الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم علوان السلمان

تَوهُّجُ الذّاكرةِ التّاريخيّةِ في «رواية مَنْقُوم»

لدوبريه ( ): لكلِّ إنسانٍ منّا تاريخٌ يُخفيهِ، لا يَبوحُ بهِ أبدًا..

الرّوايةُ فنٌّ تخييليٌّ، وسيلتُهُ اللّغةُ المُوحِيةُ المُكتظّةُ بصخبِ الحياةِ القادرةِ على تصويرِ الواقع واستلهامِ تناقُضاتِهِ، مِن خلال دائرةٍ مُتّسعةٍ تتمتّعُ بشموليّتِها لخارطةِ الوجود، وتتميّزُ بقدرتِها على رصدِ العلاقاتِ الاجتماعيّة، مِن خلال انفعالِها وتَفاعُلها والحدثِ وتوتُّراتِهِ..

لذا؛ فالرّوايةُ (نصٌّ ذو أصولٍ شعبيّة)، على حدِّ تعبير باختين( )، لكوْنِها تُمثّلُ الانفعالَ السّريعَ لحركة الواقع المتسارع بكلِّ موجوداتِه، وتَرصُدُ حركاتِهِ وتَحوُّلاتِهِ ومُتناقِضاتِهِ القائمةَ على الاهتمامِ بمَظاهرِ الخطابِ السّرديّ أسلوبًا، وبناءً ودلالةً..

وباستحضارِ النّصِّ السّرديّ (مَنْقُوم) الّذي أنتجَتْهُ ذاكرةُ المُنتج محمّد موسى مناصرة، وأسهمَتْ دار الوسط اليوم للنشر والإعلام - رام اللّه في نشره وانتشاره عام 2024، كونُهُ توثيقٌ تاريخيٌّ، ورؤيةٌ لكلّ ما يتعلّقُ بالوجودِ الّذي يمسُّ الواقعَ، ويتداخلُ في كينونةِ الإنسانِ بمُخيّلةٍ تستوعبُ الفعلَ السّرديَّ بكلِّ دلالاتِهِ، مِن أجلِ الخروجِ مِن أزمةِ الرّؤيةِ المُجرّدةِ، والانطلاقِ في عوالمِ الحُرّيّةِ الواعيةِ لذاتِها، بلغةٍ تعبيريّةٍ مُستمَدّةٍ منَ الحسِّ الواقعيّ التّخييليِّ، وبرؤيةٍ فنّيّةٍ خالقةٍ لجماليّتِها وحَيويّتِها الإنسانيّة..

فضلًا عن أنّه يقومُ على دائرةٍ نصّيّةٍ مُغلقةٍ، تَحتضنُ مجموعةً مِنَ العتباتِ الّتي تُقدّمُ نفسَها بفقراتٍ تقتسمُ النّصَّ إلى مجموعاتٍ دلاليّةٍ مُتكافِئةٍ، تُعبّرُ عن فكرةٍ مركزيّةٍ تدورُ حوْلَها الأحداثُ، بتوظيفِ سايكولوجيّةِ التّواصُلِ السّرديّ بوَصفِهِ (خطابًا غنيًّا بالدّلالة)، لتَحقيقِ تمازُجِ الحُلميّةِ بالخياليّةِ في سياقٍ حسِّيٍّ مُقترِنٍ بالحياةِ بكلِّ موْجوداتِها، عبْرَ ذهنيّةٍ مُتحفّزةٍ تُحقّقُ رؤيةً تُلخّصُ الواقعَ وأشياءَه ببوْحٍ وجدانيّ، ونُزوعٍ إنسانيٍّ مُتمثِّلٍ في السّلوكِ الخالقِ لموْقفٍ يَطرحُ فِكرًا، وباستمدادِ سرديّةٍ مِنَ الذّاكرةِ والمُشاهدةِ الّتي تُحقّقُ رؤيةً مُتفاعِلةً والأنا الجَمعِيِّ الآخَرِ، باقترابِها مِنَ اليوْميِّ، ومن تفصيلاتِ الواقعِ بكلِّ تناقُضاتِهِ وتَواتُراتِهِ..

فضلًا عن أنّ النّصَّ يَمتلكُ مُؤهِّلاتِهِ البنائيّةَ والجَماليّةَ والفنّيّةَ، مِن خلال تعبيرِهِ عن اللّحظةِ الحياتيّةِ، ومُسايرتِها حركيّةَ الواقعِ وتغيُّراتِهِ الّتي يَعيشُها الإنسانُ ويَغُصُّ بها الوجودُ، باستِبطانِهِ مِنَ الدّاخل، عبْرَ لغةٍ ذاتِ إيحاءٍ يَعتمدُ تيّارَ الوعي وانزياحَ المعنى وتأويلَهُ، فيَكشفُ عن مُنتِجٍ يَمتلكُ قدرةً مُتأنّيةً في خلقِ عوالمِهِ وشُخوصِهِ الّتي تَعلَقُ في الذّاكرة، بحُكمِ عُمقِها النّفسيِّ وحركتِها الدّيناميّةِ في فضاءاتٍ زمكانيّةٍ وبيئاتٍ متفاوتة.

فضلًا عنْ كوْنِهِ مُكتظًّا بمُفاجآتِ السّلوكِ المُتفرِّدِ، والمَشهديّةِ المَبنيّةِ على الحوار الّذي يُعزّزُ مِن عنصرِ الدّراما في سرْدِهِ الاجتماعيّ، مِن خلال الأسئلةِ المُتناثرةِ في ثنايا سُطورِه..

(يسكنُ منقوم في شارع الصّف في الحيّ الجنوبيّ من مدينة بيت لحم المكتظّ بالسّكّان. الحيُّ خالٍ مِن أيّة فضاءات بين بناية وأخرى، مبان متلاصقة شبيهة بمنازل مُخيّمات اللّاجئين، الجيران بإمكانهم سماع بعضهم وهم يندهون على بعضهم، أو يزعق زوج على زوجته، أو أخ على أخته أو أب على ابنه أو بنته..)

أقيمت أبنية الحيّ على قِطعٍ مساحاتها صغيرة.

أصحاب الأرض عائلات تلحميّة مسيحيّة باعوا أراضيهم، وانتقلوا من الحيِّ في هجرة داخليّة وخارجيّة، لم يفهم مُسبّباتها أحد، وغالبيّة هذه العائلات انتقلت من جنوب المدينة لشمالها، وقسم منهم باع ما يملك من أراضٍ مهاجرًا إلى خارج البلاد.
كنيسة اللّاتين الفرنسيسكان لاحظت هجرة الأهالي المسيحيّين من الحي، إذ لم يبقَ إلّا عدد قليل من العائلات لا تتجاوز أصابع اليد، فأقدمت على إنشاء مشروع إسكان لشبّان العائلات مُتوسّطة الحال، لاصطياد عصفورين بحجر واحد، فمن جهة مساعدة الشّبّان على توفير مساكن زهيدة في ظروف معيشيّة صعبة، ومن جهة أخرى لتشجيع الأبناء للحفاظ على الوجود المسيحيّ التّاريخيّ جنوبيّ المدينة...)ص1..

النّصُّ يتّكئُ على سرديّةٍ تحملُ بينَ ثنايا سطورِها أثقالَ الماضي وتَراكُماتِهِ، وما يتجلّى مِن سياقاتِ التّعاقُبِ المتّصلةِ بالزّمنِ والسّردِ وذاكرةِ الرّائيّ..

فضلًا عنِ اكتنازِها بطاقةٍ ومَخزونٍ لُغويٍّ، يَشتغلُ على مادّةٍ حكائيّةٍ تنتمي مِنْ حيثُ زمَنيّةِ الإنجازِ إلى الماضي المُوظَّفِ كمادّةٍ للحاضِرِ المُؤطَّرِ بالبُعدِ التّخييليِّ لجسدِ النّصّ..

وبمُتابعةِ مَسارِ وتطوُّرِ الشّخصيّات، نجدُ أنَّ الخيطَ الرّابطَ بينَ مَشاهِدِها هو حضورُها القلِقُ المُغتَرِبُ، والمُثقَلُ بأسئلةِ الواقع القائمةِ على جدليّةِ التّداخُلِ بينَ الواقعيّ والمُتخيَّلِ، كاشتغالٍ جَماليٍّ يُؤسّسُ بشبكتِهِ الدّلاليّةِ ومِعماريّتِهِ الانزياحيّةِ الرّؤيةَ الّتي يُحقّقُها..

فضلًا عن تَميُّزِ الخطابِ بتَنوُّعِهِ تَبِعًا لتداعياتِ الشّخصيّةِ الرّئيسةِ وهَواجسِها، وهو يندرجُ في إطارِ (السّرد الاستذكاريّ) المُنفتِح على ذاتِ المُنتجِ المَانِح للمُتلقّي حقَّ المُشارَكةِ في عمليّةِ الإنتاجِ الحكائيّ...

إضافةً إلى أنّ الحُلمَ والحِوارَ الدّاخليَّ هُما المُسيطرانِ على أحداثِ السّرد، ومِن خِلالِهما نتعرّفُ على الحالةِ النّفسيّةِ للشّخصيّةِ الّتي تُواجهُ مَصيرَها، وتتحدّى ذاتَها ومُجتمعَهَا، وهذا يعني؛ أنّ السّردَ يتّكئُ على ميثولوجيا البطولة، معَ تكثيفٍ رمزيٍّ يَنفُذُ إلى عُمقِ الفكرةِ، معَ إيقاعٍ سرديٍّ يُحاولُ تجاوُزَ الأمكنةِ واختراقَ الأزمنة..

فضلًا عن أنّ الرّاوي عليمٌ، يُلمُّ في تصعيدِ الأحداثِ حتّى بلوغ الذّروة، بالحفاظِ على نسقيّةِ النّصِّ وكشْفِ دلالاتِهِ معَ ربطِ الأزمنة، لذا؛ فالرّوايةُ تندرجُ ومستوى التّاريخيّ التّوثيقيّ، فتحكي واقعًا يكشفُ أنّ:

(الأغلبيّة السّاحقة ممّن اشتروا الأراضي هم القادمون للمدينة من مختلف القرى في محافظتيْ بيت لحم والخليل. اشتروا قسائمَ صغيرة المساحة لبناء مساكنهم عليها، بعضُها مئة متر أو مئتي متر، ودون مراعاةٍ لمُتطلّبات البناء القانونيّة).. ص1
و.. (بعد إتمام عمليّة الاغتيال الّتي لم تتجاوز السّاعة، انسحب الصّهاينة من القرية، تاركين خلفهم ألمًا ووجعًا ودموعًا وغضبًا لا حدود له. تركوا وراءهم مذبحة، بدم بارد سلبوا الحقّ في الحياة من أكثر النّاس نخوة وطيبة وتسامحًا وعشقًا لجمال الحياة الممنوحة لهم من الرّب..) ص109

فالمُنتجُ يُحاولُ استنطاقَ اللّحظاتِ الشّعوريّةِ عبْرَ نسَقٍ لغويٍّ قادرٍ على توليدِ المَعاني، كي يُوسِّعَ الفضاءَ الدّلاليَّ، بذهنيّةٍ مُتفتّحةٍ ورؤيةٍ باصرةٍ لوعي الفكرةِ وتحقيقِ إضاءَتِها، باعتمادِ اللّفظةِ المُكتنزةِ بالإيحاءِ والمُتميّزةِ بالتّدفُّق والانسيابيّة، فتنحو بعوالمِ النّصِّ مَنحًى مُتجاوزًا للقوالبِ الجاهزةِ والنّمطيّةِ الأسلوبيّة، خاضعًا للمؤثّراتِ الاجتماعيّة، لكي يُجسّدَ الظاهرةَ الجوهريّةَ الاعترافيّةَ الّتي لا يتمُّ تحقيقُها، إلّا بالوعي الّذي يُوقِظُ الواقعَ ويكشفُ عن أضمومةٍ تتشكّلُ مِن رؤيَتيْن:
الرّؤيةِ الاجتماعيّةِ والرّؤيةِ الإنسانيّة.

السّاردُ يُحاولُ استنطاقَ اللّحظاتِ الشّعوريّةِ بتماسُكٍ يقومُ على الإضاءةِ الخالقةِ لفنٍّ مُتّسِعِ الرّؤى، وتُميّزُهُ علاماتٌ مُضيئة:
أوّلُهُما: البُنيةُ الدّراميّةُ المُتناغِمةُ والحِسِّ الإنسانيّ..

وثانيهُما: البناءُ الفنّيُّ المُتّسمُ بخصوصيّتِهِ التّركيبيّةِ، وبوحدتِهِ الموضوعيّةِ الّتي تُحاولُ إيقاظَ الواقعِ بأسلوبٍ بنائيٍّ يُخاطبُ الوجدانَ، ويثيرُ الأحاسيسَ، وينبشُ الذّاكرةَ عبْرَ صُوَرٍ مَشهديّةٍ مُكثّفةٍ ورمزيّةٍ لفظيّةٍ، معَ انسيابٍ مُتدفِّقٍ لمَشاهدِهِ الدّائمةِ التّخلُّق، بحُكمِ طاقتِها المُكتنزة بديناميّتِها، والمتوالدةِ في ذاتيّتِها المُحقِّقةِ للمعاني المُعبِّرةِ عن مواقفِ رافضٍ للحُروبِ الخاسرةِ دوْمًا، وتوظيفِ القوى الفكريّةِ لمُجابهةِ الحياةِ وأحداثِها..

السّاردُ يعتمدُ التّجريدَ الّذي يُحيلُ الجزئيَّ إلى كُلّيٍّ، بتفاعُلِ الذّاتِ والموضوع برُؤى تَكشفُ عن بوحٍ ذاتيٍّ مُستغرِقٍ بحوارِ الذّاتِ الكاشفةِ عن وجْدِها ووُجودِها، بتوظيفٍ فنّيٍّ للزّمان عبْرَ نمَطيْنِ زمَنيّيْنِ مُتناوبَيْنِ (الماضي والحاضر)، وبالجُملةِ الفعليّةِ الاستباقيّةِ والارتداديّةِ الكاشفةِ عن تناوُبِها لمُعطيات السّردِ الّذي يقومُ على مُستوَييْنِ سرديّيْنِ بنائيّيْنِ مُتداخليْن، لا يَفصلُ بينهما سوى سِياقُ الزّمنِ وصيغةُ الخطاب..

المُنتِجُ لا يستغرقُ في الحُلم، ولا تَنعزلُ ذاتُهُ عن العالمِ الخارجيّ، مِن خلالِ توظيفِهِ ألفاظًا مليئةً بحركةِ تحملُ بين طيّاتِها ثقافةً واعيةً تستحضرُ الماضي، معَ اتّكاءٍ على واقعيّةٍ خلّاقةٍ، بأسلوبٍ فنّيٍّ إبداعيٍّ يَبحثُ عن جوهرِ الكلامِ مِن خلال الظواهر؛

أي أنّه يربطُ ربطًا جَدليًّا بينَ الذّاتِ والموضوعِ بأسلوبٍ سهلٍ مُمتنعٍ، فيَسردُ بوجدانٍ يَستوعبُ الحياةَ، ويُترجمُ الأحاسيسَ والانفعالاتِ بنَسْجٍ يُدغدغُ الذّاكرةَ ويُحقِّقُ وظيفتَهُ، مِن خلالِ الفكرةِ والعملِ داخلَ اللّغةِ، عن طريقِ خلقِ علاقاتٍ بينَ المفرداتِ بوحدةٍ عضويّةٍ مُتميّزةٍ بعالمِها المُتناسقِ جَماليًّا، ودقّةٍ تعبيريّةٍ بألفاظٍ مُوحيةٍ ودلالةٍ مُكثّفةٍ، بتوظيفِ تقاناتٍ فنّيّةً مُحرِّكةً للنّصّ كالرّمزِ؛ السِّمةُ الأسلوبيّةُ الّتي تُسهمُ في الارتقاءِ بعوالمِ النّصّ، إضافةً إلى توظيفِهِ اللّونَ الّذي يُعَدُّ مِن أهمِّ العناصرِ لانتقالِ المَفاهيمِ البصريّةِ والمفاهيمِ العاطفيّة..

(خرجتْ من مُخيّم الدّهيشة مظاهرة عارمة مُتوجّهة إلى بيت لحم، وعند الوصول إلى سينما بيت لحم، حَملت صديقي صلاح على كتفيْ يهتف ضدّ العدوان الصّهيونيّ، ويُعوِّمُ في الفضاء مَطالب اللاجئين بالعودة إلى قراهم وبلداتهم حتّى بلغنا ساحة المِدبسة. أنزلته عن كتفي، ووقف على سور الكنيسة اللّوثريّة يُحرّض الجموع على الثورة ومطالبة السلطة والعرب بالرد على العدوان بمهاجمة إسرائيل...) ص265

السّاردُ يعتمدُ التّقصّي والاستقراءَ في مُعالجةِ أحداثِ الواقع، ضمنَ مُراقبةٍ مُكثّفةٍ لحركةِ وتَصرُّفاتِ شُخوصِهِ، فيُسجّلُ بمَشاهدِهِ التّفاصيلَ اليوميّةَ والعلاقاتِ الاجتماعيّةَ، فشكّلتْ روايتُهُ هَمَّها وإنسانيّتَها بتصويرِها للعواطفِ، وكشْفِها عن صورةِ المَرأةِ الفاعلةِ، وتكوينِها النّفسيِّ وقدرتِها في بلورةِ الأحداث، كونَها المُحرّكَ لمُجرياتِ الواقع الإنسانيّ، ابتداءً مِنَ العنوانِ الّذي فيهِ تتداعى المعانيَ والدّلالاتِ والمقاصدَ، ومنه تتفجّرُ الأسئلةُ، لكوْنِهِ قيمةً سياقيّةً وعلامةً سيميائيّةً مُكتنِزةً بدلالةٍ رمزيّةٍ مُوازيةٍ ومُفسِّرةٍ للنّصّ، كما يرى رولان بارت( ).

إضافةً إلى أنّهُ مفتاحٌ إجرائيٌّ في التّعاملِ معَ النّصِّ ببُعدَيْهِ الدّلاليِّ والرّمزيّ، فهو العتبةُ النّصّيَّةُ الّتي تُؤدّي وظائفَها السّرديّةَ الّتي حدّدَها جيرار جنيت( ): ( الإخباريّة، والدّلاليّة، والتّأويليّة، والثّقافيّة)..

إضافةً إلى أنّه ينطوي على مقصديّةٍ مُكثّفةٍ لتحقيقِ اتّساقِهِ وانسجامِهِ، والكشفِ عن مَقاصدِهِ والإسهامِ في توضيحِ دلالاتِهِ، واستكشافِ تضاريسِهِ التّركيبيّةِ وتشكيلاتِهِ البُنيويّةِ على المستويَيْن: الدّلاليّ والرّؤيويّ..

مضافٌ إليهِ الإهداء النّصّ الموُازي، والعتبة النّصّيّة الّتي تُشكّلُ مفتاحًا لتفكيكِ دلالات النّص..
(... وأقدِّمُ هذا الإسهام لمن يتقدّمونَ للأمام من شعبي مُتسلِّحينَ بالعِلم وبثقافةٍ وطنيّةٍ إنسانيّةٍ غير معطوبة..)
(ردّ منقوم: - يا صديقي، قالت الفلاسفة لكلّ إنسان مِنَّا تاريخٌ يُخفيه لا يبوح به أبدًا. فهل عن جدّ تريدون معرفة ما يسكن داخلي، حتّى لو كان ما سأخبركم به، قد يقلب مزاجكم؟

أجابوه معًا بصوت واحد، وحتّى زيد الّذي كان يتململ، ويريد إسماع أصدقائه صوته الجميل بأغنية سيّد مكاوي الّتي يحبّونها، وكان يدندن بصوت خافت:

– "حلوين من يومنا والله وقلوبنا كويّسة/ وبقدِّم أحلى فرحة ومعاها مِية مِسا/ يا ليل طوّل شِويّة، ع الصُّحبَة الحِلوة دِيّا/ الغالي علينا غالي... ولا عمره بيِتْنِسى".

علا صوت الأصدقاء بمن فيهم زيد، قطع الدّندنة: أي خبِّرنا. لا عليك.. لا تهرب من عصام وسمير.
وشرعَ منقوم يروي ويسرد.. ويُحَرِّرُ ما هو ساكن فيه بلا توقّف) ص15

اللّغةُ مشهديّةٌ تُحاكي الواقعَ وهيَ أشبهُ باللّغةِ اليوميّة، عبْرَ حواراتٍ ذاتِ طبيعةٍ فنّيّةٍ ودراميّةٍ تكشفُ عن أوضاعٍ نفسيّة، فيُوظّفُ الشّعبيَّ كعنصرِ تشويقٍ مِن جهةٍ، وللتّخفيفِ مِن حدّةِ المأساة مِن جهةٍ أخرى.

فضلًا عن أنّه يَكشفُ عن إمكانيّةٍ فنّيّةٍ تعكسُ دلالاتٍ رمزيّةٍ وإيحائيّةٍ، تنتمي إلى الواقعيّةِ الاجتماعيّة، وهو يَنهجُ مستويَيْن مُتداخليْن:

أوّلُهُما الواقعيّ، ببُعدِهِ التّاريخيّ والاجتماعيّ.

وثانيهُما التّخييليّ، الخالق للجَماليّ بفضاءٍ زمكانيٍّ مُتداخِل عضويًّا، ومُتّسمًا بالوحدةِ والتّناسق..

(...مَنقوم لم يكن يغفو ولا يعرف النّوم، وقد قرّر عشرات المرّات أن يقترب منها ويخبرها أنّه يُحبّها، ولم يفعل، وهي لم تفعل أيضًا، فكان يشعر بسعادة قصوى حين يراها تخرج من المدرسة، أو خارجة من البيت باتجاه المدرسة ضامّةً بيديها شنطتها على صدرها، فترميه مُتعمّدة بابتسامة تسري في عروقه، وتحيله الشّخص الأسعد على هذا الكون.

وزاد يقينه باحتمال مَحبّتها له، أنّها صادقتْ أخته الأصغر منه، وأبلغته أخته بأنّها دائمة السّؤال عنه. إلى أن جاء يوم الهزيمة الكبرى، وجيوش عربيّة تنهار أمام الجيش الصّهيونيّ بساعات قليلة، فجنّ جنونه، وحين شاهد تقدُّم جيش المحتلّين قادمين من جهة بيت لحم، يمشون على طريق القدس الخليل ودباباتهم خلفهم أمام مُخيّم الدّهيشة نحو الغرب، عاد للبيت يفكّر ما الّذي عليه أن يفعله، واستحضر أفلام السّينما بور سعيد وفيلم جميلة بوحيرد، فوجد ما عليه أن يفعله.

عثر في مخزن البيت الصّغير الّذي يبيت فيه الحمار على علبَة بوية وفرشاية، وما أن حلّ اللّيل لبس كِبِرْ أبيه وحطّته وعقاله للتّخفّي، وتسلّل من خلال الأزقّة إلى دار السّندكة، لها جدار طويل أبيض من جهة الطريق، وكتب عليه "يسقط الاحتلال").. ص281

فالنّصُّ يكشفُ عن العلاقةِ بينَ المُنتِج الفكريّ والواقعِ الاجتماعيّ، فضلًا عن أنّهُ يُعبّرُ عن الوعي الجمعيّ، فيُقدّمُ رؤيةً مُتشابكةً بين المنتج المبدع والواقع بكلّ موجوداتِهِ، باعتمادِهِ أسلوبَ المَشهدِ الّذي ينتزعُ اللّحظةَ ويُسجّلُها، معَ عنايةٍ مُتناهيةٍ في رسمِ صُورَهِ، وطريقةِ توزيعِ مَناخاتِهِ وشُخوصِهِ الّتي تتحرّكُ في عُمقِ وضعِها الإنسانيّ، لذا؛ تظهرُ مُتوتّرةً نفسيًّا
وهي تُمارسُ طقوسَها المأساويّة..

هذا يعني؛ أنّ عنصرَ الحركةِ يُشكّلُ أحدَ مُعطياتِ المستوى الحِسّيّ للغةِ الكاتب الّتي وظّفتِ الجزئيّات، للكشفِ عن دخيلةِ الشّخصيّة، وتطويرِ الحدَث، واعتمادِ الرّمز المُكثَّف القادرِ على الاشارةِ، مِن خلالِ بُنيتِها وتركيبها..
إضافةً إلى حضورِ ضميرِ الغائب، مِن خلالِ حوارٍ ذاتيٍّ داخليٍّ (مونولوجيّ)، مُستذكِرًا حركةَ الزّمن الخطّيّةَ التّعاقُبيّةَ الأفقيّةَ في بناءِ حبكتِها، وفقَ رؤيةٍ تتراتبُ بمَوْجبِها النّتائجُ على المُقدّماتِ، بلغةٍ واعيةٍ اعتمدتْ منطقَ التّعاقبِ والمَشهديّةَ المَبنيّة على الحوار الّذي عزّزَ عنصرَ الدّراما في سردِها الاجتماعيّ، باعتمادِ السّؤال والجواب في ثنايا السّرد..

وبهذ اختطَّ المُنتِجُ لنفسِهِ مَسارًا مُتجاوزًا ينطلقُ من الخارج إلى الدّاخل لكوْنِهِ مصدرَ التّجربةِ، لإعادةِ تَشكيلهِ وتحديدِ أبعادِهِ المُكتنزةِ بمَلامحِ الذّات المُتمرّدةِ، والّتي تُشكّلُ الأنموذجَ الإنسانيَّ الّذي يَبرزُ كوحدةٍ أساسيّةٍ مُنبثقةٍ مِن واقعٍ مُتشظٍّ، فعصام وسمير يتحرّكان كشخصيّتيْن رافضتيْن على المستوى الشّخصيّ، وعلى مستوى اللّاشعور الجمعيّ الّذي يُجسّدُهُ منقوم المناضل الباحث عن الحُرّيّة، مِن أجل احترام الوجود الإنسانيّ الّذي يُعبّرُ عن خلجاتِهِ وتَطلُّعاتِهِ، بحُكم امتلاكِ النّصّ أنماطًا مِن:

الوعيِ المَعرفيّ والرّؤى (من الخارج/ من الدّاخل/ من الخلف).

مع تَعدُّد الضّمائر (المتكلم/ المخاطب/ الغائب)..
بالإضافةِ إلى تعدُّدِ الرُّواةِ الّذين يُعبّرونَ عن اختلافِ المواقفِ الفكريّة..

بمعنى؛ الرّوايةَ تنتمي إلى جنس السّرد البوليفونيّ الحواريّ الدّيالوجيّ، والّذي يُعَدُّ دوستوفسكي( ) الخالقَ الأوّلَ له، ويمتازُ بمجموعةٍ مِن السّمات الدّلاليّةِ والجماليّة، منها الأطروحات الفكريّة والمواقف الجدليّة الّتي تسبح وسط حرّيّة التّعبير عن عوالمها الدّاخلية الذّاتيّة والموضوعيّة..

(حمّلوا نقيّة ومدّدوها على فرشة قشِّ القمح فوق القادِم، ومشَوْا باتّجاه القرية. الحاج عبد المعطي وابنه الأكبر جمَعَا غمور القمح المحصودة، أعدّا القَوادِم على الحمير، ثبّتاها بالحبال، ومشيا بالأحمال خلف الحمارة الّتي تحمل نقيّة.

كانت مسالك الطريق ضيّقة، تتسلّل بين الصّخور وأشجار البلوط والبطم والسّمّاق والخروب والزّعرور البرّيّ، والنّتش المنتشر كما لو كان حقولًا يزرعها المزارعون.

كانت الطريق متعرّجة طويلة، وعلى مشارف القرية اقتاد الحاج الحمير نحو الجرون، لتفريغ ما جَمعوا من القمح، والبقيّة ظلّوا متّجهين إلى حوش العائلة.

هكذا في صيف شديد الحرارة، جاء إلى الدّنيا آخر العنقود لنَقيّة، ولدته أمّه في الخلاء دون ماء دافئ لتنظيفه أو تنظيفها، ولا أقمشة يلُفُّون بها جسده، لوقايته من مخاطر الشّمس الحارّة على جسده.

وتبيّن فيما بعد، أنّه جاء إلى الدّنيا ولديه مشكلة في السّمع، ربّما بسبب رَفْسة الحمار لأمّه، وربّما لأسباب أخرى.

لا أحد يستطيع الفصل في الأمر، فلم يكن في البلاد كلّها لا مستشفيات ولا عيادات، ولا طبيب واحد في البلاد، وطوال فترة الحكم التّركيّ لم يكن هناك أيّ شيء من ذلك، ولا حتّى مدارس للتّعليم، فلم تترك تركيّا خلفها بعد انصرافها وتحرّر النّاس من نيرها، سوى الجهل والفقر والأمراض...) ص23 ـ ص24..

السّاردُ يحاولُ الكشفَ عن الواقع الاجتماعيّ والإنسانيّ، بإضاءة النّصّ بتوظيفِ تقنيّاتٍ مُتعدّدة بدلالاتِ المكان الّذي لا يخلو من الفعل والحركة، وباستخدام ألفاظ ذات دلالة مَحلّيّة، ممّا يضطرّه إلى شرحها في الهامش لوضع المتلقي في سياق الأحداث والشّخصيّات، فضلًا عن استلهامِهِ اللّغة اليوميّة وجعلها عنصرًا بنائيًّا لتشكيل النّصّ، بما تَحملُهُ مِن دلالاتٍ تُسهم في تأويل الواقع وإعادة إنتاجه..

(قالت فواطم تعقب بغضب على ما سمعت من تفاصيل عن الضرائب موجهة وجهها للسماء:

– الله ينتقم منهم. خَطِيِّتْنا في رقابهم، الله لا يطرحلهم البركة في كل مليم أخذوه من هالبلد.

ونظرت إلى سلفها شاكر تقول:

– دشرونا من الأتراك وسيرتهم اللِّي بِتْسِمْ البدن. خلينا نغير الموضوع ياخوي. بدِّي أسألك ليش ناسيين أخوكم مُنْتَشِل ومطلِّعينه من راسكم؟ شو بتِسْتَنُّوا؟ برأيكم إخوتكم أولاد ثمينة بُخطر على بالهم يستِّتوه؟( )
هذا واجبكم إنتو يا الأشقاء أولاد نقيَّة. أولاد ثمينة عندهم لا عمرُه تسَتَّتْ وهذا آخر هَمْ لهم. لا تنسوا هالشّي. لازم تشوفولكم صرفة بموضوع شقيقكم.

ردّ كريم:

– والله يا وليّة، شكلك متحاملة على أولاد حماتك الثانية، كلهم بحبّوه، بس لازم تعرفي أنا قلبي بتقطَّع عليه. المشكلة ولا بنت بتقبل فيه لأنّه أطرش..) ص36

السّاردُ يكشفُ عن إمكانيّةٍ فنّيّةٍ تعكس دلالاتٍ رمزيّةٍ وإيحائيّة، تكشفُ عن أسلوبيّةٍ اجتماعيةٍ، تُحيلُ الخيالَ الواقعيَّ إلى خيالٍ يتجسّدُ فيه الحُلم مقترِنًا بالحقيقة، كي يضطرَّ مُتلقّيهِ معايشتَهُ بيقظةٍ واعية، لكوْنِهِ كوْنًا فنّيًّا يتعالقُ فيه المعرفيُّ والتّخييليُّ الّذي يَقضي إلى كشف ارتباطِ الرّوايةِ بعصرها، والتّعبيرِ عنه عبْرَ بُنيةِ التّصويرِ الجَماليّ..

(في تلك السّنوات لاحظت غَضًة أنّ أخاها عبد اللّطيف، ومعه أصحابه الأربعة المُقرّبين إليه في القرية: بدر الدّين، ثابت، عزيز ومحمّد يتغيّبون كثيرًا عن القرية، وبعد عودتهم، تعرف بديلتها لطيفة أين كانوا في يافا أم القدس).

( ـ ردّت غَضّة بحبّ استطلاع:

– هاتي سمعيني شو عندك.

بدت لطيفة مبهورة متعجّبة ممّا سمعته وممّا فهمته عن عشقهم وتعلّقهم بمدينة يافا والحياة والنّاس فيها. قالت:

- سمعتهم يستذكرون بافتخار مُغَنِّيَةً جاءت من مصر إلى يافا، سمّوها أهل حيفا أمّ كلثوم. هذه المرأة سلبت قلوبهم وعقولهم بصوتها الجميل، وفي غالبيّة اللّيالي يغنُّون معًا مقطعًا أو مقطعيْن، يبدو أنّ المُغنّية أمّ كلثوم ظلّت تُكرّرهما في حفلتها، فحفظوها وظلّوا بعدها يُردّدونها. وأنا زَيْهُم حفظتُهما فيما بعد أيضًا:

"على بلد المحبوب ودّيني، زاد وجدي والبعد كاويني
يا حبيبي ده انا قلبي معاك، طول ليلي سهران وايّاك"

أو يردّدون المقطع: "ليه تلاوعيني وانتي نور عيني، إيه جرى بينك في الهوى وبيني، ليه تلاوعيني؟ لما حبيتك وانضنى حالي.. انعدم نومي وانشغل بالي. وإن شكيت وجدي ينظلم حالي. إيه جرى بينك في الهوى وبيني، ليه تلاوعيني؟") ص76..

الواقعُ الاجتماعيُّ والإنسانيُّ يكشفان عن نصٍّ مُتمرّدٍ على الثّبات، يُعبّرُ عن الواقع المتداخل معَ الخيال الّذي هو قوّةٌ خلّاقةٌ في إضاءة التّجربة لتشكيل التّوافق بينهما، مِن أجلِ خلقِ صورٍ جماليّةٍ تُسهمُ في نبش الذّاكرة للتّأمُّل والتّفسير، لتحقيقِ المتعة والمنفعة،كونه معطى ثقافيًّا يسبح في بؤرةٍ زمكانيّةٍ مُتعدّدةِ المحاور القابلة للاستنطاق..

فضلًا عن استلهامِهِ الأغنيةَ الشّعبيّة، وجعلها عنصرًا بنائيًّا لتشكيلِ النّصّ، بما تَحملُهُ مِن دلالاتٍ تُسهمُ في تأويل الواقع وإعادةِ إنتاجِه..

(تنحنحت لطيفة وقالت هامسة:

– في أحد الأيّام سمعتهم يُذَكِّرون بعضهم، ويضحكون على ثابت لأنّه كان أكثر واحد خائف فيهم وقتها في حادث تورّطهم بحشرهم في القهوة، ولم يقدروا على الخروج منها، لأنّ الإنجليز فرضوا منع التّجوّل في يافا.

سألت غضّة: - شو يعني منع تجوّل؟

أجابت لطيفة: - ما بعرف...) ص78ـ ص79..

فالنّصُّ يعتمدُ آليّةَ السّردِ الاسترجاعيّ الّذي يَقومُ بتفعيلِ عَمَلِ الذّاكرة، وشَحنِها بطاقةٍ استنهاضيّةٍ تُسهمُ في تطوير الحدَثِ والبناء السّرديّ، وذلك باقتناصِ اللّحظة وتحويرها بكينونة لغويّة تُحيلها من الواقعيّ إلى الجماليّ، بتوظيفِ التّخييليّ في إطارِ السّرديّةِ السّابحةِ في فضاءٍ زمكانيّ، والّتي تعتمدُ على تحريكِ الشّخوصِ والطّبيعةِ بموجوداتها، وبجعلِها مُتفاعلةً مع الحدَث بحيويّةِ حركةِ جُمَلِهِ الفعليّةِ وتواتُراتهِ المُكثّفةِ المُتميّزةِ بتنوُّع الضّمائر (المتكلم/الغائب/المخاطب)، نتيجة تغيُّر المنظوراتِ والانتقالات السّابحة بين فضاءَيْن:

أوّلُهُما مفتوحٌ، وثانيهُما مُغلقٌ، يعلنُ عن ضياع الإنسانِ واغترابهِ في عالمٍ تَسودُهُ التّراجيديا..
فضلًا عن توظيف تقانة التّنقيط (النّص الصّامت)، والّذي يُشكّلُ استراتيجيّةً سرديّةً، وسلطةً لاستدعاء المتلقّي للإسهامِ في بناء النّصّ، بعدَ الدّخول بحوارٍ تأويليّ معه. لذا؛ فالكاتبُ يحاولُ إيصالَ فكرةِ المقاومة الفلسطينيّة والذّاكرة، حيثُ لا تقتصرُ على توثيق التّاريخ، بل تُعيدُ إنتاجَ الهُويّة الفلسطينيّة، بكلِّ أبعادِها ودَلالاتِها المأساويّةِ، كونَها عالمًا تستظلُّ بظِلالِهِ كلُّ التّناقضاتِ الّتي تُشكّلُ بُنيةَ الوجود..

(كان الغالبيّة يتحرّكون ويذهبون ويجيئون، يجمعون الضّحايا من أطراف القرية إلى الزّاوية، وبعضهم يُحصي عدد الجرحى، وما بين الفجر وانبلاج النّهار، رأى منقوم النّساء يتجمّعن في حلقات، بكاؤهن يُهَوِّمُ في فضاء القرية ويمزّق القلب، والقرية تبدّلت ولا شيء فيها كما كان.

النّساء يختلطن بالرّجال، وأينما نظرت حولك تجد نساءً مع رجال في حلقات، وبعضهنّ كاشفات عن شعورهنّ ووجوههنّ في القرية المحافظة، فبدا ذاك اليوم إجازةً ممنوحة للنّاس من عاداتهم وتقاليدهم وتديّنهم، فهناك ما هو أهمّ من العادات والتّقاليد والتّديّن...) ص186

فالمُنتجُ يَستقطبُ اللّحظةَ ويُضفي عليها عُمقَها، كي تُخاطبَ عواطفَ مُتلقّيها، فتتركُ أثرَها في ذاتِه، باعتمادِها تيمات (الضّياع/ الغربة/ الجسد) الّتي شكّلتْ حضورًا فاعلًا في مِعمارِ السّردِ المُتميّزِ بمَحمولاتِهِ اللّفظيّة، والمُفضِيةِ إلى عوالمِ التّأمُّلِ، وإشغالِ الفكر باستنطاقِ مضامينهِ الّتي اعتمدتْ أسلوبيّةً، وظّفت عبْرَها مُعظمُ التّقنيّاتِ السّرديّةِ المقترنة بالعناصر الرّوائيّة:

الحدث/الشّخصيّة/ الوصف/
(الحوار بِشَقَّيْهِ الذّاتيّ والموضوعيّ/
الزّمان بِشَقَّيْهِ الاسترجاعيّ والاستباقيّ/
المكان بِشَقَّيْهِ المفتوح والمغلق..)

فشكّلتْ جميعُها وسيلةً لانطلاقِ رؤيةٍ سرديّةٍ تُدينُ الحربَ وأصحابَها..

وبذلك؛ النّصُّ السّرديّ (منقوم)؛
مِن حيثُ الشّكلِ والبناءِ لوحاتٌ راصدةٌ، شاهدةٌ على واقعٍ مُشبعٍ بروحٍ تاريخيّةٍ وترميزيّة، باعتمادِها واقعَيْن مُترابطيْن:

أوّلُهُما الواقعُ الّذي صارَ في ذمّةِ الماضي..

وثانيهُما الواقعُ المُعاشُ الّذي يُحاولُ تحطيمَ الفكرِ الإنسانيّ والذّاكرة..

وكلُّ هذا أضفى على السّردِ الرّوائيِّ تَميُّزًا في موضوعِهِ، وفي مادّتِهِ الّتي تَخوضُ في عوالمَ اجتماعيّةٍ وقيميّةٍ مُتفاوتةٍ في الزّمان والمكان..

فضلًا عن تَميُّزِها بعلامتَيْنِ مُضيئَتيْن:

بُنيتها الدّرامية الّتي تنبثق مِن الحوار.

ولغتُها المُوحيةُ المُكتظّةُ بصخبِ الحياةِ القادرةِ على تصويرِ الواقع واستلهامِ تناقُضاتِهِ، مِن خلال دائرةٍ مُتّسعةٍ تتمتّعُ بشموليّتِها لخارطةِ الوجود، وتتميّزُ بقدرتِها على رصدِ العلاقاتِ الاجتماعيّة، مِن خلال انفعالِها وتَفاعُلها والحدثِ وتوتُّراتِهِ..

فضلًا عن امتلاكِهِ مُؤهِّلاتِهِ البنائيّةَ والجَماليّةَ والفنّيّةَ، مِن خلال تعبيرِهِ عن اللّحظةِ الحياتيّةِ، ومُسايرتِها حركيّةَ الواقعِ وتغيُّراتِهِ الّتي يَعيشُها الإنسانُ ويَغُصُّ بها الوجودُ، باستِبطانِهِ مِنَ الدّاخل، عبْرَ لغةٍ ذاتِ إيحاءٍ يَعتمدُ تيّارَ الوعي وانزياحَ المعنى وتأويلَهُ.

مِن كلِّ هذا نستخلصُ أنّ الرّوايةَ الفلسطينيّةَ ستظلُّ أنموذجًا للأدب الملتزم الّذي يربطُ الجماليَّ بالسّياسيّ، مُحوِّلةً "المأساة" إلى نصٍّ أدبيٍّ عالميٍّ، حقّقهُ الشّاعر محمود درويش في قوْله...

هذه الأرض الّتي تمتصُّ جلدَ الشّهداء/ تَعِدُ الصّيفَ بقمحٍ وسنابل/فاعبديها/ نحن في أحشائها ملحٌ وماء/ وعلى أحضانِها جرحٌ يُكابر

فائدة/ لم اخترت رواية منقوم لمسابقة ديوان العرب للعام 2026:

رواية (منقوم) لمؤلّفها (محمّد موسى مناصرة) الفلسطينيّ الانتماء من سكّان بيت لحم، وقد أصدرتْ عام 2024
تمّ اختيار رواية منقوم لِما تلمّسناه فيها من:

ـ الرّواية منقوم هي نصٌّ يَستخدمُ "الوطنَ" كحيّزٍ مكانيٍّ وزمانيٍّ مركزيّ.

ـ اكتنازُها بزخمٍ مَعرفيّ، وبُعدٍ رمزيّ، يُؤَهِّلها لتكونَ نصًّا تاريخيًّا توثيقيًّا يحملُ رسالةً إنسانيّة.

ـ تعكسُ صراعًا بينَ الهُويّةِ الأصل (الوطن.. الأرض)، وبينَ الهُويّة الهجينةِ (المَنفى والاحتلال)..

ـ تُركّزُ على الذّاكرةِ والمكان (المدن والقرى)، وتوظيفهُما ومُكوّناتِ الطّبيعة والألوان، كرموزٍ حيّةٍفاعلةٍ ومتفاعلةٍ مع عوالم النّص..

ـ اعتمدتْ أساليبَ مُتنوّعةً: تيّار الوعي، وتعدُّد الأصوات (البوليفونيّة)، والاستباق، والاسترجاع، والزّمان، والمكان بِشَقَّيْهِ (المغلق والمفتوح)، والحوار (المونولوجيّ ـ الذّاتيّ، والدّيالوجيّ ـ الموضوعيّ)...

ـ تَميّزها بقدرتها على تصوير الصّراع بين اللّجوء والاستيطان، وتجسيد التّحوُّلات السّياسيّة والنّفسيّة، عبر شخصيّات تعيش مأساة الاقتلاع والبحث عن الذّات..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى