الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إيّاد الريموني

دراسة في تمثيلات المكان والبيت والأرشيف «2000–2025»

جماليات الذاكرة ومقاومة المحو في الرواية العربية عن فلسطين

دراسة في تمثيلات المكان والبيت والأرشيف «2000–2025»

مقدمة

لم تعد فلسطين في الرواية العربية المعاصرة موضوعًا يُستعاد بوصفه ملفًا سياسيًا أو مأساة تاريخية فحسب، بل غدت مجالًا مركبًا للصراع على المعنى وشرعية السرد وحق الأثر في البقاء. فالرواية التي تكتب فلسطين اليوم لا تكتفي بتمثيل النكبة والاحتلال والاقتلاع، بل تتقدم إلى مستوى أعمق، هو مقاومة المحو بوصفه فعلًا ماديًا ورمزيًا ومعرفيًا في آن. ومن هنا لم تعد الكتابة عن فلسطين مجرد استعادة لفقد سابق، بل صارت ممارسة ثقافية تتدخل في معركة الذاكرة نفسها، فتمنح الاسم بقاءه، والمكان صوته، والبيت كثافته الرمزية، والتفصيل اليومي قيمة تتجاوز هامشيته الظاهرة.

وعلى هذا الأساس، لا تنبع أهمية الرواية العربية عن فلسطين من كونها تروي ما جرى فقط، بل من كونها تعيد بناء ما يراد له أن يختفي. فالمحو، في التجربة الفلسطينية، لا يقتصر على التهجير أو مصادرة الأرض، بل يمتد إلى تجريد المكان من ذاكرته، والبيت من دلالته، والإنسان من أثره السردي. لذلك تغدو الرواية، في أحد أعمق أدوارها، شكلًا من أشكال إعادة تثبيت الوجود؛ لا عبر الوثيقة الرسمية وحدها، بل عبر الحكاية والشهادة واللغة والذاكرة والتفاصيل الصغيرة التي كثيرًا ما تسقط من الأرشيف المؤسسي وتظل مع ذلك أشد التصاقًا بالحقيقة الإنسانية (Aboubakr, 2025; Herremans, 2026).

وقد كشفت دراسات حديثة في حقول الذاكرة والأرشفة الفلسطينية عن أهمية الأدب بوصفه أرشيفًا غير رسمي يصون التجربة والأثر والاسم في مواجهة الإزالة والتهميش (Ghaddar, 2025; Herremans, 2026). غير أن أهمية هذا المنظور لا تكمن في القول إن الرواية تحفظ الذاكرة فحسب، لأن هذا الحكم يظل عامًا ما لم يُربط بكيفية اشتغال النص نفسه.

فالرواية لا تحفظ الذاكرة بطريقة محايدة؛ إنها تعيد تركيبها، وتنتقي زوايا النظر إليها، وتحوّل المكان من مرجع خارجي إلى بنية دلالية، وتدفع البيت من مستوى الشيء إلى مستوى العلامة، وتجعل الصمت والفجوة والتعدد الصوتي أشكالًا جمالية لمقاومة النسيان والاختزال.

من هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الرواية العربية عن فلسطين لا تؤدي وظيفة تذكّرية فقط، بل تعيد إنتاج الوجود الفلسطيني سرديًا في مواجهة المحو، بحيث يتحول المكان من موضوع للحنين إلى بنية إثبات، ويتحول البيت من رمز للفقد إلى جهاز لاستعادة الانتماء، بينما يغدو الأرشيف الروائي صيغة معرفية تنازع الأرشيف المهيمن حقه في تعريف ما يستحق أن يُحفظ وما يجوز دفعه إلى العتمة. وعلى هذا الأساس، لا تُقرأ الرواية هنا باعتبارها مرآة للواقع، بل باعتبارها فاعلًا ثقافيًا يعيد تنظيم العلاقة بين الذاكرة والمكان والهوية، ويمنح التجربة الفلسطينية شكلًا من أشكال الاستمرار داخل اللغة (Rayan, 2024; Ghaddar, 2025).

وتتجلى هذه الفرضية من خلال متن روائي مختار يضم: مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة لربعي المدهون (المدهون، 2015)، وتفصيل ثانوي لعدنية شبلي (شبلي، 2017)، وضد عالم بلا حب لسوزان أبو الهوى (Abulhawa, 2020)، وقناع بلون السماء لباسم خندقجي (خندقجي، 2023). وتكتسب هذه الأعمال أهميتها من أنها لا تقدم فلسطين من زاوية واحدة، بل تكشف عن مسالك مختلفة لمقاومة المحو: ففي تفصيل ثانوي يُبنى الأثر من الصمت والنقص والمسافة، وفي مصائر يتخذ شكل التعدد والتشظي وامتناع التجربة عن الانغلاق داخل سردية مفردة، وفي ضد عالم بلا حب يُعاد تشييد البيت داخل المنفى والذات واللغة، أما في قناع بلون السماء فإن المعركة تمتد إلى مستوى أشد تعقيدًا، حيث يصبح المكان نفسه موضوعًا للتنازع على التأويل والتاريخ والشرعية السردية (Al-Alami, 2025; Amireh et al., 2025).

إشكالية الدراسة وأسئلتها

تنطلق الدراسة من السؤال الرئيس الآتي: كيف تحوّل الرواية العربية عن فلسطين المكان والبيت والأرشيف من عناصر سردية إلى آليات جمالية ومعرفية لمقاومة المحو وإعادة تثبيت الوجود الفلسطيني داخل الذاكرة واللغة؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الفرعية:

1. كيف يُمثَّل المكان بوصفه دليلًا على الوجود لا مجرد إطار للأحداث؟

2. كيف ينتقل البيت من كونه حيّزًا ماديًا إلى كونه بنية للذاكرة والانتماء؟

3. بأي معنى تؤدي الرواية وظيفة أرشيفية مضادة تحفظ ما تعجز الوثيقة الرسمية عن احتوائه؟

4. كيف تتحول الأدوات الفنية، مثل الصمت والفجوة السردية والتعدد الصوتي والاقتصاد اللغوي، إلى صيغ جمالية لمقاومة المحو؟

فرضية الدراسة

تفترض الدراسة أن الرواية العربية عن فلسطين، في نماذجها المعاصرة، لا تكتفي بعرض المأساة أو تمثيل الفقد، بل تنتج أرشيفًا سرديًا مضادًا يعيد بناء الوجود الفلسطيني داخل النص. ويتم ذلك عبر ثلاثة محاور متداخلة: تحويل المكان إلى بنية إثبات ضد الإنكار، وإعادة شحن البيت بوصفه صورة للانتماء وذاكرة للذات والجماعة، وبناء أشكال جمالية تحفظ ما يُقصيه التاريخ الرسمي، بحيث تصبح الرواية نفسها موقعًا لمقاومة المحو التاريخي والرمزي والمعرفي (Aboubakr, 2025; Herremans, 2026).

أهداف الدراسة

تهدف الدراسة إلى:

1. الكشف عن الكيفية التي تُشتغل بها الذاكرة في الرواية العربية عن فلسطين بوصفها أداة مقاومة لا مجرد استعادة.

2. تحليل تمثيلات المكان والبيت في المتن المختار وبيان وظائفها الدلالية والجمالية.

3. إبراز الدور الذي تؤديه الرواية بوصفها أرشيفًا سرديًا مضادًا يحفظ الأثر الفلسطيني الإنساني والتاريخي.

4. رصد الأدوات الفنية التي تجعل من الشكل الروائي جزءًا من مقاومة المحو.

5. بيان الصلة بين البنية الجمالية للرواية ووظيفتها الثقافية في تثبيت الوجود الفلسطيني داخل السرد.

أهمية الدراسة

تنبع أهمية هذه الدراسة من أنها تقرأ فلسطين في الرواية العربية بوصفها فضاءً للصراع على الذاكرة والمعنى، لا مجرد موضوع سياسي. ومن ثم تكشف أن قيمة هذه الروايات لا تكمن في موضوعها وحده، بل في الكيفية التي تعيد بها بناء العالم الفلسطيني داخل النص، مستفيدة من متن معاصر يجمع بين الذاكرة والمكان والأرشيف، ومن مقاربة تصل بين التحليل السردي والدراسات الثقافية والذاكرية (Abu-Remaileh, 2021; Aboubakr, 2025).

منهج الدراسة

تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مستفيدة من أدوات التحليل السردي والمقاربة الثقافية، مع الإفادة من مفاهيم الذاكرة والمحو والأرشيف المضاد وتمثيل المكان. ولا تنحصر القراءة في استخراج الموضوعات من النصوص، بل تنفذ إلى كيفية اشتغالها الفني، من خلال تحليل البنية السردية، وأنماط توزيع الأصوات، ووظائف المكان، ودلالة البيت، وحضور الأثر والوثيقة والتفصيل، وربط ذلك بالإطار النظري الذي شهد اتساعًا ملحوظًا في دراسات الذاكرة والأرشفة الفلسطينية (Ghaddar, 2025; Herremans, 2026; العف، 2008).

أولًا: الذاكرة في الرواية بوصفها استعادة للأثر لا استنساخًا للماضي

ليست الذاكرة، في الرواية العربية عن فلسطين، خزانًا جاهزًا يُستدعى منه الماضي متى شاء السارد، بل هي مساحة توتر بين ما بقي وما ضاع، بين ما يمكن قوله وما يقاوم القول، بين الأثر وغيابه. ولذلك فإن أهم ما يميز هذه الروايات أنها لا تتعامل مع الذاكرة بوصفها امتلاكًا لماضٍ مكتمل، بل بوصفها سعيًا شاقًا إلى التقاط ما نجا من المحو. وهنا تتغير طبيعة السرد: فهو لا يعيد الماضي كما كان، بل يعيد تشكيل إمكان حضوره داخل اللغة. وقد بينت دراسات حديثة أن الذاكرة الفلسطينية تُبنى غالبًا عبر استعادة الأثر الناقص، لا عبر امتلاك وثيقة مكتملة، وهو ما يجعل الرواية وسيطًا مهمًا في حفظ ما يتعرض للتشتيت أو الإقصاء (Nasser, 2025; زكاري، 2024).

في هذا السياق، تبدو تفصيل ثانوي لعدنية شبلي نموذجًا بالغ الكثافة. فالرواية لا تبني أثرها من الوفرة، بل من النقص. وهي لا تمنح القارئ ذاكرة مطمئنة، بل تدفعه إلى تتبع أثر هش، منقطع، مهدد دومًا بالتلاشي. والعنوان نفسه يكشف من البداية منطق النص: ما يبدو ثانويًا في السردية الكبرى ينقلب إلى مركز أخلاقي ومعرفي، لأن ما يُدفع إلى الهامش قد يكون، في الحقيقة، الأثر الوحيد الذي لم يُمحَ تمامًا. من هنا لا تكون الرواية معنية بإعادة رواية الواقعة فحسب، بل بإدانة المنطق الذي يجعل بعض الوقائع قابلة للتهميش أصلًا. إن الصمت والفجوة والمسافة الزمنية والاقتصاد اللغوي ليست مجرد تقنيات أسلوبية في هذا العمل؛ إنها الصيغة التي يظهر بها العنف حين يعجز التمثيل المباشر عن احتوائه. ولذلك فإن الرواية لا تستعيد الذاكرة ضد النسيان فحسب، بل تكشف أيضًا أن النسيان نفسه بُنية سلطة (Daghmin, 2026; Herremans, 2026).

أما مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة لربعي المدهون، فتنقل سؤال الذاكرة إلى مستوى آخر. فهنا لا تُبنى الذاكرة من أثر ناقص مفرد، بل من تعدد لا يقبل الرد إلى مركز واحد. تتوزع التجربة على أصوات ومسارات وأوضاع انتماء مختلفة، بما يجعل الذاكرة الفلسطينية غير قابلة للاختزال في رواية أحادية. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن أحد أشكال المحو لا يتمثل فقط في إخفاء الوقائع، بل في اختزال التعقيد الإنساني للتجربة داخل خطاب واحد مغلق. لذلك فإن تعدد الأصوات في هذا النص ليس حلية شكلية، بل رفض بنيوي لاحتكار المعنى. إن الرواية هنا لا تقول إن فلسطين ذاكرة جمعية فحسب، بل تقول، بصورة أعمق، إن هذه الجمعية لا تُفهم إلا عبر تباين مواقعها وتشظي مصائرها.

وهنا تظهر المقارنة بين الروايتين بوضوح: تفصيل ثانوي تقاوم المحو عبر التوتر بين الصمت والأثر الناقص، أي عبر كشف ما يتعذر استعادته كاملًا؛ بينما مصائر تقاومه عبر الإصرار على أن التجربة الفلسطينية لا تُختزل في صوت واحد. في الأولى، المقاومة عمل تنقيب فيما بقي من الهامش؛ وفي الثانية، هي عمل تركيب لتعدد لا يجوز مصادرته. ولهذا فإن الذاكرة، في كلتا الروايتين، ليست موضوعًا خارجيًا، بل طريقة في بناء الحقيقة السردية.

ومن ثم يمكن القول إن الرواية العربية عن فلسطين لا تستعيد الماضي بقدر ما تستعيد حقه في أن يبقى قابلًا للقول. إنها لا تقدم الذاكرة باعتبارها عودة إلى ما كان، بل باعتبارها ممارسة نقدية تكشف منطق الإقصاء، وترد الاعتبار إلى ما كاد يختفي، وتمنع التجربة الفلسطينية من أن تُختزل في سردية جاهزة أو في أرشيف ناقص (Aboubakr, 2025; Daghmin, 2026).

ثانيًا: المكان بوصفه بنية إثبات، والبيت بوصفه الذاكرة المتجسدة

إذا كانت الذاكرة تمثل المستوى الرمزي لمقاومة المحو، فإن المكان يجسدها في الرواية العربية عن فلسطين بوصفه شاهدًا على الوجود لا مجرد فضاء مفقود. لذلك لا تأتي استعادته بوصفها حنينًا فقط، بل فعل إثبات ضد الإنكار، لأن الاسم والبيت والشارع والقرية تتحول كلها إلى علامات سردية تقاوم نزع الأثر ومحو الدلالة (Abu-Remaileh, 2021; Alsaud & Mustafa, 2024).

تتجلى هذه الرؤية في ضد عالم بلا حب، حيث يظهر البيت بوصفه بنيةً عاطفية للانتماء لا مجرد مأوى مادي. ومن ثم فإن فقدانه لا يعني خسارة المكان فقط، بل اختلال العلاقة بالعالم، بينما تصبح إعادة بنائه في اللغة والذاكرة شكلًا من أشكال بقاء الهوية واستمرارها (Amireh et al., 2025; Mohammed & Amjad, 2025).

أما قناع بلون السماء لباسم خندقجي، فإن المكان يدخل فيه منطقة أكثر تعقيدًا. فالرواية لا تقدم المكان بوصفه معطًى جاهزًا، بل بوصفه موقعًا للصراع على التأويل والتاريخ والحق في التسمية. هنا لا تعود الهوية جوهرًا ثابتًا ينعكس على المكان، بل تصبح معروضة للالتباس والتخفي والانكشاف. لذلك لا يُستعاد المكان هنا من خارج الصراع، بل من قلبه؛ لا بوصفه فضاءً حنينيًا فقط، بل بوصفه نصًا متنازعًا عليه. وهذا ما يمنح الرواية قيمة خاصة، لأنها تنقل تمثيل فلسطين من مجرد استعادة الوجود إلى مساءلة السلطة التي تحتكر تعريف الوجود نفسه (Al-Alami, 2025).

وإذا وُضعت الروايتان في إطار مقارن، أمكن القول إن ضد عالم بلا حب تجعل البيت مركز مقاومة عبر إعادة بنائه داخل الذات والمنفى، بينما تجعل قناع بلون السماء المكان ساحة صراع على المعنى التاريخي والشرعية السردية. الأولى تستعيد المكان من جهة الحميمية والذاكرة العاطفية؛ والثانية تستعيده من جهة التنازع على التفسير والتاريخ. وفي الحالتين لا يُختزل المكان في مرجع جغرافي، بل يُعاد إنتاجه بوصفه أثرًا حيًا للوجود.

وهنا تتكشف القيمة الجمالية والمعرفية لتمثيل المكان في الرواية العربية عن فلسطين: إنه لا يقول إن الفلسطيني كان هنا فقط، بل يقول إن هذا “الهنا” نفسه يمتلك ذاكرة واسمًا ونظام علاقات وطبقات معنى لا يمكن مصادرتها بقرار سياسي أو بخريطة استعمارية. وبذلك يغدو المكان في هذه الروايات ليس موضوعًا للحنين، بل حجة وجود (يخلف، 2017; خوري، 2020).

ثالثًا: الرواية بوصفها أرشيفًا مضادًا ينازع الأرشيف المهيمن

من أكثر المفاهيم قدرة على كشف عمق الرواية العربية المعاصرة عن فلسطين مفهوم الأرشيف المضاد. وليس المقصود به مجرد أن الرواية توثق ما حدث، بل أنها تحفظ ما لا يعرف التوثيق الرسمي كيف يحتفظ به: نبرة الصوت، وارتباك الجسد، وذاكرة الأشياء الصغيرة، وأثر الخسارة في العلاقات اليومية، والهوامش التي تبدو عابرة ولكنها تكشف جوهر التجربة. ولهذا فإن الرواية لا تحل محل الوثيقة، لكنها تكشف حدودها، وتزعزع ادعاءها الاكتفاء، وتدخل إلى المشهد ما يستبعده الأرشيف المؤسسي بطبيعته (Ghaddar, 2025; Rayan, 2024).

من هذه الزاوية، يمكن قراءة تفصيل ثانوي بوصفها أرشيفًا يبحث عما لا تستوعبه الوثيقة. فالرواية لا تملك ملفًا كاملًا، ولا تدعي امتلاك الحقيقة في شكل نهائي، لكنها تفضح، بمجرد تتبعها للأثر، هشاشة المنطق الذي يقرر ما يدخل الأرشيف وما يبقى خارجه. أما مصائر فتمارس الأرشفة المضادة بطريقة مختلفة: إنها لا تحفظ الواقعة في وحدتها، بل تحفظ تعدد التجربة ضد السرد الاختزالي. وهنا يصبح تعدد الأصوات نفسه شكلًا من أشكال الأرشفة، لأن ما يُحفظ ليس الحدث فقط، بل اختلاف طرق عيشه وتأويله والانتماء إليه.

وفي ضد عالم بلا حب يكتسب الأرشيف المضاد بعدًا حميميًا واضحًا؛ إذ تتحول السيرة الفردية واللغة والبيت والمنفى والعلاقة بالجسد إلى سجل للوجود الفلسطيني لا تستطيع الوثيقة الرسمية إنتاجه. أما قناع بلون السماء فتدفع فكرة الأرشيف المضاد إلى مستوى آخر، حين تجعل من التنازع على الأثر والتاريخ والهوية جزءًا من بنيتها ذاتها، كأن الرواية لا تحفظ الأرشيف فقط، بل تكشف أيضًا الصراع على شروط الحفظ نفسها.

وعليه، فإن الرواية العربية عن فلسطين لا تُقرأ بوصفها وعاءً معلوماتيًا بديلًا، بل بوصفها فضاءً لإعادة تعريف ما يستحق أن يُحفظ. فالأرشيف، في نهاية الأمر، ليس جمعًا بريئًا للمواد، بل نظام اختيار، وما يُستبعد منه ليس أقل دلالة مما يُضم إليه.

من هنا تستعيد الرواية قيمة الهامشي والعابر واليومي والحميمي، لأنها تدرك أن الإقصاء لا يطال الوقائع الكبرى فقط، بل يطال أيضًا التفاصيل التي تمنح الحياة معناها الإنساني. وقد دعمت دراسات حديثة هذا المنظور حين أكدت أن مقاومة الإبادة المعرفية والمحو في الحالة الفلسطينية لا تتم عبر المؤسسات وحدها، بل عبر أشكال ثقافية وسردية تحفظ ما يتعرض للتفكيك والإزاحة (Herremans, 2026; شواهنة، 2019).

وهكذا تغدو الرواية العربية عن فلسطين أرشيفًا سرديًا لا يجاور الأرشيف التقليدي فقط، بل ينازعه أيضًا. فهي لا تحفظ الواقعة وحدها، بل تحفظ معناها الإنساني، ولا تنقذ الحدث فقط، بل تنقذ ما كان مهددًا بالاختزال داخله.

رابعًا: الجماليات الفنية لمقاومة المحو: حين يصبح الشكل جزءًا من الحجة

لن تكتمل قراءة الرواية العربية عن فلسطين بوصفها مقاومة للمحو إذا توقفت عند مضمونها. فالمحو لا يُقاوَم في هذه النصوص بما يُقال فقط، بل كذلك بالطريقة التي يُقال بها. ولذلك فإن الشكل هنا ليس وعاءً خارجيًا للمحتوى، بل جزء من الحجة نفسها.

في تفصيل ثانوي يتحول الاقتصاد اللغوي إلى أخلاق للقول؛ فالرواية لا تفيض في الشرح لأن الفائض قد يبتذل الأثر. إن الصمت في هذا النص ليس فراغًا، بل امتلاء مؤجلًا، والفجوة ليست نقصًا في البناء، بل علامة على ما تجاوزته اللغة أو عجزت عن الإحاطة به. ومن هنا تتولد قوة الرواية: إنها لا تدعي امتلاك الحدث، بل تجعل حدود التمثيل جزءًا من صدق التمثيل ذاته (Daghmin, 2026).

وفي مصائر يؤدي التعدد الصوتي وظيفة جمالية تتجاوز التنويع الشكلي؛ فهو يمنع التجربة الفلسطينية من أن تُختزل في منظور واحد، ويجعل التشظي نفسه صورة للصدق التاريخي والإنساني. أما ضد عالم بلا حب فتمنح التداخل بين الخاص والعام، وبين الجسد والمنفى والبيت، قوة جمالية تجعل التجربة الفردية منفذًا إلى المعنى الجمعي دون افتعال تنظيري. وفي قناع بلون السماء يُستثمر الالتباس والعبور والهوية المقنعة بوصفها آليات فنية لفضح هشاشة الادعاءات الجاهزة حول المكان والتاريخ والانتماء (Al-Alami, 2025; Hamamra, 2025).

ومن ثم فإن الأدوات الفنية في هذه الأعمال لا يمكن عدّها زوائد شكلية. فالصمت قد يكون هنا أبلغ من التصريح لأنه يحفظ الأثر من الاستهلاك، والفجوة السردية قد تكون أصدق من الامتلاء لأنها تشهد على ما أُقصي من إمكان التمثيل، والتعدد الصوتي قد يكون رفضًا للاختزال أكثر مما هو رغبة في التنويع، والاقتصاد اللغوي قد يكون تكثيفًا للذاكرة لا تقليلًا منها. إن الجماليات، في هذه الروايات، ليست تجميلًا للمأساة، بل إستراتيجية مقاومة.

وهذا يعني أن الرواية العربية عن فلسطين تستمد فرادتها من هذا التلاقي بين القيمة الجمالية والوظيفة المعرفية. فهي لا تزين القضية، ولا تضع الأخلاق في مواجهة الفن، بل تثبت أن الشكل نفسه قادر على أن يكون موقفًا. ومن هنا فإن نجاح هذه الروايات لا يكمن فقط في أنها عن فلسطين، بل في أنها استطاعت أن تبتكر صيغًا فنية تجعل بقاء الأثر ممكنًا داخل اللغة (يخلف، 2017; العف، 2008).

خاتمة

تكشف قراءة المتن الروائي المختار أن الرواية العربية عن فلسطين لم تعد تُعرّف نفسها بوصفها سجلًا للمأساة فقط، بل بوصفها جهازًا ثقافيًا وجماليًا لإبطال المحو. فالذاكرة فيها ليست استعادة ماضٍ مكتمل، بل عملية تنقيب في أثر مهدد ورد اعتبار إلى ما أُبعد عن المركز. والمكان لا يظهر بوصفه خلفية للحدث، بل بوصفه حجة وجود، فيما يغدو البيت صيغة مكثفة للانتماء تُقاوم بها الذات انهيار عالمها الرمزي حتى حين يُقتلع عالمها المادي. أما الأرشيف الروائي، فلا يؤدي وظيفة توثيقية بالمعنى الضيق، بل ينازع الأرشيف المهيمن سلطته على تعريف ما يستحق أن يُحفظ وما يمكن نسيانه (Aboubakr, 2025; Ghaddar, 2025).

وتبيّن المقارنة بين الروايات المدروسة أن مقاومة المحو لا تتخذ شكلًا واحدًا: فهي في تفصيل ثانوي تنبثق من الصمت والأثر الناقص، وفي مصائر من تعدد الأصوات وامتناع التجربة عن الاختزال، وفي ضد عالم بلا حب من إعادة بناء البيت داخل المنفى واللغة، وفي قناع بلون السماء من مساءلة حق امتلاك المكان وتفسير تاريخه. وهذا التعدد لا يعني تباعدًا في الرؤية بقدر ما يكشف عن ثراء السرد العربي عن فلسطين وقدرته على ابتكار مسالك مختلفة لحماية الوجود من التلاشي.
ومن هنا يمكن صياغة النتيجة الحاكمة لهذه الدراسة على النحو الآتي: إن الصراع على فلسطين في الرواية العربية المعاصرة ليس صراعًا على تمثيل الفقد فحسب، بل صراع على من يملك حق تثبيت الأثر، ومنح المكان اسمه، وحفظ البيت من التحول إلى مجرد استعارة للفقد، وإدخال الإنسان الفلسطيني في التاريخ بوصفه ذاتًا فاعلة لا بقايا ضحية. لذلك لا تكتسب هذه الروايات قيمتها من الموضوع الذي تعالجه وحده، بل من قدرتها على تحويل الجماليات نفسها إلى ممارسة مقاومة، وعلى جعل السرد حقلًا لإعادة بناء العالم الفلسطيني داخل اللغة بحيث يصعب محوه، حتى حين يتعرض في الواقع لمشروعات متواصلة من الإزالة والإنكار (Rayan, 2024; Herremans, 2026).

النتائج

1. الذاكرة في الرواية العربية عن فلسطين لا تؤدي وظيفة استرجاع الماضي فحسب، بل تمارس إعادة بناء للأثر في مواجهة المحو.

المكان في المتن الروائي المختار لا يعمل بوصفه خلفية سردية، بل بوصفه بنية إثبات وشاهدًا على الوجود.

2. صورة البيت تتجاوز معناها المادي لتغدو صورة مكثفة للانتماء ووعاءً للذاكرة الفردية والجماعية.

3. الرواية العربية عن فلسطين تمارس وظيفة أرشيفية مضادة، لأنها تحفظ ما تعجز الوثيقة الرسمية عن احتوائه من خبرة إنسانية وصوت داخلي وتفاصيل يومية.

4. الأدوات الفنية، مثل الصمت والفجوة السردية والتعدد الصوتي والاقتصاد اللغوي، ليست عناصر شكلية محايدة، بل تدخل في صميم مقاومة المحو.

5. المتن الروائي المختار يقدم فلسطين بوصفها عالمًا إنسانيًا وتاريخيًا وثقافيًا يُعاد بناؤه داخل السرد، لا مجرد موضوع سياسي خارجي.

6. الرواية العربية عن فلسطين تسهم، رمزيًا ومعرفيًا، في حماية الوجود الفلسطيني عبر تثبيت الذاكرة والمكان والأثر داخل اللغة.

التوصيات

1. توسيع الدراسات النقدية العربية التي تقرأ الرواية عن فلسطين من منظور الذاكرة والمكان والأرشيف.

2. تشجيع المقاربات المقارنة بين الرواية الفلسطينية والرواية العربية عن فلسطين لكشف اختلاف آليات مقاومة المحو داخل النصوص.

3. الإفادة من دراسات الذاكرة والأرشفة الثقافية في تحليل الأدب الفلسطيني والعربي عن فلسطين.

4. توجيه الباحثين إلى العناية بالشكل السردي بوصفه جزءًا من معنى المقاومة، لا مجرد غلاف للمضمون.

5. دعم المشروعات البحثية والتوثيقية التي تجمع المتون الروائية العربية عن فلسطين وتيسر قراءتها ضمن أفق نقدي حديث.

6. إيلاء عناية خاصة للروايات التي تعيد بناء صورة البيت والمدينة والاسم والمكان، لما لها من دور في تثبيت الذاكرة الجمعية ومقاومة المحو الرمزي.

المراجع

Aboubakr, F. (2025). Archivalism and memory activism: The Nakba (1948) and the Gaza War (2023). Memory Studies, 18(2), 439–455. https://doi.org/10.1177/17506980251321796
Abu-Remaileh, R. (2021). Country of words: Palestinian literature in the digital age of the refugee. Journal of Arabic Literature, 52(1–2), 68–96. https://doi.org/10.1163/1570064X-12341420
Abulhawa, S. (2020). Against the loveless world. Atria Books.
Al-Alami, S. E. J. (2025). A stylistic journey through Basim Khandaqji’s novel, A mask, the colour of the sky (2023). Research Journal in Advanced Humanities, 6(3). https://doi.org/10.58256/zb59nm23
Alsaud, L. A., & Mustafa, M. (2024). Preserving Palestinian cultural heritage: “The Memory of History” project and the digitisation of Ottoman Palestine. Palestine Exploration Quarterly, 156(2), 198–199. https://doi.org/10.1080/00310328.2024.2343197
Amireh, H., Al-Shara’h, M., Allawzi, A., & Al-Ataba, R. (2025). Exilic consciousness and diasporic “third space” in Susan Abulhawa’s Against the loveless world. International Journal of Arabic-English Studies, 25(2), 173–192. https://doi.org/10.33806/ijaes.v25i2.522
Daghmin, N. (2026). Silenced histories, resistant voices: Palestinian women’s testimonies in 21st-century literature in the light of the Nakba. Dibon Journal of Languages, 2(1), 458–470. https://doi.org/10.64169/djl.152
Ghaddar, J. J. (2025). Palestine as provenance: Archiving against genocide from Gaza to South Lebanon (Jabal Amil). Archival Science, 25, Article 20. https://doi.org/10.1007/s10502-025-09484-y
Hamamra, B. (2025). Code-switching and diasporic identity in Susan Abulhawa’s Against the loveless world. Cogent Arts & Humanities, 12(1), Article 2442817. https://doi.org/10.1080/23311983.2024.2442817
Herremans, B. (2026). Resisting erasure: Palestinian literature and informal archives. Memory Studies, 19(1). https://doi.org/10.1177/17506980251397895
Mohammed, M. A., & Amjad, F. A. (2025). National self-consciousness and cultural resistance in Susan Abulhawa’s Against the loveless world: A postcolonial study. Research Journal in Advanced Humanities, 6(3). https://doi.org/10.58256/t1h03284
Nasser, R. (2025). The child that I left behind: Memory, trauma, and the reconstruction of childhood in Nakba narratives. Frontiers in Psychology, 16, Article 1656549. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2025.1656549
Rayan, T. N. (2024). Transformative provenance: Memory work in the Palestinian diaspora. Archival Science, 24, 739–759. https://doi.org/10.1007/s10502-024-09455-9
العف، عبد الخالق محمد عبد الخالق. (2008). الزمان والمكان في رواية “رابع المستحيل” للقاص عبد الكريم السبعاوي.

مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث الإنسانية، 16(2). https://doi.org/10.33976/1442-016-002-002
المدهون، ربعي. (2015). مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

خندقجي، باسم. (2023). قناع بلون السماء. دار الآداب.

خوري، موسى م. (2020). استعادة المكان، استعادة الإنسان: قراءة في رواية “يافا تعد قهوة الصباح” لأنور حامد. مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، 44(103).

زكاري، محمد. (2024). البعد التاريخي والاجتماعي في رواية احتضار عند حافة الذاكرة (2022) للروائي الفلسطيني أحمد حرباوي. الكتاب السنوي لأعمال مختبر السرديات والخطابات الثقافية، 7، 85–91.

شواهنة، ميس يوسف حسن. (2019). فلسطين في روايتي الطنطورية لرضوى عاشور، وطابق 99 لجنى فواز الحسن: دراسة تحليلية نقدية [رسالة ماجستير غير منشورة]. جامعة النجاح الوطنية.

شبلي، عدنية. (2017). تفصيل ثانوي. دار الآداب.

يخلف، يحيى. (2017). ذاكرة المكان والرواية. قوافل، 36، 224–229.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى