الكاتب محمود وجيه إبراهيم في حوار مع ديوان العرب
بدايةً. نبارك لك فوزك بجائزة (ديوان العرب)، في دورتها الثَّانية عشرة، ما أهمِّيَّةُ هذا الفوز في ظلِّ الأوضاع السِّياسيَّة، والوضع المأساويّ لأهلنا في فلسطين الحبيبة؟
أشكركم على هذه التهنئة الكريمة.
أعتقد أن أهمية الجائزة لا تكمن في حصول باحث على تكريم، وإنما في اختيار فلسطين موضوعًا لهذا التكريم. ففي لحظة يحاول فيها الاحتلال أن يحتكر السردية، وأن يعيد كتابة التاريخ بقوة السلاح، يصبح الأدب أحد أشكال الدفاع عن الذاكرة، ويصبح النقد بدوره دفاعًا عن الأدب الذي حفظ هذه الذاكرة.
أنا لا أنظر إلى الرواية الفلسطينية بوصفها وثيقة سياسية، وإنما بوصفها فضاءً أعاد تشكيل الإنسان الفلسطيني، وأخرجه من كونه خبرًا في نشرة أخبار إلى كونه شخصية لها تاريخ وأحلام وهزائم وأسئلة. ولذلك شعرت أن الكتابة عن فلسطين ليست مجاملة لقضية عادلة، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية.
_ نشارك في بعض المسابقات الأدبيّة، ونشعر بالظّلم أحيانًا، ربّما بسبب فوز نصوص لا تضاهي جماليّة ما كتبناه، وربَّما نُظلم بتحديد المركز المستحَقّ؛ بكلّ صدق، هل انتابك هذا الشّعور مع جائزة ديوان العرب؟
الحقيقة أنني تجاوزت هذه الفكرة منذ سنوات، كنت أظن في بداياتي أن قيمة العمل تتحدد بنتيجته، لكنني اكتشفت أن النتيجة تنتهي في لحظة إعلانها، بينما يبقى العمل نفسه إذا كان يمتلك قيمة حقيقية.
لذلك أصبحت أتعامل مع الجوائز باعتبارها محطة، لا وجهة. وقد منحتني جائزة ديوان العرب فرصة أعتز بها؛ ليس فقط للفوز، وإنما لأنها وضعت بحثي في منافسة مع أسماء أكاديمية ونقدية كبيرة لها حضورها في الوسط الثقافي، ومعظمها من أساتذة الجامعات، وهو ما أعتبره في حد ذاته تجربة ثرية وشهادة أعتز بها.
أما السؤال الذي يشغلني دائمًا، فهو ليس: هل فزت؟ بل: هل أضفت فكرة جديدة؟ وهل فتحت بابًا لقراءة مختلفة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنا أعتبر نفسي قد ربحت، سواء قبل إعلان النتيجة أو بعدها.
_ ما هو عنوان بحثك الفائز؟
وببضعة أسطر، ماذا تحدِّث القرَّاء عنه؟
عنوان الدراسة هو: أنساق التمثيل والتحول الجمالي لصورة الفلسطيني في الرواية العربية، لا يحاول البحث أن يسأل: كيف كُتب الفلسطيني؟ بل يسأل لماذا كُتب بهذه الصورة؟ وكيف تغيرت هذه الصورة عبر الزمن؟
انطلقت من فكرة أن الأدب لا يعكس الواقع فقط، بل يعيد إنتاجه. لذلك تتبعت التحولات التي أصابت صورة الفلسطيني داخل الرواية العربية؛ من صورة البطل الملحمي، إلى الإنسان الذي يحمل تناقضاته وأسئلته اليومية، في محاولة لفهم العلاقة بين الجماليات السردية والتحولات الثقافية والاجتماعية.
_ كلّ كاتب تواجهه صعوبات معيّنة أثناء الكتابة، حدّثنا عن تجربتك في هذا البحث، وكيف تجاوزتَ ما مررتَ به من مصاعب؟
أصعب ما واجهني لم يكن جمع المادة العلمية، وإنما مقاومة الأحكام المسبقة، حين تكتب عن فلسطين، يكون من السهل أن تنحاز عاطفيًا، لكن مهمة الناقد ليست أن يكرر ما يعرفه الجميع، بل أن يرى ما تخفيه النصوص، كنت حريصًا على ألا يتحول البحث إلى خطاب عاطفي، وفي الوقت نفسه ألا يفقد حساسيته الإنسانية. وأظن أن هذه الموازنة كانت أصعب تحدٍ واجهني.
_ يقف البعض موقفًا سلبيًّا من الجوائز، فيقول مثلًا: "الكاتب المتميّز ليس في حاجة إلى جائزة"، كيف تردُّ على مثل هذا الكلام؟
الجوائز الجادة تؤدي وظيفة ثقافية مهمة، لأنها لا تمنح الكاتب شرعية، وإنما تمنح عمله فرصة للوصول إلى قراء جدد
المشكلة ليست في الجوائز، وإنما في تحويلها إلى معيار وحيد للقيمة الأدبية. فالجوائز قد تكتشف موهبة، لكنها لا تصنعها.
_ نلاحظ أنّ فرع (النّقد الأدبيّ) ، مسابقاته قليلة قياسًا بمسابقات القصّة، والرّواية؟
ما الأسباب برأيك، وما أهمّيّة اختيار هذا الفرع، وعنوانه (فلسطين في الرّواية العربيّة) من قِبل جائزة ديوان العرب في ظلّ هذه الأوضاع السّياسيّة؟
الرواية تجد قارئها بسهولة، أما الدراسة النقدية فتحتاج إلى قارئ متخصص، وإلى سنوات من القراءة قبل الكتابة لكن المفارقة أن تطور الإبداع لا يمكن أن يحدث دون تطور النقد. فالنقد ليس تابعًا للنص، بل هو شريك في إنتاج المعنى، وفي توسيع أفق القراءة، ولهذا أرى أن دعم الدراسات النقدية أصبح ضرورة، لا رفاهية.
_ ما هي الأجناس الأدبيّة الّتي تكتبها؟
حبّذا لو تعرّفنا على عناوين مؤلّفاتك.
أمارس النقد، وأكتب الشعر بالعامية المصرية، وصدر لي ثلاثة دواوين شعرية، الديوان الأول (خايف ما اطولش السما) عام 2019م، والديوان الثاني (آخر معجزة للرقص) عام 2022م، والديوان الثالث (طبل المعركة) عام 2024م، وجميعهم صدروا عن دار فهرس للنشر والتوزيع، وقد يبدو الأمر للبعض متناقضًا، لكنه بالنسبة إليّ تكامل طبيعي. فالشعر يمنحني حساسية اللغة، والنقد يمنحني المسافة اللازمة للتأمل، أنا لا أحب الفصل الحاد بين المبدع والناقد؛ لأن القراءة نفسها فعل إبداع، كما أن الكتابة الإبداعية تحمل دائمًا وعيًا نقديًا، حتى وإن لم تُعلن ذلك.
_ ماذا نلتَ من جوائز قبل مسابقة ديوان العرب؟
وهل لكَ تكريمات خارج حدود بلدك؟
تشرفت بالحصول على المركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي في فرع النقد، عن دراسة بعنوان:
«مظاهر الحداثة في الشعر العربي: بين التأصيل التراثي والتجليات الفنية والشكلية الجديدة»
وجائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية المصرية عام 2023م عن ديوان (آخر معجزة للرقص)، وجائزة لجنة الشعر من المجلس الأعلى للثقافة عام 2024م عن مخطوط ديوان (آخر حدود المَعيلة)..
ما هي الرِّسالة التي تريد إيصالها من خلال هذا الإنجاز إلى العالم من جهة، وإلى الشَّعب الفلسطينيّ من جهة أخرى؟
رسالتي أن فلسطين لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها، بقدر ما تحتاج إلى من ينصت إلى حكايتها، أما رسالتي إلى الفلسطينيين، فهي أننا قد نختلف في أشكال الكتابة، لكننا لا نختلف على أن الذاكرة تستحق أن تُروى، وأن الثقافة ستظل واحدة من أقوى وسائل مقاومة النسيان.
حصلت على جائزتين عربيتين كبيرتين في النقد الأدبي، وأيضًا جائزتين كبيرتين في شعر العامية المصرية، هل ترى أن هذا النجاح يمثل تتويجًا لمشروع بدأت ملامحه تتشكل، أم أنه مجرد بداية لمسار ما زال في طور التكوين؟
أميل إلى الاعتقاد بأنه بداية أكثر منه تتويجًا لا أتعامل مع الجوائز باعتبارها شهادة بوصول المشروع إلى نهايته، بل باعتبارها مؤشرًا إلى أن الطريق الذي أسير فيه ربما يكون جديرًا بالاستمرار. فما زلت أرى أن لدي أسئلة أكبر مما لدي من إجابات، وربما لهذا أواصل الكتابة.
ما يشغلني في الحقيقة ليس إنتاج دراسة أو ديوان جديد فحسب، وإنما محاولة إعادة التفكير في وظيفة الأدب نفسه. فمثلًا أشعر أحيانًا أن جزءًا كبيرًا من الممارسة النقدية العربية انشغل بتطبيق النظريات أكثر من انشغاله بقراءة النصوص، فأصبح الناقد يدخل إلى العمل الأدبي وفي ذهنه منهج جاهز، يبحث له عن شواهد، بدلًا من أن يدخل إلى النص بعين مفتوحة تسمح له بأن يقترح أسئلته الخاصة.
لذلك أحاول، في حدود ما أستطيع، أن أنطلق من النص أولًا، وأن أجعل المنهج خادمًا للقراءة لا سيدًا عليها. لذلك إذا استطعت، بعد سنوات، أن يقال إن محمود وجيه لم يكن يكرر ما قيل، وإنما حاول أن يفتح نافذة مختلفة للنظر إلى الأدب، فسأعتبر أنني حققت ما أطمح إليه، سواء جاءت الجوائز أم لم تأتِ.
