تحولات المعنى وظلاله
– موسم الهجرة إلى الضفة الثالثة
جهاد الترك
أكثر توغلاً هي قصيدة النثر في تفاصيل العالم وخرائطه ومسامه خلال العقد الأول من الألفية الثالثة. سبع مجموعات من النصوص لسبعة شعراء من الجيل الأحدث يرتحلون إلى الضفة الثالثة. إلى حيث يبدو العالم أكثر تعقيداً وجاذبية وصعوبة وإغراء للسقوط في المتاهة. ومع ذلك، يبدو أكثر تآلفاً وانسجاماً واستجابة أيضاً لمادتهم الشعرية. يجوبونه برؤية جائعة إلى إعادة تشكيله من جديد، إلى إعادة اختراعه أو ابتكاره أو ترتيبه على نحو يمنحهم القدرة على اكتشاف ذواتهم، ليس من داخلها فحسب، بل في دلالاتها القريبة والبعيدة والأكثر بعداً. ولعلهم، في هذه النصوص، ينزعون بغريزة الاستيقاظ الشعري، إلى التماهي مع أشياء العالم وجزئياته وعناصره الصلبة واللينة. أو في أقل تقدير، تقليص المسافة المفترضة القائمة قسراً، بينهم وبينه. كلما اقتربوا من تحقيق ذلك، اقتربوا في الوقت عينه، من اكتشاف أنفسهم القابعة في مناطق نائية جداً من ذاكرتهم الغامضة. والأرجح انهم يقدمون، بذلك، على إعادة تشكيل أنفسهم على غرار آخر، إما من خلال اللغة بعد رفع الستارة عن مكنوناتها العميقة، وإما من خلال الذهاب بالمعنى إلى حيث اللانهاية. إلى حيث البداية المتجددة التي تعقب النهاية المفترضة. وهكذا دواليك. العالم في حالة تحول دائم. لا يستقر على حال ثابتة. لا يبدأ من مكان محدد ليصل إلى زمان محدد. كل شيء خاضع لهذه المعادلة التي تراوح، في حقيقة الأمر، بين حدود متوهمة على الأغلب، بين بدايات افتراضية، ونهايات افتراضية. لا تخوم، لا حواف، لا أسلاك شائكة تعوق هذه المسيرة على الدرب الطويل الشاق لفكفكة العالم ومن ثم إعادة تركيبه لإزالة المفاهيم المبتذلة المتوارثة منذ عهود الكلمة الواحدة والشعار الواحد والفكرة الواحدة. لم يعد ثمة شيء من هذا القبيل. أو على الأقل معظمه. تحولت هذه الأخيرة إلى أوهام وتهيؤات وخرافات، تمهيداً لتتحول من جديد إلى تصورات لا تمتّ إلى ما يسمى الحقيقة بأي شكل من الاشكال. لا حقائق ثابتة في هذه المجموعات السبع كما في سواها من مثيلاتها. حتى الشعر نفسه ينقلب على نفسه، ينفي ذاته، يتنكر لها، يخونها كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
شعر هو من جنس السراب الذي يخيل إلى النظر انه يتراءى فعلاً إليه، ثم لا يلبث ان يتوارى عن الأنظار. شعر يلهث وراء نفسه، يطاردها، يتعقبها، ثم يعود بقبض من ريح، لا يملك نفسه، وان حاول ذلك فإنه يتعثر في أول الطريق. تجارب من هذا النوع الصعب الذي يبعث على القلق والتعب واحياناً الدوران العنيف في الحلقة المفرغة. ومع ذلك، فإنّه كلما تاه في هذه البرية الموحشة، عثر على شيء من نفسه. ثم أضاعها من جديد، ثم وجد شيئاً آخر. كلما سعت قصيدة النثر في هذه المجموعات إلى تلمس وجهها تبين لها ان لا وجه لها. وجه من نسيج الوهم على الأرجح، لا ملامح له، لا قسمات، لا ذاكرة إلا تلك التي يكونها ثم يلقيها وراءه لأنها من تلك الفضلات التي لا يعتد بها.
