الاثنين ٢٧ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم ميادة مهنا سليمان

ديوان العرب في حوار مع الكاتب المغربي عزيز العمراوي

فلسطين جزء من وجداننا، وهويتنا

_ بدايةً.. نبارك لك فوزك بجائزة (ديوان العرب)، الَّتي حملتْ عنوان (فلسطين في الرِّواية العربيَّة) في دورتها الثَّانية عشرة، ماذا يعني لك أن تفوز بجائزة تحمل اسم فلسطين، وما أهمِّيَّة هذا الفوز في الوقت الحاليّ؟

أولًا، وقبل الإجابة، أتوجّه إليكِ، عزيزتي ميادة، بخالص الشكر والتقدير على اهتمامكِ بالشأن الثقافي، وحرصكِ على التواصل مع المتوجين وإتاحة هذا الفضاء للحوار معهم. كما أتقدّم بأحرّ التهاني إلى جميع الفائزين، وأتمنى كامل التوفيق لمن لم يحالفهم الحظ في هذه الدورة، أن يكون النجاح حليفهم في الدورات المقبلة. وأودّ، في البداية، أن أعبّر عن سعادتي الغامرة بتتويجي بهذا المركز، وهو تتويج ليس من السهل الظفر به في ظلّ المنافسة الكبيرة والنزيهة التي باتت تحظى بها جائزة «ديوان العرب» على امتداد الوطن العربي، وما اكتسبته من مكانة علمية وثقافية مرموقة عامًا بعد عام. كما أتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى أعضاء لجنة الجائزة على ثقتهم، وإلى جميع القائمين والساهرين على الجائزة الشريفة، عرفانا وتقديرًا لجهودهم الحثيثة.

أما بخصوص سؤالك، فلا أنكر أن حمل الجائزة اسم "فلسطين" كان الدافع الأول الذي شجعني على المشاركة فيها، وذلك لسببين رئيسين:

أولهما، أننا نعدّ فلسطين جزءًا من وجداننا وهويتنا، وأرضًا عربية وإسلامية مغتصبة، لذلك فليس شرطًا أن يكون الكاتب فلسطينيًا حتى يكتب عن فلسطين؛ فهي قضية إنسانية وحضارية قبل أن تكون قضية شعب، وهي أرض الأنبياء ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم.

وثانيهما، ما تعرض له، وما يزال يتعرض له، الشعب الفلسطيني من قتل وتنكيل واعتقال وتهجير، ومن سلب للأرض والهوية على يد الاحتلال الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن القضية الفلسطينية يظل واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا وقوميًا، كلٌّ من موقعه ووسيلته. وقد ارتأيت أن تكون مساهمتي من خلال الكلمة، إيمانًا مني بأن للكلمة الصادقة أثرًا عميقًا، وأنها شكل من أشكال النضال والمقاومة، لا يقل أهمية عن سائر أشكال الدفاع عن الحق والهوية.

عنوان بحثك "تمثيلات الهُويّة الفلسطينيّة في الرّواية العربيّة المعاصرة(من عام 2010 حتى عام 2026)" . حبّذا لو حدّثتَنا ببضعة أسطر عن مضمون البحث.

يأتي بحثي الموسوم بـ "«تمثيلات الهُويّة الفلسطينيّة في الرواية العربيّة المعاصرة (2010–2026)»" في سياق ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من تقتيل وتهجير وتشريد واقتلاع، ومن محاولات ممنهجة لمحو هويته وتاريخه وذاكرته الجماعية.
فالمسألة، في تقديري، لا تتعلق بحرب تستهدف الإنسان الفلسطيني وحده، بل هي أيضًا حرب تستهدف الهوية الفلسطينية بكل ما تختزنه من تاريخ وحضارة وثقافة. فالاحتلال الإسرائيلي، بقدر ما يسعى إلى استهداف الفلسطيني جسدًا، يعمل كذلك على استلاب هويته وطمس معالم وجوده التاريخي والحضاري، من خلال تدمير الأماكن، وتغيير أسمائها، ومحو شواهدها، وتهجير سكانها، ودفعهم إلى العيش في فضاءات المنفى والشتات والهجرة. ومن هنا، لم تعد القضية مجرد فقدان للأرض، بل أصبحت أيضًا معركة على الذاكرة والانتماء والهوية.

في هذا السياق، حاولتُ أن أرصد، من خلال مدونة روائية نُشرت بين عامي 2010 و2026، التحولات التي طرأت على تمثيلات الهوية الفلسطينية، ولا سيما لدى الجيل الروائيين الثالث من المهجَّرين والمنفيين؛ ذلك الجيل الذي وُلد في فضاءات المنفى، وتربطه بفلسطين جذور تاريخية وثقافية ووجدانية وكتب عنها أعمالا روائية(ما يعرف بـ "رواية المنفى"). وقد سعيت إلى مقارنة التمثيلات الروائية لهذا الجيل بكتابات الجيل الأول من الروائيين الفلسطينيين الذين عايشوا تجربة الاقتلاع والنفي بأنفسهم، وفي مقدمتهم غسان كنفاني وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا وسحر خليفة وغيرهم من رواد الرواية الفلسطينية. وقد أفضت هذه المقارنة إلى الكشف عن التحولات التي عرفها الوعي بالهوية الفلسطينية عبر الأجيال، وكيف ظل الإنسان الفلسطيني، رغم اختلاف الأزمنة والسياقات، يعيش انتماءً معلقًا بين فضاءين: فضاء الوطن الأصلي، فلسطين، بوصفه مركز الذاكرة والهوية، وفضاءات اللجوء والمنفى، ولا سيما في السياقات الغربية، حيث تتشكل الهوية باستمرار في حالة من التوتر والتمزُّق الهوياتي بين الحفاظ على الجذور التاريخية ومتطلبات الاندماج في الواقع الجديد.

_ كيف كان اختيار موضوع البحث؛ بناءً على أيَّة معطيات: أدبيّة أم تاريخيّة أم جغرافيّة؟

لا أكاد أجزم بأن ثمة معطًى واحدًا كان وراء اختياري لهذا الموضوع، بل إن مجموعة من المعطيات تضافرت وتشابكت فيما بينها لتوجِّه هذا الاختيار. فالقضية الفلسطينية لا يمكن مقاربتها من زاوية واحدة، لأنها تتجاوز حدود الأدب إلى التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة، وتتشكل عند تقاطع هذه الحقول جميعها.

_ هل ترى أنّ التّخصّص الأدبيّ للنّاقد يساعد على الفوز أكثر ممَّا لو كان اختصاصه بعيدًا عن الأدب العربيّ؟

نعم، وبكل تأكيد، لأن التخصص الأدبي يمنح الباحث أدواتٍ معرفية ومنهجية تمكّنه من التعامل مع النصوص الأدبية بكفاءة أكبر. فالاشتغال على الرواية، على سبيل المثال، لا يقتصر على القراءة الانطباعية، بل يتطلب امتلاك آليات تحليل دقيقة، والإلمام بالمناهج النقدية والسردية، والقدرة على تفكيك البنيات الفنية والدلالية والثقافية التي يتأسس عليها النص.

_ ما الصّعوبات الّتي واجهتَها في بحثك المقدَّم، وكيف تغلَّبتَ عليها؟

تمثلت أبرز الصعوبات التي واجهتني في إنجاز هذا البحث في الحصول على عدد من الروايات الفلسطينية، ولا سيما أعمال الكتّاب المهجَّرين والمنفيين، إذ إن كثيرًا منها غير متداول بسهولة، وبعضها يصعب العثور عليه في المكتبات أو قواعد البيانات الإلكترونية. ولحسن الحظ، أسهم التواصل المباشر مع عدد من الروائيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تجاوز هذه العقبة، حيث أبدى معظمهم تعاونًا كبيرًا، ولم يترددوا في تزويدي بنسخ رقمية (PDF) من أعمالهم، وهو ما مكّنني من توسيع مدونة البحث وإنجاز الدراسة إلى أن استقرت بالصيغة الحالية. أغتنم هذه المناسبة لأتوجه إليهم جميعًا بخالص الشكر والتقدير على كرمهم العلمي وتعاونهم، فلولا دعمهم وتجاوبهم لما استطاع هذا البحث أن يستقر في صورته النهائية، وأن يحقق الدرجة المطلوبة من الشمول والدقة.

_ هل وجدتَ صعوبة في كتابة نقد أدبيّ يتعلّق ببلد ظروفه مختلفة عن بلدك، وهل اضطررت للاستعانة بنقّاد سابقين كتبوا عن فلسطين؟

أشكرك على هذا السؤال. في تقديري، فإن الكتابة عن فلسطين تحتاج إلى اطلاع واسع أولا على تاريخها وحضارتها وجغرافيتها وكذا التحولات السياسية والاجتماعية والهوياتية التي لحقتها، ثم ثانيا الاطلاع على الدراسات النقدية التي تناولت فلسطين روائيا، والتي لا شك اعتمدت عليها وأدرجتها في قائمة المصادر، وكان من أهمها كتاب "الرواية الفلسطينية: من سنة 1948حتى الحاضر" لمؤلفه بشير أبو منة في صيغتيه الإنجليزية والعربية. وقد استفدت منه كثيرا خصوصا حين يتحدث عن جيل الرواد الأول الذي كتب عن فلسطين إبان النكبة والهزيمة، من أمثال غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وسحر خليفة وغيرهم.

_ هل لديك مقترحات للجائزة: سواء من حيث المواضيع أو التّحكيم أو هيكليّتها بشكل عامّ؟

أعتقد أن جائزة «ديوان العرب» تمثل مبادرة ثقافية رائدة في خدمة الأدب العربي والثقافة الإنسانية، وتسهم في تشجيع الإبداع والبحث النقدي، وقد استطاعت أن تكتسب مكانة اعتبارية وسمعة كبيرة بين الجوائز العربية القيمة. وهي تبقى قابلة للتطوير والتجويد بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة. ومن المقترحات التي أراها جديرة بالنظر: تخصيص حقلين رئيسين في كل دورة: حقل للإبداع (الشعر، والقصة، والرواية...)، وحقل للنقد الأدبي (نقد الشعر، ونقد القصة، ونقد الرواية...)، على أن تتجدد الفروع والموضوعات في كل دورة. كما أقترح أن تُطبع الأعمال الفائزة في إصدارات مستقلة، بدل جمعها في كتاب واحد، مع رفع الحد الأقصى لعدد كلمات المشاركة بما يسمح بنشر كتاب متكامل لكل فائز. فالإصدار المستقل يمنح العمل حضورًا أوسع، ويسهم في التعريف بصاحبه وبالجائزة على حد سواء، وهو ما يصعب أن يحققه الكتاب الجماعي بالقدر نفسه. وأدرك أن تحقيق ذلك قد يرتبط بالإمكانات المادية، خاصة وأن الجائزة غير ربحية، لذلك وجب توسيع شبكة الشركاء، سواء من الجهات الداعمة أو دور النشر داخل الوطن العربي وخارجه، بما يُسهم في تطوير الجائزة وتعزيز أثرها الثقافي.

_ من الجميل أنّ لديك دراسات حول النّقد "ما بعد الكولونياليّ"، هل أفادك في بحثك.

وهل ترى معي أنّ قلّة مَن يكتبون هذا النّقد، فما سبب ذلك؟

طبعًا، لقد أفادني هذا الحقل المعرفي كثيرًا، وأستفيد على نحو خاص من أعمال رائده إدوارد سعيد، إذ إن معظم مؤلفاتي ومقالاتي تنطلق، بشكل أو بآخر، من مرتكزات نظرية استلهمتها من مؤلفاته. وبطبيعة الحال، هناك العديد من الدراسات التي تناولت قضايا ما بعد الاستعمار، غير أن الدراسات الجادة والعميقة في هذا المجال تظل قليلة مقارنة بالكم الكبير مما يُنشر.

لا نستطيع أن نتحدّث عن العالَم "ما بعد الاستعماريّ، دون أن نتذّكر (إدوارد سعيد)، وكتابه (الاستشراق)، فهو يرى أنّ الغرب يُنتج معارف غير موضوعيّة عن الشرق، لتسويغ الاستعمار. كيف نقاوم هذا التّصدير التّسويقيّ الزّائف عن الشّرق؟
نعم، أتفق معك في هذا الطرح، ومع ما ذهب إليه إدوارد سعيد في كتابه الذائع الصيت «الاستشراق»، من أن الغرب أنتج معارف غير موضوعية عن الشرق لتبرير الهيمنة عليه واستعماره واحتلاله، وهو ما تزال بعض مظاهره حاضرة إلى اليوم. لا يخفى أن الغرب ألّف مؤلفات كثيرة في الاستشراق، تناولت الشرق في مختلف المجالات، وقدمت في كثير من الأحيان صورًا مشوهة عنه وعن الإسلام. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا، نحن الباحثين العرب والمسلمين، في المشرق والمغرب، تتمثل في إنتاج معرفة علمية رصينة تعرّف بالشرق، وهوياته، وحضارته، وتاريخه، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة، وألا نكتفي بقراءة ما كُتب في الغرب عن الشرق، ولا سيما الكتابات التي لا تعكس صورته الحقيقية.

_ أخيرًا.. ما هي الرِّسالة التي ترغب في إيصالها إلى المُتخاذلين بالفكر، وإلى الشَّعب الفلسطينيّ الّذي يحتاج المقاومة على جميع الأصعدة؟

لدي رسالة أعتقد أنها جامعة، أوجهها إلى المسلمين والعرب، وإلى كل إنسان حر في هذا العالم، فلسطينيًا كان أم غير فلسطيني، وهي قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103). فهذه الآية الكريمة تختزل معنى الوحدة والتكاتف والتكتل في مواجهة كل ما يهدد الأرض والإنسان والهوية. لذلك، أؤمن بأن العود يكون قويًا بحزمته، وأن التفرّق لا يخدم إلا من يسعى إلى تمزيق الصفوف وإضعاف الإرادة. ومن ثم، فإن مسؤوليتنا جميعًا هي الحفاظ على هذه الأرض المباركة، أرض الأنبياء والرسل، والدفاع عن هويتها وتاريخها، وألا نسمح للاحتلال الغاصب بطمس حقيقتها أو محو ذاكرتها، بل أن نبقى متمسكين بالحق، ومدافعين عنه، كلٌّ من موقعه وبالوسائل المشروعة التي يملكها.

أخيرًا وليس آخر، إذا كان لي من كلمة شكر وتقدير وامتنان، فإنني أتوجه إليك العزيزة ميّادة بخالص الامتنان على أسئلتك العميقة والشاملة، وعلى وفائك وحرصك واهتمامك بقضية فلسطين التي تمس وجدان الأمة العربية وضميرها الإنساني والثقافي. فلك مني جزيل الشكر وعظيم التقدير. كما أجدد تهنئتي لجميع الفائزين، وأحيّي أصحاب الكلمة الحرة الذين جعلوا من الأدب والثقافة منبرًا للدفاع عن فلسطين وعن شعبها وأرضها وهويتها وتاريخها وجغرافيتها. كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى لجنة التحكيم على ثقتها الكريمة، وإلى القائمين والساهرين على هذه الجائزة لما يبذلونه من جهود مشكورة في دعم الدراسات النقدية التي ترسخ قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى