الثلاثاء ٣٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم فاتن قمري

حـلـيـم

شاب لم يتجاوز عقده الثاني، يميل إلى القصر بعاهة واضحة في رجله اليسرى التي يجرها في مشيته بخفة. حنطي البشرة بعيون عسلية محمرة غالب الوقت كأنه خارج لتوه من نوبة بكاء، ولكنه لم يكن يبكي، أو هكذا خُيّل إليها. تعلو أنفه حمرة لا تزول، لا علاقة لها بضربات الشمس التي يبحث عنها بعض المصطافين صيفاً وهم ملقون بأجسادهم على الشواطئ الحارقة بحثاً عن بشرة ملونة ترضي هوسهم بجاذبية تفتقدها أرواحهم، فيحترقون تحت أشعة الوهم الجميل.
حين يتكلم تتناثر الكلمات من فمه كحبات مسبحة انقطع خيطها، تلتقط بعضها وتفقد الباقي.

كانت تنزل حقائبها من السيارة حين رأته يجري نحوها.

جري حليم ليس عاديا، رجله اليسرى لا تعيقه بقدر ما تمنح عجلته نوعاً من الإصرار الطفولي المضحك، كأن جسده كله يتآمر على الوصول قبل أن تُغلق السيارة.

رمقها بعينيه المحمرتين وعلى وجهه تلك الابتسامة العريضة البلهاء التي لا يعرف أصحابها كيف يُخففونها، دفعها برفق وأمسك الحقيبة بحسم من يرى في نفسه المنقذ الوحيد المتاح.

لم تفهم ما قاله، لكنها فهمت أنه يريد أن يساعد، أو هكذا أوحت إليها ابتسامته التي لا تحتاج ترجمة.

سألته عن اسمه فجاءها "حليم" واضحاً وسط غمغمة لا تُفكّ. سألته من أين أتى فضاع الجواب في غمغمة أخرى.. ثم أشار إليها بإصبعه، سؤال لا يحتاج لغة.

قالت له اسمها، نطقه واضحاً كاملاً على غير عادة مخارج الحروف لديه، وبدأ يدور حول نفسه وهو يردده، كمن ربح رهاناً لم يتوقعه!

أعطته بضع قطع نقدية وأوصته أن يشتري شيئاً من العطار المجاور. أومأ برأسه بجدية من يتلقى مهمة كبرى، وانطلق يجر رجله وهو يغمغم اسمها كأنه يحفظه عن ظهر قلب.

صارت عادةً بينهما لا تحتاج اتفاقاً.

كلما نزلت إلى جزيرتها وجدت حليما أمام المنزل، واقفاً ينادي باسمها بتلك الطريقة التي تجعل الاسم يبدو أكبر مما هو، ولا يتحرك خطوة حتى تُقبل عليه وترنو إليه بذلك الحنان الذي تعلّم أن يطلبه دون أن يسأل.

تضع في يده بعض القطع النقدية، يضمّها ويمضي راضياً.

ظنت أنها تمنحه شيئاً، أو لعله كان هو من يمنحها وهماً جميلاً بأن ثمة من ينتظرها.

ثم جاء يوم وجد فيه والدها بدلاً منها.

مدّ إليه يده بورقة نقدية كبيرة، لامعة، لا تُقارن بالقطع النحاسية اللون التي اعتادها.

أمسكها حليم بكلتا يديه، نظر إليها، قلّبها، فحصها بعينيه المحمرتين بجدية مفاجئة لم يسبق لأحد أن رآها على وجهه: جدية خبير لا درويش، ثم لثمها، وطار!

لم ينتظرها بعد ذلك،
لم يُناد باسمها،
صار يسأل عن والدها!
بعض الغرائز أصدق من العقل، حتى عند الدراويش.

فاتن قمري

قاصة وشاعرة تونسية

صدر لها ديوان شعري «أكتبُ لِتَراني» سنة 2025، نشرت عددا من القصص القصيرة وتعمل حاليًا بالتوازي على إصدار مجموعة قصصية ومجموعة ثالثة تمزج بين السرد والتأمل الشعري


مشاركة منتدى

  • عندما يغلب القلب العقل: دراسة نقدية للقصة القصيرة "حليم" لفاتن قمري
    حين يهزم القلبُ المنطق: قراءة نقدية في قصة "حليم" لفاتن قمري

    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    القصة القصيرة الممتازة هي تلك التي تُوصل الكثير بكلمات قليلة، وتترك القارئ بتساؤلات أكثر من الإجابات. وقد حققت الكاتبة التونسية فاتن قمري هذا الإنجاز في قصتها القصيرة "حليم"، حيث نسجت قصة إنسانية رقيقة للغاية، مبنية على مفارقة نفسية واجتماعية بالغة التعقيد.

    منذ الجملة الأولى، لا تُركز الكاتبة على وصف بطل القصة بأنه شخص يعاني من مرض أو إعاقة جسدية. بل على العكس، تُعرّفنا على كيان مختلف تمامًا، يحمل في طياته سمات البراءة أكثر من النقص. حليم شاب يجرّ إحدى ساقيه، ويتحدث بكلام غير مفهوم، وعيناه حمراوان دائمًا. ومع ذلك، لا يُشكّل هذا الوصف لمظهره دورًا محوريًا في القصة، بل هو مجرد إطار خارجي يُخفي شخصية مختلفة تمامًا، تتمتع بحساسية فطرية نقية. وهذا ما يجعل القصة عظيمة. لا تترك الكاتبة للقراء مجالاً للتفكير في المظهر الخارجي، بل تكشف لهم تدريجياً عن جوهر الشخصية.

    للوهلة الأولى، يُبهر القارئ باللغة الوصفية التي تجمع بين الواقعية والشعر. فعلى سبيل المثال، يحمل التشبيه بين الكلمات وخرزات مسبحة مكسورة معنى مزدوجاً، فهو لا يصف شيئاً فحسب، بل يُشير أيضاً إلى اضطراب كلام الشخصية. في المقابل، يتمتع قلبه بقدرة على تنظيم مشاعره.

    تعتمد القصة على سرد مُحكم وموجز. لا نجد فيها سوى لقاءات نادرة أو شخصيات عديدة، بل لقاءات منتظمة بين الراوي وحليم، سرعان ما تتحول إلى طقوس يومية دافئة. هذا التكرار ليس مجرد أسلوب أدبي، بل هو عملية تطور نفسي تدريجي للعلاقة، يحدث في ذهن القارئ وفي ذهن الشخصيتين معاً.

    يمكن القول إن أجمل ما في هذه القصة هو أن الكاتبة لا تذكر شيئًا عن طبيعة العلاقة بين الشخصيتين، بل تطورها من خلال أفعال بسيطة كحمل الحقيبة، وترديد الاسم مرارًا وتكرارًا، والانتظار خارج المنزل، والابتسامة التي لا تحتاج إلى تفسير. إنها لغة المشاعر أكثر من كونها لغة الكلمات.

    من المثير للدهشة كيف استُخدمت الرمزية في القصة. ما تُقدمه الراوية لحليم لا قيمة له في الواقع، بل هو رمز لنوع من العلاقات الإنسانية. يبدو كهدية عادية للوهلة الأولى، لكنه يتحول لاحقًا إلى رابط يجمع الشخصيتين. لسوء الحظ، ينقطع هذا الرابط فجأةً بهدية ورقة نقدية كبيرة من والدها. وهكذا، يتحول النص من عادي إلى ذروة السخرية.

    في رأيي، نهاية القصة هي اللحظة الأكثر إثارة للدهشة في النص بأكمله. حليم، التي كانت تنتظر الراوية وتُردد اسمها بحماس طفولي، تبحث الآن عن الرجل الذي يملك الورقة النقدية الكبيرة. "بعض الغرائز أصدق من العقل، حتى عند الدراويش."

    قد تبدو نهاية القصة ساخرة أو حتى صادمة في البداية، لكنها في الحقيقة تُثير تساؤلات حول الصورة المثالية التي كوّنها القارئ عن حليم. لا تنتقد الكاتبة الطبيعة البشرية للشخصية بأي شكل من الأشكال، بل تُذكّرنا بأن الحاجة غريزة إنسانية أساسية، وأن البراءة لا تعني غياب المصلحة الذاتية، وينطبق الأمر نفسه على الإعاقة.

    ويمكن النظر إلى نهاية القصة، من منظور آخر، على أنها انعكاس لنظرة المجتمع لنفسه. فقد ظنت الراوية أنها تُقدّم شيئًا لحليم، وربما في أعماق قلبها كانت تستمتع بالشعور بأنها مصدر سعادته. ومع ذلك، تُظهر نهاية القصة أن البشر لا يتغذّون على عواطفهم فقط، وأن احتياجاتهم أحيانًا أقوى من تلك التي يُثيرها الآخرون من حولهم.

    ومن نقاط قوة الكاتبة أيضًا، الطريقة التي تُصوّر بها شخصية حليم من الداخل، دون الاعتماد على تحليل نفسي مباشر. فالكاتبة لا تُفصح عن مشاعر حليم، بل نستنتجها من أفعاله. ويُعدّ استبدال الشرح بالفعل، والتصريح بالتلميح، من أبرز سمات النثر الحديث.

    بالحديث عن لغة العمل، لا بد من الإشارة إلى أنها من أبرز إنجازات هذا العمل الأدبي. فهي واضحة، تخلو من أي زخارف لغوية، لكنها غنية بالصور البلاغية. تتداخل فيها الأبيات الشعرية والوصفية بسلاسة، دون أن يختل تسلسل السرد. يتناسب هذا الإيقاع الهادئ مع الشخصية والحبكة، فلا يشعر القارئ بأي تصنّع أو مبالغة.

    على الصعيد الفني، يعتمد النص على الحذف أكثر من التفسير. لا تقدم الكاتبة تفاصيل كثيرة عن الراوي، أو المكان، أو ماضي حليم؛ بل تكتفي بما يخدم سياق السرد. يتيح هذا الحذف مساحة كافية للتأويل، ويُمكّن القارئ من المشاركة الفعّالة في بناء المعنى.

    أما نقطة الضعف الأقل أهمية في القصة، فهي طريقة انتهائها. كان من المفيد لو وُجدت إشارة نفسية ما تُمهّد لهذا التغيير المفاجئ في سلوك حليم. لكن يبدو أن هذا كان قرارًا مقصودًا، لأن عنصر المفاجأة يكمن في نهاية القصة.

    الخلاصة
    لذا، يمكن الاستنتاج أن فاتن قمري قد أبدعت من خلال عملها نصًا إنسانيًا وحساسًا للغاية، يتحدى الصور النمطية السائدة عن براءة الناس، والإعاقة، والكرم، والأنانية. إنها ليست قصة فتى صغير مختلف، بل هي قصة إنسانية في أبهى صورها، حيث يجد كل شيء مكانًا للحاجة والمشاعر، والغريزة والبراءة، والحقيقة والوهم. لقد نجحت الكاتبة في تحويل إحدى الشخصيات إلى انعكاس لروح الإنسان المعقدة، وأظهرت أن الأدب الحقيقي لا يكمن في المبالغة في سرد الأحداث، بل في استخلاص المعاني من أدق التفاصيل. لذلك، ستبقى قصة "حليم" راسخة في ذاكرة القراء كقصة قصيرة لكنها ذات مغزى وإنسانية عميقة، لأن القلب قد يضلل أحيانًا، لكن الغريزة نادرًا ما تخطئ.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى