جماليات البنية المكانية بين رضوى عاشور وإبراهيم نصر الله
البنية السردية في الروايات العربية التي تناولت القضية الفلسطينية
"دراسة نقدية لجماليات البنية المكانية بين رضوى عاشور وإبراهيم نصر الله" في الفترة الزمانية ما بين 2000 إلى 2010م
المقدمة
إن الرواية العربية منذ نشأتها وهي تعد فنًا بل من أهم الفنون الأدبية حيثُ تستطيع التعبير عن الواقع بكل مصداقية؛ إذ إنها شديدة الالتصاق بالحياة الإنسانية، وأوقع تعبيرا عن صراعاتها الأيديولوجية، وقضاياها الاجتماعية، وما يمر به الكاتب من تحمل عميق للتجارب، مما يترجم ذلك إلى أعمال روائية تطرح ما تمر به الأمة خبايا وهموم، وما يؤدي بدوره إلى إحداث الكثير من التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية، وبهذا يقدم الروائي من خلالها الحلول المناسبة لإنقاذ المجتمع من أزماته.
ويعد المكان من العناصر الأساسية في النصوص السردية حيث هو الحيز الذي تدور فيه الأحداث، وقد تجلى ذلك واضحًا جليًا في كتابات المبدعة "رضوى عاشور" والمتألق "إبراهيم نصر الله" من خلال السرية الروائية في تصور المكان للمخيمات الفلسطينية، وما تحمله من ألم وقهر، وأمل وانتصار، وتهجير وقسوة، وغير ذلك من مشاعر....
فلذلك أردت أن ألقي بنظرة إلى الجماليات والإبداعات في كتابات كلا المبدعين من خلال تناولهما للبنية السردية للمكان، وأخص منها "المخيمات الفلسطينية" وذلك في بحث موسوم بـ(البنية السردية في الروايات العربية التي تناولت القضية الفلسطينية "دراسة نقدية لجماليات البنية المكانية بين رضوى عاشور وإبراهيم نصر الله" في الفترة الزمانية ما بين 2000 إلى 2010م).
وينتظم الحديث عن ذلك من خلال الآتي:
أولًا: المفهوم الدلالي للسرد:
في اللغة: الحديث والقراءة، وفي لسان العرب:" تقدمة شيء يأتي به مسبقًا بعضه في أثر بعض متتابعًا، يسرد الحديث سردًا"( ).
وفي الاصطلاح: عرفه جيرالد برنس، بأنه:" هو ذلك الحديث أو الإخبار لمنتج وعملية، وهدف، وفعل، وعملية بنائية متعلقة بحدث حقيقي أو خيالي يقوم بتوصيله واحد أو اثنين أو عدد من المروى لهم"( ).
وعرفه سعيد يقطين، بأنه:" فعل لا حدود له يتسع ليشمل مختلف الخطابات سواء كانت أدبية أو غير أدبية، يبدعه الإنسان أينما وجد وحيثما كان"( ).
تقنيات السرد في الرواية:
وهي الوسائل والأدوات التي يستخدمها الروائي في بناء روايته، وهي في الأغلب تكون الزمان والمكان والشخصيات.
الزمان: وهو في الرواية ما يعتمد على الكثير من الاسترجاعات، ويعود ذلك إلى الأحداث التاريخية التي يناولها الكاتب، والاسترجاع هو:" تقنية زمنية يستطيع السارد من خاللها العودة إلى زمن سابق، مرت به ذاكرته"( ).
ثانيًا: المفهوم الدلالي للمكان:
(أ) الدلالة اللُغوية لمصطلح المكان:
أشارت أغلب المعاجم العربية إلى دلالة المكان اللُغوية، وهي تعني التوسع المكاني، والاستقرار والوجود والثبات، والمكان: المراد به الموضع، وهو من كان يكون، وجمعه: أمكنة وأماكن( ).
(ب) الدلالة الاصلاحية للمكان:
يطلق مصطلح المكان، ويراد به: عند الحكماء: هو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي.
وعند المتكلمين: هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وتنفذ فيه أبعاده( ).
والمراد بالمكان في الرواية هو ما يحمل ازدواجا وظيفيا من حيثُ سينمائية القصة وشعريتها، فهو جزء من عالم الزاوية، ومن تشكل البناء الروائي ولا يقتصر المكان الروائي أو الحيز المكاني أو المكان الجغرافي على أبعاد هندسية وحسب، إنما يكشف الوجود المتخيل ولا ينفصل عن دلالته الحضارية، أو يحمل دلالات ملازمة له ولتشكله، ومن مظاهر تشكيل الفكر البشري، ودور الرمز في تجسيد تصور البشر العام لعالمهم( ).
وقيل هو: ما يشمل أمكنة الرواية جميعها وأشياءها، كما يقدمها الوصف المنتظم في سياق حركة تشكل البناء الروائي، أي في سياق حركة الفعل الذي يجري فيها( ).
وعلى ذلك أقول: أن المكان الروائي ينسجه الكاتب في خياله الروائي متضمنا أحاسيسه ومشاعره التى ترسم من خلال عباراته وكلماته، والتي تأسر القارىء بجمالها ونسقهاّ فيصح المكان بالنسبة إليه ذلك الجزء الأكبر التي تدور من خلاله الأحداث، ومن هنا تظهر أهمية المكان في العمل الروائي، وذلك من خلال علاقته بتحرك الشخصيات.
ومهما كان المكان واقعيا أوخياليا، فإن الكاتب الروائي يضفي عليه ما يجعله يحمل من الدلالات الخاصة ما تتناسب مع النص الروائي، فيصبح بذلك ذا بُعد نفسي خاص يكشف أعماق النفس البشرية، ويعكس ما يولد ه المكان من انفعالات نفسسية سواء كانت إيجابية أو سلبية على الشخصية.
نظرة إلى التعريف بالكاتبين (رضوى عاشور – إبراهيم نصر الله):
أولًا: الكاتبة رضوى عاشور:
رضوى عاشور، ولدت في: (26 مايو 1946م) قاصة وروائية وناقدة أدبية وأستاذة جامعية مصرية، وهي زوجة الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، ووالدة الشاعر تميم البرغوثي. تميز مشروعها الأدبي، في شقه الإبداعي، بتيمات التحرر الوطني والإنساني، إضافة للرواية التاريخية. تراوحت أعمالها النقدية، المنشورة بالعربية والإنجليزية، بين الإنتاج النظري والأعمال المرتبطة بتجارب أدبية معينة. تُرجمت بعض أعمالها الإبداعية إلى الإنجليزية والإسبانية والإيطالية والإندونيسية.
ودرست رضوى اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وبعد حصولها على شهادة الماجستير في الأدب المقارن، من نفس الجامعة، انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث نالت شهادة الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس، بأطروحة حول الأدب الإفريقي الأمريكي.
من أهم مؤلفاتها: حَجَر دافئ (رواية)، خديجة وسوسن (رواية)، رأيت النخل (مجموعة قصصية)، سراج (رواية)، غرناطة (الجزء الأول من ثلاثية غرناطة)، مريمة والرحيل (الجزءان الثاني والثالث من الثلاثية) نشرت الطبعة الثانية بعنوان ثلاثية غرناطة، أطياف (رواية)، تقارير السيدة راء (نصوص قصصية)، قطعة من أوروبا (رواية)، فرج (رواية)، الطنطورية (رواية)، وغيرهم الكثير.
وتوفيت في: (30 نوفمبر 2014م)( ).
ثانيًا: الروائي والشاعر إبراهيم نصر الله:
إبراهيم نصر الله، ولد في: (2 ديسمبر 1954م) روائي وكاتب وشاعر وأديب فلسطيني من مواليد عمّان، يحمل الجنسية الأردنية. منح "الجائزة العالمية للشعر" تكريماً لتجربته الشعرية في المهرجان الدولي الخامس للشعر والآداب الذي أقيم في مدينة كهرمان مرعش التاريخية في تركيا للعام 2025م، كما فاز بجائزة نيوستاد العالمية للآداب، التي تمنحها جامعة أوكلاهوما ومجلة الأدب العالمي، وتُعد من أبرز الجوائز الأدبية بعد نوبل وتُعرف باسم "نوبل الأمريكية"، للعام 2025 عن روايته "زمن الخيول البيضاء".
ولد إبراهيم نصر الله لأبوين فلسطينيين، هُجِّرا من أرضهما في قرية البريج (فلسطين) الواقعة 28 كم غربي القدس عام 1948. درس نصر الله في مدارس وكالة الغوث في مخيم الوحدات، وحصل على دبلوم تربية وعلم نفس من مركز تدريب عمان لإعداد المعلمين في عمان. يعدّ اليوم واحدا من أكثر الكتاب العرب تأثيرا وانتشارا.
من أهم مؤلفاته: «الملهاة الفلسطينية» ملحمة روائية درامية وتاريخية كتبها «نصر الله» قبل ومع مشروعه الروائي الموازي الشرفات، وضم هذا المشروع ثماني روايات لكل منها استقلالها التام عن الروايات الأخرى. ضم مجموعة من الرويات من عام (1988 إلى 2024م).
و«الشرفات» مشروع روائي صدر في موازاة مشروع الملهاة الفلسطينية التاريخي والملحمي. وضم هذا المشروع خمس روايات لكل منها استقلالها التام عن الروايات الأخرى، من عام (1985 إلى 2020م). وغيرهم الكثير( ).
جماليات البنية المكانية بين رضوى عاشور وإبراهيم نصر الله:
تتجلى جماليات البنية المكانية عند كلا الكاتبين وذلك نظرًا لما يمتلكانه من قدرات إبداعية فاقت أقرانهم في التناول لهذا النظام السردي البديع، وإحاطته بجملة من الجماليات نقلته من الصورة الذهنية الخيالية إلى البيئة الواقعية في نسج سلس لا تعقيد فيه.
ونظرًا للتركيز على الموضوع ووحدة التناول سأكتفي بذكر نموذج لكل كاتب تجلت من خلاله البنية المكانية للأراضي المحتلة ، وكيف تناول كلا منهما المكان في الطبيعة السردية وما يقوم به من إشارات رمزيه قوية لتقوية القضية والتذكير بها دائمًا؛ لتكون حية في وجدان الأمة جيلاً بعد جيل، وعِقدًا وراء عقد.
وسيكون الحديث عن ذلك من خلال الآتي:
أولًا: جماليات البنية المكانية عند الكاتبة "رضوى عاشور" من خلال رواياتها:
إن المكان في النص الروائي يعد ركيزه أساسية في العمل؛ لأن من خلاله تتحرك الشخصيات، وتظهر البنى الاجتماعية والنفسية للشخصية، وقد تناولت الكاتبة المبدعة رضوى عاشور في أعمالها الروائية المكان للتعبير عن المجتمع الفلسطيني وإظهار صورة الدمار والتهجير له على يد المحتل الغاشم، وتناولت ذلك بصورة بديعة حيثُ صورت التجليات المكانية في صور عفوية وكأنها لم تقصد إظهاره، بل معتبره من خلال السرد القصصي أن المكان عنصراً تجري عليه مجموع الأحداث( ).
فعلى سبيل المثال نرى أن الكاتبة استخدمت الصور الوصفية والتعبيرية؛ لإظهار عدة أماكن خارجية امتازت بالاتساع والجمال، وأيضا الأماكن المغلقة، وذلك تعبيرا عن مدى القهر الثقافي والاجتماعي والنفسي الذي تعانية فلسطين وأهلها تحت وطئة الإحتلال، وتجلى ذلك التصوير على سبيل المثال في رواية "الطنطورية" حيثُ ذكرت الأماكن فيها، مثال ذلك قولها:" كان وصلا من حيفا مشيا على الأقدام/ لتحكوا أخبار حيفا / سقطت حيفا ... وبعدها بأسبوعين استشهد عبد القادر الحسيني / وصلت المُشيعين أخبار مجزرة دير ياسين / سقطت القسطل / بعد ثلاثة أيام سقطت صفد / وبثلاثة أيام بعدها يافا وبعدها عكا"( ).
ومن خلال التحليل لمفردات الرواية وحديثها عن المكان المعنى في الرواية يمكن القول: بأن الكاتبة أرادت التركيز على قرية معينة وما يجاورها من قرى فلسطينية؛ وذلك لما لها من آثار في إشتداد الأحداث كالاشتباكات الواقعة بين اليهود والعرب في حيفا، مما يوثر ذلك على طنطورية.
وأيضاً: ما جاء في حديث الكاتبة عن المخيمات ودورها في المجتمعات الفلسطينية؛ وذلك لما تحدثه من آثار في نفسية الإنسان الفلسطيني.
وفي ذلك يقول الدكتور/ حميد الحمداني: وبذلك لا يكون المكان مسطحا أو محايدا أو عاريا عن أية دلالة، إنما يساهم في خلق المعنى داخل الزاوية، ولا يكون دائما تابعا أو سلبيا، بل إنه أحيانا يمكن الروائي أن يحول عنصر المكان إلى أداة للتعبير عن موقف الأبطال"( ).
فقد استخدمت الكاتبة الحديث عن المخيمات في المجتمعات الفلسطينية لتشير إلى وجود الشعب في شتى الأماكن، ولتبين معاناة الشعب سيما بعد التهجير القسري للمواطن الفلسطيني كـ: مخيمات مصر، وأبو ظبي، وصيدا، وعين الحلوة، وصبرا وشاتيلا .....
وعلى ذلك: فإن المخيمات من الأماكن التي تدل على ألم الاغتراب، والتمثل بالنفي، والمعاناة للأسر الفلسطينية ، وهضم الحقوق التي حرم منها الشعب الفلسطيني، وما يشتمل عليه من تعب نفسي، فقد ذكرت "رضوى عاشور" مؤكدة هذا المعنى ومصورة هذا الألم، فقالت:"المخيم تعيش فيه أو خارجة هو حكايتك ولا مهرب لك منها، وزميلك في الصف ينقلب عليك فجأة، فلا تعرف ما الذي أغضبة؛ لتكتشف بعد يوم أو يومين أنه عرف أنك فلسطيني، وأن وجودك مجرد أنك موجود، وأنك أنت لا غيرك أمر مستفز يثير الغضب أو الاستياءأو على أقل تقدير القرف، كأنك حشرة سقطت لسوء حظة في صحن حساء، فتعرف قبل أن تعرف بزمان أنك ابن المخيم حتى لوحالفك الحظ ولم تسكن فيه"( ).
نظرة حول التناول السردي للمخيمات الفلسطينية في روايات الكاتبة "رضوى عاشور":
تناولت الكاتبة والروائية المبدعة "رضوى عاشور" المخيمات الفلسطينية في أدبها، باعتباره فضاءً مكانياً ونفسياً يختزل مأساة اللجوء، والصمود، والذاكرة الفلسطينية الجماعية، ولم يكن المخيم عندها مجرد مكان للسكن، بل كان شاهداً على النكبة وما بعدها من ملاحق ومجازر.
وقد برزت عدة ملامح لحديث "رضوى عاشور" عن المخيمات الفلسطينية من خلال رواياتها، أبرزها:
استخدمت المخيمات كمركز للذاكرة والعودة: ففي رواية "الطنطورية"، ترصد عاشور حياة عائلة فلسطينية تم تهجيرها من قرية "الطنطورة" الساحلية؛ لتعيش عقوداً في مخيمات اللجوء (لبنان نموذجاً)، حيث تجسد الشخصية الرئيسية "رقية" المرأة الفلسطينية التي لم تفقد الأمل، وما تزال محتفظة بمفتاح بيتها حول رقبتها، ومخيمها لم يكن إلا محطة مؤقتة في نظرها للعودة.
التوثيق لمعاناة اللجوء والمجازر: حيث تنقل رضوى عاشور عبر رواياتها حياة المخيم بأدق تفاصيلها، من قهر وتهجير، وصولاً إلى المجازر (مثل صبرا وشاتيلا) التي تعرض لها الفلسطينيون في المخيمات، مسلطة الضوء على فقدان الوطن والأمن.
اعتبار المخيم كـ "سجن صغير" ونضال يومي: في سياق حديثها، وذلك من خلال كتاب "لكل المقهورين أجنحة" ومقالاتها عن ناجي العلي)، حيث تصف الكاتبة المخيم في جنوب لبنان بأنه "سجن صغير" يحيط به القهر، لكنه أيضاً كان مكاناً ينتشي فيه الأهالي بانتصارات الثورة، ويهتفون لها، محولين جدران المخيم إلى مساحة للتعبير والنضال.
الربط بين المخيمات وفلسطين "هناك": حيث تكرر رضوى عاشور في سرها أن "كل الحكايات تبدأ من هناك" (فلسطين)، لتصبح المخيمات امتداداً للجغرافيا الفلسطينية المغتصبة، حيث تظل العلاقة وثيقة بين مكان اللجوء والوطن الأصلي.
التجربة الشخصية والرمزية: انعكست تجربة الكاتبة رضوى عاشور كزوجة للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي وتجربة ابنها تميم على كتاباتها، مما جعل حديثها عن المخيمات واللجوء نابعاً من معرفة عميقة ووجدانية بآلام الفلسطينيين( ).
ثانيًا: جماليات البنية المكانية عند الكاتب والشاعر "إبراهيم نصر الله" من خلال رواياته:
إن الأماكن ليست مجرد جغرافيا صامتة، ولا هي حيز محايد تتحرك فيه الشخصيات كيفما اتفق، بل أنها كائن حي، يتنفس الذاكرة، ويتشكل بالزمن، ويعيد تشكيل الإنسان في الآن ذاته.
وفي أدب الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله تتحول الأمكنة إلى ذاكرة نابضة، تحمل فوقها تجارب الفقد والمنفى والانتماء، وتصبح مسرحًا تتقاطع فيه الذات الفردية مع التاريخ الجمعي.
فالكاتب البارع "إبراهيم نصر الله " يشتغل على المكان لا بوصفه خلفيةً للأحداث، بل باعتباره بطلًا خفيًا، وأحيانًا ظاهرًا، يوازي الإنسان في عمق حضوره وتأثيره، فالمكان هو الذاكرة الفلسطينية التي ترفض المحو، ليس أرضًا فحسب، بل أيضًا هو حكاية ممتدة عبر الأجيال، تتجسد في البيوت، والحقول، وأسماء القرى التي تظل حيةً بالرغم من الاقتلاع. في مشروعه الروائي "الملهاة الفلسطينية"، يحثُ يتحول المكان إلى سجل تاريخي بديل، يعيد كتابة ما تم تهميشه أو طمسه.
فحديثه عن "المخيمات الفلسطينية"، على سبيل المثال، ليس فقط مكانًا مؤقتًا، بل هو حالة وجودية، وانتظار دائم، وذاكرة معلقة بين ما كان وما ينبغي أن يكون. المكان هنا لا يُستعاد بوصفه حنينًا ساذجًا، بل بوصفه مقاومةً، وإصرارًا على تثبيت الهوية في مواجهة التلاشي.
فاللغة التي يستخدمها الكاتب "إبراهيم نصر الله" في التعامل مع المكان مشحونة بالعاطفة، لكنها دقيقة في التفاصيل، كأن كل حجر وكل شجرة تحمل شهادةً، يكتب المكان من الداخل، من ذاكرة من عاشه أو ورثه، فيمنحه بعدًا إنسانيًا يتجاوز الجغرافيا( ).
فالأماكن عنده تُروى كما تُروى السير، لها طفولة وشيخوخة، لها جراح وندوب،. ولهذا، فإن المتلقي لا يرى المكان فقط، بل يشعر به، كأنه يستعيد ذاكرةً شخصية، حتى لو لم يعش تلك التجربة.
ومن أبرز ما يصوره الكاتب "إبراهيم نصر الله" عن المخيمات الفلسطينية في روايته "زمن الخيول البيضاء" وبرغم أن هذه الرواية تعتبر ملحمة تغطي تاريخ فلسطين ما قبل النكبة، إلا أنها تؤسس لمأساة المخيم القادم عبر رصد سقوط القرى وتشرد الناس( ).
فيقول مصورًا المشاهد عن الفقد والشتات:" كل ما حولنا هنا، يريدنا أن نعيش على الفتافيت، فتافيت الخبز، الكتب، الأمل، الحلم، فتافيت الوطن، وفتافيت الذكريات".
ويقول أيضًا متجرعًا المرارة عن الهزيمة والنهوض:" أنا أخاف شيئاً واحداً وهو أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر للأبد لا يمكن أن ينهض ثانية"( ).
نظرة حول التناول السردي للمخيمات الفلسطينية في روايات الكاتب والشاعر "إبراهيم نصر الله":
تناولت الكاتب والروائي والشاعر المتألق " إبراهيم نصر الله" المخيمات الفلسطينية في أدبه، باعتباره كحيّز مكاني ونفسي مركزي، يمزج بين قسوة الشتات، وذاكرة الأرض، وحكايات الصمود اليومي، ويُشخّص المخيمات كجزء من السيرة الذاتية والشعرية، لا مجرد مكان خارجي، حيثُ تتشابك قصص الطفولة مع حكاية الآباء والنكبة.
وقد برزت عدة ملامح لحديث "إبراهيم نصر الله" عن المخيمات الفلسطينية من خلال رواياتها( )، أبرزها:
المخيمات مكان قسري وذاكرة: تمثل المخيمات واقعاً فرضته النكبة، لكنه يحمل بذور الحنين والذاكرة الوطنية.
إبراز طفولة المخيمات: وذلك من خلال روايات مثل "طيور الحذر" و"طفولتي حتى الآن"، حيثُ يصور الكاتب "إبراهيم نصر الله" صعوبات الحياة وتأقلم الأطفال مع واقع المخيم، بمرارة ممزوجة بالحب والأمل.
إبراز صورة الحياة والمقاومة: فلا يقتصر تصور المخيمات على البؤس، بل هو مكان نابض بالحياة، الحب، والأحلام، ويتجلى فيه الصمود في مواجهة الحصار.
إدراج المخيمات كأحداث مفصلية: حيثُ توثق الروايات أجواء الخوف، الاعتقالات، وذكريات النكبة وحروب المخيمات، كما في "طيور الحذر".
وعلى ذلك فإنه يمكن القول: بأن روايات الكاتب والشاعر "إبراهيم نصر الله"، أمثال: "زمن الخيول البيضاء" و "أعراس آمنة" و "ظلال المفاتيح"، تعد توثيقاً سردياً فنياً لشخصية المخيمات الفلسطينية.
تقييم نقدي بين "رضوى عاشور" و "إبراهيم نصر الله" في التناول للمكان:
إذا نظرنا إلى ما تناوله كلا الكاتبين للمكان في روياتهما لوجدنا الآتي:
عند رضوى عاشور:
المكان كذاكرة: حيث يتحول المكان عندها إلى رمز للوطن السليب والشاهد على النكبة، حيث يُرسم بجماليات تفصيلية (البحر، البيارات، البيوت) قبل تدميره.
المكان المفقود (المستعاد): فتستخدم تقنية سرد الذاكرة لاستعادة الأماكن التي محاها الاحتلال، جاعلةً من المخيم لاحقاً مكاناً مؤقتاً وموازياً، ومربوطاً دائماً ببيت الطنطورة.
المكان كفعل توثيقي: فالمكان عندها في الرواية ليس خلفية، بل هو بطل صامت يشهد على المذابح ويحفظ سيرة الشخصيات الفلسطينية.
عند إبراهيم نصر الله:
المكان كجغرافيا تاريخية: حيث يعتمد على التوثيق الدقيق للمكان وتطوره عبر الزمن، فالمكان في "الملهاة" هو المكان المُحتل الذي يتشكل من خلال سلسلة من المواجهات.
جماليات المكان المقاوم: يتميز وصفه للمكان بجماليات الحقول والجبال والقرى الفلسطينية، مع إظهار التناقض بين جمال الطبيعة وبشاعة الاحتلال، ليتحول المكان إلى رمز للصمود والاستمرارية.
تعدد الأمكنة: حيث يسرد تحولات المكان من قراهم المفتوحة إلى "المكان المغلق" (السجن، المخيم، البيت المُحاصر) في سرد يربط بين الذاتي والجمعي.
قائمة المصادر والمراجع
1- "إبراهيم نصر الله .. الأدب تنقية للذاكرة وأنسنة للتاريخ" لـ/الدكتور عبد الله بريمي، بحث منشور في موسوعة أبحاث ودراسات في الأدب الفلسطيني الحديث، الجزء الرابع.
٢- إبراهيم نصر الله على موقع ويكبيديا، برابط: (https://2u.pw/DNFXiF).
3- البنية السردية في الرواية لـ/عبد المنعم زكري القاضي، ط/مطبعة صحوة، 2008م.
4- بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي لـ/الدكتور حميد الحمداني، ط/المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء، ط: الثالثة، 2000م.
5- تطور البناء الدرامي في روايات رضوى عاشور لـ/الدكتورة خلود إبراهيم عبدالله جراد.
6- التعريفات لـ/علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (ت: 816هـ)، ط/دار الكتب العلمية - بيروت، ط: الأولى، 1403هـ - 1983م.
7- الحداثة السردية في روايات إبراهيم نصر الله لـ/الدكتور مرشد أحمد، ط/الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010م.
8- رضوى عاشور على موقع ويكبيديا، برابط: (https://2u.pw/S1qRl7).
9- سلسلة «الملهاة الفلسطينية» ، الرواية السادسة «زمن الخيول البيضاء» لـ/إبراهيم نصر الله، ط/المؤسسة العربية للنشر، ط: الأولى، 2007م .
10- شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم لـ/نشوان بن سعيد الحميرى اليمني (المتوفى: 573هـ)، ط/دار الفكر المعاصر (بيروت - لبنان)، دار الفكر (دمشق - سورية) الطبعة: الأولى، 1420هـ - 1999م.
11- الطنطورية لـ/الدكتورة رضوى عاشور، ط/دار الشروق – القاهرة، ط: الثانية، 2011م.
12- علم السرد (الشكل والوظيفة في السرد) لـ/جيرالد برنس، ترجمة: د.باسم صالح، ط/دار الكتب العربية - بيروت، 1971م.
13- في بناء الرواية اللبنانية لـ/الدكتور عبد المجيد زراقط، ط/منشورات الجامعة البنانية – بيروت، ط: الأولى، 1999م.
14- الكلام والخبر لـ/الدكتور سعيد يقطين، ط/المركز الثقافي العربي - المغرب، ط: الأولى، 1997م.
15- لسان العرب لـ/محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ) ط/دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة - 1414 هـ.
16- ﻣﻘﺎرﺑﺔ اﻟﻌﺘﺒﺎت اﻟﻨﺼﻴﺔ ﻓﻲ ﻧﻤﺎذج ﻣﻦ المنجز اﻟﺮواﺋﻲ ﻹﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻧﺼﺮ ﷲ لـ/الدكتور بسام موسى قطوس، بحث منشور في ﻣﺠﻠﺔ اﺗﺤﺎد اﻟﺠﺎﻣﻌﺎت اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﻶداب – الأردن، المجلد: (15)، العدد: (1)، 2018م.
17- مكونات الفعل السردي في رواية الطنطورية لـ/الدكتورة بشرى بدرة، والدكتورة عائشة تروني.
18- الملهاة الفلسطينية لإبراهيم نصر الله، بقلم/الأستاذ خالد الحروب - كاتب فلسطيني يقيم في بريطانيا -، مقال منشور في مجلة «نزوي»، مجلة ثقافية فصلية تصدر عن وزارة الإعلام - عمان، 1 إبريل 2008م .
19- النقد النصي وتحليل الخطاب لـ/الدكتور نبيل أيوب، ط/مكتبة لبنان ناشرون – بيروت، ط: الأولى، 2011م.
