عندما يتحول المعلم إلى آلة حسابية
حين يتحول المعلم إلى آلة حساب: قراءة نقدية في قصة "خوارزمية الجشع في سيرة معلم" للكاتب الحسان عشاق
لا ترتقي جميع القصص التي تتناول الفساد إلى مستوى الإدانة، ولا تُقدّم منظورًا فنيًا يُشكّك في جوهر الإنسانية. لكن قصة "خوارزمية الجشع في سيرة معلم" تُصنّف ضمن تلك القصص التي تسعى إلى كشف جذور الفساد، وتطوره، وتحوّله من مجرد رغبة بسيطة في تحسين ظروف المعيشة إلى مفهوم فلسفي يستعبد صاحبه قبل أن يُدمّر الآخرين.
يُقدّم الكاتب، منذ عنوان القصة، استعارةً غير مألوفة، حيث لا يُمثّل الجشع مجرد شعور عابر، بل "خوارزمية"، آلية حسابية تُعيد تشكيل العلاقات الإنسانية برمتها وفقًا لمنطق الربح والخسارة. ولذلك، يتحوّل بطل القصة، هشام الروندة، من معلمٍ يحمل رسالةً إلى آلة حسابية.
يستخدم الكاتب بنية سردية متدرجة تقود إلى الانهيار النفسي للشخصية الرئيسية بعد سلسلة من الإخفاقات في العمل، جاعلاً من الفشل النفسي نقطة انطلاق انهيار مبادئه الأخلاقية. هشام ليس شخصًا سيئًا بطبيعته، بل يفسده ضغط الإحباط، ويعجز عن إيجاد أي سبيل آخر للانتقام من المجتمع الذي لم يقدم له سوى المال. بعبارة أخرى، لا يحاول الكاتب تبرير مصير الشخصية، ولكنه ينجح في شرح العمليات النفسية التي تمر بها.
يكمن جمال أسلوب الكاتب في الربط بين الطبيعة الفاسدة للتعليم والجانب النفسي للبطل. لا يصبح التدريس الخصوصي مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل انعكاسًا لعقدة النقص التي يعاني منها هشام. فهو لا يبيع المعرفة، بل يبيع السلطة التي اكتسبها والتي تمكنه من إذلال أولياء أمور طلابه.
من أبرز أجزاء القصة الحوارات بين هشام وولي الأمر، علال، حيث يقارن هذا الحوار بين خطاب الجشع وخطاب البساطة والعدل. لا يملك الأب الفقير سوى ضميره، بينما يملك المعلم سلطة النظام والامتحان. ينتج عن ذلك دراما اجتماعية تتجاوز هاتين الشخصيتين، وتتناول مشكلة الأزمة التعليمية العربية عموماً، حيث لا يُتاح التميز إلا لمن يملكون القدرة المالية.
فيما يتعلق بالجانب الفني للقصة، ينجح الكاتب في تحويل هشام إلى رمز بدلاً من شخصية واقعية. فهو لا يرمز إلى معلم بعينه، بل إلى الشخص الذي يستبدل الأرقام بالقيم. ولذا نجد الكثير من الكلمات المرتبطة بالمحاسبة والعقود والعقارات والسيارات والأرباح.
مع ذلك، لا تنتهي الحبكة عند المؤسسة التعليمية، بل تنتقل إلى مؤسسة الأسرة. يُنظر إلى الزواج نفسه من خلال منظور السوق، ويصبح مشروعًا استثماريًا خاليًا من الحب وأي رابطة عاطفية. لم يعد هشام يبحث عن امرأة تصبح زوجته، بل عن امرأة جديدة تجلب مالها رأس مال إضافيًا لاستثماراته، وتصبح زهرة ضحية أخرى لنفس فكرة الاستثمار. عندما يكتشف أن ما بدا رجلاً ثريًا تتراكم عليه الديون كالجبال، ينهار النظام النفسي برمته، لأن علاقته كانت مبنية على المادية منذ البداية.
في هذه الحالة، يُشكر الكاتب على تصويره الانهيار الاقتصادي لا كسبب للتوبة، بل كحافز لمزيد من القسوة. فالشخصية الرئيسية لا تندم على أي شيء تفعله، بل تُثير عداوة كل من حولها، بمن فيهم ابنها الذي لم يعد سوى عبء عليها. هنا تبلغ المأساة ذروتها، إذ يفقد الشخص آخر ما يربطه بطبيعته الحقيقية، ألا وهو الأبوة.
من الناحية اللغوية، يتميز أسلوب الحسان عشاق الكتابي بكثافته الشديدة، وغناه بالاستعارات والصور البلاغية لدرجة أن بعض الفقرات تبدو كقصائد نثرية. "السيارات تصفع وجه الحياة"، "الديون تنهش الروح"، "يصبح المنزل خلية من ورق"، و"الجشع خوارزمية". يضفي هذا الأسلوب قوة وصفية على النص، لكنه قد يؤدي أحيانًا إلى إسهاب بلاغي، حيث تطغى الاستعارات على السرد. وفي بعض الأحيان، ينغمس الكاتب في وصف الأشياء لمجرد الوصف.
علاوة على ذلك، يتخلل العمل تكرار دلالي نتيجة لتكرار فكرة الجشع بأشكال متعددة في أجزاء مختلفة من النص. كان من شأن استخدام لغة أفضل أن يُضفي على النص سلاسةً وقوةً أكبر للمشاهد. أما النقطة الأخيرة المتعلقة بالأساليب، فتتمثل في تصوير حادث السيارة كعقاب لا مفر منه. صحيح أن هذا النوع من النهايات يحمل في طياته بُعدًا أخلاقيًا، إلا أنه يبدو متوقعًا للغاية، إذ أن مسار الشخصية الرئيسية منذ منتصف القصة كان يُفضي إلى هذه النهاية المأساوية.
أما فيما يخص التحول النهائي لشخصية زهرة وظهور بوعزة كمعارض فكري لهشام، فينبغي القول إنه محاولة لإعادة إحياء قيمة المبادئ الإنسانية الأساسية. لا يُقدم بوعزة أي برنامج اقتصادي لزهرة، ولا يعدها بالخلاص، بل على العكس، يُعيدها إلى جوهر الحياة الخالي من أي حسابات. وبالتالي، يُمثل ظهوره رمزًا للتحرر من "خوارزمية الجشع"، لا بديلًا عاطفيًا عن الزوج الراحل، بل بديلًا فكريًا لفلسفة التملك. ومن ثم، يُضفي ذلك بُعدًا فلسفيًا إضافيًا على خاتمة القصة، مُثيرًا تساؤلًا حول الحياة: هل تُقاس بما نملك أم بقدرتنا على بلوغ السكينة الروحية؟ عمومًا، تُقدم القصة رؤية أخلاقية، لكنها لا تقتصر على الوعظ، بل تُحاول تحليل العمليات النفسية والاجتماعية التي تُفضي إلى الجشع. وقد نجحت في بناء شخصية مُتقنة، ونظام رمزي مُعقد، واستخدام لغة غنية بالعناصر الشعرية، وإن كانت في بعض الأحيان بحاجة إلى مزيد من الإيجاز.
بينما كان الحسان عشاق يُخطط لسرد قصة مُعلم مُضلَّل، إلا أن ما ظهر في الواقع هو قصة رجل عجز عن إدراك أي شيء في الحياة سوى الرياضيات. عندما يصبح كل شيء قابلاً للحساب بالأرقام، من العلاقات الأسرية والزوجية إلى الأبوة والتعليم، تصبح الإنسانية أول ضحايا هذا الجشع. هذا هو الموضوع الرئيسي الذي تتناوله القصة، متجاوزاً كونه مجرد حدث اجتماعي ليصبح تأملاً فلسفياً في أهمية الإنسانية.

مشاركة منتدى
١٣ تموز (يوليو), ٠٨:١٥, بقلم محمود سلامه الهايشه
باع الطباشير|| أغنية
أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "خوارزمية الجشع في سيرة معلم" بقلم/ الحسان عشاق، والمنشورة بموقع ديوان العرب، السبت ٤ تموز (يوليو) ٢٠٢٦؛ وقد ركزت على الفكرة المركزية "تحوّل التعليم إلى تجارة، والجشع الذي يلتهم صاحبه قبل غيره"، وهذه الكلمات أقرب إلى أغنية احتجاجية تُغنّى بصوت منفرد مع عود أو فرقة شعبية صغيرة.
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
باع الطباشير
"مطلع"
كان يا ما كان معلم
واقف قدّام السبورة
كان نفسه يزرع شمس
في العقول المكسورة
قالوا له:
الدنيا رزق...
والجيب أول من الضمير
راح باع الحلم حتّة...
وباع بعده الطباشير
"الكوبليه الأول"
قال:
أنا تعبت من السنين
ومن وعود ما بتجيش
كل باب خبطت عليه
قال لي: ارجع... مالكشيش
قام فتح باب الدروس
وباع نور العلم بيع
واللي يدفع يبقى ناجح
والفقير... نصيبه يضيع
والولد واقف حيران
شايل شنطة من هموم
والأب راجع مكسور
شايل الليل من غير نجوم
"اللازمة"
يا خسارة...
لما يبقى العلم سلعة
والكرامة تبقى دفعة
والضمير يتباع في السوق
يا خسارة...
لما يبقى باب المدرسة
زي باب أي شركة
والفلوس هي الحقوق
"الكوبليه الثاني"
عدّ أراضي...
عدّ عربيات...
عدّ ملايين في الحساب
بس عمره
ما عدّ دمعة
في عيون طفل اتساب
كل جنيه كان بيجمعه
كان بياخد حتة روح
وكل قصر بناه بإيده
كان مبني فوق الجروح
شاف الجواز صفقة كبيرة
وشاف الحب استثمار
ولما انهارت كل صورة
ما لقى غير الانكسار
"اللازمة"
يا خسارة...
اللي عاش يجري ورا المال
ضاع منه العمر والحال
والسراب خدّه بعيد
يا خسارة...
كل باب فتحه بالطمع
قفله في وشه الوجع
وسابه وحيد... وحيد
"الكوبليه الثالث"
حتى ابنه...
ما شافوش ولد
شافه حمل على الكتاف
شاف حفاضة...
وشاف مصروف
وما شافش قلب بيخاف
ولما لفّت بيه الأيام
وسكت صوت الكبريا
ما نفعوش لا القصر العالي
ولا العربيات الغالية
راح وسيب وراه سؤال
مين كسب آخر الطريق؟
اللي جمع عمره فلوس؟
ولا اللي عاش بقلب رقيق؟
"الخاتمة"
يا بلد...
العلم مش سبوبة
ولا تجارة ولا أوضة
تتباع فيها الامتحانات
المعلم...
لو ضاع ضميره
يضيع جيل...
ويضيع بكرة...
ويضيع صوت الحكايات
سيبوا للسبورة نورها
وسيبوها تطرح ضي
أصل اللي يبيع ضميره...
يشتري موته... وهو حي.