الخميس ١١ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم محمود سلامة الهايشة

توأم الروح وفرص الأقدار

أشباه الروح واحتمالات المصير: قراءة نقدية في قصة "أشباهي التسع والثلاثون"

تدور أحداث قصة "أشباهِي التسع والثلاثون" لسميرة جدي حول مفهوم فلسفي مثير للاهتمام، مستوحى من المثل الشائع: "يخلق من الشبه أربعون". إلا أن الكاتبة لا تنظر إلى هذا المثل كمجرد تشابه شكلي، بل تعتبره وسيلة للتأمل في مصائر البشر والفرص المتعددة التي قد تتاح لهم لو اتخذوا قرارات مختلفة في مراحل حياتهم.

منذ السطور الأولى، تُدخلنا الكاتبة في فضاء انتقالي فريد بين الواقع والخيال، وهو ما يخدم الفكرة الرئيسية للقصة. فكل ما يحدث في النص لا يمكن وصفه بالواقعية المطلقة، ومع ذلك، لا توجد فيه عناصر تجعله غير واقعي أو خيالي.

من الجدير بالذكر أيضًا أن الكاتبة تستخدم الأسلوب الرمزي في القصة، حيث تواجه الشخصية الرئيسية تسعة وثلاثين نسخة من نفسها. هذه النسخ ليست أشخاصًا مستقلين، بل تمثل عددًا من الاحتمالات التي ضاعت بسبب قرارات أو أفعال معينة. في هذه الحالة، يكتسب "التشابه" معنى جديدًا تمامًا، ويصبح مرادفًا لمصير بديل لم يتحقق. تستخدم الكاتبة مفهوم "الاحتمال" كموضوع محوري يُضفي بنية على السرد بأكمله، ويجعل كل شخصية تعكس جانبًا محددًا من الذات الداخلية.

إضافةً إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن من أبرز سمات القصة أن أيًا من النسخ البديلة لا تبدو متفوقة على الأخرى. فبينما دفعت النسخة المشهورة ثمن شهرتها، ففقدت خصوصيتها، تمكنت الأخرى من الحفاظ على قلبها. تخلت الأولى عن التواضع وأصبحت وحيدة للأبد، بينما تعلمت الثانية كيف تعتذر، فنالت حب الجميع.

يتجلى الجوهر الفلسفي للنص في العبارة الرئيسية التالية: "الإنسان ليس ما حدث له، بل ما اختار أن يفعله بما حدث له". وبهذا، يتحول التركيز من الاحتمالات إلى أهمية الإرادة الإنسانية. فالإنسان ليس كائناً تحكمه الأقدار، بل يصنع المعنى لنفسه من خلال تفسير تجاربه. هذه الفكرة الوجودية تمنح النص عمقاً لا يمكن حصره في قصة قصيرة واحدة، بل يتطلب تأملاً في الحرية والمسؤولية.

يبلغ التطور الفني ذروته في النسخة الصامتة، إذ تُجسد هذه النسخة الشخصية البديلة التي كان من الممكن أن يكون عليها البطل لو تحل بالشجاعة الكافية للتغلب على مخاوفه الداخلية. هذا التركيز على "الخوف" ضروري للغاية، إذ يُفهم أن السبب الرئيسي لضياع الفرص في كثير من مواقف الحياة هو التردد الناجم عن رهبة اتخاذ القرار، وليس الخوف من الفشل.

مع ذلك، لا يكتفي النص بطرح هذا السؤال فحسب، بل يُفاجئ القارئ بتحوّل فكري هام حين يسأل البطل: "من منكم أسعد؟" فيجيب أحدهم: "لا أحد". عند هذه النقطة، تكشف الكاتبة عن المأساة الكبرى للوجود الإنساني، إذ يعتقد كل فرد أن حياته كانت ستكون أفضل لو اتخذ خيارات مختلفة. هذه هي مأساة المقارنات، وحلم ما كان يمكن أن يكون، وفكرة أن السعادة تنتظرنا دائمًا في الاتجاه الآخر الذي لم نسلكه. تتجلى القيمة الفنية للمقطع في ذروته المؤثرة، حيث تُربط الوجوه الأربعون بالندم وكثرة الخيارات المتاحة، بينما يُربط الرضا بصورة واحدة لا تتكرر. يمنح هذا التناقض الخاتمة عمقًا تأمليًا كبيرًا، ويُقدم تفسيرًا للمثل يتجاوز معناه الحرفي، فالمهم هو تفرد اتحاد الروح، لا عدد الوجوه المتشابهة. لذا، فإن الخاتمة الشعرية للنص، التي تقول: "أما الروح فلا يخلق منها إلا واحدة"، تلخص رسالته الفكرية.

يتميز أسلوب السرد بلغته الموجزة والسلسة، الخالية من أي تعقيدات لغوية، والمفعمة بالإيحاءات والتلميحات. وقد استُخدم الحوار ببراعة من خلال شكله القصير والمتسلسل، مما أضفى على العمل إيقاعًا مميزًا، وسمح بتجسيد الأفكار في حالات ومشاهد محددة. إضافةً إلى ذلك، تحافظ الكاتبة بمهارة على التوازن بين الجوانب التأملية والسردية، متجنبة تحويل القصة إلى مقال فلسفي دون أن يفقدها طابعها التأملي. وهكذا، فإن الملاحظة الختامية هي أن "أشباهِي التسع والثلاثون" عمل قصصي شيق، قائم على مفهوم غير مألوف وحكمة إنسانية ناضجة، يطرح إشكالية وجودية قريبة من تجربة كل فرد في الحياة: هل نعيش حياتنا كما هي حقًا، أم نقضيها باحثين عن شبح بدائل الحياة التي فاتتنا؟ وفي الوقت نفسه، فإن العبرة من القصة هي أن قيمة الشخص لا تكمن في عدد الفرص الضائعة، بل في استعداده للتصالح مع مسار الحياة الذي اختاره.


مشاركة منتدى

  • وشّ واحد || أغنية
    أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "أشباهي التسع وثلاثون" بقلم/ سميرة جدي ، والمنشورة بموقع ديوان العرب، الخميس ٤ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦.
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    لازمة (القرار):
    يقولوا يخلق من الشبه أربعين
    وأنا قابلت الأربعين بعين اليقين
    لقيت لكل واحد حكاية وطريق
    بس الروح واحدة... وما لهاش بديل
    يا وشّ واحد شايل ألف احتمال
    وألف باب مفتوح على السؤال
    مين فينا كسب؟ مين فينا خسر؟
    كلنا تايهين جوّه الخيال

    الكوبليه الأول:
    في ليلة ما بين النوم والصحيان
    ولا حلم كامل ولا كان أمان
    لقيت حواليّا ناس واقفين
    كلهم من نفس العنوان
    نفس الملامح... نفس العيون
    نفس الخطاوي ونفس الشجون
    مدّيت إيديا لواحد فيهم
    خفت منه؟ لا... خفت أكون
    قال لي: أنا إنت لو يوم انهزمت
    وسبت جراحك تكسر فيك
    وقال التاني: أنا إنت برضه
    لو نار الغضب حكمت عليك

    اللازمة:
    يقولوا يخلق من الشبه أربعين
    وأنا قابلت الأربعين بعين اليقين
    لقيت لكل واحد حكاية وطريق
    بس الروح واحدة... وما لهاش بديل

    الكوبليه الثاني:
    واحد جرى ورا نور الشهرة
    ضاع منه قلبه في الزحمة
    وواحد عاش بعيد ومستور
    بس حافظ ضحكته وملامحه
    واحد مات من كتر كبرياه
    وواحد عاش بالناس حواليه
    لما عرف إن الاعتذار
    مش بينقص من قدره شوية
    كل واحد كان حتة مني
    كان ممكن أمشي في سكته
    فرق بسيط في لحظة قرار
    بدّل عمر بحاله في خطوته

    الجسر (الذروة):
    وفي آخر الدايرة شفت واحد
    ساكت... وعينيه في عنيا
    قلت له: مين؟ قال لي بهدوء
    أنا اللي الخوف خبّاه عنك سنين يا
    أنا إنت لو مرة صدّقت حلمك
    وما خفتش من بكرة ولا الأيام
    أنا إنت لو فتحت شبابيكك
    وسبت الريح تدخل السلام

    الكوبليه الثالث:
    سألتهم: مين فيكم أسعد؟
    مين فيكم نال اللي كان عايزه؟
    بصّوا لبعض وسكتوا كتير
    والصمت كان أوضح من ألف موعظة
    قال الكبير: ولا واحد
    كل واحد كان نفسه في التاني
    كل واحد شايف رزق غيره
    وناسي رزقه اللي في إيديه
    فهمت ساعتها سر الحكاية
    وسر التعب جوّه البني آدم
    إن الندم له ألف وشّ ووشّ
    والرضا وشّ واحد دايم

    الختام:
    ومن يومها لما أسمع حد
    يقول: يخلق من الشبه أربعين
    أضحك وأقول: الوشوش كتيرة
    لكن روحك... ما تتخلقش مرتين
    الوشوش كتيرة... والطرق كتيرة
    والعمر دايم بين اختيارين
    لكن الروح لو ضاعت من صاحبها
    يبقى ضاع أكتر من ألف عالم سنين.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى