السبت ١٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١١
بقلم فيصل سليم التلاوي

حادثة سطو

ما زالت المدينة تتثاءب في صبيحة أول أيام الأسبوع، وقد بدأت تفتح عيونها الوسنى على نهار جديد. الشوارع شبه خالية من المارة، والمحلات التجارية القليلة التي فتحت أبوابها لا تزال خاوية من زبائنها.

كان يذرع السوق الرئيسي في وسط المدينة متلفتا ذات اليمين وذات الشمال، كأنما يخشى أن يضبطه أحد متلبساً بالجرم المشهود، رغم أن هذه المدينة الكبيرة تبعد مسيرة ساعتين بالسيارة عن بلدته التي يسكن فيها، وحيث وقعت الحادثة التي تورط فيها.

مهما بعد مقرّ عمله أو قرب عن مسكنه فقد كان دائماً أول الموقعين في دفتر الدوام، وإنه ليذكر المرات النادرة التي تخلّى فيها عن موقعه الطليعي هذا، وما كان ذلك ليحدث إلا لأمر جلل خارج عن إرادته.

كثيراً ما أحس أن موقعه المتقدم هذا يثير امتعاض بعض رؤسائه في العمل، الذين يحبذون أن تكون أسماؤهم على رأس القائمة، إلا من كان يشترط منهم أن يبقى السطر الأول والثاني في الصدارة فارغين له ولوكيله وقتما حضرا. مثل هؤلاء الرؤساء كانوا يفوزون في مسابقة الحضور المبكر دونما جهد.

ربما حدث له أن استأذن من عمله ساعة من نهار، ليقضي حاجة ضرورية له أو لأهل بيته، أما السطو على يوم عمل كامل، فإنها الفاكهة المحرمة التي لم يجرب أن يتذوق طعمها يوما.
إنه يسير في الشوارع على غير هدى وبدون هدف محدد. لم يحضر لشراء غرض معين، أو لمراجعة دائرة حكومية في المدينة. لقد غادر منزله صباحاً في نفس موعد مغادرته متوجها لعمله، فلم يثر بذلك ريبة أحد من أهل بيته. ركب سيارته لكنه لم يتوجه إلى مقر عمله، بل توجه إلى المدينة. فقد عزم على الأمر منذ يوم أول أمس، وبيّت النية على ذلك. يريد أن يجرب في شيخوخته ما لم يجربه في شبابه.

ما الذي سيحدث؟ هل ستقوم الدنيا ولا تقعد؟

إن كل زملائي في العمل من شباب هذه الأيام يفعلونها شهرياً وأسبوعيا مرة ومرتين وأكثر، فما الذي يحدث؟

 حصص احتياطية تتكدس فوق ظهري، وظهور غيري من الزملاء المواظبين، ننوء بحملها بينما يلوذ الزميل المتغيب غداة اليوم التالي بعذرٍ واهٍ، أو نكتة سمجة، ويدور الأسبوع دورته ويتكرر المشهد تباعا. وأردف محدثاً نفسه:

هذه الظاهرة جديدة، ما كانت تحدث في السنين الخوالي إلا نادرا. لقد صارت تزداد عاما بعد عام، وأصبح عبؤها يطحن المدرسين المثابرين طحناً. لماذا لا أجرب مثلهم. أرتاح يوما أكسر رتابة الحياة، أتوقف عن الدوران حول الطاحون مرة واحدة، ثم أختلق يوم غدٍ عذرا، أي عذر، ومن الذي سيشك في اعتذاري بعد هذا العمر الطويل من الانضباط والمثابرة والقدوة الحسنة؟
توقف الأستاذ سعيد فجأة في منتصف الرصيف كأنما تسمرت قدماه، لقد نفذ إلى أذنيه صوت جرس ينبعث من مدرسة قريبة، نظر إلى ساعته متحفزاً وقال:

 لقد انتهت الحصة الأولى، ترى أي من الزملاء ابتُلي بالصف الثاني الثانوي الأدبي (ب)؟ ليته واحد ممن يحملوننا حصص الاحتياط كل يوم، وإن كنت أشك في ذلك، وما أظنها أصابت إلا واحدا من الصابرين أمثالي.

واصل سيره العبثي، وتطلعه دونما هدف إلى واجهات المحلات التي بدأت تفتح أبوابها، لكنها لا تثير في نفسه رغبة لدخولها، فما اعتاد أن يراها وهي خالية من الزبائن. إنه لم يعتد على دخول المحلات التجارية إلا مساءً، أو في أيام العطل حيث تكون مزدحمة وغاصة بالمتسوقين و المتفرجين. خُيل إليه أنه لو دخل أحدها فإن الباعة سيتفرغون له، وأنهم سيصطادونه اصطيادا ويوقعونه في حبائلهم.

طاردته فكرة أن الذين يتغيبون عن الدوام من زملائه ربما كانوا مثله يأتون للتسكع في المدينة،وأنه لا بد ملاقٍ أحدهم هذا اليوم وسيضبطه متلبساً، وعندها لن تنفع كل الأعذار التي سيتذرع بها يوم غدٍ.

ظل يسير متلفتا حوله أحيانا، ومرسلًا نظره بعيدا أحيانا أخرى، محاولا أن يستبق أي شخص قادم من بلدته إلى المدينة ولو بالصدفة، ليكشفه ويتوارى عن ناظريه أولا، وقبل أن تسبقه عينا القادم المجهول.

أحس بالضيق يملأ عليه نفسه، وبالخواء يطبق على ضحى نهاره. عضّه الجوع، وقبل أن يبحث عن مطعم متواضع يتناول فيه إفطاره، نظر لاشعوريا إلى ساعته التي كانت تشير إلى التاسعة والدقيقة الخامسة والعشرين، وانطلقت من بين شفتيه بصوت مسموع ودون وعي منه كلمات جذلى:

 إنها الفسحة فعلاً. موعد الإفطار.

وبينما كانت قدماه تطآن عتبة المطعم، كانت أذناه ترهفان السمع لعله يسمع رنين جرس قريب.

استأنف سيره بعد إفطاره، وقد تبدت لناظريه بنايات المدينة في معظمها مدارس متنوعة. هذه مدرسة ثانوية للبنين تقابلها مدرسة ابتدائية للبنات، وقد تخطى لتوه مدرسة متوسطة للأولاد، وعلى مرمى نظره من ناحية اليسار تبدو هيئة مدرسة أخرى للبنات تميزها أسوارها العالية. بينما امتزجت في أذنيه أصوات المدرسين الجهورية، مع أصوات طلبة يرددون مقاطع إنجليزية، وصبية صغار ينشدون بعض الأناشيد.

لم يعد يرى في المدينة سوى المدارس، ولم يعد يسمع فيها غير أصوات الطلبة والمدرسين ورنين الأجراس، وكأن المدينة قد استحالت أمامه إلى مدرسة كبيرة.

طال نهار المدينة كما لم يطل عليه نهار من قبل. افترسه الفراغ والضياع وهدّه الإعياء من طول المسير على غير هدى، وحلّقت في فضاء خياله غربان سود ترميه بوساوس مفزعة، وتنفره من الأيام القادمة بعد عامين فقط عندما يُحال إلى المعاش، وتؤول أيامه كلها إلى مثل وحشة وخواء هذا اليوم.

ارتمى على مقعد خشبي تظلله شجرة وارفة ليريح بدنه المُجهَد، وسرعان ما غشيته سنة من نوم خفيف. ما أفاق من إغفاءته تلك إلا على صوت جرس ينبعث من مدرسة قريبة، ومشهد الطلاب صغارا وكبارا يندفعون في خروجهم، وقد نسلوا من كل حدب متدفقين يملؤؤن الشارع العريض.

هب واقفا، وسار مع الجموع صوب المكان الذي أوقف فيه سيارته وهو يردد:

 (انصراف يا أولاد ).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى