مسارح الجوارح
لم تكن المساحات مقياسا للأمكنة في اعتقاده، بل بما تتركه الأمكنة من مسافات لا تُرى. وأن الانسان لا يسعه العيش في مكان واحد، بل يتوزع على شتى الفضاءات، البعض منها تسكنها الذاكرة ولا تطأه الأقدام، (…)
لم تكن المساحات مقياسا للأمكنة في اعتقاده، بل بما تتركه الأمكنة من مسافات لا تُرى. وأن الانسان لا يسعه العيش في مكان واحد، بل يتوزع على شتى الفضاءات، البعض منها تسكنها الذاكرة ولا تطأه الأقدام، (…)
كان حجراً صغيراً، لا يلفت النظر بين أكوام الحجارة التي تملأ المكان. لم يكن مستديراً بما يكفي ليُزيّن نافورة، ولا مستوياً بما يكفي ليُفرش في ساحة، ولا كبيراً بما يكفي ليكون قاعدة يُبنى عليها شيء. (…)
في البداية، كانت التفاهة تأتيه خفيفة، في مقطع لا يتجاوز عشرين ثانية، فيضحك وينتقل إلى غيره. ثم صارت عشرين مقطعا.... ثم مئتين. ثم أصبح الصمت نفسه يسبب له الإزعاج. كان يضع سماعاته قبل أن يفتح (…)
لم يعد أحد يعرف متى اختفت مظاهر اللقاء لم يكن هناك إعلان رسمي، ولا يوم حداد، ولا خبر عاجل يتناقله الناس. اختفت ببساطة، كما تختفي الأشياء التي اعتدناها كثيرًا حتى نظن أنها لن تغادرنا أبدًا. كان (…)
لم يكن في ذلك الطريق شيءٌ يدعو إلى الأمل. إسفلتٌ أسود يمتدّ بلا نهاية، تدهسه العجلات باستمرار، وتغسله الأمطار ثم تعيده الشمس إلى قسوته الأولى. على جانبيه أرصفة متشققة، وأبنية رمادية، ووجوه تمضي (…)
في صومعة قديمة بأطراف المدينة، قضى رجلٌ عمره في البحث عن السر الأكبر للحياة. كان يرى الناس حوله يركضون خائفين من الألم، ويفزعون عند هبوب نسائم الحزن، بينما يلهثون وراء العافية والسعادة وكأنهما (…)
كان يظن أن العمر يمضي قدما حتى اكتشف، متأخرًا، أنه كان يعود إليه من حيث لا يدري في طفولته، كان يكره الليل كلما انطفأت الأنوار كان يختبئ تحت الغطاء، ويتخيل خلف الباب أشباحًا لا وجود لها وكانت أمه (…)
كانت العتمة في مدينتهم تشرق، لم تكن سوداء كما اعتادوا أن يعرفوها. صباح كل يوم، كانت هناك أضواء منيرة تسطع في ساحة المدينة، تتدرج من أعالي الأبراج وتنعكس على الوجوه، حتى يخيّل للناظر أن زمنًا (…)
لم يكن أكثر ما يؤلمه أن الناس يكذبونه، بل أن الحقيقة كانت كلما خرجت من فمه فقدت شيئًا من نقائها، واحتاجت إلى عمر كامل كي تجد أذنا تستقر فيها، حتى تصل إلى الآخرين شبحًا لا يشبهها. كان يشعر أن (…)
لم يكن الإنسان يومًا مالكًا مطلقًا لما بين يديه، وإن كان يظن أن مفاتيح الحياة قد استقرت في خزائنه. منذ نعومة أظافره، كانت النعم تتدفق عليه دون أن يطلبها: عينان يرى بهما، أذنان يسمع بهما، لسان (…)