الثلاثاء ٢٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
دراسة فائزة في القائمة القصيرة، مسابقة ديوان العرب رقم ١٢
بقلم ممدوح عبد الستار

ســــــرديـة فلسـطين ومحيطــها العــربي

في ثلاثية «مجدي دعيبس» التاريخـــــية

ممدوح عبد الستار - مصر

توطئة:
يمكننا النظر إلى الرواية التاريخية المعاصرة بوصفها إحدى الأدوات التي تسهم في إعادة تشكيل الوعي بالهوية؛ إذ لا تكتفي بسرد الوقائع بقدر ما تعمل على إعادة تأويلها إنسانياً. وفي هذا السياق، يبرز المشروع الروائي للكاتب «مجدي دعيبس»، عبر ثلاثيته التاريخية (الوزر المالح، قلعة الدروز، السيّح)، بوصفه أحد السرديات العربية المهمة التي تناولت القضية الفلسطينية، لا كحدثٍ معزولٍ عن محيطه، بل بوصفها جزءاً من فضاء بلاد الشام الأوسع.
تغطي هذه الدراسة الحقبة الزمنية الممتدة من بدايات الثورة العربية الكبرى عام 1916 وصولاً إلى عام النكبة 1948، وهي فترة تبلورت فيها ملامح الضياع الفلسطيني بالتوازي مع بروز أشكال متعددة من المقاومة العربية، في ظل تحولات جيوسياسية أثّرت في مصير المنطقة بأسرها. ويسعى هذا البحث إلى تتبع تمثيلات فلسطين داخل هذه الثلاثية، والكشف عن الكيفية التي ربط بها الكاتب بين الجرح الفلسطيني، ومحيطه الشامي (الأردن، وسوريا، والعرب المغاربة)، كما يتجلى في الانتقال السردي من رواية «الوزر المالح» بوصفها لحظة الخديعة الأولى، مروراً بـ «قلعة الدروز» بوصفها تمثيلاً للتهجير، وصولاً إلى «السيّح» حيث تتبلور المواجهة وتتجسد ملامح الهوية.
وعلى الصعيد الفني، وضع «مجدي دعيبس» قضيته في قالب روائي حديث، فمزج بين تعدد الأصوات، وأنسنة المكان، ليقدم رؤية بانورامية يتحول فيها المكان من مجرد خلفية جغرافية إلى شاهد على المأساة. وقد اعتمد لغة مشحونة بالرموز، مثل (الملح، والبازلت، والزيتون)، بما يضفي على الثلاثية عمقاً وجدانياً وفنياً؛ فالملح، الذي كان دموعاً وعبئاً في الجزء الأول، يغدو وسيلة للبقاء في الجزء الثاني، بينما يظل الزيتون شاهداً في «السيّح» على رسوخ الهوية. وقد أسهم هذا التوظيف الرمزي، إلى جانب المزج الذكي بين الفصحى واللهجات المحلية، في منح النص مصداقية فنية، وجعل من الثلاثية وثيقة أدبية تستعيد حضور الإنسان العربي في مواجهة محاولات المحو والنسيان، ليرتقي السرد من مجرد حكاية إلى فعل مقاومة.

(1)
الخديعة وسقوط القدس في رواية «الوزر المالح»
تعد رواية «الوزر المالح» للروائي الأردني «مجدي دعيبس» العتبة الأولى في مشروعه الروائي الثلاثي، وهي تمثل محاولة جادة لقراءة التاريخ العربي في لحظة تحوله الكبرى بين عامي 1916 و1918. إن القيمة المركزية لهذا النص تنبع من كونه يوثق «الجرح الأول» الذي أدى إلى ضياع القدس، حيث لا ينظر «مجدي دعيبس» إلى فلسطين ككيان جغرافي مستقل، بل كقلب نابض لجسد شامي ممزق. يبدأ الكاتب من عتبة العنوان «الوزر المالح»؛ فالوزر هو الثقل الأخلاقي والتاريخي الذي تحمله القوى الاستعمارية، وتحديداً بريطانيا، في خديعتها للعرب، وهو أيضاً الذنب الذي يطوّق عنق التاريخ الذي سمح بسقوط المدينة المقدسة. أما الملوحة، فهي المعادل الموضوعي للدموع والعرق والأرض، وهي الملح الذي يربط ضفتي النهر بوشاح من الوجع، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن ملوحة الأرض في «سما» و «إربد»، هي ذاتها ملوحة بحر القدس الميت، في وحدة لا تقبل الانقسام.

تتجلى فلسطين في الرواية من خلال تقنية تعدد الأصوات، ولعل أبرزها صوت الآخر المستعمر المتمثل في الجنرال البريطاني «اللنبي». يقدم الكاتب اللنبي ليس كقائد عسكري فحسب، بل كمهندس لعملية «تفكيك المشرق». إن حضور فلسطين في وعي اللنبي هو حضور «الجائزة الكبرى»، حيث نراه في الرواية يستعرض استراتيجياته العسكرية ليس بهدف التحرير كما وعد العرب، بل بهدف «الامتلاك».
تبرز فلسطين هنا من خلال لحظة دخول اللنبي للقدس عام 1917، وهي اللحظة التي يصورها «دعيبس» كزلزال وجودي غير ملامح المنطقة للأبد. يبرز النص الروائي التناقض الصارخ بين وعود «لورانس العرب» بالحرية، وبين الواقع الذي كان يرسمه اللنبي تحت شعار «الآن انتهت الحروب الصليبية». هذه العبارة التي يستحضرها الكاتب تضع القضية الفلسطينية في سياق صراع حضاري وتاريخي ممتد، وتكشف أن «الوزر» الحقيقي بدأ عندما تحولت فلسطين من أرض للقداسة، والتعايش إلى «ورقة مقايضة» في الصراعات الإمبريالية الدولية.
على الجانب الآخر، تبرز فلسطين في الوجدان الشعبي من خلال شخصيات قرية «سما» ومدينة «إربد». ينجح «مجدي دعيبس» في أنسنة القضية الفلسطينية عبر جعلها «الخبر المنتظر» والقلق الدائم الذي يؤرق المختار «أنور» والضابط «سليم أكرا» والشاب «يحيى». فلسطين في هذه الرواية ليست مجرد أخبار عسكرية، بل هي «المصير الموازي». نرى القرويين وهم يتابعون أخبار الحرب في فلسطين وكأنهم يتابعون مصير بيوتهم، وهذا الربط يوضح أن سقوط القدس في الرواية كان إيذاناً ببدء عصر الشتات العربي. الشخصيات العربية في «الوزر المالح» تعيش حالة من التيه؛ فالجوع والأمراض، وظلم التجنيد الإجباري العثماني، كلها كانت عوامل إنهاك متعمد للذّات العربية لتصبح عاجزة عن حماية القدس. إن فلسطين هنا هي «المركز» الذي تنجذب إليه كل الأحداث، وكل فعل مقاوم أو انكسار اجتماعي في الأردن هو بالضرورة صدى لما يحدث على جبهة غزة والقدس.

تمثل شخصية «مريم» في الرواية المعادل الموضوعي للأرض العربية، وبشكل أدق للأرض الفلسطينية التي كانت على وشك الانسلاخ. إن صراع «مريم» الشخصي، وتوتر علاقاتها الاجتماعية، ومحاولاتها للتمسك بالحب والحياة وسط ركام الموت، يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ كفاح المدن الفلسطينية التي كانت ترفض الاستسلام للانتداب القادم. «مريم» تعاني من «وزر» العادات والتقاليد والفقر، تماماً كما كانت فلسطين تعاني من «وزر» الاتفاقيات السرية والوعود الكاذبة. الكاتب لا يقدم «مريم» كضحية سلبية، بل كقوة صمود، وهو ما يتقاطع مع صورة «الأم الفلسطينية» التي ستبرز لاحقاً في أجزاء الثلاثية الروائية. ومن خلال حوارات «مريم» مع مَن حولها، نلمس ذلك الوعي الفطري بأن الأرض وحدة واحدة، وأن الجندي الذي يمر من قريتها متوجهاً إلى القدس لا يحمل الخير، بل يحمل لعنة «الوزر المالح» التي ستحول الملح إلى سم يقتل الطموحات العربية في الاستقلال.
يستخدم «مجدي دعيبس» لغة روائية تدمج بين الوثيقة التاريخية والخيال السردي ليعزز تمثيلات فلسطين. فهو يستحضر أسماء حقيقية ووقائع موثقة مثل معارك غزة الأولى والثانية والثالثة، ويجعل منها خلفية درامية لحياة أبطاله. هذا التداخل بين التاريخ الرسمي الذي يمثله «اللنبي» وبين التاريخ الموازي الذي يصنعه الفلاحون والجنود العرب المشتتون، يخلق حالة من المكاشفة التاريخية المؤلمة. فلسطين في «الوزر المالح» تظهر كضحية لـعمى الوعي العربي في تلك اللحظة؛ حيث كان العرب يظنون أنهم يطردون المحتل العثماني ليرحبوا بمحرر، فإذا بهم يشرعون الأبواب للمحتل الذي سيؤسس للنكبة. إن الرواية تطرح فلسفة حول مفهوم الخيانة والولاء، موضحة أن الهزيمة في فلسطين بدأت من الداخل، ومن سوء تقدير النخبة السياسية للنيات الاستعمارية البريطانية، وهو درس تاريخي يمرره الكاتب عبر حوارات الضباط العرب الذين وجدوا أنفسهم يقاتلون في معارك لا تخدم إلا المشروع الصهيوني المتربص.
رواية «الوزر المالح» توثق لحظة الانكسار الذي مهّد لضياع فلسطين. إنها رواية عن الخديعة التي تحولت إلى قدر، وعن الملح الذي صار مرّاً في أفواه الشاميين وهم يرون القدس تسقط في يد الجنرال «اللنبي». «مجدي دعيبس» لم يكتب رواية تاريخية جافة، بل كتب ملحمة إنسانية جعلت من فلسطين بوصلة للوجدان العربي. فلسطين هنا ليست مجرد مكان، بل هي قيمة الوجود، وهي الجرح الذي بدأ ينزف في عام 1917 ولن يتوقف إلا بوعي جديد يدرك أن الوزر الذي تحمله الأجيال هو نتيجة للتفريط. إن هذه الرواية تؤسس لفهم القضية الفلسطينية، وأن المقاومة الحقيقية تبدأ من فهم التاريخ ومن تنقية الذاكرة، لتمهد الطريق لوعي قادم، لتظل فلسطين هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التجزئة أو النسيان في عالم يغرق في أوزاره المالحة.
(2)
من جبل الدروز إلى فلسطين
تتجاوز رواية «قلعة الدروز» كونها مجرد سرد تاريخي، لتطرح فكرة مركزية تتمثل في تمزيق الجسد الشامي كخطوة استعمارية تمهد لضياع فلسطين. إن الفكرة الرئيسية هنا لا تنفصل عن السياق الأوسع؛ فالكاتب يمرر رسالة مفادها أن سقوط القلاع العربية في محيط فلسطين، وتقسيم المنطقة عبر معاهدات (سايكس بيكو)، هو الجرح الأول الذي أدى إلى تفرد الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية بالداخل الفلسطيني. تتفرع من هذه الفكرة المركزية أفكار وثيمات ثانوية تهيمن على النص، لعل أبرزها ثيمة التهجير واللجوء القسري. فالرواية ترصد خروج العائلات من ديارها في جبل الدروز نحو صحراء «الأزرق»، في مشهد يبدو وكأنه بروفة مبكرة لمأساة النكبة الفلسطينية التي ستحدث لاحقاً. كما تبرز ثيمة خيانة الداخل ممثلة في الجواسيس الذين يخدمون المستعمر، مقابل ثيمة وحدة الدم العربي التي تتجسد في وقوف المغاربة، والسوريين، والأردنيين في خندق واحد. إن الرواية في جوهرها تعالج ولادة الوعي المقاوم، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الإنسان العربي على التشبث بأرضه وهويته في وجه آلة عسكرية غربية لا تعرف الرحمة، محولة الألم السوري إلى مرآة عاكسة، وممهدة للألم الفلسطيني القادم.
يمثل العنوان «قلعة الدروز» العتبة النصية الأولى التي نصطدم بها، وهو عنوان مشحون بالدلالات والتاريخية. إن مفردة «القلعة» توحي بالصلابة، التحصين، والمقاومة، وتضعنا فوراً في قلب المعركة. إلا أن الدلالة المكانية للقلعة في الرواية تتخذ أبعاداً متناقضة؛ فهي ترمز من جهة إلى معقل الثوار وملاذهم في جبل الدروز، وترمز من جهة أخرى إلى «قلعة الأزرق» في الأردن التي تحولت إلى منفى ومهجر قسري للعائلات الفارة من بطش الطائرات والمدافع الفرنسية. إن اختيار الكاتب لهذا العنوان يمهد الدرب لاستكشاف ثنائية (الوطن/ المنفى). وعبر هذه العتبة الدلالية، يربط الكاتب مشروعه الروائي جغرافياً ووجدانياً؛ فالقلعة هنا ليست مجرد حجارة سوداء، بل هي جسد الأمة الذي يتعرض للدك والتمزيق. كما أن النص الروائي يتناص مع التاريخ من خلال استدعاء أسماء شخصيات حقيقية كالسلطان باشا الأطرش، ما يمنح العتبة النصية مصداقية وثائقية تتضافر مع الخيال. إن دلالة العنوان تنسحب بظلالها على القضية الفلسطينية بشكل غير مباشر، إذ يطرح النص تساؤلاً مضمراً: إذا كانت قلاع الدروز وحوران قد دُكت وهُجر أهلها، فماذا سيكون مصير القلاع والمدن في فلسطين المجاورة؟ هكذا يغدو العنوان مفتاحاً لقراءة تفكك انهيار الجبهة الشرقية للأمة.
تتبلور الفلسفة في «قلعة الدروز» حول مفهوم حتمية المقاومة. لا ينظر الكاتب إلى الأحداث التاريخية كوقائع معزولة، بل كمتتالية. تتجلى رؤية الكاتب للعالم في إبراز وحشية الاستعمار الغربي التي تتشدق بالحضارة، بينما تمارس أبشع أنواع القتل والتهجير، كما حدث في قصف القرى بالطائرات وقتل العجائز بدم بارد. في المقابل، يطرح الكاتب فلسفة الولادة من رحم الموت؛ فكل دمار يلحق بالشخصيات يقابله إصرار عجيب على الحياة، كقيام اللاجئين باستصلاح الأرض الميتة في الأزرق وصناعة الملح. إن رؤية الكاتب لا تقف عند حدود اليأس، بل تغوص في النفس البشرية لتفهم كيف يمكن للإنسان أن ينهض من تحت ركام بيته ليؤسس حياة جديدة. وعلى صعيد آخر، يقدم الكاتب رؤية نقدية لاذعة لحالة الضعف العربي، موضحاً أن الاستعمار لم ينجح بقوته العسكرية فحسب. هذه الرؤية تؤسس لفهم نقدي لضياع فلسطين، مؤكدة أن الهزيمة بدأت عندما تركت الأجزاء العربية تقاتل مصيرها وحيدة، وأن المقاومة هي الخيار الوجودي الوحيد الباقي لإثبات الذات.
اعتمد الكاتب في «قلعة الدروز» تقنية تعدد الأصوات السردية كأداة فنية رئيسية لتقديم بانوراما شاملة للحدث. لا يوجد راوٍ عليم وحيد يفرض سلطته على النص، بل تتنقل السردية بين زوايا متعددة؛ فنستمع تارة إلى صوت «نايف» المليء بالغضب والثأر، وتارة إلى «صبحيّة» التي تمثل صوت الأرض والأمومة، وتارة أخرى إلى صوت «ذياب» أو «أبو فالح»، بل ويمتد السرد ليشمل صوت الآخر المتمثل في الجندي المغربي «هادي ترومار». هذا التنوع في الأساليب، وتقنيات السرد يعكس حالة التمزق التي تعيشها المنطقة؛ فكل شخصية تروي مأساتها من زاويتها الخاصة، لتتشكل في النهاية لوحة دامية. كما وظف الكاتب تقنية «الاسترجاع الزمني» (الفلاش باك) لربط الحاضر المأزوم بماضٍ كان أكثر استقراراً، ولسرد خلفيات الشخصيات الاستعمارية (مثل بناء القلعة في العهد الروماني)، مما يمنح النص عمقاً تاريخياً يقارن بين الغزاة عبر العصور. إلى جانب ذلك، تميز السرد بالاعتماد على «الوصف السينمائي» الدقيق لحركة النزوح، ومعاناة الطريق، وقسوة الصحراء، مما يجعل المتلقي شريكاً في الوجع، ويسرّع من إيقاع السرد تزامناً مع اللحظات الحرجة والمطاردات، في حين يبطئ الإيقاع عند التأملات النفسية العميقة للشخصيات المهزومة.
تم بناء الشخصيات في الرواية لتكون رموزاً حيّة تمثل تيارات واتجاهات مختلفة في المجتمع العربي إبان مرحلة التحرر. «نايف»، الشاب الذي يثأر لجدته، يمثل الجيل الغاضب الذي فقد الثقة بالسياسة وقرر حمل السلاح، وهو تجسيد مبكر لروح «الفدائي» التي ستظهر لاحقاً في فلسطين. أما «صبحيّة»، فهي المعادل الموضوعي للأرض؛ فرغم الفقد واللجوء والموت، تظل صامدة، تحاول لملمة شتات العائلة وتأسيس حياة جديدة، متقاطعة بذلك مع صورة «الأم الفلسطينية». وتبرز أهمية دمج الشخصيات الثانوية في إثراء الحدث؛ فشخصية الجندي المغربي «هادي ترومار» تلعب دوراً محورياً في نقد ظاهرة استغلال المستعمر للعرب لضرب إخوانهم، ومع ذلك تظهر صحوته وضميره في اللحظات الحاسمة، ليرمز إلى وحدة الوجدان العربي. في المقابل، تظهر شخصيات سلبية مثل «إبراهيم الطنطير» (الجاسوس)، لتمثل الاختراق الاستعماري للمجتمع. ولا يغفل الكاتب عن تقديم شخصية المحتل عبر الضباط والجنود الفرنسيين، الذين جُرّدوا من الإنسانية ليتحولوا إلى آلات للبطش. تتفاعل هذه الشخصيات (الرئيسية والثانوية)، لتؤدي وظيفتها السردية في كشف المأساة، مبينة كيف ينصهر الفردي في الجماعي، وكيف تدفع الشعوب ثمن التحولات السياسية الكبرى.
يشكل الزمان والمكان في «قلعة الدروز» عنصراً فاعلاً ومحركاً للأحداث، وليس مجرد خلفية صامتة. تدور أحداث الرواية في حقبة العشرينيات من القرن العشرين، وهو زمن مهم جداً في تاريخ المشرق العربي، إذ يعقب الثورة العربية الكبرى ويمهد للنكبة الفلسطينية. هذا الزمان مثقل بالحروب، الانتداب، والمطاردات. أما المكان، فيشهد انقساماً حاداً؛ يبدأ من قرى حوران وجبل الدروز، حيث الطبيعة الجبلية التي تحتضن الثوار وتمثل الجذور والهوية، ثم ينتقل قسراً إلى «صحراء الأزرق» في الأردن، حيث القلعة البازلتية، الخيام، الملح، والشمس الحارقة. هذا الانتقال المكاني هو انتقال من الوطن إلى المنفى. إن فضاء الصحراء الواسع والموحش يبرز حالة الضياع والشتات التي تعرض لها المهجرون.
لقد نجح الكاتب في أنسنة المكان، فجعل من قلعة الأزرق شاهدة على تعاقب الإمبراطوريات (من الرومان إلى الفرنسيين والإنجليز)، وجعل من الوديان والطرقات الوعرة شركاء في الألم. إن هذا الفضاء المكاني الممتد من الشام إلى الأطراف الصحراوية يوثق تمزيق الجغرافيا العربية، ويشكل التمهيد البيئي، والنفسي لفهم انسلاخ فلسطين لاحقاً عن محيطها الشامي الممزق.
إنَّ دماء «قلعة الدروز» كانت التمهيد التاريخي الذي أسس للمقاومة والصمود الذي سنراه يبلغ ذروته في الرواية الثالثة (السيّح)، لتبقى القضية الفلسطينية الجرح الذي لا يندمل إلا بوعي تاريخي وأدبي شامل، من خلال إعادة قراءة التاريخ الرسمي، وتعبئة الفراغات التي تركتها كتب التاريخ الجافة بمشاعر إنسانية.
(3)
المواجهة والهوية الفلسطينية في رواية «السيّح»
تكتمل الثلاثية برواية «السِّيح»، وهي الرواية التي تمثل النهاية لتلك الأوزار والآلام التي بدأت في «الوزر المالح» ومرت بـ «قلعة الدروز». إن رواية «السِّيح» المواجهة الكبرى والمباشرة مع الجرح الفلسطيني في لحظة انفجاره الكبرى عام 1948. تبدأ الرواية من عتبة العنوان «السِيّح»، وهو عنوان يحمل في طياته دلالات تتجاوز الجغرافيا؛ فكلمة «سيّح» لغوياً تشير إلى جريان الماء أو المساحات الواسعة المنبسطة، مما يمنح النص بعداً رمزياً يرتبط بالحياة والخصوبة في مواجهة آلة الموت. إن اختيار هذا الاسم تحديداً، وتعريفه بالألف واللام، يحوله من مجرد فضاء مكاني إلى «وعي مكاني» جماعي، حيث يغدو «السيّح» هو الأرض التي تسيل عليها دماء الفداء، والساحة التي تشهد على مأساة الاقتلاع الفلسطيني. في هذا الجزء، لم تعد فلسطين مجرد أخبار تأتي من بعيد أو مرآة تعكس ألم الجوار، بل أصبحت هي المركز الذي تتوحد فيه مصائر الشخصيات القادمة من أوزار الماضي وقلاع الشتات، ليعلن الكاتب أن كل الدروب التي سلكها أبطاله لم تكن إلا تمهيداً لهذه اللحظة الوجودية الفارقة.
تتجلى فلسفة «السيّح» في استكشافها المتأني للهوية الفلسطينية في لحظة تشكلها تحت النيران، حيث يعالج «مجدي دعيبس» الصراع الداخلي بين الأمل واليأس الذي يفرضه واقع الانتداب البريطاني ثم العصابات الصهيونية. تبرز في الرواية تساؤلات حول مفهوم الحرية والتضحية، حيث يجد الإنسان الفلسطيني نفسه مطالباً بالتخلي عن استقراره الشخصي من أجل قضية أسمى. إن الرواية تطرح رؤية حول معنى الوجود في الوطن، وكيف يتحول النضال من فعل سياسي إلى خيار بقاء. ومن خلال توظيف تقنية تعدد الأصوات يمنح الكاتب لكل شخصية زاوية نظر خاصة تساهم في بناء مشهد بانورامي للنكبة؛ فلا نرى الحرب بعيون القادة فحسب، بل بعيون الشباب الحالمين، والنساء الصامدات، والأرض التي تنطق عبر تفاصيلها. هذا التعدد السردي يعكس تعقيد الواقع الفلسطيني، ويمنحنا فرصة لفهم أن سردية فلسطين ليست حكاية واحدة، بل هي ملايين الحكايات المنصهرة في وجع واحد، وهو ما يثري التجربة، ويجعلها شهادة أدبية حية تتجاوز جفاف كتب التاريخ الرسمية.
تمثل شخصية «سند السايس» في الرواية العمود الفقري، فهو يمثل الجيل الشاب الذي ولد من رحم الأوزار والآلام ليبحث عن هويته وسط ركام الاحتلال الغاشم. «سند» ليس مجرد بطل روائي، بل هو تجسيد لرحلة الوعي العربي من التيه إلى المواجهة؛ فهو الذي يحمل إرث «الوزر المالح» وصمود «قلعة الدروز» ليزرعه في أرض «السيّح». وتبرز أهمية الشخصيات النسائية كمعادل موضوعي للأرض، وتحديداً شخصية «تركيّة» التي تمثل الأمل في أبهى صوره رغم تعرضها للاختطاف والمعاناة. إن صمود «تركيّة» وعدم استسلامها لقدرها المفروض، وتحولها إلى رمز للمقاومة والتكيف، يتقاطع مع صورة فلسطين ذاتها؛ الأرض التي تُختطف ولكنها ترفض الانصياع. أما شخصية «مقبول»، الأخ الأكبر، فهو يمثل صمام الأمان والمسؤولية التاريخية، حيث يجسد الروابط الأسرية المتينة التي كانت الحصن الأخير في وجه محاولات الطمس والتزييف الاستعماري. من خلال هذه الشخصيات، ينسج «مجدي دعيبس» شبكة من العلاقات الإنسانية التي تؤكد أن الهوية الفلسطينية ليست مجرد شعارات، بل هي ممارسة يومية للصمود والارتباط العضوي بالتراب.
لا تكتمل سردية المقاومة في «السيّح» دون استحضار الرموز القيادية الملهمة، حيث يدمج الكاتب الواقع بالخيال عبر شخصيتي «أبو درّة» و«يوسف حمدان». هؤلاء يمثلون في الرواية العقل المدبر والروح الوثابة للنضال الفلسطيني، ويقدمون نموذجاً للقيادة الواعية التي تضحي بالنفس في سبيل الهدف القومي الأكبر.
إن وجود هذه الشخصيات التاريخية في النص يمنحه مصداقية وثائقية، ويجعل من «السيّح» سجلاً أدبياً لبطولات منسية أو مهمشة. ويتفاعل الزمان والمكان في الرواية لخدمة هذا التوجه؛ فالزمان هو الحقبة المفصلية التي سبقت وعاصرت نكبة 1948، والمكان يمتد من قرى «دير غزالة» إلى «السيّح» وصخب «حيفا» وصولاً إلى عتمة السجون. لقد نجح الكاتب في أنسنة هذه الأماكن، فالسجن في الرواية ليس مجرد جدران، بل هو رمز للقمع البريطاني الذي مهد للصهيونية، بينما شجرة الزيتون المتجذرة في القرى الفلسطينية تظل الرمز الأقوى للثبات والارتباط الأزلي بالأرض، وهي التي تربط وجدانياً بين بازلت الجبل في الجزء الثاني، وزيتون الأرض في هذا الجزء.
على الصعيد الفني، اعتمد «مجدي دعيبس» لغة تتسم بالشاعرية والرقة في لحظات الحنين، وبالواقعية الخشنة في مشاهد المواجهة والسجون، مما خلق توازناً درامياً يأسرنا. إن استخدام الاستعارات والرموز، التي تعكس حالات الحزن والأمل، ساهم في تعميق الدلالات النفسية للنص. كما أن التنقل السلس بين الأماكن يعكس حركة النضال الفلسطيني وتوزعه الجغرافي، موضحاً كيف تلاشت الحدود الجغرافية أمام وحدة الوجع العربي.
«السيّح» رواية عن الهوية التي ترفض المحو، وعن المقاومة التي تولد من رحم الفقد، لتعلن أن دماء «الوزر المالح» وصمود «قلعة الدروز» قد أثمرت في «السيّح» وعياً قومياً لا يقبل التجزئة، لتبقى هذه الثلاثية واحدة من أهم الشهادات الروائية المعاصرة التي أعادت صياغة التاريخ العربي من منظور إنساني ومقاوم.
الخاتمة:
لا تنتهي ثلاثية «مجدي دعيبس» عند آخر سطر في «السيّح»، بل تلقي علينا سؤال لا يزال معلقاً: كيف يمكن لأمة أن تستعيد ذاكرتها حين يكون المحتل قد أتقن محوها؟ هذا السؤال هو الروح الخفية التي تسري في عروق الثلاثية من أولها إلى آخرها، وهو ما يرفعها من مستوى الرواية التاريخية إلى مستوى الوثيقة الإنسانية.
ما يميز هذا المشروع الروائي حقاً ليس توثيقه للأحداث، بل قدرته على كشف بنية الهزيمة؛ إذ أثبت أن ضياع فلسطين لم يكن حدثاً مفاجئاً عام 1948، بل كان نتيجة تراكمت جذورها منذ لحظة الخديعة الأولى في «الوزر المالح»، ومرت بمحطة التمزيق في «قلعة الدروز»، لتنفجر في «السيّح» كجرح لم يعالج في وقته. هذه الرؤية التسلسلية للكارثة هي ما يجعل الثلاثية تتجاوز كثيراً من الأعمال التي تناولت فلسطين، فهي لا تبكي النكبة بل تشرّح أسبابها.
غير أن أبرز ما تقدمه هذه الثلاثية للقارئ والباحث على حد سواء هو نقدها الصريح للذات العربية؛ فـ «مجدي دعيبس» لا يكتفي بإدانة المستعمر، بل يضع المرآة أمام النخب السياسية العربية التي أساءت قراءة الواقع، وأمام المجتمعات التي انشغلت بصراعاتها الداخلية في اللحظة التي كانت فيها فلسطين تُختطف. هذه الجرأة هي ما يميزه عن أقرانه ممن كتبوا في القضية ذاتها.
وإذا كان «غسان كنفاني» قد سكن الجرح من الداخل، و «إميل حبيبي» قد واجهه بالسخرية السوداء، فإن «مجدي دعيبس» اختار الرؤية الشمولية التي تربط المصير الفلسطيني بمحيطه الشامي الأوسع، ليثبت أن فلسطين ليست جرح شعب وحده، بل هي الجرح المشترك الذي أصاب المشرق كله حين قبل أن يتفتت.
تبقى هذه الثلاثية في نهاية المطاف رهاناً أدبياً على أنّ الذاكرة أقوى من النسيان، وأنّ السرد حين يكون أميناً للحقيقة الإنسانية، يصبح شكلاً من أشكال المقاومة، لا يقلُّ خطورةً عن أيّ شكلٍ آخر.

المراجع:
المصادر (الروايات):
1- «الوزر المالح» - مجدي دعيبس- المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2018.
2- «قلعة الدروز» - مجدي دعيبس- المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2022.
3- «السيّح» - مجدي دعيبس - المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2025.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى