الثلاثاء ٢٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
النص الفائز بالمرتبة الثانية في مسابقة ديوان العرب
بقلم عزيز العمراوي

تمثيـلاتُ الهوية الفلسطينية في الرواية العربية المعاصرة

(من عام 2010 حتى عام 2026)

تمهيد:
ظلّت فلسطين حاضرةً بقوة في الرواية العربية، ولا سيما في أعمال الروائيين الذين خبِروا تجربة الشتات، واللجوء، والنفي أو عايشوا -عن كثب- مأساة التهجير القسري عقب النكبة (1948م)، وما تلاها من هزائمَ كبرى، في مقدمتها هزيمة حزيران/ يونيو (1967م)، وما أعقبها من مآسٍٍ، وأحداثٍ داميةٍ عمّقت الجرح الفلسطيني، ووسّعت مداه العربي والإنساني. فقد أدّت هذه الأحداث المتعاقبة إلى اقتلاع أعداد كبيرة من الفلسطينيين من موطنهم الأصلي، ليجدوا أنفسهم في فضاءات المنفى، والشتات، يعيشون حالة اغتراب مكاني وثقافي طويلة الأمد؛ وبفعل ذلك، غدا الفلسطيني -بتعبير إدوارد سعيد- كائناً يعيش «خارج المكان». وقد استخدم هومي بابا -في هذا السياق- مصطلح «الفضاء الثالث» لوصف حالة المهجَّرين والمنفيين، ضحايا الإرث الاستعماري، الذين أصبحوا «غير مستقرين» في فضاء قار ومحدد؛ فيُحكم عليهم بالعيش في منطقة بَينِيَّة؛ بين الموطن الأصلي المفقود، والموطن الثاني (الوطن البديل)، الذي نُفوا إليه، وهي منطقة رمزية تلتقط الوضعية الهوياتية المزدوجة الانتماء، وتفرض على المنفي مواجهة تناقضاتٍ وتوتراتٍ دائمة.
التقطت الرواية العربية، ولا سيَّما ما يُعرف بـ «رواية المنفى»، هذه الوضعية الهوياتية المعقدة التي يعيشها الفلسطينيون في المنافي، وعملت على تمثيلها سردياً، كاشفة عن هوياتهم المُضطربة والممزّقة بين فضاءين: فلسطين بوصفها موطن الأصل والذاكرة والماضي والتاريخ، وفضاء المنفى باعتباره حاضرا وواقعاً معيشاً يفرض شروطه الثقافية والاجتماعية. وقد تجلّى ذلك -بوضوح- في أعمال الجيل الأول من الروائيين المنفيين الذين قاسوا -بشكل مباشر- تجربة التهجير القسري، ثم تَوَاصَلَ مع الأجيال اللاحقة التي وُلدت أو نشأت في المنافي، خاصة في السياقات الغربية، حيث أعادت هذه الكتاباتُ مساءلةَ الهوية الفلسطينية وقضاياها الجوهرية -روائيا- وواكبت تحوّلاتها، من الانتفاضتين إلى الحروب المتكررة على غزة والضفة الغربية وصولًا إلى أحداث طوفان الأقصى (2023)، وما أعقبها من تصعيد عسكري واسع على القطاع.

تسعى هذه الدراسة إلى رصد تمثيلات الهوية الفلسطينية في الرواية العربية المعاصرة عامة، ورواية المنفى على وجه الخصوص، من خلال مدونة سردية روائية متكاملة كُتبت (بين عامي 2010 و2026)، لروائيين فلسطينيين ينتمون إلى الجيلين الثاني والثالث من جيل الشتات والمنفى، والذين واصلوا تقاليد هذا اللون من الكتابة وطوروه وتمثَّلوه في كتاباتهم.
1- الإطار النظري (تمثيلاتُ الهُويًّة في الفضاء الثالث):
أضحى تمثيل الهوية بؤرةً مركزية في السرد المعاصر، إذ يتيح للسارد التعبير عن تجارب الشعوب التي عانت من الاحتلال والنفي والتهجير القسري وما يترتب عنها من اجتثاثٍ للأصول والجذور الثقافية والتاريخية. وفي هذا السياق، يرى هومي بابا أن هذه الشعوب تجد نفسها مُجبرة على إعادة بناء هويتها عبر ما يُعرف بـ «التمثيل الانعكاسي»، بوصفه آليةً تعيد من خلالها إنتاج ذاتها في شروط مغايرة، ومن ثمّ، يغدو «التمثيل السردي» أداةً جمالية ومعرفية تهدف إلى استعادة الهوية المجتثّة، عبر إعادة تشكّلها داخل الخطاب السردي.
وفي هذا الأفق، تسعى الكتابة الروائية إلى التقاط الحالة الهوياتية المركّبة والمضطربة لدى الذوات التي تعيش تجربة المنفى، حيث تتشكّل الهوية ضمن ما يُصطلح عليه بـ «الفضاء الحدي» أو «الفضاء الثالث»، بوصفها هويةً حدّية تقوم على تخوم عالمين مُختلفيْن؛ فلا هي تنتمي كليًا إلى الموطن الأصلي، بحكم اقتلاعها من جذورها، ولا تندمج تمامًا في فضاء المنفى، نظرًا لاختلاف اللغة والثقافة والجغرافيا، بل تنشأ في منطقة التوتر بينهما، من خلال جدلية التنافر والتجاذب، وما ينتج عنها من هجنة ثقافية. تبعًا لذلك، تعيش الشخصيات الروائية حالات حادّة من القلق والتوتر والتمزّق الهوياتي، إذ تتأرجح بين التعبير عن انتمائها إلى حاضرها المعيش، وبين ارتباطها المستمر بماضيها وذاكرتها الأصلية، بما يجعلها تستقر في وضعية «بين-بين»، تُجسّد طابعها الانتقالي وغير المستقر.
وفي السياق ذاته، يرى محمد الداهي أن ما يضفي على تجربة المنفى والتهجير القسري قيمتها المعرفية والجمالية ليس فقط قسوتها وعنفها الناتجين عن فقدان الوطن والافتراق عن الأهل، بل «حصافة تمثيلها سردا (الهوية السردية) ونظريا (اللغة الواصفة)»، مما يفتح إمكانات أوسع لفهم تحولات الذات في سياقات الاقتلاع وإعادة التشكل.
2- سؤال العودة إلى فلسطين:
يتصدّر «سؤال العودة» إلى الموطن الأصلي وعي الشخصيات الروائية المنفية. فالشخصية المنفية، وهي تقيم داخل «الفضاء الثالث»، تظلّ مشدودة إلى فكرة العودة بوصفها أفقًا تخييليًا ورمزياً يعيد لها توازنها الهوياتي المفقود. التقطت المدونة الروائية المختارة، منذ بداياتها، هذا الانشغال العميق بسؤال عودة الفلسطيني إلى أرضه وموطنه الأصلي. يفتتح سمير إسحق روايته «الطريق إلى يافا»، بحديث السارد عن الشخصية الرئيسة المنفية بلندن، معبرة عن رغبتها في العودة إلى يافا. «رغم مرور الأيام والسنين.. فإنه ما زال في حيرة تعصف به من جميع الجهات.. لا يهمه أنه فقد بيته أو دمر ولا يهمه العذاب. إنه خسر ما يملك.. الذي يهمه هو عدم نسيان بلده مهما كانت الأحوال قاسية، وأنه سيعود ذات يوم إلى يافا مهما حاول المحتل أن يفعل.. لقد حدثت أمور كثيرة.. إنه لايزال يؤمن بالعودة..». وفي مستهل رواية «السيدة من تل أبيب»، يتحدث وليد دهمان المنفي بلندن عن عودته إلى قطاع غزة: «غدا صباحا يصل وليد دهمان إلى قطاع غزة. لا تصدق أمه الخبر. تعتبره إشاعة، خرافة، مثل عودة الفلسطينيين إلى بلادهم..». وفي رواية «تذكرتان إلى صفورية» يتحدث المقطع الافتتاحي من الرواية عن رغبة «يوسف» الذي يعيش بباريس، في العودة إلى قرية «صفّورية» التي هُجّر منها جدّه، بعد ثلاثةٍ وستين عاماً من العيش بفرنسا. لذلك يتساءل: «نذهب أم ألغي الحجز؟ نذهب. إلى بيت جدك؟ نعم. وبيت جدك أين؟ في صفورية. وصفورية أين؟ في فلسطين».

بيد أن المفارقة تتجلى حين تصبح العودة إلى المكان الأصلي مشروطة بالمرور عبر مطار بن غريون(إسرائيل) وأنه «سيكون في فلسطين بجواز سفر فرنسي». هنا يرفض يوسف العودة، لكون ذلك يُناقض ما كان يحلم به وانتظره طويلاً، فهو لا يريد أن يعود بصفته أجنبيا غريبا، أو سائحاً أوروبياً، بل بصفته ابناً للمكان. «لم يُرد أن تكون زيارته هو الفلسطيني إلى فلسطين بجواز سفر فرنسي وإلى مطار إسرائيلي، ليس هذا ما انتظره السبعين عاماً، منذ خرج جده من الجليل إلى الشام، وتوالى الخروج، أبوه من المخيم إلى دبي وهو من كلّ ذلك مغرباً إلى أوروبا».

وفي رواية «مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة»، تتطلع الشخصية المنفية بلندن «إيفانا»، منذ عام 1948م، إلى العودة القدس بعد حرق جثتها. «توصي إيفانا بحرق جثتها، وأخذ جزء من رمادها إلى مسقط رأسها في عكا القديمة، أو إلى القدس». ومن ثمّ، يظلّ سؤال العودة إلى فلسطين -في المدونة الروائية- سؤالًا مفتوحًا ومعلّقًا لا يفضي إلى يقين حاسم؛ إذ لا تتحقّق العودة بوصفها فعلًا واقعيًا مكتملًا، بل تتشكّل بوصفها بنية رمزية تُجسّد الحنين وتعيد إنتاج الانتماء إلى الموطن الأصلي في الفضاء الثالث.
3- تمثيلاتُ الهويَّة الحَدِّية:
تعكسُ تمثيلات المدونة الروائية تجربة النفي والاغتراب بوصفها حالة وجودية تتجاوز البعد الجغرافي إلى أبعاد نفسية وثقافية وهوياتية مركّبة. تدور أحداث المدونة بين فضاءين مختلفيْن: الموطن الأصلي (فلسطين) بوصفه مركز الذاكرة والحنين، والموطن البديل (البلدان الغربية)، حيث يعيش المنفيّ في حالة شدٍّ دائم بين الرغبة في العودة إلى الموطن الأصلي، والهروب من واقع المنفى وتبعاته القاسية. تعاني الشخصيات المنفية في «الفضاء الثالث» من القلق والاضطراب المُستمِرَّيْن، وتشعر بالتمزق الحاد على مُستوى الهُوية.
عالج ربعي المدهون -الذي يعيش حاليا ببريطانيا- في روايته «مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة» هذا التقاطع بين فضاء المنفى والوطن الأصلي. تحكي الرواية عن الفتاة الفلسطينية «إيفانا أردكيان»(ذات الأصول الأرمينية) التي رحلت من فلسطين إلى لندن عقب النكبة، وظلت حياتها معلقة بين العالميْن، فتوصي، قبل وفاتها بحرق جثتها، وأخذ جزء من رمادها إلى مسقط رأسها في عكا القديمة، أو إلى القدس، كدلالة على التمزّق الوجودي والهوياتي الذي تُعاني منه. تكشف الرواية عن هوية مزدوجة أو مركّبة، لا تنتمي بالكامل إلى الوطن الأصلي ولا تذوب في الوطن البديل، بل تظل متأرجة بينهما.
تَبرُز أيضا، تجربة عاطف أبو سيف، الذي عاش بين غزة، ورام الله، وأوروبا (بريطانيا، إيطاليا). تشخص رواية «الحاجة كريستينا» هذه التجربة المركبة من خلال قصة شخصية «فضّة»، الفتاة اليافاوية التي تضطر للسفر إلى لندن للعلاج قبيل نكبة 1948، فتتبدّل حياتها جذرياً بعد انقطاع سبل عودتها إلى فلسطين. هناك تعيش باسم جديد هو «كريستينا»، لتجد نفسها مُمزقة بين عالمين مُختلفيْن وزمنيْن متناقضين (الماضي الفلسطيني والحاضر البريطاني). تتطور الأحداث حين تقرر كريستينا -عام 2009م- العودة إلى أحد مخيمات اللاجئين في غزة بحثاً عن عائلتها وجذورها المفقودة. غير أنّ هذه العودة تضعها أمام واقع قاسٍ، إذ ينظر إليها سكان المخيم بعين الريبة بسبب اختلافها عنهم، فيُطلق عليها لقبا جديدا «الحاجَّة». ومن خلال هذه الهُويَّة المركبة -التي تجمع بين «فضة» ابنة يافا و«كريستينا» القادمة من لندن و«الحاجّة» التي تعيش في المخيم- يطرح الكاتب إشكالية الهوية والانتماء في سياق تجربة المنفى، وكيف تتجاذب وتتشكل من عناصر مُتنافرة، بشكل يعكس أزمة الهوية في الفضاء الثالث.

يعالج سليم البيك -الذي يعيش بفرنسا حاليا- إشكالية هوية الجيل الثالث الذي وُلد خارج الوطن ولم يعايشه إلا بوصفه ذاكرةً موروثة. يشخص هذه الإشكالية -في روايته «تذكرتان إلى صفورية»- عبر شخصية يوسف، الذي تشكّلت هويته في سياق تاريخ عائلي مثقل بالتشظّي والاقتلاع منذ النكبة. تبدأ هذه الهُويَّة المتشظية بلجوء جده إلى مخيم اليرموك في سوريا، حيث وُلد أبوه، قبل أن ينتقل هذا الأخير إلى دبي حيث وُلد يوسف. غير أن مسار الترحال لا يتوقف عند هذا الحد، إذ يضطر يوسف إلى مغادرة المخيم بعد مشاركته في أحداث سوريا سنة 2011، خشية ملاحقته، فيعبر عدّة بلدان قبل أن يستقر في فرنسا. بيد أنّ هذا التراكم في الأمكنة -في هُويَّة يوسف- لم يُفضِ إلى الاستقرار أو الإحساس بالانتماء، بل أسهم في تعميق الشعور باللامكان، إذ ظل سؤال الانتماء يلازمه: «يسألونه من أي أصل أنت؟» كنسخة أكثر تهذيباً لسؤال آخر هو من أين أنت؟» . ورغم حصول يوسف على الجنسية الفرنسية، إلا أنه ظل يشعر دوما بأنه «خارج المكان» بتعبير إدوارد سعيد.
ولم تقف معاناة «يوسف عند هذا الحد، بل تتعقّد وضعيته الهوياتية أكثر فأكثر بحكم عيشه في «الفضاء البيني»، حيث صار يحمل هوية هجينة ومركَّبة ومزدوجة الانتماء؛ إذ يتحوّل اسمه من «يوسف» إلى «جوريف»، في دلالة على التذبذب الهوياتي بين سياقين ثقافيين مختلفين: «لاحقاً، صار يوسفُ جوريفَ، أو صار في مكان ما بينهما، أو مرة هذا ومرة ذاك». يشعر «يوسف» بالنقص والتشرد الدائم، وأن هويته ناقصة وغير مكتملة، رغم تراكم الأمكنة(دبي، سوريا، فرنسا) بالنظر إلى فقدانه لموطنه الأصلي «فلسطين»، بوصفه المكان الوحيد الذي يمنحه شعورًا بالانتماء: «قالها وهو مدرك بأن هويته الفلسطينية ناقصة ومركبة ويمكن لآخرين مناقشته فيها».
تحضرنا أيضاً تجربة الكاتب اللباني إلياس خوري الذي عاش طويلا في الولايات المتحدة الأمريكية، واهتم -في أعماله الروائية- بفلسطين وقضاياها وإشكالياتها المطروحة في سياق ما بعد النكبة، ولا سيَّما ما يتعلق بإشكالية الهوية الفلسطينية في السياق الغربي. عالج إلياس خوري هذه الإشكالية في رواية «أولاد الغيتو- اسمي آدم» (2016)، التي تنقل قصة آدم دنّون، الذي عاش مأساة مدينة اللُّدّ سنة 1948م ونجا -بأعجوبة- من مجزرتها، لينتقل إلى العيش بنيويورك، بعد سلسلة من التهجيرات القسرية. هذا العيش بين الفضاءين، ولَّد لدى «آدم دنون» هويةً حدية متأرجحة الانتماء، تتأرجح بين هُويّات متناقضة: فلسطيني الأصل، مهاجرٌ عربيّ يعيش في مدينة أمريكية، ويقدّم نفسه أحيانًا بصفته «إسرائيليًّا». تعكس هذه التعددية الهوياتية انشطار الذات الفلسطينية بين جغرافيا مفقودة وتاريخ ممزّق، وبين رغبة في الاندماج داخل ثقافة الآخر وخوفٍ من الذوبان فيها(ما يُوسم –عادة- بأزمة الهوية في الفضاء البيني أو الفضاء الثالث).

تُشخص رواية «خارج غزة» لسلمى الدباغ -من خلال شخصيتي إيمان ورشيد- تشكلات الهوية الهجينة والمركبة في «الفضاء الثالث» بالنظر إلى عيشها بين لندن و غزة، كما تتبع رواية «ادخل أيها الشبح» لإيزابيلا حماد، قصة «سونيا ناصر» التي تعود إلى فلسطين بعد سنوات من غيابها عنه، حيث تتجه إلى حيفا لزيارة شقيقتها الكبرى «حنين». وهي الزيارة الأولى لها منذ الانتفاضة الثانية (2000 - 2005) ووفاة أجدادها. وفي الوقت الذي استقرت «حنين» في فلسطين وانتقلت إلى تل أبيب للعمل في التدريس الجامعي، بقيت سونيا في لندن منشغلة بمسيرتها الفنية وزواجها المتعثر. عند عودتها، تكتشف سونيا أن علاقتها بفلسطين مركّبة وهشة في آنٍ واحد، تتأرجح بين الشعور بالألفة والانتماء وبين الإحساس بالاغتراب داخل المكان. تواصل رواية «تمويه» لـعدنية شبلي تفكيك تمثيلات الهوية الفلسطينية المغتربة داخل وطنها، عبر تتبّع مسارين سرديين لشابّة وشاب لا يلتقيان فعليًا، لكنهما يتقاسمان التجربة ذاتها من التضييق، والمراقبة، والاستجواب المتكرر حول الهوية، إضافة إلى عمليات التفتيش التي يفرضها الجنود الإسرائيليون على الحدود.

تتتبّع رواية «خلفك البحر» لسوزان معدي درّاج حياة ثلاث عائلات فلسطينية تعيش في مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند في الولايات المتحدة، وهي عائلات سلامة وبلدي وعمار. وتتناول الرواية إشكالات الاندماج في المجتمع الأمريكي، وما يرافقه من توتر بين الانتماء إلى الشرق والعيش في الغرب، إضافة إلى إبراز الصراع بين الأجيال بوصفه محورًا بنيويًا في السرد. وفي فصلها الختامي، يتحقق مطلب أحد الشخصيات بدفن والده في قريته الفلسطينية، في دلالة رمزية على استمرار الارتباط بالوطن الأصلي رغم المنفى. كما تتناول رواية «العُملة» لياسمين زاهر، تجربة شابة فلسطينية هاجرت إلى الولايات المتحدة (نيويورك) بعد وفاة والديها، حيث تجد نفسها في فضاء يعمّق شعورها بالاغتراب. وتطرح الرواية أسئلة الهوية والاقتلاع والصدمة النفسية المرتبطة بالتهجير، من خلال تتبع صراع البطلة مع الواقع الجديد الذي يحاول محو جذورها، في مقابل سعيها إلى إعادة بناء ذاتها واستعادة هويتها المفقودة.
وأخيرا، تصور رواية «معلق: في المسافة بين اسمين»، لعبد الله الخطيب،بأسلوب السرد اليومي، رحلة عودة رجل فلسطيني إلى وطنه، في لحظة تاريخية حرجة، بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول وطوفان الأقصى(2023)، وما ترتب عليها من حرب على غزة أودت بآلاف الضحايا. يحاول الفلسطيني العودة متنكرًا بجنسية كندية، ولا سيََما أنه سبق أن مُنع من الدخول إلى الأراضي المحتلة مرتين: الأولى بسبب فيروس كورونا، والثانية دون سبب، رغم امتلاكه لجواز سفر كندي. وهو ما يجعل هذه العودة تتخذ طابعًا إشكاليًا، تتسم بالتوتر والاضطراب بين هُويتين: الهوية القانونية (جواز كندي) والهوية الأصلية(شخص فلسطيني).

4- سمات الفضاء الأصلي:
تدور معظم أحداث المدونة الروائية بالفضاء الفلسطيني الذي ظل راسخا بذاكرة المنفي، بوصفها ذاكرةً رمزيةً مجروحة. في هذا السياق يستحضر روائيو المنفى عددًا من الأمكنة الفلسطينية التي تأطّرت فيها معاناة الشعب الفلسطيني، وكانت شاهدة على أزماته ومآسيه، مثل فضاء المخيم والمَعزل (الغيتو)، مما يسمح باستجلاء سمات المكان الأصلي، بوصفه مكوّنًا لا يتجزّأ من الهوية الفلسطينية.
أ- فضاء المخيم:
يشكّل «المخيّم» محورًا سرديًا لافتًا في فضاءات المدونة الروائية، لكونه يلتقط معاناة أهله المتمثّلة في تقييد حرياتهم والحدّ من تحرّكاتهم. تقدم رواية «الحاجة كريستينا» لعاطف أبو سيف صورة حية للحياة اليومية في مخيمات غزة، وتتناول تفاصيل دقيقة عن العلاقات الاجتماعية، والأحلام، والمعاناة تحت الحصار والاحتلال. يستعرض الكاتب -من خلال حكاية الشخصية الرئيسة «فضة» أو «كريستينا»- حكايات سكان مخيم غزة وذاكرتهم الجماعية وحنينهم الدائم إلى الوطن الذي هُجّروا منه.
ويستحضر سليم بيك -في رواية «تذكرتان إلى صفورية»- معاناة الفلسطينيين في المخيمات السورية، خصوصا في مخيم اليرموك بوصفه فضاء اللجوء الأول عقب النكبة، مبرزا أن هذا المُخيَّم شكل فضاءً لاحتضان الهوية الفلسطينية وشتاتها: «والمخيم، بحاراته، مكان محافظ ومكشوف، يعرف كل أهله بعضهم البعض ويعرف أكثر الجيران بعضهم البعض، ويكونون في كثير من الحالات أقارب ونسائب وفي معظمها أبناء منطقة واحدة في فلسطين. ففي رحلة اللجوء عام النكبة بقي أهالي القرى والمدن متجمعين أبناء المناطق ذاتها في فلسطين ممن لجؤوا شمالاً إلى لبنان وبقوا فيه أو أكملوا إلى سوريا، أو حتى جنوباً إلى الضفة الغربية، والذين نزلوا في واحد من المخيمات عبر قطار أو وصلوا إليه مشياً من مناطقهم، حرصوا على أن ينصبوا خيامهم، ثم يبنون بيوتهم، في الحي ذاته، لتصير هنالك (حارة الصفافرة، وحارة التراشحة)، وأحياء، وشوارع (عين غزال، ولوبية، وحيفا، ويافا، وصفد)، وغيرها في مخيم اليرموك، كما في غيره من المخيمات، وإن تداخلت الحارات مع الزمن». علاوةً على ذلك، يقدّم سليم البيك جملةً من السمات والخصائص التي تَسِمُ هوية فضاء المخيّم، من قبيل سوداوية المكان وتشبّعه بذاكرةٍ جريحة تختزن آثار المعاناة والاقتلاع، كما يتجلّى في صوره القاتمة مثل «ليله الحالك وصراخ أطفاله». وهي سمات تُكثّف تجربة الألم وتُجسّد آثار الاجتثاث التي تعرّض لها الإنسان الفلسطيني.
ب- المَعزل (الغيتو)
يشير «المَعزِل» أو «الغيتو» إلى الحيّ الذي حُشر فيه الفلسطينيون قسرًا سنة 2002م، من قِبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، حيث أُحيط بأسوارٍ وأسلاكٍ شائكة جعلته فضاءً معزولًا يفصل بين أراضي «دولة إسرائيل» ومدن، وبلدات الضفة الغربية المحتلة منذ حزيران/ يونيو 1967م، وهو ما زاد من معاناة الفلسطينيين داخل موطنهم. في هذا السياق، يلتقط إلياس خوري في روايته «أولاد الغيتو: اسمي آدم» مأساة الفلسطينيين الذين بقوا داخل مدينة اللدِّ بعد النكبة، وأُجبروا على العيش في غيتوهات معزولة، مما يُجسّد منطق الإقصاء والتهميش، ويعكس تجربة العيش على هامش الوطن.
شكّل هذان الفضاءان (المخيّم والغيتو) ذاكرةً جريحةً وسوداويةً رصدت مسار معاناة الفلسطينيين، وكشفت عن انسداد الأفق في وجههم، بفعل ما يتعرّضون له من قمعٍ مستمرّ من قِبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي داخل الوطن (كما يجسّده الغيتو) وخارجه (ما يمثّله المخيّم). ومن خلال هذين الفضاءين، يمكن استخلاص جملة من السمات والعلامات التي وسمت الهوية الفلسطينية؛ إذ تشكّلت هذه الهوية ضمن وضعية انتقالية ودينامية قسرية، داخل المخيّمات والغيتوهات، مما يجعلها هُوية حديَّة تتسم بالاختناق، والتقييد، وضيق الفضاء، والقمع المُستمر. وفي مقابل ذلك، يُمثَّل الفضاء الأجنبي –في المُدونة الروائية- بوصفه فضاءً منفتحًا، تتّسع فيه الشوارع وتتعدّد إمكانات الحركة والتعبير، حيث تتبدّى مظاهر الحرية الفردية واتساع أفق العيش. غير أنّ هذا الانفتاح بالنسبة للمنفي، لا يُفضي إلى إحساسه بالانتماء، بل يُعمّق شعوره بالاغتراب ويضاعفه؛ إذ يجد ذاته موزّعًا بين فضاء أجنبي يمنحه الحرية دون انتماء، وبين فضاء أصلي يُشعرُه بالانتماء رغم ما يكتنفه من قيدٍ وقمعٍ واختناق.
5- انفتاح النص الروائي:
تنفتح المدونة الروائية على نصوص سردية متعددة، لعل أبرزها النصوص الروائية التي كتبها الروائيون الفلسطينيون المنتمون إلى الجيل الأول من المهجَّرين والمنفيين الذين تعرّضوا للاقتلاع المباشر من فلسطين عقب النكبة. ويتجلى هذا الانفتاح عبر شبكة كثيفة من العلاقات التناصية التي تتوزع على مستويات الثيمات والرؤى والتمثيلات الروائية (خصوصا ما يتعلق بتمثيلات الهوية الفلسطينية). يصوّر غسان كنفاني في روايته «رجال في الشمس» (1963) مأساة الأسر الفلسطينية لحظة الاقتلاع عن الأراضي الفلسطينية وهم ينتقلون بين العراق والكويت بحثاً عن عمل، كما يلتقط معاناة اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات وتفكك الهوية الفلسطينية خارج فلسطين. و تقدّم رواية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1974) لإميل حبيبي شخصيةً تعيش ازدواجا وتناقضًا هوياتيا؛ بين الخنوع للاحتلال والتخلي عن هويته الفلسطينية والانجذاب إلى روح المقاومة المتجسدة في النساء اللواتي أحبهنّ وتزّوجهن، وهن معتزّات بهويّتهنّ العربية، ثائراتٍ على حالة الخنوع التي يعيشها. تتجسّد هذه الازدواجية أيضًا في مفهوم «التشاؤل»، حيث يجمع البطل بين التفاؤل والتشاؤم. وفي النهاية، يتعمّق هذا التناقض الهوياتي ليبلغ حدّ الشك في وجوده ذاته، إذ يبدو معلّقًا بين الحقيقة والوهم، وبين الوجود والعدم. كما تعكس رواية «البحث عن وليد مسعود» (1978) لجبرا إبراهيم جبرا، حالة المثقف الفلسطيني الذي يعاني من التشظي والشتات الهوياتي، فيظل يبحث عن هويته الفلسطينية الضائعة في المنافي.
تستعيد المدونة الروائية أيضا ثيمة العودة إلى «فلسطين»، والتي نجدها حاضرة بقوة في كتابات الجيل الأول؛ ففي رواية «عائد إلى حيفا» (1970) يطرح غسان كنفاني سؤال العودة إلى فلسطين (حيفا) بعد من خلال شخصية سعيد وزوجته، حيث تُمثُّلُ العودة بوصفها لحظة صدام مأساوي مع واقع الاحتلال، حيث تكشف الرواية أن ابنهما الذي تركاه في حيفا صار جنديًا إسرائيليًا. كما تصور رواية «الصبار» (1976) لسحر خليفة حياة الفلسطينيين في خليفة حياة الفلسطينيين في مدينة نابلس سنة 1972م في ظل الاحتلال، وتبدأ الرواية برحلة عودة أسامة من دول الخليج إلى نابلس عبر جسر الملك حسين. كما استقت المدونة الروائية ثمة المقاومة من كتابات هذا الجيل، وحولت المأساة إلى وعي مقاوم.

إن المتأمل في نصوص المدونة الروائية، سيلاحظ أنها لا تكتفي بإعادة إنتاج هذه الثيمات، والرؤى، والتصورات، والإشكالات التي طرحها الجيل الرواد الأول في أعماله الروائية، بل تعيد صياغتها في ضوء تحولات الوعي الفلسطيني السياقات الجديدة، ولا سيَّما داخل السياقات الغربية، حيث تتقاطع أسئلة الانتماء مع إكراهات الاندماج والاختلاف الثقافي. في المقابل، تنتمي الجيل الأول -ومن أبرز ممثليه (غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا، وسحر خليفة)- إلى تجربة مباشرة مع النكبة والاقتلاع، وهو ما جعل أعمالهم مشبعة بذاكرة الفقد والصدمة. «فقد كانت هذه الأعمال مركزية ثقافيًا للرواية العربية كما كانت القضية الفلسطينية مركزية سياسيًا في العالم العربي، إذ جسّدت تحولات إقليمية كبرى ومنعطفات حاسمة».
أما نصوص المدونة الروائية التي ينتمي أصحابها إلى الجيلين الثاني والثالث من المنفيين والمهجَّرين والمشتتين، فإنها، رغم احتفاظها بالثيمات الكبرى ذاتها –مثل النكبة، والاقتلاع، والذاكرة، والعودة، والمقاومة- تنقل مركز الثقل من الحدث التاريخي إلى تداعياته الراهنة، حيث تتجلى معاناة الهوية الفلسطينية من الانقسام والتمزق الهوياتي بين فضاءين: فضاء الأصل (فلسطين بوصفها ذاكرة متخيلة أو موروثة)، وفضاء المنفى (بوصفه واقعًا معيشًا). وهنا يغدو الانفتاح على نصوص الجيل الأول ليس مجرد استعادة، بل نوعًا من التحاور والتناص، حيث تتحول العودة من فعل جغرافي إلى سيرورة رمزية، وتتحوّل الهوية الفلسطينية من كونها هوية مفقودة إلى فضاء للتخييل، وإعادة بناء الهوية. وهكذا يكشف التعالق النصي بين الجيلين عن انتقال نوعي من سردية النكبة إلى سرديات ما بعد النكبة، حيث تتداخل الذاكرة الفردية بالجماعية، والماضي بالحاضر، والذات بالآخر، والشرق بالغرب، والأصل بالمكتسب.

على سبيل الختام:
بناءً على ما سبق نخلص إلى ما يلي:
أ- أسهمت الرواية العربية المعاصرة، ولا سيما «رواية المنفى»، في تمثيل تجربة الإنسان الفلسطيني في النفي والاقتلاع والتهجير القسري والعيش في فضاءات الشتات والمنفى، الأمر الذي أفرز وضعًا هوياتيًا مأزومًا، إذ مكنت الكتابة الروائية من إعادة بناء هذه التجربة فنياً، بشكل يسمح باستيعاب تعقيداتها الإنسانية والنفسية، وما يصاحبها من توترات، وتناقضات، واضطرابات، وتمزقات هوياتية بالنظر إلى عيش المنفي في الفضاء الثالث.
ب- كشفت التمثلات السردية -في المدونة الروائية المُختارة- عن تشكل هوية حدّية مزدوجة الانتماء لدى المنفي، تتسم بالتوتر، والاضطراب، والتمزق، والتأرجح الهوياتي بين الفضاء الأصلي وفضاء المنفى، وما نتج عن ذلك من مفارقات بين مرجعيات متعارضة: الماضي/الحاضر، الوطن/المنفى، الشرق/الغرب.
ج- يُشكّل الفضاء الفلسطيني الأصلي جزءًا لا يتجزأ من مكونات الهوية الفلسطينية، إذ تستجلي المدونة الروائية سماته، وخصائصه، من خلال تمثيل فضاءات مثل المخيم والغيتو بوصفها فضاءات رمزية تختزن آثار التهجير والاقتلاع والحصار، وتعكس قسوة التجربة المعيشية التي عرفها الإنسان الفلسطيني.
د- تنفتح نصوص المدونة الروائية –التي ينتمي أصحابها إلى الجيل الثاني، والثالث من المنفيين الفلسطينيين- على نصوص الجيل الأول، وهي لا تكتفي بإعادة إنتاج ثيماتها، ورؤاها، وتصوراتها، وإشكالاتها حول الهوية الفلسطينية، بل تعيد صياغتها في ضوء تحولات الوعي الفلسطيني في السياقات الغربية الجديدة، حيث تتقاطع أسئلة الانتماء والهوية مع إكراهات الاندماج والاختلاف الثقافي، وهو ما يجعلها نصوصا منفتحة، ومتحاورة، ومتناصة أساسا.
هـ - أخيرا، يضطلع السرد الروائي بدور فاعل في المقاومة الثقافية، من خلال التصدي لسياسات الطمس والمحو التي تطال الهوية الفلسطينية، وصونها واستبقائها في الوعي الجمعي، والذاكرة الجماعية عبر مختلف الأجيال.

الببليوغرافيا الخاصة بالدراسة:
الروايات المعتمدة (وفق الترتيب الزمني):
باللغة العربية:
1- ربعي المدهون، السيّدة من تلّ أبيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الأردن، ط 3، 2010.
2- ربعي المدهون، مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1، 2015.
3- عاطف أبو سيف، الحاجة كريستينا، الدار الأهلية، عمان، ط 1، 2016.
4- إلياس خوري، أولاد الغيتو1 - اسمي آدم 1، دار الآداب، بيروت، ط 2، 2016.
5- سليم البيك، تذكرتان إلى صفورية، دار الساقي، بيروت، ط 1، 2017.
6- سمير إسحق، الطريق إلى يافا، مطابع الدستور الحديثة، عمان - الأردن، ط 1، 2021.
7- عدنية شبلي، تمويه، دار الآداب، بيروت، ط 1، 2025.
8- عبد الله الخطيب، معلق: في المسافة بين اسميْن، دار الفينيق، عمان، طبعة كندية، 2026.
باللغة الأجنبية:
1- Selma Dabbagh, Out of It, Bloomsbury, USA, 2011.
2- Isabella Hammad, Enter Ghost, Random House, New York, 2024.
3- Susan Muaddi Darraj, Behind You Is the Sea, HarperVia, New York, 2024.
4- Yasmin Zaher, The Coin, Catapult, New York, 2024.
المصادر والمراجع:

1- Homi k. Bhabha, The Location of Culture, London: Routledge, 1994.
2- عزيز العمراوي، هويات على الحدود، التمثيل الثقافي المضاد في رواية المنفى، دار فضاءات، الأردن، ط 1، 2025م.
3- محمد الداهي، «تجربة إدوارد سعيد في المنفى»، ضمن كتاب: «الأدب المقارن والهُويات المتحركة: أدب الهجرة والمنفى»، تنسيق: فاتحة الطيب - إدريس اعبيزة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات، رقم 191، مطبعة الأمنية، الرباط، ط 1، 2018.
4- إدوارد سعيد، خارج المكان، ترجمة فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، ط 1، 2000.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى