الأحد ٩ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح الاعتياد قاتلًا للامتنان

ليس الإنسان جاحدًا بطبيعته، لكنه يمتلك قدرة غريبة على التكيف مع ما يملكه. فما كان يومًا حلمًا بعيدًا، يصبح بعد فترة جزءًا عاديًا من الحياة، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى أمر لا يلتفت إليه. وهكذا، لا تضيع النعم دائمًا لأنها رحلت، بل لأنها أصبحت مألوفة.

إن الاعتياد من أعظم النعم التي منحها الله للإنسان؛ فهو الذي يجعله قادرًا على تجاوز الألم، والتأقلم مع الظروف، واستئناف حياته بعد المحن. لكن هذه القدرة نفسها تحمل وجهًا آخر أقل رحمة؛ فهي لا تجعل الإنسان يعتاد الألم فقط، بل تجعله يعتاد النعمة أيضًا، حتى يتوقف عن الشعور بها.

فالطفل الذي كان يفرح بلعبة صغيرة، يكبر فلا تثير انتباهه أشياء كانت تبدو له يومًا كنوزًا. والشاب الذي كان يحلم بوظيفة، قد يستيقظ بعد سنوات وهو يتذمر منها كل صباح. والمريض الذي كان يتمنى أن يستعيد صحته، يعود بعد شفائه إلى نسيان قيمة الجسد الذي يعمل بصمت كل يوم.

وكأن الإنسان لا يقيس قيمة الأشياء بما تمنحه له، بل بمدة بقائها معه.

ولعل هذا ما يفسر لماذا لا ندرك قيمة بعض الأشخاص إلا بعد رحيلهم. فوجودهم المستمر يجعلهم جزءًا من المشهد اليومي، حتى نظن أنهم سيبقون دائمًا. نؤجل كلمات الشكر، ونؤجل الاعتذار، ونؤجل اللقاء، لأننا نتصرف كما لو أن الوقت يمنحنا فرصًا لا تنتهي. ثم يأتي الغياب ليكشف أن أكثر ما كنا نحتاج إليه كان حاضرًا طوال الوقت، لكننا لم نكن نراه.

ولا يقتصر الأمر على العلاقات، بل يمتد إلى كل تفاصيل الحياة. فالبيت الذي يؤوينا يصبح مجرد جدران، والطعام الذي نشبع به يتحول إلى عادة، والأمان الذي نعيشه يصبح أمرًا بديهيًا، حتى إذا اختل واحد من هذه الأشياء، اكتشفنا أنه كان نعمة عظيمة لم نحسن الالتفات إليها.

وقد أسهم العصر الحديث في تعميق هذه الحالة. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تمنح الإنسان وقتًا ليتأمل ما يملك، بل تدفعه باستمرار إلى النظر فيما ينقصه. فكل صورة جديدة توحي بأن هناك حياة أجمل، أو بيتًا أكبر، أو وظيفة أفضل، أو رحلة أكثر إثارة. ومع هذا السيل المتواصل من المقارنات، يصبح الامتنان شعورًا نادرًا، لأن العين تظل معلقة بما عند الآخرين، لا بما بين يديها.

لكن المفارقة أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى المزيد حتى يكون سعيدًا، بل يحتاج أحيانًا إلى أن يرى ما يملكه بعين جديدة. فالقيمة لا تتغير، الذي يتغير هو درجة انتباهنا إليها.

ولذلك، فإن الامتنان ليس مجرد خلق جميل، بل هو مقاومة يومية للاعتياد. إنه محاولة لاستعادة الدهشة الأولى، والنظر إلى الأشياء القديمة كما لو أننا نراها للمرة الأولى. فالذي يشكر على ما اعتاده، يحافظ على جماله من أن يبهت، وعلى معناه من أن يضيع.

إن أخطر ما يفعله الاعتياد أنه لا ينتزع النعم من حياتنا، بل ينتزع إحساسنا بها. ولهذا قد يعيش إنسان بين نعم لا تُحصى، ويشعر بالفقر، بينما يعيش آخر بإمكانات أقل، لكنه يرى في كل يوم سببًا جديدًا للرضا.

وربما لهذا السبب، لا تكون السعادة دائمًا ثمرة ما نضيفه إلى حياتنا، بل ثمرة ما نعيد اكتشافه فيها. فكم من نعمة نبحث عنها في المستقبل، وهي تسكن حاضرنا منذ زمن، وكم من أمنية نبكي عليها بعد فقدها، بينما كانت بالأمس تمر أمام أعيننا كأنها شيء عادي.

إن الامتنان لا يغيّر الواقع، لكنه يغيّر الطريقة التي نراه بها. وحين يتعلم الإنسان أن يشكر ما اعتاده، فإنه لا يزيد عدد النعم في حياته، بل يزيد قدرته على الإحساس بها.

فليست النعمة التي تضيع هي أخطر ما نخسره، بل النعمة التي تبقى معنا طويلًا حتى نتوقف عن رؤيتها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى