الدفء والشغف والأمل، إنني لم أكن أبحث إلا عن السعادة.
ساد الصمت لحظة....
أجاب العقل:
– لا أحد ينكر فضلك ...لكن المشكلة ليست في وجودك، بل في حكمك المنفرد، لقد نصبت نفسك ملكا على الجسد، فأصدرت القرارات دون مشورة، وكانت النتيجة فوضى وآلاما متكررة.
وقف العقل، وضرب بمطرقته معلنا الحكم النهائي:
– بعد الإستماع إلى كافة الشهادات، تقرر إدانة القلب بتهمة التهور وسوء التسيير، وحكم عليه بالسجن المؤبد خلف قضبان القفص الصدري، ومنعه من اتخاذ إي قرار مصيري دون موافقة المحكمة العقلية العليا.
ارتجت القاعة بالتصفيق.
اقتيد القلب إلى سجنه المعروف خلف الأضلاع، ومن خلف قضبانه ظل ينبض في صمت، يؤدي واجبه دون أن يحكم.
أما العقل فاعتلى المنصة العليا، وأصبح المرجع الأول والأخير لكل قرار، ومنذ ذلك اليوم ساد النظام أرجاء الجسد وخفتت العواصف.
غير أن بعض الأعضاء كانت تسمع، في الليالي الهادئة، صوت نبض خافت يأتي من خلف قضبان القفص الصدري، يذكرها بأن العقل قد يقود السفينة، لكن القلب هو وقود السفينة الذي يمنح الرحلة معناها.