تغيب الأشياء والأحداث والذكريات والحقائق في هذه المجموعات. تذهب إلى احتمالات لم تتكوّن بعد. تسرع الخطى إلى الظلال، وفي ظن أصحابها ان هذه الأخيرة تشكل ذريعة لصور شعرية ينسلخ بعضها عن بعضها الآخر في عملية ذات وتيرة بطيئة أو متعجلة من موت المعنى واحيائه من جديد. الظلال، في هذا السياق اللاهث، هي تلك البوابة المشرّعة على الغامض والمجهول او ما يتجاوزهما نحو الدهشة والارتعاشة وصولاً إلى حالة موقتة من الاغماء. هناك في تلك المنطقة النائية من ذاكرة اللغة، يتحول المعنى الشعري مشهداً قصير الأمد. لماذا؟ لأنه سرعان ما يخلي موقعه لمشهد آخر أكثر امتلاء بأسباب المغامرة المشوقة. هناك أيضاً في عالم الظلال، تسترجع اللغة قدرتها الأولى على إعادة اختراع نفسها بنفسها. إنها من مادة الكون الأولى، من أسراره التائهة في ذاكرة تشكلت، في الاساس، عندما لم يكن ثمة زمان ومكان وموت وحياة. الظلال المكشوفة على الغريزة الأولى للغة وهي تشق طريقها نحو الكون لتتوحد به، ثم تضمه إلى ممتلكاتها، ثم تعمد إلى تشكيله، ثم تصبح ذاكرته، ثم يصبح هو ذاكرتها. ثمة فضاء واسع في هذه المجموعات وسواها من نصوص قصيدة النثر، للاقتراب الحثيث من عالم الظلال. كل منها يتجرأ على اقتحام هذه المغامرة بما يتوافق مع رؤية الشاعر وعلاقته باللغة وادراكه المسبق بأنه هو نفسه من صنع هذه اللغة. وانه هو نفسه مرهون بها، وانها هي نفسها سبيله إلى الانتقال من المأزق إلى الخلاص. ومع ذلك، لا خلاص من اللغة إلا باللغة. إنها العلة التي لا شفاء منها إلا بها. درب طويلة إلى الظلال محفوفة بالمخاطر وخيبات الأمل والأفق المسدود والمفتوح. والأهم أنها مشوبة بأفخاخ الوهم والتضليل، لأنها ليست من صنف الحقائق. رؤية شعرية تهرب من الحقيقة إلى الوهم، غير انها، في الوقت عينه، تتسلل بحذر إلى حيث لا يعود العالم هو نفسه، إلى حيث يبدو مشروعاً فقط لمشاهد لم تتكون بعد.
المجموعات الشعرية السبع هي الآتية: "نوارس بلون البحر" (ميسون أبو بكر)، الدار العربية للعلوم، 2010 "لا تجرح الماء" (احمد قران الزهراني)، رياض الريس للكتب والنشر 2009 "ظل ممدود بمزاج مائل" (عصام عيسى رجب)، دار النهضة العربية 2010 "حين أنفق الكائن بصيرته في الخيبات" (شوقي شفيق)، دار النهضة العربية 2010 "رسائل حب إلى زهرة الارطانسيا" (أحمد لوغليمي)، دار الغاوون 2010 "ذاكرة متأخرة عشر ثوان" (عبدالله العثمان)، دار الغاوون 2010 "بالنقطة الحمراء تحت عينه اليسرى" (منال الشيخ) دار الغاوون 2010.
ذاكرة متأخرة عشر ثوان
حيث لا يعود شيء ينأى بنفسه عن أي شيء آخر، ينسج الشاعر عبدالله العثمان رؤيته الشعرية. نصوص كثيرة مختلفة في الشكل والترتيب. بعضها طويل والآخر اقصر قليلاً أو كثيراً. تتآلف جميعاً للتعبير عن معنى مشترك يتمثل في تلك الحميمية التي تجمع بين الشاعر وأدوات عمله. وهي تلك البعثرة من التفاصيل الواسعة التي يتكون منها محيطه الخارجي والداخلي على حد سواء. تتميز النصوص، على هذا الاساس، بشيء كثير من الظلال التي تعزى إليه وإلى اشيائه واحداثه أيضاً. بحيث لا يعود ثمة وجود للأنا مقابل العالم الخارجي. ولعله يزيل المسافات بينه وبين الآخر. أو يكاد يقترب من ذلك، إلى حد كبير. يفعل ذلك في اطار يتيح فيه لكل ما يصادفه أن يصبح جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الشعرية. الشاعر ظل لها. وهي ظل له. والطرفان ظل للمعنى الذي يسعى إلى الوصول إليه. الصورة الشعرية، في هذه المعادلة، مركبة بين الأنا والآخر. ومع ذلك فهي منسجمة. بعضها مشدود إلى بعضها الآخر على نحو من التلقائية التي تفترضها لعبة الظلال. كل من نصوص الكتاب ينحو هذا المنحى بشكل أو بآخر. وكل منها يعزز هذا التوجه. رؤية عميقة إلى امتدادات الفرد في عالم الأشياء والصور والتشكيلات والألوان. لا يستثني عبدالله العثمان أمراً من هذه التكوينات. وهذه، في الوقت عينه، تفقد معناها ووجودها وإيحاءاتها من دون هذه المعادلة. وبالمثل، يوحي بأنه هو نفسه يفقد معناه في حال لم يتماه مع كل العناصر التي تشكل محيطه الخارجي. إنها أ دوات شغله وطريقه إلى المتاهة الشعرية. إلى إعادة تشكيل العالم على نحو ينسجم مع مزاجه وطبعه وإحساسه بالتناغم معها. ويجدر التساؤل، في هذا السياق، عما إذا كانت الصور الشعرية في النصوص قد بلغت نهايتها؟ ماذا بعد أن حقق الشاعر التماهي المنشود مع كل الأشياء؟ هل يحتاج إلى نافذة يطل منها على ما وراء هذه المعادلة؟ تصورات هي من طبيعة هذه النصوص على الأرجح، وليس من خارجها. ومع ذلك، لا يظهر انه وصل إلى الطريق المسدود، فعالم الظلال الذي ابتكره منفتح بطبيعته على احتمالات متعددة. على معان متنوعة.
جثث معلقة على مفصلآخر مرة...خلعت معطفي فيهاكان المعطفمتشبثاً بجسدياخلعه فيخلعنييخلعني فأخلعه...الخزانة مليئة بالجثثوكل يوم ألبس جسداً...إنهم الموتىتركوا أجسادهممعلقة على مفصل...وذهبوا عراة بأرواحهم.***البوصلة تشير إلى المصيدةالمصيدة في عنق الزجاجةالزجاجة فارغة وفي الوقت نفسهممتلئة بنصفي،وعمود الإنارة والانتظاريشكلان جثتي على الرصيفتحت أقدام العابرينها هم الاصدقاء يمرون بصمتإلى المقاهي إلى الليالي الحمراء
بالنقطة الحمراء تحت عينه اليسرى
نصوص مكثفة يغلب عليها التشبث بالمعنى حتى الرمق الأخير. وان اضطرت منال الشيخ إلى محاولتها الاحاطة به من كل الجوانب. أو حملت نفسها على ادخال نمط من الاطالات التي لا تصب مباشرة في صلب المعنى. ومع ذلك، غالباً ما تسعى إلى إعادة بعض من توازن مفقود إلى النص من خلال الكشف عن اماكن الحنين في الذاكرة. تظهر هذه الميزة في أكثرية النصوص. تلجأ إليها لكي تضفي على المعنى بُعداً إنسانياً عميقاً، يشكل في الوقت عينه مساحة شاسعة من نظرتها إلى نفسها، وإلى الكون والعالم. ويبدو أن الحميمية هذه تطبع، على الأغلب، فضاءها الشعري بشكل عام. تستخدمها منال الشيخ من أجل أن تحمل المفردات على التخلي عن قشورها الخارجية والبوح بمضامينها الكامنة تحت هذه الطبقة السميكة من المعاني المألوفة. غير انها تستخدم هذه الحميمية أيضاً لدواع أخرى لا تقل أهمية. من بينها، انها توفر لها القدرة التعبيرية عما تمثل من أبعاد من شأنها أن تضع الشاعرة نفسها في ذاكرة الحنين إلى الماضي. تصبح هي والحنين كياناً واحداً يشير إلى الماضي الذي يقيم في اللحظة الراهنة. لا يعود ثمة اختلاف، في هذا الاطار، بين الماضي والحاضر. باعتبار ان كليهما يشكلان الحافز الأقوى على تكوين الرؤية الشعرية. وقد تعزى نصوصها الطويلة المكثفة إلى رغبة الشاعرة في الاستسلام للغرق في أجواء هذا الحنين. وكأنها تستسلم، في الوقت عينه، للرؤية التي تتذرع بهذه الحميمية من أجل أن تقيم صلات أفضل مع الأشياء والوقائع. مع الزمان والمكان. مع العناصر المتشكلة في هذه البوتقة. لغة النصوص هي من صميم هذه الأجواء. تقترب من تلك الحوافز وهي مأخوذة بمحاولة الذهاب، ما أمكنها، إلى دلالاتها البعيدة، الى الاقتراب من تخومها.
نظرةبصوت أعمىيهش على أحلاميويقذف نظرته في روحيمرساة غفوةانظروا إلى السفن،إنها تحمل ليلي خارج بث الحلم.يُتملكل باب قفلولكل حصان حدوةحزيناً يقف بابي، بلا جدران يقفوتظل طرقة وحيدة تتأرجح مثلك يا حدوته اليتيمة.عالمحمامتانوحافة جداركم واسع هو قلب العالم!غرقالولد الذي نسي ان يسقي زهرتهاستيقظ هذا الصباحغارقاًبين بياض نظرتهاوصمت وردة تنبت عنوة في قلب ليل غريق......أما زلت مصراًانك لا تقتل الزهور؟!
رسائل حب إلى زهرة الارطانسيا
كثرة من النصوص يتوزعها الكتاب. يتكوّن كل منها من ثلاثة أسطر فقط. ثلاثية، على هذا الاساس، تتكرر في كل نص من دون استثناء. لا تنقص ولا تزيد. رؤية شعرية يتوخاها أحمد لوغليمي هي على مقاس هذه الأسطر الثلاثة. غير انها منفتحة، من ناحية أخرى، على ما يتجاوز هذه الأسطر القليلة إلى عمقها في المعنى المتحول. كل من هذه النصوص ينطوي على لحظة شعرية محددة لا أكثر ولا أقل. يكتفي بها صاحبها من أجل أن يفرغ فيها معنى واحداً على الأرجح مكشوفاً على معان أخرى. لا تحتاج هذه اللحظة القصيرة بطبيعتها إلى أي تقديم من أي نوع كان. كما لا تتطلب، على الاطلاق، أي استمهال يؤخر وصولها إلى ذروتها بسرعة قياسية. مفردات قليلة مستوحاة من أشياء وأحداث وصور قليلة. ومع ذلك فإنّ الحيز الزمني الذي يحتضن هذه وتلك ليس قليلاً أبداً. زمن مشرع على امتداداته في زمن آخر. في متاهة شعرية أخرى. يقع اختيار الشاعر على هذا الأسلوب ليجعل من اللحظة الزمنية الواحدة لحظات متعددة تبحث عن تحولاتها المحتملة في أزمنة أخرى. كل من هذه النصوص الثلاثية يسعى إلى ذروة توهج الصورة وهي تفض اشتباكها مع المعنى التقليدي للمفردات لتكتسب معنى آخر مغايراً. يحرص الشاعر، في هذا الاطار، على أن يوصل نصه إلى هذه الحالة المفارقة. ولعله مضطر ليسلك هذا المسلك انقاذاً لنصه من السقوط في دوامة المراوحة بين المفردات التي تبدو خرساء من دون هذه الذروة. ومع ذلك يجدر التساؤل، في هذا السياق، عن مصير هذه اللحظة التي تتكرر هي نفسها في سائر النصوص من دون استثناء. صحيح انها لا تستقر على حال واحدة، غير انها تشرف على أن تقع في المأزق عينه الذي حاول الشاعر أن يتلافاه. ماذا بعد هذه اللحظة؟ يجيب الشاعر عن هذا التساؤل بنص آخر وثان وثالث ورابع ينطوي على ان اللحظة المتوهجة تفك أسر ما قبلها. وما يعقبها يفك أسر اللحظة السابقة. ولكن هذه اللحظة تظل تدور في البؤرة عينها. وكأنها تتوق إلى مخرج يقودها نحو أمكنة أخرى مختلفة. لا يبدو ان الشاعر يرغب في مخرج كهذا في النصوص المذكورة. ربما يفكر في حل مغاير في نصوص أخرى. ولربما ينبغي أن يفعل ذلك ليمنع الاختناق عن صوره المتوهجة فعلاً.
مختاراتالثمار البرية،تواقيعمزارعين قضوا***أيتها الأشجار،لا تتحججي بالخريفكي تنقصي العصافير.***بذور العواطفتينعفي مرج القصيدة.بألف ورقة،ترفرف الشجرة في الريح،علها تطير!في أذنينحلة توشوش سراًولا أفهمها!نظرتيتدهس شقائق النعمان،في طريقها إلى الكرز.انظر...!أزهار تتفتح،على جذع شجرة ميتة.الثلج الذي يذوب،يمتزجبظله!صقيع، كلماضبطته الشمس متربصاً بالعشبتدينه بالترقرق.يعسوب قرمزي،يشرب وجهي،المعكوس في قطرة ندى.أي ريحانة.صامتة، تفوحين شذاك،ماذا لو نبست؟!
ظلّ ممدود بمزاج مائل
يتسقط عصام عيسى رجب أموال الشعر وأخباره والتماعاته في كل المناسبات.
في كل الأمكنة. أو حيث يخيّل إليه أنه عاثر عليه. لا فرق لديه بين ايعاز وآخر.
المفردة حاضرة في ذهنه لكي تحتل مكانها في نص لم يولد بعد. يهم على ذلك وفي ظنه أنه يفعل ذلك من دون أن يحمّل النص ما لا يحتمل. من دون أن يحشر الصور حيث لا ينبغي أن تكون. ومع ذلك، فإن محاولة كهذه قد لا تبدو بالسهولة التي يريد. أو بالتلقائية التي يفترضها في الأساس. من الملاحظ ان الشاعر نفسه يحار في هذه القضية. يبذل جهوداً هامة وشفافة من أجل أن تستتب له الأمور كما يرغب ويشتهي. ولعله لا يقصر أبداً في محاولاته هذه وإن بدا ان ثمة ما يجعل منها ضرباً يطلبه الشاعر من أجل أن يكون على تماس حقيقي مع الذات واللغة والأشياء. ولكنه، في لحظة معينة، يتخطى ما يمكن اعتباره معوقات عرضية، على هذا الصعيد. يعثر على المفردة الملائمة التي تفتح أمام النص دروباً طويلة وواسعة من الاحتمالات. في هذه الحالة بالتحديد، يستعيد النص توازنه. يذلل المعاني الصعبة أو تلك التي تبدو كذلك. يصبح بمقدوره أن يخرجها من جمودها، قبل أن تصل إلى درجة الاختناق بذاتها. غالباً ما يستخدم الشاعر هذه التقنية ليتحرر من المتاهة الجامدة إلى المتاهة المتحولة. يتلقى اشارات، وهو في صدد ذلك، من أشياء لم تكن لتخطر في ذهنه، على الأرجح. يقبل على التقاطها من دون تردد. فهو في أمسّ الحاجة اليها. يدرجها على الفور في سياق النص ثم يبني عليها. ثم يسعى إلى التقاط غيرها. وهكذا دواليك. وكأن المعنى لديه هو ابن ساعته. ابن لحظته. يتكون في ربع الساعة الأخير. على عجل. هكذا يلملم عصام عيسى رجب شتات رؤيته الشعرية من لا شيء. والأغلب من كل الأشياء. المهم أنه لا يتعثر في مسعاه.
سيرة ماضيةأشد ازار الظلال إلي...أجردها من مشدة خيبتهافي المسير وراء انشطاريأنا ظلها في الدوار إلى جهة الرملأو حين تأوي الشموس إلى غيّهافي عُري الظلامفكيف تشبُّ الصباحَ إلى خطوَتي،تُناصِبُني قهوة السيرةِ الحافية..؟!مكيدةفي أولِ الليلِ تأوي إلى ليلِها الناسُتأوي إلى بيتِ ليلتِها...في العراءِ المُسَوَّرِ بالقَشبنِباحِ الكلابِ الوحيدةونِباحِ القصيدةيُحطُّونَ مائدةَ الضيقِ... عاشِرَةمثلما يفعلُ الفقراءُ... في أولِ الليلينصِبونَ المكيدة...
حين أنفق الكائن بصيرته
نصوص قصيرة وطويلة ومسهبة أيضاً، يجمع بينها، على الأرجح، فضاء شعري واسع جداً. يستقطب كثرة من التفاصيل والصور والأحداث والأشكال وسواها. يبذل شوقي شفيق مجهوداً مضاعفاً ليجعل من هذه العناصر جميعاً مرتكزات حقيقية لسياق مشوق من التعبير. قد تبدو هذه العناصر من تلك الفئة من الاستراحات التي تعبر خلسة بين الصورة ومثيلتها. بين الفكرة والأخرى. بين المعنى ونظيره. وهي، في أي حال، لا تشكل عائقاً يعرقل النمو التلقائي للصورة الشعرية. على النقيض من ذلك، تشيع في النصوص مساحة خفيفة الظل، إذا جاز التعبير، تتوسط تدفع الجزئيات المتكاثرة التي يتكون منها المعنى الشعري. ومع ذلك، من الملاحظ أن شوقي شفيق ينزع، في طبيعة مزاجه الشعري، إلى تفكيك المعنى أحياناً، في اتجاه وحداته الأصغر ليعيد تركيبه من جديد على نحو مغاير. وهو بذلك يسعى، بشكل أو بآخر، إلى تغييب المعنى الظاهر ليستكشف المعنى المتوغل في الداخل. وهو لا يفعل ذلك من أجل التفكيك فقط. بل ليتمكن، في نهاية المطاف، من وضع المفردة الواحدة، ومن ثم المعنى، في مدار شاسع من الاحتمالات المختلفة. تتميز نصوص الكتاب بهذا النمط من تداول المعنى في أوجهه الكثيرة. ويبدو أن هذا النمط من العلامات البارزة في المناخ الشعري العام لهذه النصوص.
على هذا الأساس، يصبح بمقدور الشاعر أن ينتقل بمعانيه، بسهولة فائقة، من موضوع إلى آخر. من صورة إلى أخرى. من ضفة إلى أخرى. ولكن من دون أن يحدث بلبلة في الفضاء الشعري. والأهم، في هذا المجال، استبدال المعنى بصورة مختلفة مفاجئة أو غير متوقعة. يأخذ الشاعر نصوصه في دروب غير مألوفة. تتقاطع أحياناً. وتفترق أحياناً أخرى. وتنقلب على نفسها أحياناً ثالثة. يحدث ذلك في برهة. في احدى التماعات الصورة الواحدة التي لا تبقى كذلك. اذ تنشطر إلى كيانات تعبيرية أصغر أو أكبر. وكلما تحللت هذه المعاني كثرت تجليات الصورة وتعددت احتمالاتها. يسعى الشاعر في هذا الاطار، الى أن يبقى المعنى الشعري محافظاً على صعوده في الرؤية العامة التي تخيم على النصوص. يساعده في ذلك عدم ثباته على فكرة واحدة أو ايقاع واحد. كل شيء قابل لأن يتحول شيئاً آخر. أما بالمعنى. وإما بالصورة. وإما بالمفردة.
مختاراتوالأب الذي أنجب رجلينوثلاث نساءوكأس جنونهذا الأب كله ترك على فراشهقباناً لقراءة الوقت،أحذية غير صالحة للسيرقميصاً لم يلبسه أحدصلاة غير مكتملةأجزاء يابسة من بدن نحيلاحتضاراً قصيراًوبعض رحيل.الأب الذي لم يترك وصية بالمتروكاتغافل نساء الغرفة، ومضى بهدوء.أب في غيم البرزخ ينتج ضوءه الشخصي،مكملاً سيرة الرحيلالعائلي المبدوء بالجدة الأولى.كنت تظنـ أيها الولد المشغول بسلالة العبارة. أن الجنائزما عادت قابلة للخروج من بيت العائلة!ها هو نعش آخر كي يسقط رهانكوها جثة لم ترها تتجه نحو فخامة المقبرةمن دون أن تلقي عليك ترتيلة الوداع.
نوارس بلون البحر
نصوص من قماشة الرؤية عينها التي تفردها الشاعرة ميسون أبو بكر على فضاء الكتاب. الملاحظ، في هذا السياق، انها على إلمام دقيق بطبيعة صورها وأحجامها الحقيقية والايحاءات الناتجة عنها. لا تقدم على اعطائها أبعاداً لا تتلاءم معها أو تتنافر مع قدراتها التعبيرية. لذلك، تبدو هذه الصور واثقة من مكانتها في النص. وهي، على هذا الأساس، لا تستخدم أياً من المعاني التي لا تستطيع أن تذهب بها الى حيث تريد. توصلها الى حيث ينبغي أن تصل بهدوء وشفافية وثقة بأن الصورة المتوخاة تنطوي على قدر يسير من وضوح الرؤية. وإن بدا أحياناً ان بمقدورها أن تجتاز مسافة اضافية قد يتطلع اليها المعنى من أجل ان يصبح اكثر دلالة على تجاوز اللغة لذاتها. لا يبدو أنها تستهدف ما لا طاقة لها على الامساك به جيداً. تخرج صورها من الذاكرة الى اللغة الى النص على نحو من تلقائية من دون أن تتكدس بشكل عشوائي أو اعتباطي. المهم لديها أن يتقمص المعنى اللغة التي يحتاج اليها من أجل أن يقترب من الايحاء الذي يحتاج اليه. لا تستبق ميسون أبو بكر مفرداتها. كما لا تستبق صورها ومناخاتها. تسير وإياها جنباً الى جنب. وبالمثل، لا يستدعي هذا الأسلوب أن تستقدم الى النص أنماطاً من المفردات الغائمة أو المشوشة أو التي تنطوي على معانٍ ملأى بالألغاز. تفضل بدلاً من ذلك الصورة في أبعادها التي تتراءى لها فقط. ثمة هدوء عميق مشوب بسكينة عميقة تلف فضاء النصوص على نحو ملحوظ. لا توتر فيه، ولا اضطراب، ولا تردد بين اختيار هذا المعنى أو ذاك. أو هذه المفردة أو تلك. وكأنها تضع سيناريو للنص قبل الشروع في استيلاده على الورق. تأخذ الرؤية، في هذا الاطار، الى حيث تريد، ولا تترك للرؤية فرصة لتأخذها هي الى حيث تريد. غير انها تطلق العنان، أحياناً، للمفردة الواحدة التي تبدو مستعدة لتتلقى اشارات قوية من الزمان والمكان اللذين تتكون فيهما. ومع ذلك، فإن توجهاً كهذا يبقى ذا أثر محدود. الرؤية الكلية للنص هي التي تقوده في الاتجاه الذي يتناسب مع مزاج الشاعرة ورغبتها في الانتقال من حيّز الى آخر. قلما تؤثر الابتعاد عن هدوئها وسكينتها. هما، على الأرجح، الايقاع الثابت في النصوص. ولعلهما يشكلان توازناً هاماً في قراءتها للأشياء والأحداث والتحولات من داخل اللغة وخارجها.
كانت رؤياينثر هذا الليل على جسدي ألوان الموتيلبسني عينين بلون العتمةتتبدل ألوان الأشياء...أبحث عني داخل أسواريتقتلني الوحدةأختنق بأنفاسيأبحث عن نرجسة..لكنفي العتمة لا منفذ إلا للعتمةكل دروب الموت سواء ولا جدوىترهقني الأفكارتقرع أجراس الموتهناك على المسرح ميزانأردت أسلينيفجلست لأحصي حسناتي..تراءت لي كالغيمات البيض..كفراشات تحمل في عينيها النوركحبات من برد الصيففي الجهة الأخرى..
لا تجرح الماء
كل شيء من نسيج أي شيء آخر. معان يذوب بعضها في بعضها الآخر من دون ممانعة تذكر. ولعل أحمد قران الزهراني في نصوصه الطويلة والقصيرة يسعى إلى الاقتراب من الكيفية التي تمكنه من فكفكة المعنى ليصبح قابلاً للحياة في معنى آخر. يترافق إحساس عميق، على الأغلب، مع الصورة المتأهبة لمغادرة مضمونها إلى محتوى آخر. لا يعود، في هذه الحال، ثمة فرق يذكر بين الصورة والإحساس بتجلياتها المتحولة. على هذا الاساس من التلازم بين الاثنين، يصبح بمقدورهما معاً أن يتخليا عن مواقعهما في النص نحو توظيف أكثر رهافة لكل منهما. يلجأ الشاعر إلى هذا الأسلوب وعينه على ظلال الأشياء التي يثيرها بالمفردات في النص. لا يكترث كثيراً، على الأرجح، أن يبلغ بمعانيه مناطق ترشده إلى طريق الظلال بغية الوصول إليها أو الاقتراب من تخومها إذا جاز التعبير. المهم لديه ألا يفقد البوصلة التي يسترشد بها من أجل هذه الغاية. تارة يستخدم اللغة في دلالاتها العميقة أو الدفينة لاستيلاد المعاني البعيدة عن الواقع المألوف. والمقصود بذلك ان يحمل اللغة على أن تكتشف إمكاناتها في النص وفي الرؤية الشعرية. يقارب المفردة الواحدة من اتجاهات مختلفة، يغريها بأن تخرج من ذاكرتها صوراً ومشاهد يتعذر الحصول عليها بالطرق العادية للتعبير. قد تبدو نصوص الكتاب جميعاً وكأنها تدور حول هذه المسألة بالتحديد، يكاد كل من هذه النصوص ان يكون صدى قوياً لنظيره الذي يليه أو يتأخر عنه. عمل لا يخلو البتة من توق تجريبي لاكتشاف طبيعة المفردة من داخلها تمهيداً لربطها ربطاً محكماً بالفضاء الشعري للكتاب. ولعل هذا الانكباب على هذه الناحية التجريبية تضفي على النصوص بُعداً شعرياً جاداً وملموساً باعتبارها عملاً ينطوي على رهبة التعامل مع اللغة وهي تخلع عن جسدها أردية المعاني المألوفة والمبتذلة كذلك. غير ان الشاعر لا يستهدف اللغة فقط وإن بدت انها رقم صعب في معادلة الكتابة. يقدم على وصل اللغة بالرؤية الشعرية، بمتاهة السير نحو المعنى المتجدد الذي نادراً ما يبقى على حاله في النص الواحد. يرتحل الشاعر بمخيلة مزّودة بالرغبة العميقة في أن يتمكن من العبور إلى خلف أسوار الصورة.
مختاراتعلى بُعد حرفين،أمضت مساءً شهياًتهدهد ما ظل من سطوة الشعرتمزج بيني وبين القصيدةفي لحظة للتجليوتأوي إلى لوحة للتعاويذتأخذني في تماهي العباراتلا شيء يجمعنا في المكانسوى اننا غارقان معاًفي تفاصيلنا حالة اللاحدود.أرى مهرة تسبق الريح في خفقهاحين تخطو على الماءمن دون أن تجرح الماءلا تجرح الماءلا تجرح الماءتأتي كما الليل،يقرأ بعضَ الوجوهفلا عينَ لليل،قد قيل: لا عين لليلتأتي كطفل شقي يداعب ما يستلذفتى صاخب لا يرى اللهشيخ يؤسس في سجدتين لمثواهمثلي أفكر.. ما المنتهى للخلود؟.
عن «المثقفون العرب»
