الاثنين ٢ آب (أغسطس) ٢٠١٠
بقلم عبد الله بن يونس

تونس الخضراء

احْتَفَلَتْ نرجسُ بِعيدِ ميلادِها العاشِرِ، فقدَّمَ لها والداها هديّةً مُميّزَةً. كانتْ مَوْسُوعةً كبيرةً جميلةَ الصُّوَرِ ساحِرةَ الألْوانِ تضُمُّ من كلِّ علمٍ وفَنٍّ. فما إنْ فتحتْها نرجِسُ حتى سَكنَتْ شِغافَ قلبِها وعقلِها، فسارعَتْ إلى غُرْفَتِها وفتحَتْ موسوعتها وراحَتْ تُرْوِي عَطَشَها من أَفَانِينِها السَّاحِرَةِ في الطَّبِيعَةِ والأدَبِ والتَّارِيخِ والجُغْرافِيَا والعُلُومِ والرّيَاضَةِ..كانتْ تُقَلِّبُ الصَّفَحاتِ بِإِعْجابٍ عَمِيقٍ وفَرْحَةٍ كبيرةٍ، وكُلُّ صَفْحَةٍ تُنادِيهَا لِتَسْتَمْتِعَ بما فيها مِنْ مَعْلُوماتٍ طَرِيفَةٍ ورُسُومٍ مُدْهِشَةٍ.

ثُمَّ اسْتَوْقَفَتْها صَفْحَةٌ عُنوانها اسمُ وَطَنِها الحَبِيبِ "تونسُ الخضراءُ"، وتَحْتَ العُنوانِ رُسِمَتْ الخَرِيطَةُ الجَميلَةُ التي طالَما هامَتْ بها نرجس وأَعادَتْ رَسْمَها حتى حفِظَتْ الكَثِيرَ من وِلاياتِها ومُدُنِها وتَضَارِيسِها وألوانها. وما إنْ أَخَذَتْ البِنْتُ تُلامِسُ بِأصابِعِها خَرِيطَةَ وَطَنِها الغالي حتى اسْتَرْعَى انْتِبَاهَها أمْرٌ أثارَ حَيْرَتَها ومَخاوِفَها وجَعَلَها تَطْرَحُ على نفسِها الكَثِيرَ من الأَسْئِلَةِ. فاللَّوْنُ الأخْضَرُ كان يَغْلِبُ على مِساحَةِ بَلَدِها الجَمِيلِ، ولِذَلِكَ يُسَمَّى "تونس الخضراء". وهاهو الآنَ يَتَرَاجَعُ فَيَنْحَصِرُ في مِنْطَقَةٍ صَغِيرَةٍ في الشَّمالِ. ويَزْحَفُ مكانَهُ الأَصْفَرُ والبُنِّيُّ. فلِماذا ياتُرى يَتَخَلَّى البَلَدُ عن خُضْرَتِهِ؟..

وبينما نرجس تَتَساءَلُ مُحاوِلَةً فهمَ التَّغْيِيرِ الذي حصَلَ لِوَطَنِها إِذْ بالخَريطَةِ تتَمَلْمَلُ على صَفْحَةِ الكتابِ كأنَّها النّائمُ يَسْتَفِيقُ من نومِهِ، وتفْتَحُ عيْنَيْها الذّابِلَتَيْنِ وتخاطب نرجس:

عيد ميلاد سعيد يا صَغِيرَتِي.

دُهِشَتْ نرجس مِمّا سمِعَتْ، واعْتَراها بَعْضُ الخَوْفِ. لكنَّها سُرْعانَ ما اسْتَعادَتْ رَباطَةَ جَأْشِها عندما أَدْرَكَتْ أنّها تُوشِكُ على خَوْضِ مُغامَرَةٍ عَجيبَةٍ من تِلْكَ المُغامَراتِ التي طالَعَتْها في قِصَصِها المُحَبَّبَةِ. فَنَظَرَتْ إلى الخريطةِ بِحنانٍ. وخاطَبَتْ وطنها الغَالي:

مرحبا بك يا وطني العَزيزَ.

فَرَدَّتْ الخريطةُ بِصَوْتٍ حَنونٍ، لكنَّهُ لا يَخْلُو مِنْ نَبْرَةِ حُزْنٍ خَفِيَّةٍ:

ما أَجْمَلَكِ ياابْنَتِي وما أَحْسَنَ سَلامَكِ ! ما اسْمُكِ يا حُلْوَتِي؟

نرجس.

ما أحْلى هذا الاسْمَ ! أتَعْرِفِينَ أنّ النّرْجِسَ نباتٌ حَسَنُ الزَّهَرِ حتى أنَّهُ يَنْبُتُ على ضِفَافِ اليَنَابِيعِ والجَداوِلِ لَيَنْظُرَ إلى صُورَتِهِ الجَمِيلَةِ مُنْعَكِسَةً على صَفْحَةِ الماءِ الرَّقْرَاقِ؟
شَعُرَتْ نرجس بِنَفْحَةٍ من السَّعادَةِ تَغْمُرُ قَلْبَها. لكنَّها تَذَكَّرَتْ ما حَلَّ بِخَرِيطَةِ بِلاَدِها ورَأَتْ عَيْنَيْها الذّابِلَتَيْنِ فعاودها الوُجُومُ، وبَقِيَتْ صَامِتَةً بِكُلِّ أَدَبٍ وإِجْلاَلٍ بَيْنَ يَدَيْ الأُمِّ الكَبِيرَةِ. فقالتْ الخَريطَةُ:

مَا الَّذِي يُحَيِّرُكِ يا بُنَيَّتِي؟ هل أَزْعَجَتْكِ مَظاهِرُ الشَّيْخُوخَةِ التي أَخَذَتْ تَدُبُّ في أَوْصَالِي؟

فَرَدَّتْ نرجس وقد تَأَثَّرَتْ بِكَلاَمِ وَطَنِها حتى كادَ الدَّمْعُ يَنْهَمِرُ من مُقْلَتَيْها:

لَكِنْ يا أُمِّي.. ظَنَنْتُكِ خالِدَةً لاَ تَشِيخِينَ !

