الثلاثاء ٤ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

أنياب ناعمة

في أطراف غابة وارفة، كانت اللبؤة العجوز تحكم بيتها الكبير بحكمة واتزان. وحولها أشبالها يكبرون في وئام ومحبة حتى صاروا مضرب المثل في الألفة والترابط بينما كان غياب الأسد الأب الذي خرج يوما للصيد ولم يعد. يترك فراغا صامتا في أرجاء العرين، لا يملؤه إلا الذكرى وصدى وصيته أن يبقى العرين بيتا واحدا مهما اشتدت العواصف.

لكن العاصفة التي أسقطت ذلك العرين لم تأت من الخارج... بل دخلت على أربع قوائم.

كانت أنثى ثعلب تدعى داهية، ابنة اللبؤة من زواج سابق، جاءت إلى العرين بوجه يشع وداعة ولسان ينساب كالدخان لا يجيد سوى كلمات الطاعة، حتى ظنت اللبؤة أنها جاءت تبحث عن أسرة، بينما في الحقيقة كانت تبحث عن سلطة.

لم تكن داهية أقوى من الأشبال، ولا أشجع منهم، لكنها امتلكت سلاحا لا تملكه المخالب.... سلاح الوشوشة.

كانت تجلس كل مساء إلى جوار اللبؤة، وتهمس بصوت خافت:

ذلك الشبل، لم يعد ينظر إليك كما كان...، وتلك اللبؤة الصغيرة تتمنى أن تحل محلك.... الجميع يطمع فيما ترك الأسد ما عداي، فأنا لا أريد إلا راحتك.

مع الأيام، تبدلت عينا اللبؤة، فلم تعد ترى أبناءها كما هم، بل كما تصفهم داهية، حتى باتت كل ابتسامة تفسر استهزاءً، وكل غياب تمردا، وكل رأي مخالف خيانة.

ولم تكتف داهية بزرع الشك، بل كانت تتسلل خفية إلى مخازن الصيد التي تركها الأسد لأبنائه، فتقتات منها، ثم تعود لتقنع والدتها أن الرزق ينفذ لأن الأشبال لا يعرفون حفظ النعمة.

وكانت كلما اشتعل خلاف بين أحد الأشبال وأمه، نفخت فيه حتى يصير نارا، فإذا هدأت النفوس، عادت لتوقظ الجمر بكلمة واحدة.

ثم بدأت المرحلة الأخطر.

أصبحت داهية تتظاهر بالمرض كلما شعرت أن نفوذها بدأ يضعف، تتمدد عند مدخل الجحر، تطلق الآهات، وتدّعي أنها غريبة بينهم، لا تجد من يسأل عنها.

فتأثرت اللبؤة بما سمعت وأمرت أشبالها:

_من يحبني، فليبرهن على حبه بخدمة داهية، زيارتها، والسؤال عنها، وتلبية طلباتها واجب على الجميع.

وفي المقابل من تأخر في زيارتها، اتهم بالعقوق، ومن اعتذر عُدّ جاحدا، ومن ناقش، صار عدوا للأسرة.

وهكذا تحولت الرحمة إلى اختبار ولاء، وصارت المحبة أمرا يصدر من اللبؤة، لا شعورا يخرج من القلب.

وكانت داهية تبتسم في صمت، لأنها لم تعد تحتاج إلى الدفاع عن نفسها، فقد أصبحت اللبؤة تفعل ذلك نيابة عنها.
ولم يمض وقت طويل حتى عادت داهية إلى العرين تصحب معها جرائها الصغيرة.

قالت إنها ضعيفة، ولا مأوى لها إلا هذا العرين. فاحتضنتهم اللبؤة، ثم أعلنت أمام الجميع:

_كما تحترمون داهية، عليكم أن تحترموا جرائها، وأن تخدموهم كما تخدمون أمهم.

وكبروا وهم يرون أن الاحترام ينتزع بالأوامر، وأن السلطة تورث كما يورث العرين.

أما الأشبال، فقد أخذ كل واحد منهم ينسحب بصمت، غادر بعضهم إلى أطراف الغابة، وآثر آخرون الصمت داخل العرين، حتى صاروا غرباء في بيت أبيهم.

ولم يبق حول اللبؤة إلا داهية وجرائها...والفراغ.

ولما خلا العرين من الأشبال، أخذت اللبؤة العجوز تلتفت في الأرجاء، تبحث عن ضحكة كانت تملأ المكان، أو ظل شبل كان يمر مسرعا بين الصخور.

تنهدت بحسرة وقالت: أين أبنائي؟

اقتربت منها داهية، وأطرقت رأسها لحظة، ثم رفعت عينيها وقالت بصوت يقطر تصنعا:

_أرأيت يا أمي؟ لقد تركك أبناؤك عندما أثقل الكبر خطاك، ولم يبق إلى جوارك غيري، كنتُ وحدي التي تحملت أنينك، وداويت ضعفك، وصبرت على وحدتك. أما هم...فقد اختاروا الغابة وتركوا العرين.

ثم توقفت لحظة، قبل أن تضيف:

_أرى أن من بقي معك حتى النهاية، أولى ممن رحل بكل شيء.

ساد الصمت:

أما اللبؤة، فلم تستطيع أن تجيب، عندها فقط أدركت أن أبناءها لم يتركوا العرين يوم غادروه... بل أخرجوا منه يوم صدقت الوشوشة، وجعلت القرب يقاس بالطاعة والمحبة بالخضوع.

لم تقل اللبؤة شيئا... لكن في أعلى الشجرة، أغمضت البومة الحكيمة عينيها وقالت:

_ليس كل خراب تصنعه المخالب، فبعض الخراب تصنعه الهمسات.... ثم يتكفل الصمت بإكماله، أما الأنياب الناعمة، فهي لا تريق الدم، بل تهدر الثقة

وليس أشد ظلما ممن يصنع اليتم والأم على قيد الحياة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى