تراتيل للدفء المقدّس
ألفيتكِ في شغاف القلب نبضاً قدسيّاً.. ترتّلين الحبّ الأبديّ، فيسمو الخافق بك.. يسمو إلى أن يجتاز ضياء القمر، وخيوط النور السنيّة التي تشعّها النجوم.
ألفيتكِ تتربّعين على عرش النور.. تغتالين الغبش المسافر فوق المآقي، وترسلين في حلك الليل سناء، يبدد الظلمة المقيتة، ويقهر ليل الحزن بنهارك الأموميّ.
يا أمُّ.. يا قصيدة بعد لم تُكتب، لأنّ كلّ القصائد التي سافرت إليكِ، كانت قاصرة.. تشكو فقر النبض وبوح الوفاء.. لأنّ كلّ كلماتها تشكو العجز كلّ العجز، عن تقديم نفحةِ طيب، تنداح في ظلال نفحاتك الأموميّة.
يا أمُّ.. يا أغنية بعد لم تُغنّ، لأنّ كلّ غناء ينطق باسمك، طيف يتحدّر من ألطافك السماوية.. نبض يحمل بعض دفء من خباياك.. لأنّ كلّ بحّة ترتّل عنوانك قفراء وجدباء وخاوية، إلّا من نذر يتلاشى أمام دفْق حبّك.
يا أمُّ.. يا شدواً شدته الأقاحي، وأزاهير القلب النابض بالوفاء للتي أجزلتِ الوفاء.. للتي تحنو على الجوارح بنعميات فيّاضة بالروح الطاهرة الشذيّة، التي تسمو برفعة النجم سمواً قدسيّاً، فتغدق على الحنايا طيب العطاء.
يا أمُّ.. يا نهارًا أحلى من كلّ النهارات، أزكى عطراً من كلّ الطيوب، التي يجود بها رحم الأرض.. أنقى سريرة من كلّ سرائر البشر.. أولئك الذين يركبون مطيّة الجفاء والحقد الطافح بالكره، ونبْذ خصال الضمير الحر.
يا مدينة تحمل في جعبتها آلاماً وأوجاعاً منهكة.. تخزّن هموم رعيّتها.. تبدّدها.. تقسر نفسها على ما لا تستطيع حمله.. لكنّها تأبى إلّا أن تسامر ليل فلذاتها، وتمطر ثوانيهم بشعاع الابتسام والفرح الدافق ما بين الضلوع، وتأبى إلّا أن تُضفي على مساحات الوجوه روعة البشر وصفاء الأديم.
نقيّة أنتِ.. كابتہالات صوفيّ متعبّد، يرفع يديه الى السماء، يرجو الغفران وحسْن المآب.
وطيّبة الخلال أنت.. كالعطر الذي يضوع شذاً وحبّاً.
إذا ما سافرت الأحزان يوماً إلى الخوافق والنفوس، واستلّ الهمّ سيفاً يُريد بتْر أوردة الروح، ظهرتِ أنتِ كما الشراع الذي يرقبه آلاف الناس على شطّ الانتظار
والشكوى.
إذا ما غادرتْ دمعة حرّى عينَ ابنٍ لكِ، وراحتْ تسيل على خدّه، وجدتِ نفسك في بحر من الدموع هائج مائج، تنْهمرين عليه بحشاشة قلبك، بأضلعك، تريدين كفكفة تلك الدمعة بمنديل حنوّكِ متناسية عذابات روحكِ، لحظتها كان خافقكِ لا يعرف التمزّق.. لا يعرف الانهيار، أمام الصراعات التي تحيط بجوانحكِ.
تأوي إليك القلوب في لحظات الزمن المتعب، وعندما تحسّ الروح أنّ الكدر يطوّقها، وأنّ أحابيل الهموم اليوميّة، تُدخلها إلى سراديب الضياع، وعدَم الرؤية الحقّة، وأن أمواج الغمّ، تحاول إغراق مركبها في لُجج التشتّت والهموم المقيتة، تطير إليكِ.. تشكو صراعاتها إليك.. فتنداح صرخات الروح الموجعة، وتتمزّق أشلاء، وتنعم بالسكينة والطمأنينة.
أمام عينكِ الحانية، وأمام وجهك الدافئ... أجد نفسي أمام قمرٍ لا يعرف الأفول.. أمام شمس تأبى إلّا أن تدفئ القلب.. أمام بحر من الحنوّ، يجود بماسه ولآلئه، ويقذف بكلّ المراكب إلى شطّ السعادة.
أعود إليك بعد أن تعود ذاكرة القلوب الوفيّة إلى الوراء، تسترجع الهدهدات الحانية واليد العطوفة، التي داعبَت، وحملتْ، ودغدغَت، وسافرَت تمتصّ الضجر.. تقتلع الأسى.. تغرس النور في دياجي الدروب الضيّقة، حتّى أراني لا أجد قولاً أحلى مِن: دمتِ ديمةً بقطْر الحنان.. يا صاحبة القلب الكبير، والنبض القدسيّ.