فَرَفَعَتْ الخريطةُ يَدَها عنْ صَفْحَةِ الكِتابِ، ودَاعَبَتْ خَدَّ نرجس، وقالتْ لها:

صَحِيحٌ يا ابْنَتِي. عُمُرِي طَوِيلٌ، وقدْ حافَظْتُ على شَبَابِي لآلاَفِ السِّنِينِ، وتَعَاقَبَتْ على أَرْضِي حَضَارَاتٌ وشُعُوبٌ كَثِيرَةٌ. لَكِنَّ ما يُرْهِقُنِي ويُسَبِّبُ لِي الشَّيْخُوخَةَ لَيْسَ طُولُ السِّنِينِ، بَلْ إِهْمَالُ أَبْنَائِي ولاَمُبَالاَتُهُمْ بِخُضْرَتِي وشَبَابِي. فقدْ كُنْتُ في المَاضِي عَرُوسًا فَتِيَّةً يَغْمُرُنِي جَمَالُ طَبِيعَتِي الخَلاَّبَةِ. فالغَابَاتُ تَكْسُو مِسَاحَاتٍ واسِعَةً مِنْ أَرْضِي بِأَشْجَارِها البَاسِقَةِ وأَطْيَارِها المُرَفْرِفَةِ وحَيَوَانَاتِها الكثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ. ومِيَاهُ الأَوْدِيَةِ واليَنابِيعِ والآبارِ تَتَفَجَّرُ في شَرَايِينِي فَتُرْوِينِي وتُجَدِّدُ دِماءَ الشَّبَابِ في أَوْصَالِي. لِذَلِكَ سَمَّوْنِي "تونس الخضراء". أمّا اليَوْمَ فها أنتِ تَرَيْنَ خُضْرَتِي تَتَرَاجَعُ وغاباتِي تَقِلُّ، وشَبابِي يذْهبُ. ومع نَقْصِ الأَمْطارِ أخَذَ التَّصَحُّرُ يَزْحَفُ على أَرْضِي... أَلَمْ تَرَيْ تَراجُعَ خُضرتي وانْتِشَارَ أَلْوَانٍ أُخْرَى على أَدِيمِي؟.. أمّا الأَصْفَرُ فَلَوْنُ الرِّمالِ التي تَزْحَفُ عَلَيَّ من الجَنُوبِ، وأمَّا البُنِّيُّ الفَاتِحُ فَلَوْنُ التُّرابِ الأَجْرَدِ الذِي تَعَرَّى مِنْ نَبَاتِهِ.

اسْتَمَعَتْ نرجس إلى شَكْوَى وَطَنِها بانِتِبَاهٍ، وراحَتْ تَتَخَيَّلُ تُونِسَها الحَبِيبَةَ عِنْدَما كانَتْ خَضْرَاءَ زاهِيَةً تَغْمُرُها الحَيَاةُ، ثُمَّ أَخَذَتْ تَتَحَوَّلُ إلى الجُدْبِ والتَّصَحُّرِ. فَغَمَرَتْها مَشَاعِرُ اللَّوْعَةِ والإِشْفَاقِ وكادَتْ تَعْصِرُ قَلْبَها. فقالَتْ:

لَكِنْ يا أُمَيْمَتِي أَبْنَاؤُكِ يُبَالُونَ بِكِ، بلْ هم يُحِبُّونَكِ ويَغَارُونَ عَلَيْكِ!

فَتَنَهَّدَتْ تونس وحَرَّكَتْ رَأْسَها بِأَسَفٍ، وقالتْ:

هذا ما يَقُولُونَهُ. لكنَّ حَقِيقَتَهُمْ غَيْرُ ذلِكَ. فَمُنْذُ عُصُورٍ بَعِيدَةٍ وهم يَسْتَغِلُّونَ أَرْضِي في الفِلاَحَةِ فَتَدُرُّ عَلَيْهِمْ الخَيْرَاتِ الوَفِيرَةَ، ويَبْنُونَ بُيُوتَهُمْ على أَدِيمِي ويَسْتَنْزِفُونَ غابَاتِي فَيَتَّخِذُونَ منها الحَطَبَ لِمَوَاقِدِهِمْ والخَشَبَ لِسَقْفِ بُيُوتِهِمْ والكَلأَ لِمَوَاشِيهِمْ. لكِنَّهُمْ لا يُعِيدُونَ غَرْسَ ما قَطَعُوا. ولِذَلِكَ أَخَذَتْ غَابَاتِي تَتَقَلَّصُ. وبِتَنَاقُصِ الغَابَاتِ قَلَّتْ حَيَوَانَاتِي البَرِّيَّةُ لأنّ الغابَاتِ تُمَثِّلُ مَصْدَرَ عَيْشِها. وقدْ زادَ الطِّينَ بَلَّةً إِقْبَالُ أَبْنَائِي على الصَّيْدِ العَشْوَائِيِّ والعَبَثِ بالحَيَوَانَاتِ وتَخْرِيبِ مَسَاكِنِها وقَتْلِ صِغَارِها، حتى أنَّ الكَثِيرَ من حَيَوَانَاتِي انقرض وبعضُها الآخرُ مهدّضدٌ بالانقراضِ... ومع تَطَوُّرِ الصِّنَاعَةِ في هذا العَصْرِ كَثُرَتْ المَوَادُّ المُلَوِّثَةُ التي راحَ أَبْنَائِي يُلْقُونَها في أَرْضِي وسَمَائِي بِغَيْرِ حِسَابٍ، وهم غَيْرُ مُكْتَرِثِينَ بِما يُسَبِّبُونَهُ لِي مِنْ دَمَارٍ بِيئِيٍّ يَقْضِي على شَبَابِي ويُعَجِّلُ بِشَيْخُوخَتِي ويُهَدِّدُ الحَياةَ على أَرْضِي. فَهَاهُمْ السُّكَّانُ يُلْقُونَ بِنُفَايَاتِهِمْ في كُلِّ مَكانٍ. فَفَضَلاَتُهُمْ المَنْزِلِيَّةُ مُكَدَّسَةٌ في كُلِّ زَاوِيةٍ وكُلِّ بَطْحَاء، وشَوارِعُ مُدُنِي مَكْسُوَةٌ بِأَكْيَاسِهِمْ البْلاَسْتِيكِيَّةِ وقَوَارِيرِهِمْ الفَارِغَةِ وعُلَبِ سَجائِرِهِمْ وصَنادِيقِ بَضَائِعِهِمْ. وحتى شَوَاطِئِي وحُقُولِي لم تَسْلَمْ مِن أَذَاهُمْ، فَما أَكْثَرَ الأَوْسَاخَ مُكَدَّسَةً أوْ مَدْفُونَةً في رِمالِ شَواطِئِي، أو مُبَعْثَرَةً في حُقُولِي وغاباتي، وما أَبْشَعَ العَبَثَ الذي يَلْحَقُ حَدائِقِي، فَنَبَاتُها مُخَرَّبٌ مَرْفُوسٌ بالأَقْدَامِ، ومَمَرَّاتُها مَلِيئَةٌ بالأَوْسَاخِ...

تَصَوَّرِي يا صَغِيرَتِي، حتى مَنَاطِقِي الرِّيفِيَّةُ البَعِيدَةُ لَمْ تَسْلَمْ، فَأَهْلُها يُشَوِّهُونَ جَمَالَ الحُقُولِ بِشَتَّى النُّفَايَاتِ، بَلْ إِنَّ أَصْحَابَ المَصَانِعِ يَحْمِلُونَ زِبَالَةَ مَصَانِعِهِمْ في شَاحِنَاتِهِمْ فَيُلْقُونَها في المَنَاطِقِ الرِّيفِيَّةِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنْ لاَ أَحَدَ يَرَاهُمْ. لَكِنَّنِي كُنْتُ أَرْقُبُ ما يَفْعَلُونَ، فَأَرْثِي لِنَفْسِي هَوَانِي على أَبْنَائِي، وأَرْثِي لَهُمْ جَهْلَهُمْ وغَفْلَتَهُمْ... وحتى أَطْفَالِي وهم في عُمُرِ الزُّهُورِ أَرَاهُمْ يَعْبَثُونَ بِحَدَائِقِي ويَقْتُلُونَ عَصَافِيرِي ويُلَوِّثُونَ مُدُنِي وسَاحَاتِي بِما يَرْمُونَهُ مِنْ زِبَالَةٍ في كُلِّ مَكَانٍ...

وظلَّتْ نرجس تَسْتَمِعُ إلى حَدِيثِ وَطَنِها وقَلْبُها يَتَفَطَّرُ تَأَثُّرًا، خاصَّةً وأَنَّ ما سَمِعَتْهُ جَعَلَها تَتَذَكَّرُ ما كانتْ تَرَاهُ في وَطَنِها مِنْ تَلَوُّثٍ اكتسحَ الرّيفَ والشّاطِئ والمدينةَ. وشَعُرَتْ بِهَوْلِ الكَارِثَةِ التي تُهَدِّدُ وطنَها إذا لمْ يُعَالَجْ الوَضْعُ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ. وتَذَكَّرَتْ ما يَبْذُلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الصّالِحِينَ مِنْ جُهُودٍ للحِفَاظِ على نظافةِ وطنِها وخُضْرَتِهِ، فَسُرِّيَ عَنْها وأَسْرَعَتْ تُقُولُ لِوَطَنِها كَأَنَّها تُواسِيهِ وتُهَوِّنُ عَلَيْهِ الفَاجِعَةَ التي يَشْعُرُ بِها:

ولَكِنْ يا وَطَنِي العَزِيزَ هُناكَ من يَحْرِصُ على سَلاَمَتِكَ ونَظافَتِكَ. فَبَعْضُ البَلَدِيَاتِ تَجْتَهِدُ في النَّظافَةِ والتَّشْجِيرِ، والمُواطِنُونَ يُشارِكُونَ في لِجانِ الأَحْيَاءِ ويَقُومُونَ بِحَمَلاَتِ النَّظافَةِ وغِراسَةِ الأَشْجارِ، ووِزَارَةُ الفِلاَحَةِ تَبْنِي البُحَيْرَاتِ الجَبَلِيَّةَ وتُجَدِّدُ الغَابَاتِ، بَلْ إنَّ لِلْبِيئَةِ وِزارَةٌ خاصَّةٌ بها تَعْمَلُ على حِمايَتِها وتَطْوِيرِها، وحتى القَنَواتُ التَّلْفَزِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ تُقَدِّمُ بَرَامِجَ بِيئِيَّةً تُحَدِّثُ النَّاسَ عن البِيئَةِ وتُرْشِدُهُمْ إلى الحِفاظِ عَلَيْها.
فَرَدَّتْ تونسُ:

 هذا صَحيحٌ.. هناكَ الكَثِيرُ مِنْ أَبْنائِي الصّالِحينَ المُخْلِصِينَ يَهْتَمُّون لأَمْرِي. ولكنَّ أَغْلَبَ النَّاسِ لا يُبَالُونَ بِما يَبْذُلُهُ الصَّالِحُونَ مْنْ جُهُودٍ، بَلْ إِنَّ الكَثِيرَ من النَّاسِ يُلَوِّثُونَ ما يُنَظَّفُ ويُفْسِدُونَ ما يُغْرَسُ كَأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ لِوَطَنِهِمْ يُصِرُّونَ على إِفْسَادِ كُلِّ خَيْرٍ فيهِ.

فَتَنَهَّدَتْ نرجس وقالتْ:

 صَحِيحٌ يا أُمَيْمَتِي، فَما أَكْثَرَ النَّاسَ الَّذِينَ يُعبثون بكِ و يُخرِّبون بِيئَتَكِ دون أنْ يكْتَرِثُوا.

فَانْقَبَضَ وَجْهُ تونس أَلَمًا وحَسْرَةً، وتَنَهَّدَتْ قائِلَةً:

 آهٍ يا نرجس ! .. إنَّ الأَمْرَ لا يَقِفُ عِنْدَ هذا الحَدِّ.. لَوْ تَدْرِينَ ما تُسَبِّبُهُ المَصَانِعُ والسَّيَّارَاتُ والمَوَادُّ الكِيمِيَائِيَّةُ المُسْتَعْمَلَةُ في الفِلاَحَةِ من تَلَوُّثٍ. ولا يَقْتَصِرُ الأَمْرُ عَلَيَّ وَحْدِي، بَلْ إِنَّ الكُرَةَ الأَرْضِيَّةَ كُلَّها بِبُلْدَانِها المُخْتَلِفَةِ وبِحَارِها وجِبَالِها وغَابَاتِها تَتَعَرَّضُ لِلتَّلَوُّثِ الذي يُهَدِّدُ بالتَّلَفِ والدَّمَارِ. فَبِسَبَبِ ذلِكَ تَلَوَّثَ الغِلاَفُ الجَوِّيُّ وحَدَثَ ثُقْبٌ في طَبَقَةِ الأُوزُونِ التِي تَحْمِي الأَرْضَ من الأَشِعَّةِ الشَّمْسِيَةِ الضَّارَّةِ. ثُمَّ حَدَثَ الاِنْحِبَاسُ الحَرَارِيُّ الذي تَسَبَّبَ في ارْتِفَاعِ حَرَارَةِ الأَرْضِ واضْطِرَابِ الطَّقْسِ وكَثْرَةِ الفَيَضَانَاتِ والأَعَاصِيرِ التي تَقْتُلُ آلافَ البَشَرِ والحَيَوَانَاتِ وتُدَمِّرُ الغَابَاتِ والمُدُنَ. وحتى القُطْبُ المُتَجَمِّدُ أَخَذَ جَلِيدُهُ في الذَّوَبَانِ بِمَفْعُولِ الحَرَارَةِ. تَصَوَّرِي يا ابْنَتِي ما سَيَحْدُثُ إِذَا ذَابَ الجَلِيدُ وتَحَوَّلَ إلى ماءٍ؟؟.. سَتَرْتَفِعُ البِحارُ وتُغْرِقُ مَناطِقَ كَثِيرَةً، وسَتَموتُ الحَيَوانَاتُ القُطْبِيةُ لأنَّها لَنْ تَجِدَ الجَلِيدَ لِتَعِيشَ فَوْقَهُ...

ازْدادَ قَلَقُ نرجس وهي تَشْعُرُ بِالخَطَرِ المُحْدِقِ بِالكُرَةِ الأَرْضِيَةِ. وانْعَصَرَ قَلْبُها الصَّغِيرُ وهيَ تَرَى وَطَنَها حَزِينًا مَكْسُورَ الْخَاطِرِ مُهَدَّدًا بِالتَّصَحُّرِ. وراحتْ تُفَكِّرُ في طَرِيقَةٍ لِحِمايَتِهِ وتَخْلِيصِهِ من اليَأْسِ والإِحْبَاطِ وإِعادَةِ الْخُضْرَةِ إلى أَدِيمِهِ الطَّاهِرِ حتى يَبْقَى بِحَقٍّ "تونس الخضراء"، فَلَمْ تَجِدْ غَيْرَ أنْ تَعِدَهُ بِبَذْلِ كُلِّ ما في وُسْعِها لِحِمايَتِهِ والدِّفاعِ عنْ بِيئَتِهِ.

وأَخَذَتْ نرجس تُفَكِّرُ في تَنْفِيذِ وعْدِها.. فَكَّرَتْ في إِنْشَاءِ لَجْنَةِ حَيٍّ لِلأَطْفَالِ في الحَيِّ الذي تَسْكُنُهُ، ولَجْنَةِ نَظافَةٍ في مَدْرَسَتِها. ثُمَّ فَكَّرَتْ في جَمْعِيَةٍ وَطَنِيَةٍ تُسَمِّيها "جمعية أطفال البيئَةِ"، ولِمَ لا تُصْبِحُ هذه الجَمْعِيَةُ عالَمِيَّةً مادامَ الخَطَرُ يُهَدِّدُ العالَمَ بِأَسْرِهِ؟..

لكنَّ الأَفْكارَ وَحْدَها لا تَكْفِي.فَلْتَكُنْ نرجس عَمَلِيَّةً. لَقَدْ قَطَعَتْ على نَفْسِها عَهْدًا بِأَنْ تُقَاوِمَ التَّلَوُّثَ أَيْنَما وُجِدَتْ. فَصارَتْ تَحْرِصُ على نَظافَةِ الشَّارِعِ الذي يَمُرُّ أَمامَ مَنْزِلِهمْ، وتَجْمَعُ كُلَّ النُّفَايَاتِ التي تَجِدُها في طَرِيقِها إلى المَدْرَسَةِ أو المَكَتَبَةِ أو أَيَّ مكانٍ آخرَ تَقْصِدُهُ، فَتَحْمِلُ ما تُصَادِفُهُ من عُلَبٍ بْلاَسْتِيكِيَّةٍ ووَرَقٍ وأَكْيَاسٍ و قِطَعٍ حَدِيدِيَّةٍ وزُجاجِيَةٍ إلى أقْرَبِ حاوِيَةٍ. ولَكَمْ كان الحُزْنُ يُخَيِّمُ على قَلْبِها كُلَّما بَحَثَتْ عن الحاوِيَّةِ فَلَمْ تَجِدْها ووَجَدَتْ أَكْداسَ الزِّبَالَةِ مُتَرَاكِمَةً في البِطاحِ و الشَّوَارِعِ، والرَّوَائِحَ الكَرِيهَةَ تَغْمُرُ الأَماكِنَ المُحِيطَةَ بِها والحَشَراتِ تُخَيِّمُ عَلَيْها فَتَزِيدُ مَنْظَرَها قُبْحًا. وأَحْيَانًا يُشْعِلُونَ فيها النِّيرَانَ فَتَبْعَثُ أَدْخِنَةً خانِقَةً تَسُدُّ الحَناجِرَ وتَمْنَعُ الأَنْفَاسَ.

أَمَّا في الْمَدْرَسَةِ فَقَدْ وَاصَلَتْ نرجس العَمَلَ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ، فَكَانَتْ تُزِيلُ الأَوْسَاخَ من السَّاحَةِ والأَرْوِقَةِ والأَقْسَامِ، وتَحُثُّ زُمَلاَءَها على إِلْقَاءِ النُّفَايَاتِ في الأَماكِنِ المُخَصًّصَةِ لَها. ورغْمَ أَنَّها تَعَرَّضَتْ لِلْكَثِيرِ من السُّخِرِيَةِ والتَّعْلِيقَاتِ المُحْبِطَةِ من التَّلاَمِيذِ فَقَدْ أَصَرَّتْ على مُوَاصَلَةِ العَمَلِ بِكُلِّ تَفَانٍ وشَجَاعَةٍ. وكَيْفَ لاَ تَكُونُ شُجَاعَةً، وهي تَعْرِفُ تَمَامَ المَعْرِفَةِ أَنَّ ما تَقُومُ بِهِ هو الحَقُّ والصَّوَابُ، وأَنَّه وَاجِبٌ على كُلِّ أَبْنَاءِ الوَطَنِ كِبَارًا وَصِغَارًا؟.. وكانَتْ تَعُودُ في كُلِّ مَرَّةٍ إلى خَرِيطتِها فَتُحَدِّثُها، وتَشْكُو لها ما تَتَعَرَّضُ له مِنْ سُخْرِيَةٍ ومُضَايَقَاتٍ، فَكانتْ الخَرِيطَةُ تُشَجِّعُها وتَبُثُّ في قَلْبِها العَزِيمَةَ والإِصْرَارَ على مُوَاصَلَةِ النِّضَالِ، حتَّى أَنَّها قالَتْ لها مَرَّةً:

 اِسْمَعِي يا نَرْجِسَتِي البَاسِلَةَ، إِنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ يَتَصَارَعَانِ صِرَاعًا عَنِيفًا فَوْقَ أَرْضِي وفي كُلِّ بِقَاعِ العَالَمِ. فالخَيْرُ يَحْرِصُ على سَلاَمَةِ البِيئَةِ وصِحَّةِ المَخْلُوقَاتِ من البَشَرِ والحَيَوَانِ والنَّبَاتِ، ويُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ العَيْشَ على الأرْضِ آمِنًا وسِلْمِيًّا. والشَّرُّ يَعْمَلُ على تَلْوِيثِ المُحِيطِ وتَخْرِيبِ البِيئَةِ وتَشْوِيهِ وَجْهِ الحَيَاةِ. ولِكَيْ يَفُوزَ الخَيْرُ لابُدَّ أَنْ يَجِدَ العَوْنَ مِنْ أَبْطَالٍ بَوَاسِلَ يُنَاصِرُونَهُ ويَقِفُونَ إلى جَانِبِهِ. فَكُونِي يا ابْنَتِي بَطَلَةً بَاسِلَةً مِنْ أَبْطَالِ الخَيْرِ والسَّلاَمِ.

كانتْ مِثْلُ هذِهِ الأَحَادِيثِ تُشْعِرُ نرجِسَ بِنَخْوَةِ الوَطَنِيَّةِ والفَخْرِ بِالتَّجَنُّدِ لِلْخَيْرِ والسَّلاَمِ، فَتُوَاصِلُ العَمَلَ بِكُلِّ ما أُوتِيَتْ مِنْ صَبْرٍ وشَجاعَةٍ.

وبَعْدَ مُدَّةٍ أَدْرَكَتْ نرجس أَنَّ جُهْدَها الفَرْدِيَّ لاَ يُحَقِّقُ النَّتِيجَةَ الْمَرْجُوَّةَ، فَقَرَّرَتْ الاِسْتِعَانَةَ بِصَدِيقَتِها سَوْسَن، وحَدَّثَتْها بِأَمْرِ الخَرِيطَةِ وعَرَضَتْ عَلَيْها أَنْ تَزُورَها في مَنْزِلِها لِتُقَابِلَ الخَرِيطَةَ بِنَفْسِها. وما إنْ اسْتَمَعَتْ سوسنُ لِشَكْوَى الخريطةِ حتى تَأَثُّرَتْ بَالِغَ التَّأَثُّرِ، ووَافَقَتْ على مُشَارَكَةِ صَدِيقَتِها في مُهِمَّة إِنْقاذِ وَطَنِهِما.

وهَكَذا أَصْبَحَتْ البِنْتَانْ جُنْدِيَّتَيْنِ مْن جُنُودِ الوَطَنِ المَحْبُوبِ. وخَطَرَتْ لِسوسنَ فِكِرَةٌ تَمَثَّلَتْ في كِتابَةِ رَسَائِلَ بِيئِيَّةٍ وتَوْزِيعِها على الجِيرانِ. فَوَافَقَتْ نرجسُ وشَرَعَتا في تَنْفِيذِها في الحِينِ. فَكانَتَا تَكْتُبَانِ رَسائِلَ تَحُثُّ على العِنايَةِ بالبِيئَةِ وتُنَبِّهُ إلى خَطَرِ التَّلَوُّثِ وتَبُثُّ الحِسَّ الوَطَنِيَّ وتُوقِظُ الشُّعُورَ بالْمَسْؤُولِيَّةِ تُجاهَ الوطنِ. وبَعْدَ أنْ تَكْتُبُ كُلٌّ مِنهُما رِسَالَةً أو رِسالَتَيْنِ تَذْهَبَانِ مَعًا فَتُوَزِّعَانِها على الجِيرَانِ بِوَضْعِها في صَنادِيقِ البَرِيدِ أَوْ تَحْتَ الأَبْوَابِ. وبَدَأَتَا بِالجِيرَانِ القَرِيبِينَ، ثُمَّ أَخَذَتْ الرَّسَائِلُ تَنْتَشِرُ أَبْعَدَ فَأَبْعَدَ حتَّى كَادَتْ تَصِلُ إلى كَامِلِ المَدِينَةِ..

أَمّا في المَدْرَسَةِ فَقَدْ وَجَدَتْ نرجسُ في صَدِيقَتِها أَحْسَنَ مُعِينٍ، فَقَرَّرَتا تَنْظِيمَ العَمَلِ وتَطْوِيرَهُ. فَرَفَعَتْ نَرْجِسُ شِعَارَ "مَدْرَسَتُنا نَظِيفَةٌ"، ورَاحَتْ تُحَدِّثُ زُمَلاَءَها مِنْ جَمِيعِ الأَقْسَامِ عَنْ هذا الشِّعَارِ وفَوائِدِ تَطْبِيقِهِ، فَتَحُثُّ الْجَمِيعَ على الحِفَاظِ على نَظَافَةِ الأقْسَامِ والأَثَاثِ والأَرْوِقَةِ والسَّاحَةِ، وتَتَعاوَنُ مَعَ مَنْ يَتَحَمَّسُ من التَّلاَمِيذِ على إِزالَةِ ما يُسَبِّبُهُ البَعْضُ مِنْ أَوْسَاخٍ، وفي مُرَاقَبَةِ التَّلاَمِيذِ المُهْمِلِينَ والمُخَرِّبِينَ ومَنْعِهِمْ مِنْ تَلْوِيثِ المَدْرَسَةِ والعَبَثِ بِأَثَاثِها. أَمّا سوسنُ فَقَدْ رَفَعَتْ شِعَارَ "مَدْرَسَتُنا خَضْرَاءُ" وراحَتْ تَشْرَحُ فِكْرَتَها لأَصْدِقَائِها، وهيَ تَطْمَحُ إلى أَنْ يَغْرِسَ كُلُّ تِلْمِيذٍ نَبْتَةً.

ولَقَدِ أُعْجِبَ الْمُدِيرُ والْمُعَلِّمُونَ بِمَشْرُوعِ الصَّدِيقَتَيْنِ وقَدَّمُوا كُلَّ العَوْنِ، بَلْ شَارَكُوا في التَّنْظِيفِ والغِرَاسَةِ. أَمَّا التَّلاَمِيذُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَحَمَّسَ وشَارَكَ، ومِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُبَالِ بِالأَمْرِ وكَأَنَّهُ لاَ يَعْنِيهِ، ومِنْهُمْ مَجْمُوعَةٌ ثَالِثَةٌ رَاحُوا يَسْخَرُونَ مِنَ الصَّدِيقَتَيْنِ وفِكْرَتِهِمَا ويُعِيقُونَ نَجَاحَ الْمَشْرُوعِ بالاِسْتِمْرَارِ في تَلْوِيثِ المَدْرَسَةِ والعَبَثِ بِالأَثَاثِ وإِفْسَادِ النَّبَاتَاتِ. لَكِنَّ الصَّدِيقَتَيْنِ ومَنْ مَعَهُما قَرَّرُوا تَحَدِّيَ جَمِيعِ الصِّعَابِ وتَحْقِيقَ الهَدَفِ مَهْما كَانَ شَاقًّا. فَما أَجْمَلَ أَنْ تَبْدُوَ الْمَدْرَسَةُ مُهَذَّبَةَ السَّاحَةِ نَظِيفَةَ الجُدُرَانِ سَلِيمَةَ الأَثَاثِ. وما أَحْلَى أَنْ تَزْدَانَ سَاحَتُها وأَرْوِقَتُها بِالنَّبَاتَاتِ الخَضْرَاءِ بِرَوَائِحِها الزَّكِيَةِ وأَلْوَانِها الزَّاهِيَةِ وجَمالِها الخَلاَّبِ. وما أَحْسَنَ أَنْ تُصْبِحَ مَدْرَسَتُهُمْ خَضْرَاءَ. فَهيَ جُزْءٌ مِنْ وَطَنِهِمْ الحَبِيبِ تونس الخضراء، وإِذَا اسْتَعَادَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ هذا الوَطَنِ خُضْرَتَهُ فَسَيَعُودُ الوَطَنُ كُلُّهُ جَنَّةً غَنَّاءَ يَطِيبُ فِيها العَيْشُ ويُضْرَبُ بِها الْمَثَلُ بَيْنَ البُلْدَانِ.

وهَكَذَا وَاصَلَ الفَرِيقُ العَمَلَ رَغْمَ التَّحَدِّيَاتِ. وما هِيَ إِلاَّ أَشْهُرٌ قَلِيلَةٌ حتَّى ظَهَرَتْ عَلاَمَاتُ التَّحَوُّلِ على الْمَدْرَسَةِ، وأَصْبَحَ مَنْظَرُها يُبْهِجُ النَّظَرَ ويَشْرَحُ الصَّدْرَ ويَمْلأُ القَلْبَ نَخْوَةً واعْتِزَازًا.

أَمَّا التَّلاَمِيذُ المُهْمِلُونَ فَقَدْ أَخَذُوا يَنْضَمُّونَ إلى الفَرِيقِ شَيْئًا فَشَيْئًا حتَّى أَصْبَحَ الجَمِيعُ يَدًا وَاحِدَةً في التَّعَلُّقِ بِمَدْرَسَتِهِمْ ووَطَنِهِمْ. وأَصْبَحَتْ سَلاَمَةُ البِيئَةِ وَاجِبًا مُقَدَّسًا يَتَفَانَى الجَمِيعُ في أَدَائِهِ دَاخِلَ المَدْرَسَةِ وخَارِجَها.

وأَمَّا تِلْكَ الرَّسَائِلُ البِيئِيَّةُ فَقَدْ وَاصَلَتْ الصَّدِيقَتَانِ كِتَابَتَها وَتَوْزِيعَها بِمُسَاعَدَةِ أَصْدِقَاءَ آخَرِينَ. وقَدْ فَكَّرَ الجَمِيعُ في مُضَاعَفَةِ نَشْرِها كَيْ تَصِلَ بَقِيَةَ المَدَارِسِ والمَعَاهِدِ والمُسْتَشْفَى والبَلَدِيَةَ وجَمِيعَ الْمُؤَسَّسَاتِ والإِدَارَاتِ في الْمَدِينَةِ.

وسُرْعَانَ ما أَثْمَرَتْ جُهُودُ الأَبْطَالِ الصِّغَارِ. فَقَدْ اِلْتَزَمَتْ الْبَلَدِيَةُ بِوَضْعِ المَزِيدِ مِنَ الحَاوِيَاتِ وتَكْثِيفِ عَمَلِيَاتِ رَفْعِ الزِّبَالَةِ، وقَلَّلَ المُوَاطِنُونَ مِنْ رَمْيِ الأَوْسَاخِ في الشَّوَارِعِ والبِطَاحِ. ووُظِّفَ العَدِيدُ مِنَ العُمَّالِ لِلْعِنَايَةِ بِالْحَدائِقِ العَامَّةِ وحِرَاسَتِها، وكَثُرَتْ حَمْلاَتُ التَّنْظِيفِ والتَّشْجِيرِ، وتَكَوَّنَتْ في كُلِّ حَيٍّ وفي كُلِّ مُؤَسَّسَةٍ لَجْنَةٌ بِيئِيَّةٌ تَسْهَرُ على النَّظَافَةِ والحَدَائِقِ، وحتى المُواطِنُون أَصْبَحُوا يَهْتَمُّونَ بِحَدَائِقِهِمِ فَمَنْ لاَ يَمْلِكُ حَدِيقَةً مَنْزِلِيَّةً أَخَذَ يَغْرِسُ النَّبَاتَاتِ في الأُصُصِ ويُزَيِّنُ بِها وَاجِهَةَ مَنْزِلِهِ.

ولَكَمْ كَانَتْ فَرْحَةُ الصَّدِيقَتَيْنِ كَبِيرَةً عِنْدَما شَاهَدَتَا ثِمَارَ عَمَلِهِما الدَّؤُوبِ، خَاصَّةً عِنْدَ اِنْعِقَادِ حَفْلَةِ آخِرِ السَّنَةِ وتَوْزِيعِ الجَوَائِزِ. فَقَدْ حَصَلَتْ المَدْرَسَةُ على جَائِزَةٍ قَيِّمَةٍ مِنَ البَلَدِيَّةِ تَقْدِيرًا لِجُهُودِها في العِنَايَةِ بِالبِيئَةِ. أَمَّا نرجس وسوسن فَبَعْدَ أَنْ سَلَّمَهُما المُدِيرُ جَائِزَتَيْهِمَا طَلَبَ مِنْهُما الاِلْتِحاقَ بِهِ إلى مَكْتَبِهِ بَعْدَ اِنْتِهَاءِ الحَفْلَةِ. وهُنَاكَ كَانَتْ الْمُفَاجَأَةُ في انْتِظَارِهِمَا. لَقَدْ سَلَّمَهُمَا المُدِيرُ إِعْلاَمًا بِحُصُولِهِمَا على جَائِزَةِ تونس الخضراء التِي تُسْنِدُها مُنَظَّمَةُ الْمُواطن الصَّغِيرِ كُلَّ سَنَةٍ لِمَنْ تَلْمَسُ مِنْهُ نَشَاطًا بِيئِيًّا مُتَمَيِّزًا، كَما سَلَّمَهُمَا دَعْوَةً لِلسَّفَرِ إلى العاصِمَةِ لِحُضُورِ الْمُؤْتَمَرِ السَّنَوِيِّ لِلْمُنَظَّمَةِ وتَسَلُّمِ الْجَائِزَةِ.

دُهِشَتْ البِنْتَانِ وكادَتَا تَطِيرَانِ فَرَحًا، فَما كَانَتَا تَنْتَظِرَانِ جَائِزَةً لِقَاءَ قِيَامِهِمَا بِالوَاجِبِ تُجَاهَ الوَطَنِ الغَالِي. وهاهُما تَحْصُلانِ على جَائِزَةٍ ثَمِينَةٍ. ومَعَها سَفَرٌ وحُضُورُ مُؤْتَمَرٍ ! ولَكِنْ مَنْ تَكُونُ هذه المُنَظَّمَةُ البَعِيدَةُ؟ وكَيْفَ عَرَفَتْ بِما أَنْجَزَاهُ حتى تُعْطِيهِمَا جَائِزَةً؟ وسَأَلَتْ الصَّدِيقَتَانِ المُدِيرَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ لَهُما:

 إِنَّ الْمُواطنَ الصّغيرَ مُنَظَّمَةٌ للأطفالِ تَسْهَرُ على حِمَايَةِ الوطنِ وتُشَجِّعُ مَشَارِيعَ الأَطْفالِ الوَطنِيَّةَ. أَمَّا كَيْفَ عَرَفَتْ بِأَمْرِكُمَا فَتِلْكَ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ. فَقَدْ أُعْجِبْنَا جَمِيعًا بِمَا قُمْتُمَا بِهِ، وخَاصَّةً مُعَلِّمُكُمَا السَّيِّدُ فاضل السّالمي الَّذِي قَامَ بِتَحْقِيقٍ حَوْلَ مَشْرُوعِكُمَا وكَتَبَ فِيهِ مَقَالاً صَحَفِيًّا وأَرْسَلَهُ إلى مَجَلَّةٍ مَشْهورَةٍ. فَنَشَرَتْ المَقَالَ وقَرَأَهُ العَالَمُ كُلُّهُ. وهَكَذَا وَصَلَتْ قِصَّتُكُمَا الْمُواطِنَ الصَّغِيرَ فَمَنَحَتْكُمَا الجَائِزَةَ.

ثُمَّ شَكَرَهُما المُدِيرُ، وحَثَّهُما على مُواصَلَةِ العَمَلِ. وغَادَرَتَا مَكْتَبَهُ وهُما لا تُصَدِّقَانِ ما سَمِعَتَاهُ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ. وما إن اِبْتَعَدَتَا خَطْوَاتٍ حتى غَمَرَتْهُما حَيْرَةٌ. فَمَنْ تُبَشِّرَانِ بِالْجَائِزَةِ أَوَّلاً؟ هَلْ تَبْدَأُ كُلٌّ مْنْهُمَا بِوَالِدَيْها اللَّذَيْنِ سَهِرَا وتَعِبَا وتَحَمَّلاَ المَشَقَّةَ حتّى يُوَفِّرا لها الرِّعَايَةَ اللاَّزِمَةَ ويُحَفِّزَاها على البَذْلِ والعَطَاءِ؟ أَمْ تَبْدَآنِ بِمُعَلِّمِهِمَا الَّذِي كَتَبَ المَقَالَ وعَرَّفَ العَالَمَ بِمَشْرُوعِهِمَا؟ أَمْ يا تُرَى تَبْدَآنِ بِرَئِيسِ البَلَدِيَّةِ الَّذِي تَفَهَّمَ الرَّسَائِلَ البِيئِيَّةَ ولَبَّى نِدَاءَ الوَطَنِ وأَشْرَفَ على تَنْظِيفِ المَدِينَةِ و تَجْمِيلِها و سَلَّمَ الْمَدْرَسَةَ جَائِزَةً؟..

في الأَخِيرِ قَرَّرَتْ الصَّدِيقَتَانِ أَنْ تَزُفَّا أَوَّلَ بُشْرَى إلى وَطَنِهِما العَزِيزِ تونس الخضراء. فهي أُمُّ الجَمِيعِ وأَوْلَى بِالبُشْرَى، وهيَ الَّتِي أَلْهَمَتْهُمَا فِكْرَةَ إِنْجَازِ ما أَنْجَزَاهُ. وفي الْحَالِ ذَهَبَتَا إلى مَنْزِلِ نرجسٍ لِمُقَابَلَةِ الخَرِيطَةِ. وما إِنْ فَتَحَتَا الكِتَابَ حتَّى فُوجِئَتَا بِاللَّوْنِ الأَخْضَرِ قَدْ اِزْدَادَ خُضْرَةً ولَمَعَانًا وانْتِشَارًا على مِسَاحَةِ الخَرِيطَةِ الَّتي بَادَرَتْهُمَا بِعِبَارَاتِ التَّحِيَّةِ والشُّكْرِ والإِكْبَارِ، وهَنَّأَتْهُما بِالجَائِزَةِ وعَلاَمَاتُ الفَرْحَةِ والرِّضَا تَعْلُو مُحَيَّاهَا. وشَجَّعَتْهُما على مُواصَلَةِ العَمَلِ والعَطَاءِ حتّى تَرْفَعَ بِهِما رَأْسَهَا وتُفَاخِرَ بِهِمَا بَقِيَّةَ البُلْدَانِ.

فَسَأَلَتْ الصَّدِيقَتَانِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ:

 ولَكْنْ يا أُمَّنا العَزِيزَةَ كَيْفَ عَرَفْتِ بِالأَمْرِ دُونَ أَنْ نُخْبِرَكِ؟

فَرَنَتْ إليْهِما تونسُ بِعَيْنٍ مِلْؤُها المَحَبَّةُ والحَنَانُ وأَجَابَتْهُما:

 وهَلْ تَظُنَّانِ أَنَّ الأَمْرَ يَفُوتُنِي؟.. عَيْنِي سَاهِرَةٌ تُرَاقِبُ كُلَّ ما يَجِرِي على أَرْضِي. ولا يَخْفَى عَلَيَّ أَيُّ عَمَلٍ، وكَمَا أَرْقُبُ العَمَلَ الوَطَنِيَّ الخَيْرِيَّ وأُبَارِكُ فَاعِلَهُ أَرْقُبُ العَمَلَ التَّخْرِيبِيَّ وأَرْثِي لِمُرْتَكِبِهِ.

ثُمَّ تَحَوَّلَ الأَمْرُ إلى حَفْلَةٍ كَبِيرَةٍ، وهَاتَفَتْ سوسن عَائِلَتَها وطَلَبَتْ مِنْهُمْ الحُضُورَ إلى مَنْزِلِ صَدِيقَتِهَا. ووَسَطَ الفَرَحِ والاِبْتِهَاجِ رَاحَتْ كُلٌّ مِنَ الفَتَاتَيْنِ تُفَكِّرُ في الخِطَابِ الَّذِي سَتُلْقِيهِ في مُؤْتَمَرِ الْمُواطِنِ الصَّغِيرِ، وفي مَشَارِيعَ جَدِيدَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَقْتَرِحَهَا لِيُنَفِّذَهَا الأَطْفَالُ فِي كَامِلِ أَنْحَاءِ العَالَمِ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى