الأحد ١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم سعود الأسدي

بغداد على الصليب

بغـدادُ يا مُهْجتي يا نَبْضَ شريـاني
غَنّيتُ فيكِ مواويـلي بألحـاني
غنّيـتُ " تمّـوزَ " لمّـا ثارَ ثائـرُهُ
صيفًا فصارَ ربيعـاً مثلَ نيسـانِ
هاتي " الأبوذيَّـةَ "السمراءَ أعزفُها
عَزْفاً يفوقُ عزيفَ الإنسِ والجـانِ
وَرَدِّدي من "عتـابا" جاسمٍ فأنـا
مُتَيّـمٌ بعتـابـا فيـكِ تلقـاني
هاتي القصيدَ رُؤَىً من بابلٍ صَرَفَتْ
عنّي شديــدَ عذابـاتي وأحزاني
من عهدِ "جلجامشٍ" والشعرُ ملحمةٌ
فاقَـتْ ملاحمَ يونـانٍ ورومـانِ
و" جالغي بغـدادَ " يا بغدادُ أعشقُهُ
عشقًا أباحَ شَـذَى وَرْدي ورَيْحاني
بالدفِّ والجُنْكِ والسَّنْتورِ مُصْطَفِقاً
إيقـاعَ حُبِّــكِ في ترتيـلِ كُهَّانِ
من عَهْدِ" أنليـلَ " فيه الروحُ ساريةٌ
كالنهـرِ بينَ روابـي الرنْـدِ والبانِ
أختُ الرشيدِ وإني فيـكِ أذكرُها
وهي التي أقسمتْ بـي ليس تنساني
وكيفَ تنسَى الذى أهدَى حُشاشَتَهُ
شقائــقَ النعمـةِ الكُبرَى لنعمانِ
من كلِّ فينـانةٍ تهفــو برونقِها
في روضةِ الحُـبِّ والذكرى لفينانِ
بغـدادُ والصمتُ تعبيرٌ على مَضَضٍ
فإنْ صَمَتُّ فقلبـي مثـلُ بُـركانِ
عَلّقْتُ عودي ببستانِ الفُراتِ على
قوسٍ لنخلـةِ جُــوْدٍ قُطْفُها داني
وَخُضْتُ في دجلةٍ والشوقُ يغمرُني
بقُبْلةِ الشِّعْرِ من عطــفٍ وتحنانِ
كانتْ من المتنبّـي نِعْـمَ ما تَرَكَتْ
علـى جبينِ لقـائي حيـنَ حَيّاني
عفواً أباالطيِّبِ الكِنْـدِيِّ أنتَ لَظَىً
عَمَرْتُ من وَهْجِكَ الحرّاقِ وجداني
ديـوانُ شِعْرِكَ قد سطّرْتُهُ شَغَفـاً
حَرْفاً بحـرفٍ وما سَطَّرْتُ ديـواني
ورحتُ أحفـظُ من آياتِــهِ عَجَباً
يما تضمَّـنَ مـن سِحْـرٍ وتبيـانِ
أدهشْــتُ كلَّ الأُلى عَلَّمْتُهمْ وبـه
لم ألْـقَ طالبَ شِعْـرٍ غيرَ دَهْشانِ
به عَدَوْتُُ بميدانِ القصيدِ على
مُهْـرٍ أصيـلٍ وما قصّرتُ ميداني
وَرُحْتُ أهمـي بوادي الرافدينِ لَدَى
حُلْـمٍ أثيـرٍ بهِ كَحَّـلْتُ أجفـاني
نَهْرانِ كمْ رَدَّدا للمجـدِ أُغنيــةً
كانـتْ نشيــداً لقحطانٍ وعدنانِ
سُقِيْتُ عذبـاً فراتــاً من عيونِهما
كدمعةِ الـزِّقِّ أُسقــاها بفنجانِ
وقد شكـرتُ ولا مَنٌّ لفضلِهمــا
والفضـلُ وافٍ ولا يُوفيـهِ شُكراني
لكنَّ من جَحَــدوا بغدادَ أعرفُهم
بهـم شقيـتُ بنو عمّـي وإخـواني
قد أنكروا العيشَ والملحَ الذي أكلُوا
جَـْورًا ، كأنّهُمُو ليسـوا بجيـرانِ
تَقَمّصُوا الغَـدْرَ واسْتَعْدَوْا أعاديَهم
على شقيـقٍ جزَى شرّاً بإحسـانِ
يا نَحْسَ ما جلبُوا يا تَعْسَ ما ارتكُبوا
بما تمخَّـضَ من حِقْـــدٍ وشَنْئانِ
سَحْقـاً لقَـادتِهِمْ مَحْـقاً لسَادتِهِمْ
وإنّهُمْ وُلِـدُوا بالفُجْــرِ من زانِ
هُـمْ يخضعونَ ، عبيـدٌ للألى طَمِعُوا
في النفـطِ نهباً وفي خيراتِ أوطاني
فمَنْ أُعَـدِّدُ من أشــرارِهِمْ وَهُمُ
كُثْرٌ وقد أُسقِطُوا من كلِّ حُسبانِ؟!
إنْ خانَ" يُوْضاسُ" عيسى حينَ أسلمَهُ
بفضّـةٍ وانثَـنى في زِيِّ نَدْمــانِ
فقد غَرِقْـتُ أيا بغـدادُ في عَجَـبي
إذْ فيكِ مليـونُ يوضاسٍ وخَـَوّان
لكنَّهمْ يا لَهَــوْلِ الخَطْـبِ مانَدِموا
فَلْـيُلْعَنُوا عَلَنــاً من كلّ لَعّـانِ
وفيكِ مليـونُ جاسـوسٍ لمن وَلَغُـوا
في دَمِّ من جابَهوا مليـونَ سَجّـانِ
بَثُّـوا شياطينَهـم في كلِّ زاويــةٍ
فأينَما سِرْتَ تُبْصِـرْ وَجْـهَ شيطانِ
بغدادُ شُدّي بحبـلِ الصبرِ وانتظـري
هم يعمهــون بتضليلٍ وطُغيـانِ
لا تيأسي فالمسيحُ السَّمْحُ قد خُضِبَتْ
أضلاعُهُ بالنجيـعِ الأحمــرِ القاني
حتى إذا شمسُــه أضحـت أطلّ بها
فوق الصليـبِ فألقى سيفَهُ الجـاني
فإن صُلِبْتِ فإنّ الصَلْـــبَ آخرُهُ
دَحْرٌ لمن قد أتى جهــراً بعـدوان
طوبى إليك وفيكِ الشعـبُ ذو سَهَرٍ
يقظانُ أيقظُ من "حيِّ بنِ يقظـانِ"
قد ثارَ في وَجْـهِ من جاءُوا بِحُجَّتهم
كِذْباً وتدجيلُهـم تدجيلُ عُـوْران
ومن تألَّـــهَ منهـم باتَ في عَتَهٍ
وغِرَّةٍ فهـو و"النّمْـرودُ " سِيّـانِ
وَرُبّ بَرْغَشَـــةٍ آذتْ مسامعَـه
فصارَ في حـالِ مصروعٍ ويأسـانِ
فالسِّحْـرُ صارَ على السَّحّارِ مُنقلباً
والشّـرُّ عـادَ عليـهِ وهـو شرّانِ
فاستبشري النّصرَ والأيّـامُ قادمـةٌ
بهِ إليك ، وعنـدي ألـفُ بُـرهانِ
فذي فِـيَـتْنامُ ماهانتْ وما وَهَنَتْ
وفَـرَّ أعـداؤُها منهـا كجِـرذانِ
بغدادُ والشعــرُ بي قد قال كِلْمَتَهُ
وإنّ حبَّـكِ دربَ الشّـوكِ مشّـاني
رضيتُ بالشّوكِ كي أحظى بجنةِ من
صانُـوا العهـودَ لحامي البيتِ والباني
أنتِ المنارةُ يا بغـــدادُ من قِدَمٍ
غنّيـتُ مجـدَك في ترتيـــلِ قرآنِ
فأن سألتِ أيا بغــدادُ عن صفتي
فإنمـا بـكِ قد أعلنتُ إيمــــاني
والمَرْجِعِيَّةُ عندي بالرّجــوعِ إلى
حُبِّ العــراقِ ومنْ بالحُـبِّ سَـواني
إني الإمام ُلمن يهوى العــراقَ أنا
مـن العـراقِ وعِـْرقي منـه عِرْقان
عِـْـرقُ الثقـافةِ تغذوني بنعمتِها
وعـرقُ أصلي ، وعرقي منه جَيْـلاني
أني لعينيــكِ يا بغـدادُ فامتحني
صدقي لديكِ وإنّ الصـدقَ نجّاني
تُيِّمْتُ فيــك وإن الحبَّ أسكرني
حتى رقصتُ وإن الرقـصَ أعياني
لولا بقيـةُ عقــلٍ بي سقطتُ لَقَىً
من شدةِ الوَجْدِ أو مَزّقتُ قُمْصاني
يا نوبةَ الوَجْـدِ ألقي بي على شَغَفٍ
بمن يُغنيّ ومن بالشـوقِ أغنـاني
أنا حنيــنٌ إلى [زِرْيـابَ] أسمعُهُ
في يومِ أنْ كانَ أُستـاذاً ببغـدانِ
رَفْـرِفْ بقلبي أيا زريابُ ها أنا ذا
أعلّمُ الطيرَ شدواً فـوقَ أغصـانِ
من الجليــلِ أنا شَجْـوٌ وناصرتي
تعتـزُّ بي ناصـرًا أهلي وخُـلاّني
شِعْري نَمَتْـهُ فلسطيـنٌ تُوَشِّحُـهُ
زهورُ حُبٍّ غَدَتْ تزهـو بأفنـانِ
مُضَمَّخاتٌ وذي ألوانُها اقْـتُبِسَتْ
من بيرقٍ في سماءِ القـدسِ سَهْرانِ
في أرضِ تيـنٍ وزيتـونٍ وقد نزلتْ
لأهلِـها سُـوَرٌ من عهـدِ كنعانِ
بهم قد اتـّصَلَتْ قِدْماً وما انفصلتْ
عنهمْ وقد نَصَلَتْ أرضاً بسُـكّانِ
هم انْصِلاتٌ إلى استقـلالِ دولتِهِمْ
فليتَها حَصَلَتْ في طَبْـقِ أجفـانِ
كوني فكانتْ وشعري نارُهُ انقدَحَتْ
كقدحِكَ النـارَ من زَنْـدٍ بصَوّانِ
كنارِ بغـدادَ لمـا رُحْـتُ أجمعُهـا
بنارِ شِعْــــريَ نيراناً بنيـرانِ
لأهلِ بغـدادَ إنّيْ رافــعٌ عَلَمـاً
أللهُ أكبرُ قـد ضَمَّـاهُ نَجْمــانِ
لأهلِ بغــدادَ إني منشــدٌ أملاً
ومُعْلِــنٌ لجميـعِ الناسِ إعـلاني
إنّ العــراقَ عراقـي مَنْ يُسالِمُهُ
مسالمٌ ليْ ومن عَــاداهُ عــاداني

هوامش ومفردات

- المواويل : مفردها موّال فنّ من فنون الزجل المغنّى وأشهرها الموّال البغداديّ .
- الأبوذيّة :لون من ألوان الزجل يقال بنفس شروط بيت العتابا يختم بهاء كقولك الحميّه ، الرديّة ، البليّه .
- جاسم : هو جاسم الجبوري من الجزيرة الفراتيّة ، أشهر من غنّى العتابا في بلاد الرافدين حتى قيل عتابا جبورية .
ملحمة جلجامش : أقدم ملحمة شعرية بابلية أكتشفت على ألواح مسماريّة .
- جالغي بغداد : كلمة جالغي تركيّة تعني جماعة المغنين ، وتعني بالمصطلح العراقي حفلات غنائية موسيقيّة ، لها تقاليد خاصّة ، كانت ولا تزال تقام في بغداد ، وأدواتها الموسيقية السنطور والجوزة والدنبك والدفّ والنقّارة .
- أنليل:كبير آلهة الكلدانيين.
- يوضاس : هو يهوذا الإسخريوطي أحد تلاميذ المسيح الأثني عشرة وقد قبض ثمن تسليم معلمه إلى أعدائه ثلاثين من الفضة ، فماذا قبض يا ترى اليوضاسيون العراقيون وغير العراقيين ثمن تسليم بغداد والعراق ؟
- حيّ بن يقظان بطل قصّة فلسفيّة رائعة عند ابن طُفيل وابن سينا والسهرُورديّ ، وقد تخلّق حيّ بن يقظان من طينة بقوة الطبيعة ، وحنّت عليه غزالة فأرضعته ، واستطاع بقوّة عقلة وتأمّله بلوغ أقصى درجات المعرفة .
- النمرود : ملك جبار ادّعى الإلوهية فكان عقابه أن دخلت برغشة (حشرة دقيقة جدا)أذنه ، وظلّت تزمزم إلى أن قضت عليه .
- الجيلاني : هو الشيخ الأكبر ، والإمام الزاهد عبد القادر الجيلاني (1077ـ 1166) من كبار الصوفيين .مؤسّس الطريقة القادرية عاش في بغداد ومقامه شهير فيها . من آثاره " الفتح الربّاني " ، " الغُنْية لطالبي طريق الحق" ،" فتوح الغيب " .
- زرياب : أكبر موسيقيّي بغداد أخذ الغناء عن إسحق الموصلي ، ورحل عن بغداد بسبب مؤامرة عليه لتفوّقه، وعاش في الأندلس وقد جلب معه تقاليد موسيقى بغداد وحضارتها توفِّي نحو845 م. وزرياب في اللغة اسم لطائر.
- نصلت: برزت.
- انصلات : عدو سريع .


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى